حوار الاثنين

-A A +A
Print Friendly and PDF

 

 

أيها السيدات والسادة،

         في مستهل هذا اللقاء أود أن أشكر القيمين على ندوة "حوار الاثنين" لدعوتي اليوم للالتقاء بأصدقاء ومواطنين لنتحاور معاً في شأن يهم جميع فئات المجتمع إلا وهو الشأن الاقتصادي والمالي.

         سأحاول في هذا اللقاء أن أقول بعض ما عندي من أفكار في هذا الصدد بكل صراحة وانفتاح وسأستمع إلى آرائكم وملاحظاتكم وربما تحفظاتكم آملين أن نخرج من هذه الندوة متسلحين بتصور أكثر وضوحاً لأوضاعنا الاقتصادية والمالية وأيضا بأفكار جديدة تساعد هذه الحكومة على القيام بواجباتها بشكل أفضل.

         لقد اتسم عام 1992 بزيادة حدة التقلبات والاختلالات الاقتصادية والمالية كما اتسم أيضا بكثافة الحوار والنقاش بين المسؤولين والمواطنين وبين المواطنين أنفسهم في المسائل الاقتصادية. فمن تقرير لجنة الخبراء الاقتصاديين مروراً بلجنة الطوارئ الاقتصادية وحكومة دولة الرئيس رشيد الصلح كان التشخيص للمشاكل الاقتصادية والمالية واحداً إلا وهو الاهتراء في الوضع الإداري، فقدان الثقة لدى المواطنين باستقرار الأوضاع السياسية والأمنية والاجتماعية، التضخم المالي والنقدي الناتج عن تسارع وتيرة العجز في موازنة القطاع العام، والضعف المتزايد في القاعدة الإنتاجية في الاقتصاد الوطني. إن هذا التشخيص للمشاكل الاقتصادية معروف وصحيح كذلك فإن الدواء المقترح هو أيضا معروف وليس هناك من وصفة سحرية سريعة أو جديدة من المطلوب التفتيش عنها.

         هذا الدواء يتمثل بالآتي:

أولاً:    استعادة المواطنين الثقة بالدولة القادرة والعادلة والمسؤولة وذلك من خلال إزالة حالة العداء التاريخي بين المواطن والدولة وتحقيق مصالحة حقيقية وثابتة بين المواطن ودولته.

 أيها السيدات والسادة،

         إن شعار هذه الحكومة هو احترام القانون وتطبيقه على الجميع دون استثناء واحترام المواطن وخدمته وتعزيز وضع الخزينة وهو شعار نؤمن ونلتزم بممارسته.

         إننا ندرك بأن للمواطن حقا على الدولة يتمثل في الحصول على ما يبتغيه من خدمة سريعة وفعالة ضمن القوانين المعتمدة، كذلك فان للدولة حقاً على المواطن في أن تستوفي منه كافة حقوقها الأمر الذي يمكنها من الاستمرار في تقديم خدمات أفضل وأكثر تطوراً لجميع المواطنين.

 

ثانياً:    تحقيق الإصلاح الإداري من خلال رفع الحصانة واتباع سياسة الثواب والعقاب بحيث ينال الموظف النشيط حقه من التقدير ويستبعد الموظف الفاسد وهو الأمر الذي يساهم والى حد بعيد في تفعيل الإدارة وزيادة إنتاجيتها واحتواء الهدر الحاصل وبالتالي من تحسين مستوى خدماتها للمواطنين.

 

ثالثاً:    تجهيز الإدارة بوسائل العمل الحديثة بغية رفع مستوى فعاليتها وكذلك الاهتمام بأوضاع العاملين المعيشية وإعادة تأهيلهم عن طريق التدريب المكثف والعملي فيها حتى تصبح الإدارة قادرة على استقطاب جيل جديد من الكفاءات الشابة والماهرة على مختلف المستويات وفي مختلف القطاعات.

 

رابعاً:    تعزيز الواردات من خلال تحسين جباية الضرائب بشكل فعال واستيفاء الرسوم بشكل كامل، وخاصة ضريبة الدخل والرسوم الجمركية ورسوم نقل الملكية العقارية ورسوم تسوية مخالفات البناء وبدلات أشغال الأملاك العمومية ومن خلال جباية مستحقات الخدمات العامة من مياه وكهرباء وهاتف وغيرها. وكذلك العمل على تطوير وتعزيز المؤسسات المكلفة بالرقابة والتدقيق مما يساهم في حفظ حقوق الدولة وجباية مستحقاتها.

 

خامساً:  إعطاء الدولة المثل والقدوة للمواطن في ترشيد وضبط النفقات والأحجام عن الإنفاق غير المجدي.

 

سادساً:  مكافحة الغلاء والاحتكار وتحقيق الاستقرار في سعر صرف الليرة اللبنانية ولاسيما عن طريق التقليص التدريجي للعجز في الموازنة.

 

سابعاً:   إصلاح النظام الضريبي في ضوء معايير اقتصادية واجتماعية تهدف إلى جعل هذا النظام أكثر عدالة في بعده الاجتماعي وأكثر انسجاماً مع مستلزمات النهوض الاقتصادي وإعادة الأعمار ودفع عجلة التنمية وتحفيز الاستثمارات الجديدة.

 

ثامناً:    البدء بمسيرة النهوض الاقتصادي والاجتماعي ودفع عجلة الإنتاج وزيادة مستوى الإنتاجية وتوسيع القاعدة التصديرية للسلع والخدمات اخذين بعين الاعتبار الميزات التفاضلية للاقتصاد اللبناني وما  يمكن أن يصار إلى تطويره من هذه الميزات. أن الإسراع في تنفيذ مشاريع البنية التحتية الأساسية من ضمن الموارد المادية المتاحة داخلياً وخارجياً هو من أولويات هذه الحكومة. فتحريك عجلة النشاط الاقتصادي والانتقال التدريجي إلى المجتمع المنتج الذي يكون فيه الإنتاج والإنتاجية المعيار الأساسي في التقييم لهو السبيل الوحيد لخلق فرص عمل جديدة لعشرات الألوف من الشباب اللبناني وكذلك لتحسين المستوى المعيشي لجميع اللبنانيين.

 

  أيها السيدات والسادة،

         لقد ساعدت مرحلة ما بعد الانتخابات النيابية وتأليف حكومة جديدة في إشاعة جو من التفاؤل وبإمكانية مساهمة الدولة مساهمة فعالة في خروج الوطن من محنته الاقتصادية. ولقد انعكس هذا الجو التفاؤلي مباشرة على سعر صرف الليرة اللبنانية الذي حقق تحسناً خلال الأشهر الثلاثة الماضية بما تزيد نسبته عن 35% بالمقارنة بما وصل إليه سعر صرفها خلال شهري آب وأيلول من عام 1992.

        إن جو التفاؤل السائد حالياً هو عامل مساعد ومهم ولكنه لا يكفي. فلا تزال هناك صعوبات وتحديات كبيرة.كلنا يعلم بان تحديات السلام اكبر واشق بكثير من تحديات الحرب، وكلنا يدرك بان ليس هناك من حل سحري لمشاكلنا الاقتصادية خلال فترة قصيرة. فكما أشرت في بداية حديثي بان هناك تعارف على تشخيص الداء كذلك فان الدواء المقترح معروف أيضا. إن التحدي الذي يواجه الحكومة هو في تنفيذ برامج الحلول والسياسات المقترحة وهذا ليس بالأمر السهل في المدى القصير وهو يتطلب جملة من الجهود المتضافرة والتضحيات.

         إن التحدي الكبير يكمن في التوفيق ما بين إعادة التوازن في موازنة القطاع العام من خلال  تعزيز وتحسين الجباية وترشيد الإنفاق العام من جهة وتحريك عجلة الإنتاج من خلال الإنفاق الرأسمالي من جهة أخرى. إن هذا التحدي يزداد حدة عندما نحلل وبالأرقام التركة الثقيلة الموروثة. فبندي خدمة الدين العام الداخلي والخارجي والرواتب والأجور لعام 1993 قد يشكلان حوالي 50 بالمئة من مجموع موازنة القطاع العام، هذا فضلاً عن متطلبات التأهيل وتمويل إعادة الأعمار والإنماء.

 

أيها السيدات والسادة،

         من هذا المنطلق فانه عندما يردد المواطنون الدعاء للحكومة بالتوفيق فإننا نشكر لهم دعاءهم ولكننا نسارع إلى القول بأن السير في طريق الحل الحقيقي والناجح يتطلب تضافر جميع طاقات المجتمع لكي نستطيع أن نبدأ وبشكل علمي ومبرمج بإعادة بناء الدولة والوطن على الشكل الذي نريدهما لأبنائنا. إعادة بناء الوطن الذي سيعتز أبناؤنا بالانتماء إليه. إن الدولة وحدها غير قادرة على تامين الحل المنشود دون مساعدة كل أفراد المجتمع.

         فليسأل كل واحد منا نفسه كيف يمكن إن يساعد ويساهم في تنفيذ هذا الحل وليسأل كل واحد منا ما هو الدور المطلوب منه في هذه المرحلة. التلميذ في مدرسته والطالب في جامعته كل له دور في تحسين مستوى تحصيله، والأستاذ في مدرسته وجامعته له دور في تحسين مستوى أدائه، والعامل في مصنعه له دور في زيادة إنتاجيته، والتاجر في متجره له دور في تحسين مستوى عمله، والموظف في دائرته له دور في خدمة كافة المواطنين، والمكلف بضريبة له دور في تسديد الإنتاج وبالتالي في النهوض الاقتصادي والاجتماعي لهذا الوطن.

 

أيها السيدات والسادة،

         أود إن أنهي كلامي لاستشهد بما قاله رئيس جمهورية الولايات المتحدة الأميركية الراحل جون كنيدي: "لا ينبغي بنا إن نسأل فقط ماذا قدمت بلادنا لنا بل ماذا قدمنا لبلادنا".

 

        بيروت في 11 كانون الثاني 1993

التاريخ: 
11/12/1993