كلمة الوزير السنيورة في إفطار دار السلام

-A A +A
Print Friendly and PDF

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أيها السيدات والسادة،

 بين الفكرة والإنجاز، وبين الأمل والعمل، مشوار طويل ينجح فيه حتماً من كان دافعه الطموح والوفاء، وزاده الصدق والإخلاص، ووقوده الجهد والمال. ويزيده نجاحاً إذا كانت مقاصده فعل الخير، وإشاعة الفرح والسعادة، والتقرب إلى الله بالعمل الصالح لنيل مرضاته.

 تلكم هي دار السلام، الدار التي تحضن وترعى أمهاتنا وآبائنا، هي دار الوفاء، دار العطاء، دار المحبة. الوفاء لمن وهبوا الحياة بلا منه، العطار لمن كان عطاؤهم بلا حدود، المحبة لمن كانوا ينابيع محبة ورحمة. إنها نموذج حي من القادرين على عمل الخير، إنها نموذج مثالي لأصحاب الإرادات الطيبة، إنها نموذج لجماعات نذروا أنفسهم، وصبوا جهودهم وقدراتهم في عمل مجد من هذا النوع، إنها نموذج لمجموعة آثرت العمل على إعلاء كرامة الإنسان والرحمة بالإنسان، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بأمهاتنا وآبائنا، وهل من عمل أنبل وأشرف من البر بالوالدين. إنهم فتية بررة من أبناء صيدا، آمنوا بربهم، اجتمعوا على عمل الخير، وجهدوا من أجل وضع مشروع هذه الدار موضع التنفيذ، كانت انطلاقتهم من جمعية جامع البحر التي انبثقت عنها لجنة وضعت أسس هذا المشروع، ولقي هذا العمل النبيل استجابة رائعة من أبناء صيدا الذين دعموا الجمعية واللجنة ومشروعها دعماً يعبر أصدق تعبير عن أصالة هذا الشعب وتحسسه والتزامه العفوي بمشاكل مجتمعه ومبادراته الطوعية بمعالجة هذه المشاكل بكل صبر وثقة وإيمان. وليس ذلك بمستغرب فصيدا جزء من هذا الوطن الغالي، هي ابنة الجنوب، رمز التضحية والفداء والكرامة الوطنية، صيدا هي التاريخ، ينبض بالحياة ويستعيد نفسه، نار هي ونور، نار وحرب على المعتدين والظالمين، تحرق نفسها في سبيل التحرير والكرامة، والتاريخ القديم والحديث شاهد لو أنطقته لنطق بالبطولات، سطرت صيدا مع أبناء الجنوب أحرفاً مجيدة في مقاتلة العدو الصهيوني ودحره، ونور هي أضاءت مشاعل الحرية والأخوة، فكانت في الأحداث الأخيرة مثالا للعيش المشترك وملاذاً وملجأً لكل مهجر وخائف. وإذا كانت دار السلام نموذجاً للتضحية والعطاء، فإنها تعتبر أيضاً مثالاً يحتذى في العمل الدؤوب والخلاق في مواجهة التحديات ومصاعب الحياة، وتعطينا الدرس تلو الدرس، بأن ما من عمل جاد ومخلص إلا ويؤتى ثماره، ولو بعد حين، إذا اتسم بالصبر والعزيمة والأناة. إن مثل هذا الاتجاه قد أحدث مفهوماً جديداً للعمل الاجتماعي، بل للعمل التطوعي في المجالات الخيرية والإنسانية، أساسه التضامن والتكافل وفعل الخير، ويجب أن نتطلع إلى الكثير من هذه الجمعيات لأنها نموذج في التكافل الاجتماعي.

 لا أريد أن يفهم من ذلك أن تكون هذه الجمعيات بديلاً عن الرعاية التي تقدمها الدولة، ولا يجب أن تكون. فالدولة معنية بالرعاية الاجتماعية على مختلف أشكالها، ولا تستطيع أن تتخلى عن دورها في الرعاية الاجتماعية والإنسانية، فهذا جزء من دورها الأساسي في بناء الإنسان، وتوفير سبل الحماية والحياة والكرامة له. فالحرب اللبنانية طرقت بمآسيها كل باب، ولم توفر مواطناً أو عائلة أو منطقة إلا وأصابتها بشراراتها فأحدثت فيها دماراً وخلفت فيها جروحاً، وواجب الدولة، واجبنا، لا يقتصر فقط، على إعادة البناء والإعمار والنهوض الاقتصادي، بل جهودنا تنصب أكثر، ويجب أن تنصب على بناء الإنسان، على إحياء الإنسان الجديد، الإنسان الطموح، القادر والمتوثب، المتعالي على الجراح. واجبنا أن نقتل في إنساننا الشعور باليأس والإحباط، واجبنا أن نحيي فيه الأمل، أن ننفخ فيه روح القتال والنضال من أجل المستقبل ليتمثل من جديد بشراً سوياً، واجبنا أن نطلق له العنان، أن نحرره من القيود والعقد التي تشده إلى الماضي القابع في ظلمات التاريخ، وأن نشرع أمامه أبواب المستقبل، عريضة، زاهية بلا حدود، وأنتم مشاركون لنا في هذا الواجب، أنتم معنيون به وأنتم يا أهل دار السلام برعايتكم للإنسان، بحمايتكم للإنسان إنما تساهمون في بناء الإنسان، تعيدون للإنسان قيمته، وتعيدون للإنسان إلى قيمه الأصيلة، وتفتحون طريق المستقبل الزاهي بألوان الحياة الجميلة، وإننا لها معكم لسالكون.

 إننا في هذه الحكومة جادون في عملية الإنقاذ ولكن مسيرتها طويلة، إننا نحرث ونزرع ونحيي من جديد أرضاً أحرقتها الحرب وأماتت ما فيها من خصب، وعلينا أن نتحلى بالصبر لنحصد ثمرة هذا الزرع. إن اقتناعنا، نحن أبناء هذا الوطن وأصحاب القضية، بمسيرة الإنقاذ وضرورتها والعمل على إنجاحها هو الذي يقنع الآخرين بها، خصوصاً أولئك الذين نطلب عونهم ومساعدتهم، وإنا بها لمقتنعون، ولها لعاملون. إنها لمسؤولية، وإنها لأمانة، وإنا لها لحافظون.

  

أيها الأخوات والإخوة،

 يتهاوى الجسد، يذوي ويذبل، يهم العظم، ويشتعل الرأس شيبا، وتأبى شعلة الحب إلا أن تبقى في قلوب الآباء والأمهات. لا تنطفئ شعلة الحب في قلوب الآباء والأمهات. يسأم الجسد المتعب من ذاته، يبلغ من الكبر عتيا، ونبض القلب فيه ينتفض، يرتعش، ينفعل من الأبناء والأحفاد، في حالات الحزن والفرح، ونقف نحن عاجزين عن إدراك كنه وسر هذه الحياة، سر هذا الشباب، سر هذا الصبا للحب في الجسد المنكسر، المطوي والمنطوي على ذاته، ونحتار ونسائل النفس عن هذا السر، والجواب ليس عندنا، الجواب عند من يعلم السر وأخفى.

 نعم، انه سر الحياة، انه سر الوجود، سر الوجود كامن في قلوب الأمهات والآباء. كل العواطف والأحاسيس تبرد، تموت مع الزمن، يطويها الزمن طي السجل للصحف، وعواطف الأمهات والآباء، شعلة الحب في قلوبهم لا تنطفئ، لا يطويها الزمن، تبقى الأم إشراقة الفجر في ليل الدجى، تبقى نور الحياة، غسق الليل، وسكينة النفس، والأب هداة الحياة، وانسياب البحر على حبات الرمال العطشى. أليس جديراً بنا أن نعطي لأمهاتنا وآبائنا بعض السلام، ونجعلهم في ضمائرنا وملأ سمعنا وأبصارنا وأن نؤمن لهم شيئاً من الراحة لأجسادهم المتعبة، وان نؤمن لهم شيئاً من السكينة لأنفسهم المرهقة بعد رحلة العمر الطويلة والمضنية فيما تبقى لهم من حياة أو بقية حياة، وهي أساساً وغاية ومقاصد دار السلام، أليس البر أن نكون لهم قلوبا يسكنون إليها، بعد أن كانت قلوبهم طوال العمر لنا دارا تسكن إليها القلوب والأنفس؟

 

أيها الأخوات والإخوة،

 جبروت الرجال يسقط عند أقدام الأمهات، عظمة الرجال تضطرب خجلا أمام الآباء، نعمة الحياة فيهم، ومنتهى الرضى، رضاهم وحياتنا تغدو صحراء عند رحيلهم.

 قرة الأعين أنتم يا أمهاتنا وآباءنا، البر بكم صلاة، والتقرب إليكم تسبيح، ونيل رضاكم تعبد، ودعواتكم زاد لنا في الحياة وبعد الممات.

 "وقضى ربك ألا تعبدوا إلاّ إياه وبالوالدين إحسانا، اما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما، واخفض لهما جناح الذي من الرحمة، وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا". صدق الله العظيم.

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 وكل عام وانتم بخير.

السمرلاند- بيروت 11/3/1993

التاريخ: 
12/03/1993