تنقية واصلاح الوضع المصرفي

-A A +A
Print Friendly and PDF

سأقسم مداخلتي المخصصة لبحث موضوع تنقية واصلاح الوضع المصرفي اللبناني الى ثلاثة اقسام. القسم الاول يتعلق بتاريخ الاصلاح المصرفي في لبنان والظروف التي حتمت تشريع هذه الاصلاحات المتعاقبة. القسم الثاني يتعلق بوضع الجهاز المصرفي اللبناني حاليا في ضوء التحديات التي تواجه العمل المصرفي في مرحلة التسعينات. اما القسم الثالث فيتعلق بالاصلاح المصرفي المنشود وكيفية التوصل الى تحقيقه بغية مواجهة هذه التحديات.

 

اولاً:    في محاولات الاصلاح المصرفي:

 

ايها السيدات والسادة،

       مما لا شك فيه ان القطاع المصرفي اللبناني كان ولا يزال القطاع الاقتصادي الرائد في لبنان. فالظروف السياسية والاجتماعية التي سادت لبنان والمنطقة خلال مرحلة الستينات فضلاً عن المؤهلات التي تمتع بها لبنان خلال تلك الفترة من اوضاع وانظمة سياسية واقتصادية ملائمة، وكذلك توافر العناصر البشرية المؤهلة، شكلت عناصر مؤاتية سمحت للجهاز المصرفي اللبناني بتحقيق وثبة كبيرة مكنته من ان يساهم في تأمين حركة نمو واسعة في الاقتصاد اللبناني. تحققت تلك الوثبة على الرغم من عدم وجود التشريعات القانونية اللازمة والمؤسسات المتخصصة التي تضمن استمرار نمو ذلك القطاع بشكل متوازن ومستقر.

       هذا مع العلم بأنه لم يكن قد مضى على تأسيس مصرف لبنان اكثر من عامين عند نشوب ازمة بنك انترا. لقد ادت تلك الازمة الى توجيه لطمة موجعة للاقتصاد اللبناني والجهاز المصرفي الذي كان قد بلغ فيه عدد المصارف العاملة في لبنان عشية شهر تشرين الاول من عام 1966 الى ما يزيد عن مائة مصرف. ولقد كان من نتيجة ذلك ان عمدت الحكومة اللبنانية الى اتخاذ التدابير القانونية المستندة اساسا الى تجربة ازمة انترا والتي كان من نتيجتها انشاء مؤسسات جديدة ولا سيما لجنة الرقابة على المصارف والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع وكذلك الهيئة المصرفية العليا التي اريد لها ان تكون بمثابة محكمة مصرفية متخصصة.

       لقد هدفت تلك الاجراءات الى تنقية الجهاز المصرفي اللبناني من خلال تصفية ذاتية لعدد من المصارف ووضع اليد على البعض الآخر. كما وضعت عديداً من المعايير المصرفية التي الزمت المصارف بالتقيد بها. عقب ذلك ساهمت تلك الاجراءات مع توفر الظروف الساسية والاقتصادية الملائمة داخلياً واقليمياً الى عودة الثقة  بالقطاع المصرفي اللبناني محلياً وخارجياً بحيث بات ذلك القطاع عشية بدء الاحداث في لبنان يطمح الى ان يلعب دوراً مالياً هاماً ليس فقط داخل حدود لبنان الاقليمية بل وان يحاول ان يلعب دوراً متقدماً في العلاقة المالية لمنطقة الشرق الاوسط مع العالم.

       الا ان الاحداث التي اندلعت مطلع عام 1975، فاجأت لبنان واللبنانيين باستمرارها وضراوتها والتردي التدريجي والمستمر في النشاط الاقتصادي في لبنان ادت الى توجيه لطمة جديدة الى القطاع المصرفي تمثلت بانكفاء نشاطه واقتصاره على خدمة الاقتصاد اللبناني منفرداً وحيث عانى الاقتصاد الوطني بدوره تراجعاً حاداً في حركة نموه. فضلاً عن ذلك فقد ادت تلك الاحداث ايضاً الى انكفاء الرساميل العربية عن القطاع المصرفي اللبناني والى هجرة عدد متزايد من المؤسسات المالية وغير المالية الاجنبية التي اتخذت من لبنان مقراً اقليمياً لها، كما وادت الى هجرة عديد من المصرفيين ذوي الخبرة الامر الذي نتج عنه تدن مستمر في قدرة الجهاز المصرفي على تقديم خدماته المالية في محيطه العربي.

       هذه العوامل السلبية لم تمنع ظهور بوارق امل تمثلت في قيام عدد من المصارف اللبنانية بمبادرة شجاعة للحاق بعملائهم خارج لبنان محاولة الاستفادة من الطفرة الاقتصادية التي سادت المنطقة مع الارتفاع الكبير في سعر النفط مع نهاية عام 1973 والتي ادت الى فوائض مالية كبيرة انساب جزء منها الى المؤسسات المصرفية اللبنانية العاملة خارج لبنان.

       لقد كان لهذه الاندفاعة الشجاعة التي قام بها عدد من المصرفيين اللبنانيين في انشاء مصارف متفرعة او شقيقة لمصارفهم خارج لبنان بعض الاثر في وقف التردي الحاصل في الاوضاع المصرفية في لبنان والابقاء على نافذة مفتوحة للجهاز المصرفي اللبناني يتنفس من خلالها خارج لبنان في ظل استمرار الحال الامنية المتردية خلال فترة حرب السنتين والحروب المتتالية عقب ذلك.

       كان هذا حال الجهاز المصرفي اللبناني مع نهاية عام 1976. هذه الحال الصعبة اوجبت على الدولة ان تتدخل لتوفر دعماً جديداً للقطاع المصرفي يمكنه من مواجهة تحديات نتائج حرب السنتين التي نالت من موجودات الجهاز المصرفي ومن عناصره البشرية حيث اضطر العديد منهم الى الهجرة للعمل اما في مؤسسات مصرفية لبنانية عاملة في الخارج او في مؤسسات مصرفية عربية او اجنبية انشئت خصيصاً لخدمة عملائها في العالم العربي. لذلك فقد سارعت الدولة اللبنانية مطلع عام 1977، وبوعي منها لضرورة ايجاد معالجة جادة لدعم الجهاز المصرفي اللبناني وتعزيز الثقة فيه، الى اتخاذ تدابير عديدة منها اصدار المرسوم الاشتراعي رقم 10/ 77، وكذلك انشاء المنطقة المصرفية الحرة داخل المصارف والسماح بتأسيس مصارف جديدة تعزيزاً للمنافسة وتحفيزاً لاستقطاب مزيد من الاستثمارات اللبنانية والعربية في القطاع المصرفي لاسيما بعد ان رفع الحظر المفروض على تأسيس مصارف جديدة منذ العام 1967 وحتى منتصف عام 1977.

       بالاضافة الى ذلك فقد سعت الدولة الى تأكيد سلطة مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف على الرغم من ان الظروف المحلية والاقليمية التي سادت لبنان انذاك بدأت تنذر بمزيد من ضعف وغياب السلطة المركزية. على الرغم من تلك المؤشرات السلبية فقد ظل الوضع السياسي والامني متماسكاً الى حد ما، ولا سيما بفضل استمرار تمتع مالية الدولة اللبنانية بعافية معقولة واستمرار تحقق فوائض متواضعة في ميزان المدفوعات اللبناني بحيث تمكن الجهاز المصرفي اللبناني من تخطي مرحلة المراوحة الاقتصادية التي سادت لبنان حتى مطلع عام 1982 بقسط متواضع من النجاح.

       الا انه مما ينبغي لفت الانتباه اليه ان تلك المرحلة تميزت بنمو متواضع في الجهاز المصرفي وبفقدان تدريجي لديناميته وتطلعاته الخارجية فضلاً عن تعرضه لمزيد من هجرة العناصر البشرية المتوثبة والطموحة وعلى الاخص في ظل غياب جهد متميز من قبله لاعداد عناصر بشرية شابة باستثناء ما قام به مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف من عمليات تدريب لبعض العناصر في الجهاز المصرفي آنذاك.

       كان هذا حال الجهاز المصرفي اللبناني عشية الاجتياج الاسرائيلي. الذي كان بنتيجته ان زادت الامور المصرفية والاقتصادية تعقيداً وحيث اجتث الاجتياح جزءا كبيرا مما تبقى للجهاز المصرفي اللبناني من قدرة على مجابهة الاوضاع الصعبة والمتردية. وعلى الرغم من فترة الهدوء القصيرة التي سادت لبنان خلال مطلع عام 1983 والتي كان اثرها محدوداً فقد بدأت تظهر في الافق مجددا معالم تشير الى مزيد من التفلت من سلطة الدولة المركزية وبالتالي من سلطة مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف. ولقد ترافق مع ذلك امران اساسيان:

أ)  التردي المتزايد في مالية الدولة ولاسيما العجز المتزايد في موازنتها وكذلك في ميزان المدفوعات مما اثر سلبا على سعر صرف الليرة اللبنانية مع ما تأتى عن ذلك من اشكالات مالية متزايدة على كافة الوحدات المصرفية العاملة في لبنان.

 ب)التردي المتمادي في المستويات الادارية لدى العديد من المصارف ودخول مجموعات من المغامرين على الجهاز المصرفي الذين سعت سلطات الرقابة لاحتواء ضررهم دون جدوى.

       هذه العوامل مجتمعة كان لا بد من ان تؤدي الى ازمة ثقة جديدة في الجهاز المصرفي اللبناني ولا سيما بنتيجة تعثر عدد من المصارف ووصول بعض منها الى حالة الاعسار. ومما زاد الامر سوءا عدم توفر المعالجة السريعة والفعالة من قبل السلطتين النقدية والسياسية لاحتواء المشكلة ومنعها من الانتشار. فضلاً عن ذلك فان الظروف التي سادت والقيادات التي تولت مقاليد الامور السياسية والنقدية انذاك جعلت امر تحقيق عملية الاحتواء هذه امرا مستحيلا. بل انه يمكن القول بأن جزءا من الاجراءات التي اتخذت لمعالجة الامر ادت بطريقة او اخرى الى تشجيع بعض المصرفيين والمصارف على القيام بعمليات غير مأمونة كونها لا تنسجم مع طبيعة العمل المصرفي ولا مع المعايير المصرفية الرصينة الواجب اعتمادها.

 

ثانياً:  في وضع الجهاز المصرفي اللبناني والتحديات التي تواجهه:

 

ايها السيدات والسادة،

       تعلمون ولا شك بأن المتغيرات الجارية في المؤسسات المصرفية في العالم، بنتيجة التحول التدريجي الى شمولية العمل المصرفي فيه، (Globalization) وتداعي الحواجز المالية بين الدول وكذلك الحواجز بين اختصاصات المؤسسات المالية المختلفة، وبروز الاهمية المتزايدة للتقنيات الجديدة المصرفية والمعلوماتية والتي اصبح على المصارف اعتمادها، فضلاً عن المعايير الدنيا للملاءة والسيولة التي اضحت تفرضها كافة مؤسسات الرقابة على المصارف في العالم، فانه اصبح لزاما على المؤسسات المصرفية في لبنان ان تعمد الى اتخاذ كافة التدابير الايلة الى تمكينها من مواجهة هذه المتغيرات في طبيعة الاعمال المصرفية والتحضير للقيام بالاستثمارات الجديدة التي تمكنها من اداء عملها بكفاءة متزايدة وكذلك الالتزام بالمعايير الدنيا التي سوف تضطر الى فرضها لجنة الرقابة على المصارف بما خص نسب الملاءة ومستويات السيولة.

       ان هذه المتغيرات تتطلب من المصارف اللبنانية استقطاع استثمارات جديدة لمضاعفة اموالها الخاصة مرات عديدة بحيث تتمكن من تحسين تجهيزاتها وخدماتها لرفع مستوى الاداء فيها. في سياق هذا الاسلوب فقط يمكن للوحدات المصرفية اللبنانية المختلفة والجهاز المصرفي اللبناني ككل ان يواكب التطورات الجارية في العالم ومن ثم يمكنه التحول من قطاع مصرفي محلي الى قطاع مصرفي طامح لان يقوم بدور هام في محيطه الاقليمي ومن ثم الدولي.

       ان الجهاز المصرفي اللبناني يمر حالياً في مرحلة دقيقة من تاريخ تطوره. فمع اعتقادي الجازم بانه لا يزال يتمتع بالقدرة على النهوض مجدداً والقيام بدور رائد في الاقتصاد اللبناني والمساهمة ايضاً بدور فعال في عملية الاعمار، الا انني اعتقد ايضاً ان تحقيق هذا الامر يتطلب الكثير من الجهد والكثير من الشجاعة، والاقدام، والشرعة في اتخاذ القرار.

       لا بد لي هنا من ان ابين بوضوح بان لبنان اليوم لم يعد لبنان الامس فقد طرأت مستجدات عديدة على لبنان وعلى الاقتصاد اللبناني توجب علينا ان نحدد من جديد ما بقي لنا وما استجد من ميزات تفاضلية (Comparative Advantage) بهدف استعمالها افضل استعمال لما يعود بالنتائج الفضلى على الاقتصاد الوطني وعلى القطاع المصرفي وعلى مجموع اللبنانيين، لجهة تعزيز قدراتهم ومداخيلهم، التي تدنت خلال السنوات الماضية الى حد دفع بشريحة هائلة من اللبنانيين الى حدود الفقر والعوز. ان المشكلة التي نجد انفسنا فيها اليوم عقب انجلاء دخان معارك الستة عشرة عاما الماضية ليست كسابقاتها من المشاكل التي مر بها لبنان في الماضي، ولكن معالجتها ليست بالمستحيلة اذا ما توفر لنا الدعم الخارجي اللازم، وكذلك اذا ما توفرت لدينا العزيمة والاصرار على معالجة تلك المشاكل على كافة الممستويات العامة والخاصة بروح المسؤولية واذا ما توفرت ايضاً الارادة والتصميم لدى المواطنين، بكافة شرائحه، على ضرورة زيادة الانتاج وجعله قيمة مجتمعية تضعه في رأس الاولويات.

       ان صورة القطاع المصرفي اللبناني حالياً تظهر بان هناك عددا كبيرا من المصارف العاملة في لبنان لا تتناسب الامكانات المادية والتقنية المتاحة لبعض منها مع الحدود الدنيا المطلوبة مما يجعلها غير قادرة على مواجهة التحديات المستقبلية القادمة ولا على مواجهة كلفة التقنيات العالية الواجب توفرها في اي مؤسسة مصرفية. فضلاً عن ذلك فان بعضاً من هذه المؤسسات المصرفية يعاني من مشكلات اساسية تتعلق بملاءتها وسيولتها تجعلها غير قادرة قطعاً على الاستمرار في العمل وبالتالي يتوجب تصفيتها وامتصاصها بشكل نهائي.

       فضلاً عن ذلك، فان نظرة سريعة الى العاملين في الجهاز المصرفي في لبنان وفي محاولة لاستعراض الفرص التي اتيحت لهم للاطلاع على التقنيات الجديدة واساليب العمل المصرفي الحديث تبين لنا ان عددا كبيرا منهم يحتاج الى اعادة تأهيل حتى يستطيع رفع مستويات ادائه لتلبية الحاجات الجديدة التي يتطلبها عملاء تلك المصارف.

       ومما تجدر الاشارة اليه ايضا انه، وبسبب الهجرة المتزايدة للكفاءات المصرفية الشابة من لبنان، والتي لم يجر تعويضها عن طريق تدريب طاقات ادارية بديلة خلال السنوات الماضية، فقد ادى ذلك الى طلب شديد على ما هو متوافر حالياً من كفاءات تمكنها خلفيتها العلمية والمهنية من تحمل مسؤوليات قيادية في المصارف التي تعمل فيها. ذلك الامر ادى الى اناطة المسؤوليات الاساسية في العديد من المصارف بمن ليسوا اهلا لها بحيث اوصل بعضهم المصارف التي يعملون فيها الى حالة التعثر او الاعسار. انه لمن الجدير بالذكر بان عدد الكفاءات البشرية المتوافرة في لبنان والتي يمكنها تأهيلها العلمي والعملي من تسلم مسؤوليات قيادية في المصارف لهو غير كاف حالياً لتلبية حاجات عدد المصارف العاملة في لبنان الامر الذي يؤدي الى اختناقات في موضوع في غاية الاهمية والحساسية وبالتالي الى ترد في الفعالية الانتاجية للجهاز المصرفي ككل.

       اما على صعيد الرقابة فان هناك ما يبشر بعودة اللجنة الى تحمل مسؤولياتها بجد ورصانة. الا اننا نشعر بانها لازالت بحاجة الى تعزيز كفاءات العاملين فيها وزيادة عددهم. فضلاً عن ذلك فان التشريعات المصرفية القائمة حالياً اصبحت بحاجة الى تعديل يأخذ بعين الاعتبار الظروف والمعطيات الجديدة في العمل المصرفي في ضوء التجارب التي مرت بنا في لبنان او التي خبرتها بلدان اخرى مماثلة لنا. ان لبنان، مثله مثل كل دول العالم التي تحاول ادخال تعديلات على نظمها وقوانينها وتشريعاتها، عليه ان يراعي الظروف المتغيرة في العالم والتحضير لتدابير تستدرك فيها التحديات المرتقبة بنتيجة سياسة الانفتاح التي تتبعها اغلب دول العالم اليوم.

       ان لبنان بحاجة الى ان يعمل على تأكيد استمرار تمسكه:

1-بالنظام الاقتصادي الحر.

2-بتوفير المناخات الملائمة لعمل الجهاز المصرفي اللبناني لكي يقوم هذا الجهاز بدوره المعهود كرائد وكدافع ومحفز لعملية التنمية الشاملة.

3-بتعزيز صمود الوحدات المصرفية المختلفة بحيث تتمكن من مواجهة التحديات الكبيرة داخلياً وخارجياً عن طريق خلق الدوافع الحقيقية لعملية الدمج.

4-بتعزيز المنافسة بين المصارف لرفع مستويات الاداء لديها بشكل دائم.

5-بتعزيز الرقابة المصرفية، بوضع الضوابط اللازمة دون تقييد دينامية وحركية الجهاز المصرفي، وذلك للتأكيد على سلامة الوضع المصرفي بكافة وحداته لجهة تعزيز الملاءة والسيولة في المصارف وتحسين مستويات الاداء لدى الادارات المصرفية.

 

ثالثاً:الاصلاح المصرفي المنشود:

 

ايها السيدات والسادة،

       ان الاصلاح المنشود للجهاز المصرفي اللبناني يمكن ان يرتكز على اربعة مرتكزات اساسية وهي:

 1) اقفال ملف المصارف المتعثرة والمعسرة:

       ان استمرار وجود او الحديث عن وجود مصارف معسرة او متعثرة يجعل من قيامة الجهاز المصرفي واعادة الثقة به امرا متعذرا. لذلك فانه ينبغي على الدولة باجهزتها التشريعية والتنفيذية والجهاز المصرفي، بما في ذلك مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف واصحاب الحقوق في تلك المصارف مجتمعين ان يبذلوا كل جهد متناغم وممكن للوصول الى نهاية سريعة لهذه المشكلة وذلك باعتماد سياسة من التكافل الاقتصادي بين هذه الاطراف لتمكين الجهاز المصرفي من امتصاص المصارف المعسرة والمتعثرة بطريقة شجاعة ومسؤولة ومصممة.

       لا بد لي من الاشارة في هذا المجال الى ان القطاع المصرفي في لبنان وفي ضوء التجربة الماضية والواقع المصرفي الذي نحن فيه الان ليس بحاجة الى تأسيس مؤسسات جديدة تؤدي الى ايجاد وظائف عامة جديدة همها الاول ادخال تعقيدات اضافية ولا يكون شاغلها تحقيق الضوابط بل خنق دينامية وحركية الجهاز المصرفي. فالمشكلة ليست في عدم وجود المؤسسات القادرة على وضع الضوابط كما كانت هي الحال في العام 1966 ولكن المشكلة تكمن في اننا قصرنا ولا نزال في اعطاء المؤسسات القائمة الامكانات القانونية والعملية الفعالة لاداء الدور المناط بها بالسرعة والفعالية اللازمتين ولاسيما في هذه المرحلة الجديدة الحبلى بالتحديات الكبيرة. ليس هذا فقط بل ينبغي علينا ان نؤكد هنا ان الانطلاقة المرجوة للقطاع المصرفي والاقتاصد اللبناني ككل تفترض، ولاسيما بالنسبة للقطاع العام ان يقوم باختيار العناصر البشرية المؤهلة علما وتجربة وخلقا لتسلم مهام المواقع المسؤولة فيه.

       هنا لا بد لي من ان اؤكد على مدى اهمية السرية المصرفية في لبنان وعلى الدور الذي لعبه قانون السرية في الماضي في المساهمة في نجاح القطاع المصرفي اللبناني وتحوله الى قطاع مصرفي يتجاوز حدود لبنان. كما لا بد لي ان اؤكد على الاهمية التي ستكون لهذا القانون في الانطلاقة المنتظرة والطموحة للقطاع المصرفي في السنوات القليلة المقبلة ولاسيما في ضوء الضغوط التي تمارس على الانظمة المصرفية الاخرى في العالم لجهة اختراق جدران السرية المصرفية فيها. ان اي حديث عن قانون السرية المصرفية في لبنان او عن تعديله لا يؤدي الا الى نتائج سيئة تنعكس سلبا على القطاع المصرفي والاقتصاد اللبناني ككل.

      لا بد لي ان اسارع الى القول هنا ان قانون السرية المصرفية يفترض اصلا ارتفاعا من قبل مصرفيينا الى مستوى المسؤولية واعتمادهم المعايير الخلقية والمهنية الشريفة في التفريق بين الجيد والرديء من الاعمال ولا اعتقد ان ذلك ببعيد عن امكاناتهم ورغباتهم في تطبيق تلك المعايير في ممارستهم لاعمالهم.

  

2) تشجيع الدمج المصرفي:

      ينبغي على السلطة النقدية مدفوعة من السلطة السياسية ان تساعد على نشوء وحدات اكبر واقوى مما هو قائم حالياً، وذلك عن طريق تشجيع الدمج او تمكين بعض المصارف من شراء فروع لمصارف اخرى وذلك بايجاد حوافز ضريبية حقيقية وحوافز ادارية تشجع على عملية تحقيق الدمج بحيث لا نقع في متاهات التجربة الماضية التي جرى فيها سن قانون تشجيع الدمج المصرفي والتي لم تؤد في نهاية الامر الى الغاية المنشودة منها. ان عملية الدمج هي من العمليات الاساسية التي ترتكز عليها مصارف عديدة في العالم لتوسيع نشاطاتها وتنمية اعمالها. غير ان هناك الكثير من العقبات التي تحول دون اتمام عمليات الدمج الطوعي. فاذا لم يجر التنبه لها فان هذه العقبات مرشحة لان تلعب دورا معوقا بل وربما تؤدي الى افشال عمليات الدمج المرجوة.

       ان الحوافز الواجب توفيرها يجب ان تأخذ بعين الاعتبار طبيعة تكوين الجهاز المصرفي اللبناني وطبيعة مساهميه واداراته والاسباب التي منعت من تحقيق الدمج المصرفي الطوعي في الماضي، وذلك بايجاد الحوافز والدوافع العملية الاقتصادية لجعل عملية الدمج ليس فقط عملية ضرورية بل عملية حتمية لا مناص منها ولا ننسى هنا ان نذكر بان تحقيق عمليات الدمج لا يمكن ان يتم اذا ما استمر هاجس تكبيل المؤسسات المصرفية المندمجة بانظمة واعداد من الموظفين يجعل امر الدمج عملية مكلفة وغير مجدية.

       ان تحقيق عمليات الدمج مهما بدا انه مكلف بالنسبة للقطاع العام وذلك بما خص الحوافز الضريبية والادارية والوظيفية الواجب توفيرها وما شابهها من امور فانه يبقى اقل كلفة وبكثير من اي كلفة سيضطر الجهاز المصرفي اللبناني والقطاع العام وجمهور المودعين الى تكبدها لاحتواء اي مشكلة مصرفية قد تذر بقرنها في اي وقت من الاوقات في المستقبل.

       لا اود ان يفهم من حديثي بان تحقيق الدمج هو دعوة الى التخلص من المصارف الصغيرة. على العكس من ذلك فان السوق المالية في لبنان تتطلب وجود مؤسسات مصرفية من مختلف الاحجام. ولكنها تتطلب ايضاً مصارف تتمتع بكافاءات مصرفية وادارية وتقنية عالية في زمن اصبح الحصول على تلك التقنيات بالغ الكلفة والتعقيد. وفي زمن سيكون للمنافسة المبينة على الفعالية الانتاجية الدور الاهم في نجاح او فشل اي مؤسسة مصرفية.

 

3) تعزيز الرقابة على المصارف:

       ان العمل على تعزيز الرقابة المصرفية وايجاد الضوابط اللازمة لجهة رفع معدلات الملاءة ومستويات السيولة يتطلب من لجنة الرقابة على المصارف وقفة شجاعة لتحقيق تلك الضوابط دون ان يؤدي ذلك الى الوصول الى تقييد دينامية وحركية الجهاز المصرفي او عرقلة اعماله. ان هذا الامر يتطلب تعزيزاً مستمراً لعناصر لجنة الرقابة على المصارف بالعناصر المتمرسة في العمل المصرفي وفي عمليات الرقابة وتوفير الامكانات المالية اللازمة للجنة لاجتذاب مثيل هذه العناصر والحفاظ عليها وحمايتها وتحصينها.

       لا بد هنا من القول ايضاً بأنه مهما بلغت نفقات لجنة الرقابة على المصارف فانها تبقى اقل بكثير من كلفة اي حادثة قد تطرأ على اي مصرف مع ما قد يجره ذلك على الجهاز المصرفي من آثار وويلات. وهنا يمكن لي ان اطرح حلا قد يساهم في تحويل كلفة لجنة الرقابة على المصارف بحيث تصبح على عاتق الجهاز المصرفي وذلك باعتماد الاسلوب المعتمد في بلجيكا حيث تتحمل المصارف وبناء لمعايير تتعلق بحجم كل مصرف كامل نفقات لجنة الرقابة على المصارف استنادا الى موازنة تعدها في مطلع كل عام.

 

4) المعالجات التصحيحية:

       ان مشاريع الاصلاح المصرفي المعروضة الان للبحث في اروقة مجلس النواب تنص على ضرورة انشاء محكمة مصرفية متخصصة، على ان تكون لتلك المحكمة سلطة البت في القضايا المصرفية المحالة عليها من قبل مصرف لبنان. ان هذه المحكمة اذا ما اقر تأسيسها فانه ينبغي على اعضائها التمتع بكفاءات عالية ومتوازنة قانونية ومصرفية تمكن المحكمة من معالجة القضايا المحالة عليها بكفاءة وحكمة وعدل وبعد نظر.

        الا انه ينبغي التنبه هنا الى ان معالجة الاوضاع المصرفية او وضع مصرف معين قد يواجه صعوبات عابرة تتطلب حلولا مختلفة ليس بالضرورة ان تكون عن طريق تحويل ذلك المصرف الى المحكمة المصرفية. فالمعالجات التصحيحية، التي هي من اولى مهام لجنة الرقابة على المصارف، ينبغي ان تتوفر فيها اولاً حكمة الرقيب وشجاعته المهنية وليس فقط سيفه القاطع، حتى يتمكن المصرف المعني من تخطي اي عثرة عابرة تصيبه، ولا يؤدي ان شاع خبر تعثره العابر الى سقوطه المحتم، حيث ينبغي علينا ان نعلم ان المصارف تعيش في نهاية الامر على ثقة المودعين والمتعاملين معها.

       ان المعالجات التصحيحية التي تعتمدها لجنة الرقابة على المصارف بالنسبة لحالة كل مصرف تتطلب ان تمر عبر درجات من المعالجة بحيث يصار الى اعتماد برنامج واضح ومقبول من قبل لجنة الرقابة على المصارف وذلك بما خص كل مصرف على حدة.

 ايها السيدات والسادة،

       لقد حاولت في حديثي هذا ان استعرض معكم تاريخ الاصلاح المصرفي في لبنان والتحديات التي تجابه القطاع المصرفي خلال العقد مع ما ينبغي على القيادات المسؤولة في القطاعين العام والخاص اعتماده لتأمين انطلاقة جديدة لهذا القطاع الرائد في الاقتصاد اللبناني على اسس ودعائم ثابتة.

       انني اذ اعتذر ان كنت قد اطلت عليكم في الحديث فانني ارجو ان يكون هذا العرض قد نجح في تسليط الضوء على النقاط الاساسية التي ينبغي ان تنصب كل الجهود على معالجتها.

التاريخ: 
20/09/1991