كلمة الوزير السنيورة في إفطار جمعية مكارم الأخلاق

-A A +A
Print Friendly and PDF

أيها السيدات والسادة،

 في مستهل حديثي أود أن أتوجه بالشكر للقيمين على جمعية مكارم الأخلاق على دعوتهم لي للالتقاء بجماعة من الإخوة المواطنين في طرابلس الملتفين حول مبادئ هذه الجمعية.

 انه ليسعدني أن أكون معكم هذا اليوم من شهر رمضان المبارك شهر التضحية والعطاء يجمعنا قاسم مشترك ألا وهو الإيمان بالعمل والعطاء للوطن والرغبة في المشاركة في عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة مهما كلف ذلك من جهد ووقت وتضحيات. ولا بد لي من أن أؤكد في بداية هذا اللقاء على حقيقة ثابتة وأساسية وهي أن كل البلدان التي استطاعت أن تخرج من مرحلة الحرب لم تتمكن من الوصول إلى بداية مرحلة السلم الثابت إلا من خلال تحقيق شرطين اثنين وهما أن تصبح الكفاءة ويصبح العمل والإنتاج ورفع مستوى الإنتاجية قيماً مجتمعة كأي من قيم المجتمع الأساسية ويصار إلى اعتمادها كمعيار للتقييم وبالتالي يتحول الوطن إلى المجتمع المنتج وثانياً تضافر جميع طاقات وجهود المجتمع مع الدولة على الأولويات التي من دونها لا يمكن الخروج من المآزق والإحباطات التي تخلفها حالات الحرب والانقسام. هاتين الحقيقتين أكثر ما تنطبق أيضاً على حالة لبنان في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخه.

 إن التحولات والمتغيرات الدولية والإقليمية التي يشهدها العالم اليوم وما يمكن أن تأتي من جديد أو تترك من انعكاسات على كافة الأصعدة تجعلنا نمعن النظر ملياً في أمر أوضاعنا الداخلية، السياسية منها، كما وبصورة خاصة الاقتصادية والاجتماعية لنحاول أن نهيئ أنفسنا ومجتمعنا لاقتناص الفرص عندما يحين أوانها. فنحن على الجبهة الداخلية بأمس الحاجة من جهة إلى مزيد من التلاحم والتضامن والوفاق الوطني على قضايانا الأساسية والمصيرية وفي مقدمها قضية تحرير الجنوب اللبناني والبقاع الغربي من الاحتلال الإسرائيلي عبر تطبيق القرار 425. كما وان ننكب من جهة ثانية على إعادة البناء والإعمار والنهوض الاقتصادي من خلال إعادة بناء البنية التحتية الأساسية وتحفيز إنشاء المشاريع الإنتاجية لدى القطاعين العام والخاص في إطار سياسة اقتصادية ومالية ترتكز على التخفيض التدريجي لعجز الموازنة وتحريك عجلة الاقتصاد وخلق فرص العمل الجديدة لعشرات الألوف من شبابنا وشاباتنا وتوفير سبل الاستثمار للطاقات البشرية والإنتاجية كل ذلك من خلال خطة إنمائية واقتصادية علمية ومنهجية شاملة ومتكاملة تتناول كل قطاعات الإنتاج من جهة وتتناول كل المناطق اللبنانية دون استثناء وفق ما نصت عليه وثيقة الوفاق الوطني من جهة ثانية.

 

أيها الأصدقاء،

 نحن في هذه الحكومة نعلم أن مسؤولية إنقاذ الوطن وإعادة بناء مؤسسات الدولة ليست مسؤولية جماعة أو فئة من المواطنين دون أخرى ولا مسؤولية تنفرد أو تتفرد بها الدولة بل هي مسؤولية المجتمع ككل وهو أمر يفرض علينا أن نتآزر فيما بيننا لننخرط جميعاً كفريق عمل واحد في ورشة إعادة البناء. لا أن نتلهى بخلافات جانبية تجعلنا ننحرف عن المسار ونضيع فرصة تاريخية تتاح لنا اليوم لإنقاذ وطننا.

 إنني إذ أشدد على هذا الأمر فإنني أود أن أؤكد وبنفس المقدار الرغبة الشديدة التي لدى هذه الحكومة في التفاعل مع جميع المواطنين لتحظى بتوجيهاتهم ونصائحهم لا بل وانتقاداتهم وهو الأمر الذي يساهم وإلى حد بعيد في تصويب مسيرة الحكومة. إننا في هذه الحكومة نؤمن إيماناً راسخاً بالنظام الديمقراطي المنطلق أساساً من إعلاء مبادئ الحرية والعمل المنتج مع علمنا الكامل بأننا مهما حاولنا التماس رضى جميع الناس فإننا نلتمس ما لا يدرك. لكننا ومع ذلك سوف نواصل السعي الدؤوب نحو تعزيز أواصر التعاون مع كل الإرادات الطيبة الراغبة في خدمة هذا الوطن وإنقاذه وإعلاء شأنه.

 نحن ندرك تماماً، ونرجو أن تدركوا معنا أن المناخ الدولي تجاه لبنان، كما هو المناخ العربي، أكثر ملاءمة للبنان عما كان في الماضي وذك فيما خص المساعدة من أجل العمل على إعادة بناء الدولة، وهذا الأمر يوجب علينا كمسؤولين ومواطنين العمل على اغتنام كل الفرص التي قد تتاح لنا واستعمالها في عملية الخروج من حالة الحرب التي استنزفت جزءاً كبيراً من قدراتنا وليس من تصميمنا على إنقاذ الوطن وإعادة بنائه في ظل دولة قادرة وعادلة. إن هذا يتطلب وضع تنفيذ خطة واقعية وطموحة في آن واحد للنهوض الاقتصادي والمالي والاجتماعي. ومما يشهد على ذلك عودة اهتمام المؤسسات والمنظمات الدولية بنا، أو من خلال بعض المساعدات والقروض التي بدأت ملامحها لنا تظهر بوضوح وذلك بعد تمنع طويل وحظر غير معلن وأولها القرض الدولي البالغ ما يعادل 175 مليون دولار أميركي.

 إن أهمية هذا القرض تكمن في دلالته السياسية والاقتصادية، إذ أن هذا القرض منح للبنان دون أن يتخلى لبنان عن أي مبدأ من مبادئ استقلالية قراره الاقتصادي والسياسي.

 كذلك فإن منح هذا القرض للبنان ينطوي أيضاً على عودة انفتاح العالم على لبنان، وثقة المؤسسات الدويلة، به وبأوضاعه الاقتصادية وبالسياسة التي تنتهجها الحكومة اللبنانية على الصعيد المالية والاقتصادي وقدرتها على إعادة البناء والإعمار. بقي علينا أن نثبت، نحن اللبنانيين، إننا أهل لهذه الثقة وعلينا أن نعزز ثقة العالم بنا، لنجتاز هذا الامتحان الصعب، ولنستفيد من هذا المناخ الملائم لنا عربياً ودولياً ونبدأ رحلة الإنقاذ والبناء والإعمار الطويلة والمضني ولكن غير المستحيلة والتي تتطلب منا العزيمة والإيمان والتصميم نحو بلوغ الأهداف التي يتوخاها شعبنا وذلك بعد فترة طويلة من المعاناة والحرمان.

 نحن في هذه الحكومة أيها الأصدقاء، قد عقدنا العزم على أن نبدأ هذه الرحلة وقد بدأناها، مهما كلفتنا من جهود وتضحيات، ومصممون على عملية الإنقاذ والنهوض والبناء، لكي نعيد إلى لبنان وجهه الحضاري، وذلك لأننا نؤمن بهذا الوطن ونؤمن بهذا الشعب الذي لم تفت الأحداث من عضده، ولم تنل من عزيمته وإرادته، ولم تفقده إيمانه بوطنه وبأرضه، هذا الشعب الذي صارع الموت وتغلب عليه هو شعب أهل للحياة، هو شعب قادر على الإنقاذ، هو شعب ينهض من بين الركام، ومثله لا يموت.

     نحن لا نطلق هذا القول جزافاً، فمنذ اللحظة الأولى بدأنا في هذه الحكومة دراسة المشاكل التي تعاني منها البلاد، وهي غير خافية عليكم، وتتمثل باهتراء كبير في الوضع الإداري والإحباط الشديد لدى المواطنين وفقدانهم الثقة باستقرار الأوضاع السياسية والأمنية والاجتماعية والتضخم المالي والنقدي الناتج عن تسارع وتيرة العجز في موازنة القطاع العام والوهن المتزايد في القاعدة الإنتاجية في الاقتصاد الوطني، نحن ندرك إدراكاً واعياً كل الصعوبات والمشاكل التي ستقف في طريقنا، والتحديات التي ستواجهنا، والوقت الطويل المطلوب للمعالجة. إن هذه الحكومة تؤمن إيماناً راسخاً بأن شرطاً أساسياً من شروط البدء بتحقيق هذه المسيرة الشاقة هو استعادة المواطنين الثقة بالدولة، الدولة القادرة والعادلة والمسؤولة. إن هذا يعني إزالة حالة العداء التاريخي بين المواطن والدولة وبالتالي العمل على تحقيق مصالحة حقيقية ودائمة بين المواطن اللبناني والدولة.

 إن هذا الأمر يفترض من الدولة إعطاء المثل والقدوة للمواطن على احترام القانون والالتزام بالمعايير الخلقية في التعامل وتطبيق العدالة والمساواة على جميع المواطنين في شتى الحقوق والواجبات. إن عملية إعادة بناء الدولة تتطلب ولا شك العمل على إصلاح الإدارة وتفعيلها وبنائها على أسس من الكفاية المهنية والخلقية الحقة المستندة إلى الكفاءة وليس إلى الانتماء إلى الطائفة أو المذهب أو المجموعة السياسية والحزبية وان يصار إلى توجيه منطلقات الإدارة أساسا من الرغبة في خدمة المواطنين كما والعمل المستمر والمصمم على زيادة فعاليتها الإنتاجية وتجهيزها بوسائل العمل الحديثة وإيقاف الهدر وترشيد النفقات وتحسين مستوى الخدمات للمواطنين. كذلك فإن هذا البناء يتطلب إعادة تأهيل العاملين في الإدارة والاهتمام بأوضاعهم المعيشية بغير الأسلوب الذي دُرج عليه في الماضي وذلك عن طريق الزيادات الإسمية للأجور والرواتب غير المستندة إلى زيادة حقيقية في الإنتاج أو تحسن حقيقي في الإنتاجية أو زيادة في الدخل القومي. لقد انعكست تلك الزيادة الإسمية في الأجور والرواتب على مستوى الأسعار التي ابتلعت كل الزيادة المتحققة لا بل وجزأ من الدخل الحقيقي السابق. ذلك مما أدى إلى تدن حقيقي في دخل المواطن وأدخل الوطن في الحلقة الجهنمية في حلبة السباق الذي لا ينتهي بين الأجور والرواتب من جهة والأسعار من جهة أخرى. إن سياسة الحكومة الحالية مبنية على تعزيز الإنتاج على كافة الصعد وهو ما نعتقد بأنه يعود بالخير الحقيقي على جميع المواطنين ويؤدي إلى تعزيز الإدارة حتى تصبح قادرة على استقطاب جيل جديد من الكفاءات الشابة والماهرة في مختلف المستويات وفي مختلف القطاعات.

 في هذا الصدد لا بد وأن يكون إصلاح النظام الضريبي في قمة اهتمامات الحكومة. هذا الإصلاح ينبغي أن يكون في ضوء معايير اقتصادية واجتماعية واقعية. ليس الهدف هنا فرض ضرائب جديدة وإنما الهدف هو تطوير هذا النظام وتحديثه وجعله أكثر عدالة في بعده الاجتماعي ولاسيما بالنسبة لذوي الدخل المحدود وأكثر توافقاً مع مستلزمات النهوض الاقتصادي وإعادة الإعمار ودفع عجلة التنمية وتحفيز الاستثمارات الجديدة. هذا يعني خفضاً حقيقياً لمعدلات الضرائب وتشددا في تحصيلها مما يجعل محاولات التهرب من دفعها أمراً غير مجدٍ ومكلفٍ معا. ولا بد من التأكيد هنا أنه ينبغي أن يترافق مع هذا الجهد عمل دؤوب لتحسين مستوى جباية مستحقات الدولة من ضرائب ورسوم وبدلات الخدمات العامة كما والعمل على تعزيز أجهزة الرقابة بما يحفظ حقوق الخزينة. هذا بالإضافة إلى توجيه كافة الجهود والطاقات نحو دفع عجلة الإنتاج وزيادة مستوى الإنتاجية في كافة القطاعات مع الأخذ بعين الاعتبار ما تبقى من المميزات التفاضلية للاقتصاد اللبناني والرغبة الدائمة في تطوير هذه المميزات وتعزيزها.

 إن الإسراع في تنفيذ مشاريع البنية التحتية الأساسية من ضمن الموارد المادية المتاحة داخلياً وخارجياً هو من أولويات الحكومة، فتحريك عجلة النشاط الاقتصادي التدريجي إلى المجتمع المنتج الذي تكون فيه الكفاءة ومستوى الإنتاج والإنتاجية من القيم الأساسية للمواطنين لهي السبيل الوحيد للخروج من المآزق التي نتخبط بها وتحقيق زيادة حقيقية في الدخل القومي وبالتالي خلق فرص عمل جديدة لعشرات الألوف من الشباب اللبناني وكذلك لتحسين المستوى المعيشي لجميع المواطنين.

 إن هذه الحكومة تسعى إلى ضبط النفقات وترشيدها والإحجام عن الإنفاق غير المجدي، وصولاً إلى تخفيض العجز في الموازنة. ولعل الأرقام التي تحققت خلال الشهرين الأولين من عام 1993 بالنسبة لمجموع واردات الدولة ونفقاتها بالمقارنة مع الشهرين المماثلين من العام الماضي والانخفاض الكبير في حجم العجز المتحقق بين هذين الشهرين من 263 مليارا إلى 112 مليارا وهو أقل من النصف لهو خير دليل على سعي الدولة نحو تحقيق هذا الهدف وكذلك على بدء ملامح عودة العافية إلى الاقتصاد اللبناني. ان التحدي الكبير أمامنا لازال يكمن في التوفيق ما بين إعادة التوازن في موازنة القطاع العام من خلال تعزيز وتحسين الجباية مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها المواطنون وترشيد الإنفاق العام من جهة وبالتالي تخفيض عجز الموازنة تدريجياً تمهيداً لإلغائه وتحريك عجلة الإنتاج من خلال الإنفاق من جهة أخرى. والسؤال الكبير هو في كيفية التوفيق بين سياسة التقشف وشد الحزام من جهة، وسياسة النهوض الاقتصادي من جهة أخرى؟ إن هذا التحدي يزداد حدة عندما يتبين لنا وبالأرقام التركة الثقيلة الموروثة ويكفي أن نعرف أن بند خدمة الدين العام الداخلي والخارجي، وبند الرواتب والأجور لعام 1993 يشكلان ما يقارب 50% من مجموع موازنة القطاع العام.

 في هذا السياق تبرز أهمية السياسة النقدية للحكومة والمبنية على تحقيق الاستقرار النقدي من خلال الاستقرار في سعر صرف الليرة اللبنانية. يقتضي هنا أن نفرق بين الاستقرار في سعر صرف الليرة وتثبيت سعرها. فالاستقرار في سعر صرف الليرة اللبنانية يسمح بتقلبات طبيعية غير حادة في سعر صرف الليرة اللبنانية. هذه التقلبات تأخذ بعين الاعتبار عوامل العرض والطلب العادية والموسمية والمبنية على العوامل والقواعد الاقتصادية الحقيقية لا الناتجة عن تأثيرات الحالات النفسية أو الاحتقانات السياسية التي ربما تكون منبثقة عن شائعات غير مبررة اقتصادياً وبالتالي تتولى السلطة النقدية معالجتها بما يتطلب من أساليب وإجراءات تحد من أثر التقلبات الحادة العارضة.

 إن ميزان المدفوعات اللبناني الذي كان قد حقق عجزاً بلغ قرابة 700 مليون دولار أميركي خلال نهاية الفصل الثالث من العام 1992 ما لبث أن عاد وانقلب ليحقق فائضاً صافياً في نهاية عام 1992 بلغ حوالي 50 مليون دولار أميركي. علماً أن المؤشرات الأولية للشهرين الأولين من هذا العام تشير إلى فائض في ميزان المدفوعات.

 يجدر بنا أن نشير إلى ما شهدته السوق النقدية خلال الأسابيع القليلة الماضية من احتقانات غير مبررة اقتصادياً دفعت ببعض من أرادوا استغلال تلك الشائعات أو من تضررت مصالحهم برغبة وتصميم الدولة في العودة إلى ممارسة دورها كحُكم وليس كحكم وكذلك في العمل نحو زيادة نسبة جبايتها وتحصيلها لمستحقاتها إلى الضغط على سوق القطع وربما تبعهم بعض من تخوفوا على مدخراتهم أن هي بقيت بالليرة اللبنانية.

 ولكن الدولة وكما شهدتم كانت حازمة في موقفها منطلقة من واقع اقتصادي متحسن بشكل تدريجي ليس فيه ما يبرر تلك الشائعات أو التخوفات. لذلك فسرعان ما انحسرت تلك الشائعات وعاد سوق القطع إلى طبيعته لا بل وحققت الليرة اللبنانية تحسناً محسوماً إزاء العملات الأجنبية وعادت السوق النقدية تدريجياً إلى الهدوء.

 بالمقارنة مع سياسة الاستقرار النقدي التي تعتمدها الحكومة وهي التي تسمح بالتقلبات البسيطة ضمن حدود معينة وهو أيضاً ما تحقق في عمليات السوق خلال الأسبوع الماضي يبرز موضوع تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية عند حد معين ثابت وهو عملية غير مبررة اقتصادياً في سوق تعتمد النظام الاقتصادي الحر ومبدأ تقويم العملة ولا تأخذ بعين الاعتبار كما أسلفنا عوامل العرض والطلب العادية والموسمية ناهيك عن التقلبات الحادة الناتجة عن أسباب ظرفية أو احتقانات سياسية بحيث تجعل الوضع الاقتصادي أسير الشكوك والتكهنات لا بل وفقدان الثقة بالمستقبل فيما لو ارتفع سعر الصرف ليرة واحدة.

 إن هذا الحديث يوصلنا إلى موضوع هام ينبغي علينا أن نلامسه ألا وهو سياسة الاستقراض لدى الحكومة. إن سياسة الحكومة الحالية تأخذ بعين الاعتبار موضوع اللجوء إلى سياسة الاستقراض وتمويل عملية إعادة البناء والاعمار وتمويل المشاريع الإنتاجية. إذ من غير الممكن تمويل خطة الدولة للنهوض الاقتصادي من خلال الموازنة العادية، علماً أن الموازنة، كما ذكرنا، هي في حالة عجز نسعى لتداركه، وهذا ما يجعلنا مضطرين لتمويل عملية النهوض الاقتصادي بوسائل متعددة:

  • إما عن طريق الهبات، وهو ما سنستمر في السعي للحصول عليه من خلال اتصالاتنا المتواصلة مع أشقائنا العرب والمؤسسات العربية والدولية المتخصصة والحكومات الصديقة.
  • وإما عن طريق القروض الميسرة لجهة الفائدة وفترة السماح ومدة القروض.
  • وإما عن طريق القروض العادية شرط أن تتلاءم شروطها مع طبيعة المشاريع المنوي تنفيذها.

 نحن ندرك أنه لاحتواء المخاوف التي يبديها البعض من اعتماد هذه السياسية التي لا بد منها في عملية النهوض الاقتصادي، فإنه ينبغي علينا- وهذا أمر من صلب سياسة الحكومة في هذا الشأن- أن لا نلجأ إلا إلى القروض الطويلة الأجل التي تنسجم شروطها مع طبيعة الاستثمارات المنوي القيام بها، بحيث تتناغم مصادر الأموال وطبيعتها مع استعمالاتها كي تستطيع الحكومة تسديدها عن طريق الإيرادات التي تعد بها تلك الاستثمارات. تجدر الإشارة إلى أن سياسة الحكومة تنطلق من حقيقة راسخة بأنها لن تلجأ إلى الاقتراض الخارجي لتمويل حاجات الاستهلال بل لتمويل المشروعات الإنتاجية التي تحقق إنتاجاً وتؤمن إيرادات على كافة الصعد للقطاعين العام والخاص.

 لذلك، فإن الدولة لن تلجأ إلى سياسة التوسع في الاقتراض ولاسيما التي سيصار إلى عقدها على أسس وشروط تجارية قبل أن تتأكد من أن اقتصادنا قادر على تحمل تلك القروض وأعبائها وبالتالي قادر على تسديدها في مواعيد استحقاقاتها.

 

أيها الأصدقاء،

 إن هذه المشاكل التي درسناها وبدأنا بوضع معالجات لها واتخاذ التدابير بشأنها قد بدأنا نتلمس إيجابياتها على كل صعيد. ذلك مما يبشر ببداية مرحلة الانفراج المالي والاقتصادي الذي بدأت تباشيره تظهر وتعكس جواً تفاؤلياً مع تحسن سعر صرف الليرة اللبنانية الذي حقق تحسناً كبيراً خلال الأشهر الثلاثة الماضية بما تزيد نسبته عن 35% بالمقارنة بما وصل إليه سعر صرفها خلال شهري آب وأيلول من عام 1992. وازدادت نسبة التحسن هذه بشكل واضح في النصف الأول من شهر شباط الحالي.

 إن هذه التباشير تؤكد سلامة الوضع الاقتصادي اللبناني وثقة اللبنانيين والعالم الخارجي بمستقبل الاقتصاد اللبناني ودوره الرائد.

 

أيها  الأصدقاء،

 إنها لأمانة، وإنها لمسؤولية، مسؤولية عظيمة أقدمنا عليها بقلب ملؤه الإيمان، والثقة، وبعقل منفتح، وبإرادة وعزيمة صلبة وكلها تصميم. فما تطمحون إليه هو بالتحديد ما نسعى إليه، وآمالكم هي آمالنا وأمانيكم هي أمانينا، ولكنها سوف لن تتحقق إلا بتضامننا وتعاوننا وتضحياتنا المشتركة. نحن ندعوكم إلى المشاركة في مسؤولية إنقاذ الوطن وفي الانخراط معنا في ورشة العمل، ورشة الإنقاذ، ورشة إعادة بناء لبنان لكي يخرج لبنان إلى العالم من جديد أكثر إشراقاً وأكثر عزيمة، وأشد تماسكاً وأبهى صورة، وليأخذ دوره الطليعي والحضاري المتجدد في محيطه العربي كما في العالم أجمع. ان الحكومة مصممة على إرساء مفاهيم الحرية والعدالة والمساواة، مصممة على إنجاح مسيرة التحرير والأمن والسلام والوفاق وإعادة الإعمار في لبنان. إن الحكومة جادة بكل ما أوتيت من قوة وعزيمة على توفير الحياة الكريمة للإنسان اللبناني وللمجتمع بأسره ولن تألو جهداً من أجل تحقيق هذا الهدف الذي يحكم تصرفاتها ويستغرق كامل وقتها وفكرها. نحن في هذه الحكومة نريد لهذا الشعب أن يحيا حياة عزيزة وكريمة ونريد للمواطن الازدهار والاستقرار والحرية. إن الحكومة مصممة على النجاح بكم ومعكم ومن أجلكم.

 

أيها الإخوة،

   نسأل الله تعالى في هذا الشهر الفضيل شهر التضحية أن يمنحنا الصبر والعزيمة للاستمرار في خوض معركة الإنقاذ لوطننا الحبيب لبنان.

التاريخ: 
14/03/1993