افاق وشروط التمويل الصناعي في لبنان في مرحلة التسعينيات

-A A +A
Print Friendly and PDF

مقدمــة

       لكم يشعر المتجول في هذا المعرض بالفخر والاعتزاز فيما يشاهده من تقدم صناعي بارز وواعد لا سيما وان هذا القطاع كباقي القطاعات الاقتصادية في لبنان كانت ولم تزل تئن من وطأة الحرب التي عصفت بلبنان خلال 16 سنة من الزمن نالت من بنيته ومن امكاناته ولكنها لم تنل من تطلعاته ورغباته في تحقيق دور اكبر ومتنامي للاقتصاد اللبناني بشكل عام والقطاع الصناعي فيه بشكل خاص.

       لكن هذه التطلعات نحو دور اكثر فعالية تطرح فيما تطرح جملة من التحديات التي يفترض لمواجهتها والتغلب عليها توافر عدد من الشروط الاقتصادية والمالية والنقدية والعمالية في اطار تشريعي ملائم حتى يستطيع الاقتصاد اللبناني والقطاع الصناعي بالتحديد ان يبدأ رحلته في تحقيق تلك التطلعات بخطى ثابتة وواثقة.

       وعلى هذا الاساس سأقسم مداخلتي اليوم الى ستة اقسام:

                    اولاً:    دور الجهاز المصرفي التجاري اللبناني في تمويل القطاع الصناعي ما قبل الحرب اللبنانية.

ثانياً:  تأثير الحرب اللبنانية على القطاع الصناعي ومصادر تمويله.

ثالثاً:   الدور الجديد للاقتصاد اللبناني والقطاع الصناعي خلال الفترة المتبقية من هذا العقد.

رابعاً:   الشروط الواجب توفرها في الصناعة اللبنانية للنمو.

 خامساً:تحديد طبيعة الحاجات التمويلية المستقبلية للقطاع الصناعي.

 سادساً:كيفية تلبية الحاجات التمويلية للقطاع الصناعي.

 

      في اطار مداخلتي سأحاول ان ابين كيف ان المصارف التجارية اللبنانية اذا كانت قادرة على تأمين الحاجات التمويلية القصيرة الامد للقطاع الصناعي فانها غير قادرة على تأمين الحاجات التمويلية المتوسطة والطويلة الامد، وان هذه الحاجات لا يمكن تأمينها الا عندما تتأمن الظروف الملائمة وعبر تشريعات محفزة ومؤسسات مالية متخصصة وعمل جاد ودؤوب لتفعيل دور سوق تداول الاسهم والسندات (البورصة).

  

اولاً) دور الجهاز المصرفي اللبناني

في تمويل القطاع الصناعي ما قبل الحرب.

       يجدر بنا هنا ان نعود الى الوراء 17 سنة خلت لننظر كيف كان واقع القطاع الصناعي عشية بدء الاحداث في لبنان. لقد كان لحالة الاستقرار السياسي والاقتصادي النسبية التي سادت لبنان مع نهاية الستينات ومطلع السبعينات دوراً هاماً في تعزيز حركة نمو الاقتصاد اللبناني بشكل عام والقطاع الصناعي بشكل خاص حيث جرى رصد استثمارات كبيرة في القطاع الصناعي تمركزت معظمها في الصناعات الخفيفية والتحويلية وان تحول بعضها الى استثمارات في بعض الصناعات المتوسطة. وقد ساعد على تحقيق ذلك النمو انفتاح اسواق الدول العربية المحيطة بلبنان ووجود مهارات عمالية جيدة وتوفر رساميل استثمرت في بناء وتعزيز البنية الصناعية التحتية وتلبية الحاجات الترسملية لتلك الصناعات. كانت تسمع آنذاك بعض الشكاوى لجهة عدم مجاراة القطاع المصرفي التجاري للحاجات المالية الكبيرة التي كان يتطلبها القطاع الصناعي لغايات تمويل الرأسمال الثابت والتشغيلي للعديد من المؤسسات الصناعية. الا انه تنبغي الاشارة في هذا المجال الى حقيقة اساسية وهي ان العديد من المؤسسات الصناعية التي لم يكن يشكو معظمها من ضعف كبير في الاهلية الائتمانية (Credit Worthiness) قد استندت الى القروض المصرفية لتمويل جزء من الرأسمال الثابت والرأسمال التشغيلي بشقيه الثابت والجاري. لقد تركز هذا النوع من التمويل المصرفي بمعظمه على التسليفات القصيرة الاجل التي كان يصار الى تجديدها سنة بعد اخرى (Evergreen Credit Facilities). وعلى الرغم من ان هذا النوع من التسليف والاقراض الصناعي لم يكن يتجاوب مع الحاجات الحقيقية للمؤسسات الصناعية التي كانت تحتاج الى تمويل متوسط وطويل الاجل الا انه ينبغي علينا ان لا ننسى ان المصارف اللبنانية عندما عمدت الى منح المؤسسات الصناعية في لبنان هذا النوع من التسليفات فانها قامت بمبادرة جريئة متجاوزة في ذلك السلوكية المصرفية الرصينة لجهة الموازاة ما بين طبيعة المصادر المالية المتاحة لها وطبيعة استثمار وتوظيف تلك المصادر. ومما يجدر التنويه به في هذا الصدد ايضاً ان بعض المؤسسات المصرفية تخطت في العديد من حالات التسليف الصناعي الحدود القصوى للاقراض التي يفرضها التصرف المصرفي الرصين رغبة منها في دعم ودفع تلك المؤسسات الصناعية الى تخطي الكثير من المصاعب العابرة التي كانت تمر بها. لذلك فأننا نرى انه لا يجوز التغاضي عن اهمية الدور الذي لعبه القطاع المصرفي التجاري اللبناني في تحقيق تلك النقلة النوعية والنمو الباهر الذي حققه القطاع الصناعي اللبناني حتى عشية بدء الاحداث الدامية في لبنان.

 

ثانيا) تأثير الحرب اللبنانية على القطاع الصناعي ومصادر تمويله

       لقد ادى اندلاع الحرب في لبنان واستمرارها وشمولها مناطق عديدة من لبنان الى خسائر كبيرة في القطاع الصناعي والاقتصاد اللبناني بشكل عام.

       كما ادى استمرار تلك الحرب الى تدمير وتعطيل كثير من المؤسسات الصناعية والى انكفاء وهجرة جزء من الرساميل الصناعية واليد العاملة المدربة والماهرة، كما وادى ايضاً الى ترد كبير في حجم الانتاج ومستوى الانتاجية. الى جانب ذلك فانه وعلى الرغم من تحقق بعض الاستثمارات الجديدة في القطاع الصناعي خلال الفترات الهادئة التي سنحت خلال الستة عشر سنة الماضية، الا ان حجم تلك الاستثمارات وطبيعتها كانت متدنية للغاية ولا تفي بحجم الاستثمارات المطلوبة للحفاظ على المستوى الذي حققه ذلك القطاع عشية اندلاع الحرب.

       فضلاً عن ذلك لم تقم الدولة ومؤسسات القطاع الخاص الا بجهود محدودة للتعويض عن الخبرات والمهارات الفنية والاداريو التي تعرضت للاستنزاف بسبب الهجرة المتزايدة الى الخارج. ومما تنبغي الاشارة اليه في هذا الصدد ان الحاجة الحقيقية للاستثمار من اجل تطوير وتدريب الكفاءات البشرية اللبنانية لم تنشأ فقط عن ضرورة تعويض النقص الحاصل بسبب الهجرة بل اكثر من ذلك لاستيعاب واعادة تأهيل وتدريب اعداد كبيرة من الشباب ممن انضموا الى سوق العمل خلال تلك السنوات الماضية.

       ومع ان بعض المصارف غامرت في تلك الظروف الصعبة بتوظيف مبالغ لا بأس بها لدى بعض المؤسسات الصناعية اللبنانية وذلك على شكل قروض وتسليفات جديدة تكبد البعض منها خسائر كبيرة بسبب تعرض عدد من المؤسسات الصناعية للسرقة او الاحتلال او التدمير، الا ان تلك الاستثمارات ظلت غير قادرة على اللحاق بالركب المتسارع للتقنيات الجديدة التي كان يتوجب على القطاع الصناعي كباقي القطاعات الاقتصادية في لبنان مواكبتها حتى يستطيع كما اشرنا انفا الحفاظ على دوره الريادي والمتنامي في الاقتصاد اللبناني.

       فضلاً عن ذلك فان الدور المتميز للمهارات اللبنانية في المنطقة بشكل عام والتي نتجت عن استثمارات كبيرة وقديمة في انظمة التعليم والمدارس المهنية والتراكمات النوعية في المعرفة اخذ يتردى ويتدهور يوما بعد يوم دون ان تتمكن السلطات الرسمية وكذلك مؤسسات القطاع الخاص من وقف هذا التردي والتدهور في عدد ومستويات تلك المهارات والتي هي من اهم الامور الاساسية لقيام واستمرار اية نهضة صناعية. والملاحظ انه ما ان وضعت الحرب اوزارها حتى بدأ لبنان ومؤسساته الانتاجية يتعرضات لنوع آخر من التحديات الا وهي تحديات السلام التي هي اكبر بكثير من تحديات الحرب. لقد ابرزت تلك التحديات الى الواجهة الكثير من المشكلات والمعضلات التي همشتها طلقات المدافع والوضع الامني المتأزم. لقد برزت عقب توقف الحرب حقيقة حجم الحاجات الماسة لدى المؤسسات الصناعية القديمة والجديدة الى المزيد من المهارات البشرية وكذلك الى الرساميل الكبيرة لاعادة تأهيل العديد من المؤسسات الصناعية وزيادة انتاجية معظمها. ان حجم والحاح الحاجات هذا ظهر واضحا في ظل امكانات مادية وادارية ضئيلة واوضاع اقتصادية ونقدية غير مستقرة وظروف سياسية اقل ما يقال فيها انها غير ملائمة. ومع اشتداد ثقل الوضع التضخيمي الذي ساد لبنان خلال الستة سنوات الماضية بدا لاول وهلة ان التضخم سيشكل خشبة الخلاص بالنسبة للقطاع الصناعي. ويعود السبب في ذلك لكون المؤسسات الصناعية تستند في انتاجها على بعض عناصر كلفة باسعار دفترية متدنية مقومة بالليرة اللبنانية وغير مبنية على القيمة الاستبدالية لتلك العناصر. في المقابل كانت معظم ايرادات تلك المؤسسات الصناعية مستندة الى الاسعار الرائجة المبينة على اساس سعر الصرف الجاري لليرة اللبنانية. ان ذلك ادى الى تحقق ارباح دفترية كبيرة في العديد من المؤسسات الصناعية ظلت في معظم الاحيان قاصرة عن تمكينها من اعادة تأهيل او تجديد قدراتها الانتاجية.

 

ثالثاً) الدور الجديد للاقتصاد اللبناني والقطاع الصناعي خلال الفترة المتبقية من هذا العقد

      انه مما لا شك فيه ان الاقتصاد اللبناني بكافة قطاعاته ومنذ مطلع الخمسينات ارتبط والى حد كبير بعجلة اقتصاد دول المنطقة ولا سيما الدول المنتجة للنفط. وخلال انشغال لبنان وكافة مؤسساته الاقتصادية بالحرب وابتعاد تلك المؤسسات عن الاسواق العربية حصلت متغيرات اساسية في المنطقة العربية فقامت معظم تلك البلدان ببناء بنياتها التحتية من صناعية وتجارية وعلمية واستشفائية وسياحية ووسائل نقل وغيرها مما يطرح الان شكوكا حول مدى استمرار حاجة تلك البلدان الى نفس السلع والخدمات التي درجت المؤسسات الانتاجية اللبنانية على تقديمها لزبائنها في تلك الاسواق، لذلك فانني ارى انه اصبح لزاما على لبنان واللبنانيين كافة في القطاعين العام والخاص العمل على تحديد ماهية الدور الجديد للبنان في المنطقة العربية خلال ما تبقى من هذا العقد والعقود القادمة. ان نجاح الاقتصاد اللبناني والقطاع الصناعي بصورة خاصة في تحديد دوره الجديد خلال هذا العقد يرتبط عضوياً بقدرتنا على وضع تصور واضح ودقيق لما تبقى لدى الاقتصاد اللبناني والقطاع الصناعي في السوقين الداخلية والخارجية من الميزات التفاضلية (Comparative Advantage) وما يمكن ان يكون قد استجد من ميزات جديدة او ما يمكن تطويره لكي تكون له ميزات خاصة ونوعية تمكن الاقتصاد اللبناني وقطاعه الصناعي من الفوز في مرحلة السباق الاقتصادي الحالي في النظام العالمي الجديد.

       ومما لا شك فيه ان لبنان كان ولا يزال بلدا منفتحا يؤمن ايماناً راسخاً بالنظام الاقتصادي الحر وبالمبادرة الفردية ولا يتمسك كثيراً بأنظمة الحماية التي بدأت معظم البلدان بالتخلي عنها وبالعودة الى التمسك بمبدأ المنافسة المشروعة والعادلة. وهذا يتطلب ان تكون غالبية عناصر الانتاج من مادية وبشرية قائمة على اساس الاسعار الرائجة للسوق وليس على اساس اسعار مصطنعة او غير اقتصادية مبنية على مبدأ الحماية التي غالبا ما ينتج عنها استمرار عدم قدرة مؤسسات صناعية على المنافسة او البقاء.

       ان تحديد الميزات التفاضلية للاقتصاد اللبناني بشكل عام والقطاع الصناعي بشكل خاص لا بد ان يحظى باهتمام كافة المسؤولين في القطاعين العام والخاص. في هذا السياق ينبغي على المسؤولين الاستفادة من التجارب والخبرات الماضية ولا سيما ما عرف عن اللبنانيين من دينامية وانفتاح ومرونة وتكيف سريع ونوعية خدمات وقدرة على المنافسة وعلى فهم حاجات السوق محلياً وخارجياً وبالذات اسواق الدول العربية المجاورة للبنان وقربه منها. هذه العوامل، اذا ما جرى استيعابها بشكل دقيق وعمل على تطويرها فانها تشكل مرتكزات اساسية تمكن الاقتصاد اللبناني من مواجهة التحديات الكبيرة.

 

رابعاً) الشروط الواجب توفرها في الصناعة اللبنانية للنمو

 

      مما لاشك فيه ايضاً انه من غير الممكن للاقتصاد اللبناني والقطاع الصناعي بالذات تخطي عثراته الحالية دون ان تتوفر لديه وعلى سبيل الذكر لا الحصر الشروط الآتية:

 

أ-  استقرار سياسي ونقدي واقتصادي.

 ب-اعادة نظر واعية واستشرافية لما ينبغي ان تتحول اليه هيكلية الملكية الصناعية لجهة توسيعها بهدف استيعاب رساميل جديدة لبنانية، عربية واجنبية راغبة في الاستثمار فيه لفترات متوسطة وطويلة الاجل.

 ج-كفاءات ادارية متخصصة ومدربة في مختلف المجالات.

 د-  مهارات بشرية مدربة وعلى قدر عال من الكفاية على كافة المراتب وهذا يتطلب جهوداً واستثمارات جمة بهدف العودة الى رفع مستويات التعليم والتقنية لدى مؤسساتنا التربوية ومؤسسات التدريب المهني.

 هـ-التأكيد على قيام القطاع العام بدور محفز للنشاط الاقتصادي وليس دوراً معطلاً او معوقاً لدينامية القطاع الخاص ومبادرته. هذا الامر يجب ان يظهر بشكل واضح من خلال التشريعات الاقتصادية الجديدة ومن خلال الكفاءات التي ينبغي ان يتمتع بها من ستسند اليهم مسؤولية ادارة مؤسسات القطاع العام المختلفة.

 و-  وعي كامل لدى كافة العاملين في مؤسساتنا العامة والخاصة بان ليس هناك من امكانية للخروج من المحنة التي نتخبط فيها دون ان يصبح الانتاج والفعالية الانتاجية قيمة مجتمعية يجري التشبث بها وتقييم الامور ووضع كافة المعايير على اساسها.

 ز-انتظام اليد العاملة وتوقف مسلسل رفع الاجور بتلك الوتائر العشوائية، اذ ينبغي ان ترتبط الاجور والرواتب بمستوى الانتاج والانتاجية مع الحفاظ على الحد المقبول للمستوى المعيشي للفرد اللبناني.

 ح-التنبه الى ضرورة العمل على توثيق عرى التعاون ما بين لبنان والدول العربية المجاورة لتمكين المؤسسات الانتاجية اللبنانية من فتح اسواق جديدة لها خارج لبنان.

 ط-خلق المناخات الملائمة التي تحفز مصادر التمويل على الاستثمار في كافة القطاعات الانتاجية في لبنان ولا سيما القطاع الصناعي. واعني بذلك الحوافز التشريعية والضريبية وحوافز الامن والامان ومعدلات العائد وخاصة لناحية تعديل نظام المحاسبة العام فيما يتعلق بمعدلات الاستهلاك والمؤونات وتعديل ضريبة الدخل فيما يتعلق بمعدلات الضريبة على الدخل وكذلك معدلات الضريبة على التحسين واعادة التخمين وتشجيع اعادة استثمار الارباح المحققة في الصناعة.

       ان توافر هذه الشروط يعتبر من الامور الاساسية والضرورية التي ينبغي البدء بالعمل على تحقيقها قبل البحث بموضوع التمويل، لانه اذا لم تتوفر تلك الحوافز والمناخات الملائمة لاستقطاب تلك المصادر المالية، اكانت على شكل رساميل او قروض، لبنانية مقيمة كانت ام مهاجرة او عربية او اجنبية او من المؤسسات الدولية التي تتوخى جميعها وقبل كل شيء عاملي الامان والعائد، فان البحث بكيفية توفير هذه الحاجات التمويلية الاساسية للقطاع الصناعي في لبنان سيبقى  في حيز التمنيات.

 

 

خامساً) الحاجات التمويلية المستقبلية

للقطاع الصناعي وكيفية تلبية تلك الحاجات

       ان نظرة سريعة على هذا الامر تبين لنا بان حاجات التمويل تنقسم الى قسمين اساسيين: قسم قصير الاجل وقسم آخر متوسط وطويل الاجل. اما فيما خص الحاجات المالية للقطاع الصناعي للامد القصير، وهو المخصص عادة لتمويل الرأس المال التشغيلي بشقية الثابت والجاري فقد درجت العادة على ان يصار الى تمويله اما ذاتيا واما من خلال المؤسسات التجارية او المصارف التجارية. في هذا الصدد فانني اعتقد بان المؤسسات المصرفية العاملة في لبنان قادرة بشكل او بآخر على تلبية تلك الحاجات بشكل تدريجي ومتنامي مع استمرار تحسن الاوضاع الاقتصادية والسياسية.

       اما فيما خص الحاجات المالية الطويلة والمتوسطة المدى واللازمة لاعادة تأهيل صناعات قائمة او اقامة صناعات جديدة فإنه من غير الممكن للمؤسسات المصرفية التجارية العاملة في لبنان مجتمعة ان تؤمن هذا النوع من التمويل الاستثماري وذلك بسبب طبيعة المصادر المالية المتاحة للمؤسسات المصرفية التجارية اللبنانية التي لا زالت في معظمها عبارة عن ودائع قصيرة الأجل وتحت الطلب. فضلاً عن ذلك فان الرساميل الموظفة في الجهاز المصرفي اللبناني على الرغم من كل الزيادات الكبيرة والمستمرة التي تعمد المؤسسات المصرفية الى تخصيصها لازالت ادنى بكثير من حيث كفاية الاموال الخاصة التي تمكن المصارف من تلبية ما يتطلبه القطاع الصناعي من توظيفات كبيرة وطويلة المدى وكذلك بسبب القيود المحقة التي تضعها مؤسسات الرقابة المصرفية لاستمرار شروط السلامة والامان في الجهاز المصرفي.

 

سادساً) كيفية تلبية الحاجات التمويلية للقطاع الصناعي

       من ذلك يتبين ان توفير التمويل اللازم للمؤسسات الصناعية يحتاج فضلاً عن التمويل المصرفي التجاري الى ايجاد مؤسسات مصرفية متخصصة قادرة على استقطاب مصادر مالية كبيرة تستطيع ان تجتذب جزءا من تلك المصادر المالية للاستثمار على شكل رساميل وآخر على شكل قروض طويلة ومتوسطة المدى.

       في هذا الصدد يجدر بنا ان نشير الى ظاهرة تأسيس المصرف الوطني للانماء الصناعي والسياحي وكذلك الى انشاء المصارف المتخصصة للتسليف المتوسط والطويل الاجل والتي وضعت تشريعاتها في مطلع السبعينات. هذه المؤسسات لم تتمكن في محصلة الامر من القيام بشكل فعال بالدور المناط والمرجو منها بسبب طريقة ادارة تلك المؤسسات والتشريعات المقيدة لعملها وكذلك لعدم قدرتها على استقطاب مصادر مالية كبيرة وطويلة المدى تمكنها من سد الثغرة المتعاظمة بين ما هو متوافر وما تتطلبه تلك المؤسسات الصناعية حالياً من امكانيات مادية كبيرة. من ذلك نتبين الحاجة الماسة الى تطوير بنية المصرف الوطني للانماء الصناعي والسياحي وجعله مصرفا قادرا على العمل بذهنية القطاع الخاص واسلوبه بحيث يتمكن بدعم من الدولة من استقطاب مصادر مالية طويلة الاجل من المؤسسات والصناديق العربية والدولية للتمويل.

       فضلاً عن ذلك فانه اصبح لزاما العمل على وضع التشريعات الجديدة اللازمة لتحفيز انشاء مؤسسات مصرفية متخصصة في الاستثمار (Inverstment Banks) تكون قادرة على ان تشكل في حد ذاتها واسطة ذات كفاءة متخصصة وعالية بين الراغبين في الاستثمار والاقراض الطويل الاجل وبين اصحاب المشاريع الصناعية القائمة والجديدة، انني اذ اشدد على هذا النوع من المؤسسات المصرفية المتخصصة فانني انطلق في ذلك من حقيقة اساسية وهي حقيقة نضوب التمويل الذاتي للمؤسسات الصناعية القائمة والجديدة وعدم جدوى الاعتماد على المؤسسات المصرفية التجارية العادية في ما خص التمويل المتوسط والطويل الاجل مما يجعل من المحتم على المؤسسات الصناعية الاستعانة بالتمويل اللازم من مساهمين بعيدين او غريبين عن المؤسسات الصناعية. وحيث انه يتعذر على تلك المؤسسات الا فيما ندر الاتصال المباشر بالأفراد والمؤسسات الراغبة في الاستثمار الصناعي في لبنان فان مصارف الاستثمار هي الجهة المؤهلة تقنيا وعملياً للقيام بهذا الدور المعقد الذي لا يقتصر على تقديم التمويل اللازم من رأسمال وقروض بل ايضاً على المساعدة على انتقاء الكفاءات الادارية اللازمة لادارة مثل هذه المشاريع الصناعية، وكذلك وضع الدراسات اللازمة من اقتصادية وتجارية وتسويقية. ولا يمكننا هنا ان ننسى الاهمية المتعاظمة التي ينبغي ان تلعبها سوق تبادل الاسهم والسندات (البورصة) في اجتذاب جزء من مدخرات اللبنانيين في لبنان والخارج وكذلك جزء من اموال الاشقاء العرب والمؤسسات الاجنبية للاستثمار المجدي في لبنان. هذا الامر يستتبع حكما تطوير نظام سوق البورصة بحيث تصبح قادرة على تأدية هذا الدور الذي لم تستطع حقيقة تأديته بشكل فعال منذ نشآتها في لبنان.

 

خاتمـــة:

 ايها السيدات والسادة،

       انني وعلى الرغم من عظم التحديات التي نواجهها حالياً لواثق بأنه استناداً الى تصميم اللبناني وتمسكه بوطنه وبنظامه الاقتصادي الحر واستناداً الى التحديات التي واجهها وتخطاها في الماضي القريب ولمعرفته الحقيقية والمستمرة لميزاته التفاضلية ورغبته والتزامه بمبدأ التطور والتكيف السريع لقادر حتما على تخطي الازمات الحالية بشكل ينعكس ايجابا على مؤسساته الانتاجية وعلى المستوى الاقتصادي والمعيشي للمواطن اللبناني.

       ان من اهم الدروس التي وعيتها هو ان الكثير من الاقتصادات العالمية وكذلك المؤسسات الانتاجية تمر بين فترات واخرى بمصاعب جمة خلال تطورها قد تتحول الى ازمات او كبوات او الى مشاكل تبدو احيانا مستعصية على الحل او انها تحدث معاناة اقتصادية واجتماعية على مدى طويل مما يستوجب ارتفاعاً في مستوى الادارة وشجاعة في اتخاذ القرارات لاعادة وضع توجهاتها حسب ما تتطلبه معطيات المرحلة الجديدة. لكن الذي يميز القيادات الفريدة في مؤسسات القطاع العام والخاص هو قدرتها على تحويل تلك المصاعب والمشاكل الى فرص جديدة تفتح لها افاقا جديدة رحبة.

       اننا في مجموعة البحر المتوسط وكذلك في بنك البحر المتوسط ش.م.ل. في لبنان كنا ولم نزل نضع شعارا التزمنا به منذ سنوات وهو ان "آفاقنا بلا حدود". ان شعارنا هذا كان امتدادا وقراءة عميقة لما تميز به لبنان منذ نشأته الا وهو الالتزام بالتطور والتقدم ومواجهة التحديات في مسيرته المستمرة نحو الافاق البعيدة.

 

معرض السب

الثلاثاء 7/7/1992

التاريخ: 
07/07/1992