كلمة الوزير السنيورة في لقاء مع مجموعة من أبناء صيدا بدعوة من نادي الروتاري

-A A +A
Print Friendly and PDF

أيها الأصدقاء،

 لكم أود أن أشكر نادي الروتاري على دعوته لي اليوم لألتقي مجموعة من الأصدقاء من أبناء مدينتي صيدا. أصدقاء نشأنا معهم وترعرعنا معا وعانينا من الحرمان معا وتأملنا وبنينا أحلامنا في بناء وطن تسوده العدالة والمحبة معا. كنا نلتقي في مناسبات عدة نجتمع ونتحاور. كنا نتفق في أحيان كثيرة على كيفية معالجة بعض المشاكل وكنا نرى تباينا في أفكارنا في أحيان أخرى، ولكن كان همنا الدائم ونحن جميعا خارج موقع المسؤولية المباشرة السعي بصدق وإخلاص وجدية نحو ما يمكن عمله لمساعدة وطننا لبنان على الخروج من محنته. أما اليوم فإنه لمن دواعي فخري وسروري وأنا في موقع المسؤولية أن التقي بكم أيها الأصدقاء وأنتم تمثلون نخبة تتميز برغبتها بالعطار الوطني والإنساني، وهي تعي أهمية العمل، وتدرك حق الإدراك قيمة الجهد، نخبة تعلم كم هو شاق ومضن ومكلف أن تبني، وأن تنتج، نخبة تقدر ما يتطلبه البناء من وقت وتضحيات وعزيمة وجرأة، نخبة تعرف أن ما من شيء يخلق من فراغ ولا شيء يقوم من العدم.

 العمل، أيها الأصدقاء، مسؤولية، ونحن في هذه الحكومة قد آلينا على أنفسنا أن نتحمل هذه المسؤولية، مسؤولية إعادة بناء مؤسسات الدولة والنهوض بالبلاد، وتنمية وتطوير المرافق العامة وتحديثها حتى تلبي احتياجات المواطنين ومتطلباتهم وتوفر الخدمات العامة وتيسير سبل الاستفادة منها وليس أقل من ذلك كله بل ومترافقاً معه مسؤولية تحرير الأجزاء المحتلة من الجنوب والبقاع الغربي من الاحتلال الإسرائيلي وتدعيم وتحصين الوفاق الوطني والوحدة الداخلية وتأمين مناخات الثقة بين اللبنانيين وتعزيز ركائز العيش المشترك على أسس من العدالة والمساواة والتآخي لكي يخرج لبنان إلى العالم من جديد أكثر إشراقاً وأقوى عزيمة وأسد تماسكاً وأبهى صورة وليأخذ دوره الطليعي والحضاري المتجدد في محيطه العربي كما في المحيط الدولي.

 إنها مسؤولية عظيمة أقدمنا عليها بقلب عامر بالإيمان وعقل منفتح وإرادة صلبة لا تضعف ولا تلين في مواجهة التحديات وبأمل كبير بمستقبل هذا الوطن وبثقة لا تتزعزع بهذا الشعب الواعد الذي برهن للعالم كله أنه قادر على مواجهة وتجاوز المصائب والصعاب. فالحرب العبثية التي فرضت علينا على ما أنزلت بنا من خراب ودمار على مدى سبعة عشر عاماً لم تنل من عزيمتنا ولا من تصميمنا ولا من إيماننا ولا من إرادتنا في إعادة البناء والنهوض.

 نحن نعي تمام الوعي أن مسؤولية إنقاذ الوطن ليست مسؤولية فئة دون أخرى ولا جماعة دون جماعة ولا مسؤولية تنفرد أو تتفرد بها الدولة إنما هي مسؤولية المجتمع. مسؤولية كل فرد منا وهو أمر يفرض علينا جميعاً بالتالي التعاون والتضامن والتآزر لتحقيق هذا الهدف الأسمى، هدف الإنقاذ والبناء لذا فإننا نتوجه إليكم عن وعي وإدراك بأن تشبكوا أيديكم بأيدنا وتنخرطوا معنا في ورشة البناء التي أقمناها وأن نعقد العزم على أن لا نترك هذه المهمة قبل إنجاز البناء الذي تحبون وترغبون وتأملون. فإعادة إعمار لبنان وإنقاذه كما تعلمون جميعاً، يرتد بالخير على كل فرد منا، والالتهاء بالخلافات والجدل العقيم يرتد على كل منا بالضرر وبسوء المصير وهذه الساعات التي نعيشها هي ساعات عمل علينا أن نستغلها لنبذل لنبذل فيها كل جهد ممكن لنتمكن من تحرير الأرض وكذلك العمل على إعادة البناء والإعمار فلا ينبغي تضييعها فيما يضر ولا ينفع يبدد ولا يجمع.

 إن أمامنا جميعاً فرصة تاريخية علينا أن نقتنصها لا أن نجعلها تفلت منا ونندم عليها كما ندمنا على فرص ماضية أضعناها.

 

أيها الأصدقاء،

 نحن في هذه الحكومة نتوجه إلى جميع المواطنين، نرغب إليهم أن يزودونا بالنصح والتوجيه والتصويب بل الانتقاد لما فيه الخير لنصحح معا أي تحول في مسيرة الدولة. إن مشاركة الشعب بكل فئاته وقطاعاته أمر مطلوب، والبناء الحقيقي للبنان لا يقوم إلا في ظل نظام ديمقراطي يقدر قيمة الجدية ويعلن شأن الرأي الحر وأهميته كما يقدر قيمة العمل والإنجاز. ولكننا نؤمن أيضاً بأننا إن التمسنا رضى جميع الناس فإننا نلتمس ما لا يدرك ونعلم ان نصف الناس أعداء لمن ولى الأحكام هذا ان عدل. إننا ببساطة كلية أصحاب نوايا طيبة نرغب بالعمل لما فيه مصلحة الوطن وإننا نبحث عن إرادات طيبة وفيكم منها الكثير.

 

أيها الأصدقاء،

 تعلمون ولا شكّ ما تعانيه الدولة من مشاكل وما يواجهها من تحديات على مختلف الأصعدة الإدارية والمالية والاقتصادية والاجتماعية. ولقد أدركنا منذ أن تسلمت الحكومة زمام القيادة والمسؤولية ما سوف تواجهه من عقبات وصعوبات ولكننا أقدمنا على تحمل هذه المسؤولية ورائدنا تجميع جهود وطاقات كل المخلصين من أبناء هذا الوطن نحو تحقيق هدف إعادة بناء الدولة.

 إن أي دارس لمشاكلنا الاقتصادية والمالية والاجتماعية والإدارية لا بد وان يتوصل إلى نفس التشخيص لتلك المشاكل وأيضاً إلى ضرورة العمل على تلبية الاحتياجات الكثيرة والكبيرة لشعبنا الذي عانى الكثير ما قبل سني الحرب الطويلة وخلالها من حرمان وافتقار إلى خدمات الدولة المختلفة. ولكن فكما أن التشخيص لتلك المشاكل والحاجات واحد كذلك فإن الحلول المقترحة هي أيضاً معروفة وليس هناك من حل سحري سريع من المطلوب التفتيش عنه.

 إن هذه الحكومة ترى بأن منطلقات تلك الحلول ينبغي أن تتمثل بالأمور الآتية مع الأخذ بعين الاعتبار الأولويات المستندة إلى الإمكانات المتوفرة حالياً والمتزايدة كماً ونوعاً بفعل العمل والإنتاج والسعي نحو تحسين مستويات الفعالية الإنتاجية:

 

أولاً:      استعادة المواطن الثقة بالدولة القادرة والعادلة والمسؤولة وذلك من خلال العمل المشترك على إزالة حالة العداء التاريخي بين المواطن والدولة وتحقيق المصالحة الحقيقية والثابتة بين المواطن اللبناني ودولته.

إن شعار هذه الحكومة هو احترام القانون وتطبيقه على الجميع دون استثناء واحترام المواطن وخدمته هو شعار نؤمن به ونلتزم بممارسته.

إننا ندرك بان للمواطن حقاً على الدولة يتمثل في الحصول على ما يبتغيه من خدمة سريعة وفعالة ضمن القوانين المعتمدة، كذلك الأمر فإن للدولة حقاً على المواطن في أن تستوفي منه كافة حقوقها الأمر الذي يمكنها من الاستمرار والسعي إلى تقديم خدمات أفضل وأكثر تطوراً لجميع المواطنين.

 

ثانياً:     تحقيق الإصلاح الإداري واتباع سياسة الثواب والعقاب بحيث ينال الموظف النشيط حقه منم التقدير ويستبعد الموظف الفاسد وهو الأمر الذي يساهم وإلى حد بعيد في تفعيل الإدارة وزيادة إنتاجيتها واحتواء الهدر الحاصل وبالتالي من تحسين مستوى خدماتها لجميع المواطنين.

 

ثالثاً:     تجهيز الإدارة بوسائل العمل الحديثة بغية رفع مستوى فعاليتها والاهتمام بأوضاع العاملين المعيشية وإعادة تأهيلهم عن طريق التدريب المكثف والعملي حتى تصبح الإدارة قادرة على استقطاب جيل جديد من الكفاءات الشابة والماهرة على مختلف المستويات وفي مختلف القطاعات.

 

رابعاً:     إصلاح النظام الضريبي في ضوء معايير اقتصادية واجتماعية تهدف إلى جعل هذا النظام أكثر عدالة في بعده الاجتماعي وأكثر انسجاماً مع مستلزمات النهوض الاقتصادي وإعادة الإعمار ودفع عجلة التنمية وتحفيز الاستثمارات الجديدة لزيادة الدخل الوطني وخلق فرص جديدة ومتزايدة للعمل لأجيال من شبابنا الصاعد. والحكومة على وشك إنجاز مشروع جديد للضرائب ينسجم مع هذه المنطلقات.

 

خامساً:   تعزيز الواردات من خلال تحسين جباية الضرائب والرسوم بشكل فعال بما فيها مستحقات الخدمات العامة من مياه وكهرباء وهاتف وغيرها. ولعل واردات الدولة التي تحققت خلال شهر كانون الثاني الماضي تعتبر مؤشراً هاماً نعمل على تثبيته وتعزيزه في الأشهر القادمة وكذلك العمل على تطوير وتعزيز المؤسسات المكلفة بالرقابة والتدقيق مما يساهم في حفظ حقوق الدولة وجباية مستحقاتها.

 

سادساً:   إعطاء الدولة المثل والقدوة للمواطن في ترشيد وضبط النفقات والإحجام عن الإنفاق غير المجدي وكذلك في احترام القانون والمعايير المستندة إلى الأخلاق.

 

سابعاً:    مكافحة الغلاء والاحتكار وتحقيق الاستقرار في سعر صرف الليرة اللبنانية ولاسيما عن طريق التقليص التدريجي للعجز في الموازنة. في هذا المضمار خطت الحكومة الحالية خطوات هامة نحو استقرار وتحسين سعر صرف الليرة اللبنانية، وكذلك في ضبط النفقات وأكثر من ذلك في زيادة واردات الدولة رغبة منا في خفض العجز في الموازنة.

 

ثامناً:     البدء بمسيرة النهوض الاقتصادي والاجتماعي ودفع عجلة الإنتاج وزيادة مستوى الإنتاجية وتوسيع القاعدة التصديرية للسلع والخدمات مستندين إلى الميزات التفاضلية للاقتصاد اللبناني وما يمكن أن يصار إلى تطويره من هذه الميزات. إن الإسراع في تنفيذ مشاريع البنية التحتية الأساسية من ضمن الموارد المادية المتاحة داخلياً وخارجياً هو من أولويات هذه الحكومة. فتحريك عجلة النشاط الاقتصادي والانتقال التدريجي إلى المجتمع المنتج الذي يكون فيه الإنتاج والإنتاجية المعيار الأساسي في التقييم لهو السبيل الوحيد لخلق فرص عمل جديدة لعشرات الألوف من الشباب اللبناني وكذلك لتحسين المستوى المعيشي لجميع اللبنانيين، ليس هذا فقط بل وأيضاً لإعادة تجذير اللبنانيين في أرضهم. إن خطة النهوض الاقتصادي التي ستعتمدها الحكومة بما فيها إعادة تأهيل وتوسيع البنى التحتية من كهرباء وهاتف ومياه وطرق لن يطول الوقت قبل أن يصار إلى تلزيم تلك المشاريع بعد أن بدأ بتحديد المؤسسات التي يمكن لها أن تلتزم تنفيذها ومن خلال مصادر التمويل التي يمكن للبنان الحصول عليها من مختلف المؤسسات الدولية والدول الصديقة.

 

 أيها الأصدقاء،

 لقد مضى على تسلم هذه الحكومة لمسؤولياتها حوالي ثلاثة أشهر ونحن لا نزعم بأننا حققنا الكثير ولكنني أقول أننا قد بدأنا بوضع الأساسات الصحيحة والركائز السليمة ليناء الدولة، ولدينا تصور واضح وخطوة علمية ومنهجية للنهوض الاقتصادي والبنيوي والاجتماعي وهذا ما عزز ثقة العالم بنا وأكبر دليل على ذلك القرض الأخير للبنك الدولي بقيمة 175 مليون دولار. ان أهمية هذا القرض لا تكمن فقط في قيمته المادية وهي ليست كبيرة ولكن في دلالته السياسية والاقتصادية لأنه ينطوي على ثقة المؤسسات الدولية بالنهج الذي تتبعه هذه الحكومة في سياساتها المالية والاقتصادية بعد أن حجبت عنا ثقة المجتمع الدولي خلال سني الحرب. لقد حصل لبنان على هذا القرض دون أن يفرط باستقلالية قراره الاقتصادي وبالتالي فإن هذا القرض سيشكل النواة التي سوف تتحلق حولها رغبات عديد من المؤسسات الدولية والحكومية الراغبة في مساعدة لبنان على اجتياز محنته وتمويل خطته للنهوض الاقتصادي.

 

أيها الإخوة،

 إن الحكومة بتوجيه من دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ رفيق الحريري مصممة على إعادة البناء والإعمار لأنها تريد لهذا الوطن أن يحيا من جديد مصممة على الإنقاذ وعلى توفير الحياة الحرة والكريمة للمواطن لأنها تريد للإنسان اللبناني أن يطوي صفحة المآسي والعذاب إلى الأبد مصممة على الإنماء المتوازن لكل قطاعات البلاد وكل المناطق دون استثناء مصممة على إرساء مفاهيم الحرية والعدالة والمساواة مصممة على إنجاح مسيرة الأمن والسلام والوفاق في لبنان، إن الحكومة مصممة على النجاح بكم ومعكم ومن أجلكم.

 

أيها الإخوة،

 الوطن هو وطنكم والبلاد هي بلادكم والأرض أرضكم وكلنا معنيون بهذا الوطن وتريدون ونريد أن يكون على مستوى طموحاتكم وعلى قدر آمالكم وطنا تباهون به الأمم وتتباهون به وطناً يعكس صورتكم الحقيقية صورة اللبناني المبدع والخلاق المتمسك بالقيم العليا قيم الحرية والعدالة والتسامح، ذلك الإنسان الذي كان له إسهامه المميز في الحضارة الإنسانية والعالمية. وإنها لفرصة متاحة أمامنا للإنقاذ والبناء والعودة إلى الحياة. إن أنظار العالم شاخصة بأبصارها إلينا وقلوب اللبنانيين في شتى أنحاء المعمورة تهفو وتتجه إلينا فهلا تمسكنا بهذه الفرصة، وهلا كنا على مستوى المسؤولية، وهلا أعدنا البسمة والفرحة إلى عيون أطفالنا؟

صيدا- 10/3/1993

التاريخ: 
11/03/1993