الخبير رفيق سلامة يكتب ويطرح السؤال : هل تكون أزمة تصحيح الأجور حافزاً لإصلاح تشريعات العمل؟

 كتب الخبير رفيق سلامة مقالة في جريدة السفير يوم الاربعاء في 4/1/2012  تحت عنوان : هل تكون أزمة تصحيح الأجورحافزاً لإصلاح تشريعات العمل؟ وفي ما يلي نص المقالة :

في ضوء القرارات الثلاثة المتعثرة التي اتخذها مجلس الوزراء لمعالجة مسألة تصحيح الأجور، فإنه من المفيد إبداء الملاحظات التالية:

 - تدخل الدولة في تحديد الأجر:

إنّ مبدأ حرية التعاقد جعل التدخل في تحديد الأجر، الذي يشكل عنصراً من عناصر عقد العمل، أمراً محصوراً بالسلطة التشريعية التي لها وحدها ومن حيث المبدأ سلطة الحدّ من ممارسة الحريات التي ينص عليها القانون.

لقد تدخل المشترع في تحديد الحد الأدنى للأجر لأول مرة بالمرسوم الاشتراعي رقم 125 تاريخ 15/12/1941، ثم بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 204 تاريخ 27/8/1942 ثم بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 29 تاريخ 12/5/1943 الذي تضمن القواعد الأساسية لتحديد غلاءات المعيشة وشروط تطبيقها على الأجور وتحديد الحد الأدنى للأجور.

 

فالمشترع أعطى بموجب هذه المراسيم الاشتراعية "تعويض غلاء معيشة"، وفقاً لجدول محدد، تضاف إلى الأجور النافذة. واشترط أن لا تقل الأجور الشهرية بعد تطبيق زيادة غلاء المعيشة عن حد أدنى معين.

 

وتوالت القوانين المتعلقة بتعديل الحد الأدنى للأجر المنصوص عليه في المادة 4 من المرسوم الاشتراعي 29/1943، إلى أن صدر القانون رقم 36/67 تاريخ 16/5/1967 الذي شكل نقطة تحوّل في مقاربة موضوع غلاء المعيشة. وأهم ما أتى به هذا القانون:

أولاً:فوّض الحكومة صلاحية تحديد الحد الأدنى الرسمي للأجور عند الاقتضاء وتحديد نسبة غلاء المعيشة وكيفية تطبيقها.

 

ثانياً:وضع آلية لتحديد نسبة غلاء المعيشة تكون مبنية على الدراسات وعلى جداول زيادة أسعار كلفة المعيشة وذلك عبر الاستعانة بلجنة مؤشر الغلاء التي تشكلت وحددت مهامها بموجب المرسوم رقم 406 تاريخ 8/8/1981.

 

يتبين من النصوص القانونية المبينة أعلاه:

  1. أن المشترع فوض الحكومة صلاحية تحديد الحد الأدنى للأجور وتحديد نسبة غلاء المعيشة وكيفية تطبيقها بهدف استيعاب تضخم الأسعار والمحافظة على القوة الشرائية للأجور وبالتالي ضمان الاستقرار المعيشي لدى الأجراء.
  2. أن التفويض لم يتناول مسألة إعطاء زيادات حقيقية على الأجور أو خلق أجور جديدة أو أية تعويضات أخرى بل عمد إلى تمكين الحكومة من إجراء تصحيح للأجور في حدود تضخم الأسعار.

 

لذلـــك،

تكون المراسيم التي تتخذ في مجلس الوزراء وتنشئ أجوراً جديدة أو تعويضات جديدة وتحملّها لأصحاب العمل، مخلة بتوازن عقود العمل، ومخالفة للقانون لخروجها عن نطاق الصلاحية المفوّضة لها من قبل مجلس النواب وبالتالي تكون عرضة للإبطال لتجاوز حد السلطة.

 

لذلك وبعد أن رفض مجلس شورى الدولة الموافقة على مشروعين لمراسيم أعدتهما الحكومة ويرميان إلى تحديد الحد الأدنى الرسمي للأجور وتحديد نسبة غلاء المعيشة بسبب اشتمالهما على تعويض بدل نقل ومنحة تعليم. وبناء على ذلك، فقد جرى إعداد اقتراحين بديلين: أحدهما أعد بالتوافق بين ممثلي الهيئات الاقتصادية وممثلي الهيئات العمالية، والاقتراح الآخر أعده وزير العمل. إلاّ أن كلا الاقتراحين لا يزالان معيوبين بالعيب الذي أشار إليه مجلس شورى الدولة وإن كان كل فريق يحاول إيجاد مخرج من هذا المأزق على طريقته. فممثلو الهيئات الاقتصادية والنقابية طلبوا فصل مرسوم زيادة الأجور عن مرسومي بدل النقل ومنحة التعليم وبالتالي إصدار التعويضين الأخيرين بمرسوم على حدة. أما الوزير نحاس وبغض النظر عن النتائج الكارثية التي يتسبب بها اقتراحه على الصعد المالية والاقتصادية والمالية العامة وعلى معدلات التضخم وتقلص فرص العمل وعلى المعدلات المرتقبة المنخفضة للنمو الاقتصادي، فإنّ اقتراحه قد شرّع بدل النقل حيث أنه يقترح دمجه في صلب الأجر ليصبح جزءًا منه ومن جهة ثانية أحال المنحة التعليمية إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. مع العلم أن الإقرار بتعويض النقل القائم حالياً والمنشأ أصلاً خلافاً للقانون، ومن ثم إدخاله في صلب الأجر يؤكد على الصفة اللاشرعية لمشروع المرسوم.

 

II- تحليل التداعيات المالية المقارنة التي يتسبب بها كلا المشروعين

إذا أجرينا مقارنة بين الكلفة المالية المشروعين يتبين لنا ما يلي:

 

  •  بالنسبة للحد الأدنى:

إن الحد الأدنى في مشروع الهيئات الاقتصادية هو بعد إضافة بدل النقل إليه البالغ وسطياً حوالي 160.000 ليرة هو في حقيقة الأمر قريب من الحد الأدنى الملحوظ في مشروع الوزير نحاس المتضمن بدل النقل وان كانت ما تزال هناك فوارق كبيرة أخرى فيما بين المشروعين.

 

 

مشروع الهيئات

مشروع وزير العمل

675.000 ل.ل. (+ بدل النقل 160.000 ل.ل.)

868.000 ل.ل. (ومن ضمنه بدل النقل)

835.000 ل.ل. (الفرق 33.000 ل.ل.)

 

 

 

 

 

  •  لجهة الزيادة على الأجر:

 

مبلغ الأجر

الزيادة في مشروع الهيئات

الزيادة في مشروع وزير العمل

1.000.000

200.000 ليرة

180.000 ليرة

2.000.000

250.000 ليرة

330.000 ليرة

 

 

إنّ مما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد أنّ حوالي 50% من الأجراء تقع أجورهم بين 500.000 ليرة و1.000.000 ليرة ويستفيدون بالتالي من النسبة المرتفعة في مشروع الهيئات البالغة للشطر الأول 35% أي بما لا يقل عن 200.000 ليرة. وبالتالي فإن اقتراح الهيئات الاقتصادية والنقابات العمالية يشكل توزيعاً أكثر عدلاً بكون الزيادة المقترحة فيه تتركز على الأجور المنخفضة. بينما وفي مشروع الوزير نحاس فإن شطور الأجور المرتفعة تلحقها زيادات أكثر وينتج عن ذلك كلفة إضافية تقع على أرباب العمل.

 

  •  مشكلة بدل النقل في مشروع وزير العمل والعبء الإضافي الهائل الذي يفرضه اقتراحه على أصحاب العمل:
  • الفرق في بدل النقل:

إن المشروعين يتضمنان بدل النقل ولكن مشروع الهيئات حدد النقل بذات المبلغ المقرر سابقاً أي 8.000 ليرة عن كل يوم حضور فعلي بحيث يبلغ متوسط هذا التعويض 160 ألف ليرة شهرياً (20 يوم عمل فعلي شهرياً في المعدل) بينما يبلغ بدل النقل نظرياً في مشروع الوزير نحاس /236.000/ ليرة.

(8000 × 25 يوم عمل) = 200.000 × 1.18 = 236.000

يكون الفريق كالتالي:

  • بدل النقل في مشروع الهيئات: 106$ × 12 شهر × 360.000 عدد العمال المنضمين إلى الضمان الاجتماعي = 460 مليون دولار
  • بينما بدل النقل في مشروع وزير العمل: 157$ × 12 شهر × 360.000 = 678.000 مليون دولار يضاف إليه زيادة غلاء المعيشة بمعدل 18% فيصبح المجموع = 800 مليون دولار
  • ويكون الفرق بالتالي في الكلفة بين المشروعين: 800 – 460 = 340 مليون دولار

 

  • في المتوجبات المترتبة على بدل النقل للضمان الاجتماعي:

تبلغ القيمة الإجمالية لبدل النقل: 800 مليون دولار المضمومة إلى صلب الراتب.

وتبلغ الاشتراكات الإضافية المترتبة على أرباب العمل للضمان الاجتماعي 172 مليون دولار.

كما تترتب بنتيجة لذلك مبالغ تسوية لفرع تعويض نهاية الخدمة من جراء احتساب بدل النقل في هذا التعويض وقدره 183 دولار الذي ينسحب على مجمل سني خدمة المتقاعدين وتقدر مبالغ التسوية لسنة 2012 كما يلي:

183$ [بدل النقل الشهري]× 20 [متوسط سنوات الخدمة] × 13000 [عدد الذين يتقاعدون سنوياً على مدى خمس سنوات] = 47 مليون دولار سنوياً وذلك على أساس معدل الكلفة النقدية السنوية التي يتوجب على أرباب العمل دفعها بغض النظر عن اضطرار أرباب العمل للحظ مؤونات احتياطية في موازناتهم ابتداء من العام 2012.

 

  • ويكون عبء بدل النقل على أصحاب العمل في المشروع الثاني:

340 مليون دولار الفرق بين تعويض النقل في المشروعين

172 مليون دولار قيمة الاشتراكات المتوجبة لفروع الضمان الاجتماعي

47 مليون دولار مبلغ التسوية للسنة الأولى فقط

559 مليون دولار الكلفة الإضافية السنوية

 

إنّ ما تجدر الإشارة إليه أنّ أصحاب العمل سوف يتحملون إذاً أعباء إضافة تصل إلى أكثر من 560 مليون دولار سنوياً كما هو مبين أعلاه، يضاف إلى ذلك الإرباك المالي الكبير الإضافي الذي سيواجهه الكثير من أصحاب العمل بسبب اضطرارهم، محاسبياً وقانونياً إلى تكوين مؤونات احتياطية في ميزانيات مؤسساتهم لمبالغ التسوية المرتقبة عن احتساب بدل النقل في تعويض نهاية الخدمة وبمفعول رجعي بحسب عدد سنوات خدمة المضمونين. وهذه المؤونة ستبلغ أرقاماً كبيرة وخيالية تؤثر سلباً على المركز المالي للمؤسسات وتضطرهم إلى تحقيق خسارات كبيرة في مؤسساتهم مما سيدفعهم إلى زيادة أسعار منتجاتهم وسلعهم وخدماتهم وفي ذلك الكلفة الكبرى على الاقتصاد وعلى مستويات الأسعار وعلى معدلات التضخم وعلى معدلات النمو وعلى فرص الأعمال المتاحة قديمها وجديدها.

 

هذا على صعيد الأكلاف والتداعيات التي يمكن أن تترتب على مؤسسات القطاع الخاص بنتيجة إقرار المشروع المقدم من وزير العمل، أما على صعيد التأثيرات والتداعيات والأعباء التي ستترتب على موازنة الدولة وماليتها العامة فهي كثيرة وخطيرة وفي ذلك لنا حديث آخر.

 

الخلاصة:

  • إن إدخال بدل النقل في أساس الراتب وإخضاعه للاشتراكات واحتسابه في تعويض نهاية الخدمة هو المشكلة الحقيقية في مشروع المرسوم الأخير ومن شأنه إحداث خضة كبيرة في الاقتصاد الوطني وترتيب كلفة مرتفعة على أصحاب العمل لا تتناسب مع المنفعة التي يجنيها الأجراء من ذلك.
  • إن مشروع الهيئات الاقتصادية والنقابية هو مشروع مقبول خاصة انه يلبي مطالب الأجراء من جهة ولا يحمّل المؤسسات أعباء باهظة يعرّضها لتقليص العمالة ويضعف قدرتها التنافسية.
  • إنّ مبادرة التفاهم التي جرت بين الهيئات المذكورة تشكل خطوة صحيحة على مسار العمل على تعزيز المفاوضات والحوار الاجتماعي واعتماده وسيلة لتنظيم علاقات العمل بين فرقاء الإنتاج.
  • يقتضي تشجيع إنشاء عقود عمل جماعية على مختلف المستويات للحد من تدخل السلطات السياسية في شؤون تنظيم العمل وذلك بغية مواكبة التوجهات الحديثة في ميدان العمل حيث أصبحت العقود الجماعية هي قوانين العمل في بعض الدول.

إن الحل الذي نقترحه لمشكلة مرسوم غلاء المعيشة وما يتضمنه من تعويضات هو أن يكون هذا المرسوم بمثابة تصديق على الاتفاق الجماعي L'accord Collectifالذي عقد بين الجهات الاجتماعية الأكثر تمثيلاً لأصحاب العمل وللأجراء وهو ما يمنحه صفة الشرعية والشمولية والإلزامية وتكون الدولة فقط

التاريخ: 
ثلاثاء, 2012-01-03 02