كلمة الوزير فؤاد السنيورة حول الأزمة الاجتماعية والمعيشية بدعوة من مجموعة الاقتصاد والأعمال

-A A +A
Print Friendly and PDF

إننا في تخطيطنا للمستقبل لا يغيب عن أذهاننا لحظة واحدة الأزمة الاجتماعية والمعيشية التي يرزح تحت عبئها المواطن، ولا نغالي إذا قلنا أنها تحظى بأقصى اهتماماتنا، وهي في ضميرنا، بل هي هاجسنا، وتستغرق كامل تفكيرنا، وحل هذه الأزمة يعتبر من الأولويات في برنامج عملنا الإنمائي، وهدفنا في سياستنا المالية والاقتصادية، وفي أساليب المعالجة التي ننتهجها ينصب في نهاية المطاف على تحسين مستوى المعيشة الذي انخفض بسبب الحرب، وزيادة الدخل الفردي لتحقيق مزيد من العدالة الاجتماعية ورفع مستوى المعيشة ولاسيما للطبقات الفقيرة والمتوسطة والمحاذرة من أن تصيب أعباء النهوض الاقتصادي ذوي الدخل المحدود، بل حرصنا هو أن تصيبهم حسناته وخيراته. وتواجهنا في هذا الشأن خيارات وقرارات صعبة علينا أن نأخذها بحيث نتمكن من التوفيق بين حاجات اليوم وحاجات الغد ومتطلباته، فلا تكون الثانية على حساب الأولى فنرهق شعبنا ونزيد المشكلة الاجتماعية، ولا تكون الأولى على حساب الثانية، فنربح كسبا جماهيريا مؤقتا لا نسعى إليه فنخسر المستقبل ودورنا في المنطقة ويتجاوزنا الزمن ونتخلف عن ركب التطور ونغرق في بحر من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي لا نجاة ولا قيامة لنا بعدها. فنحن بقدر ما نعمل ليومنا، فإننا نفكر ونعمل لغدنا، وواجبنا، والأمانة تقضي أن نصارح شعبنا ونطلعه على حقيقة أوضاعنا.

 إن بناء اقتصاد سليم يتطلب عملاً دؤوباً وجهوداً جبارة كما يرتكز على إرساء القواعد التالية:

 

  • تأمين الاستقرار الأمني والاقتصادي.
  • إعطاء الحوافز الضريبية وغير الضريبية وإزاحة العقبات أمام المستثمرين من اللبنانيين ومن غير اللبنانيين بشكل يكفل وضع لبنان على نفس المستوى التنافسي مع دول العالم الأخرى من اجل اجتذاب رؤوس الأموال المحلية والعربية والدولية.
  • إعادة بناء البنية التحتية.
  • مشاركة اللبنانيين في عملية النهوض الاقتصادي وإعادة البناء والاعمار.

 ولقد خطت الحكومة خطوات واسعة في تحقيق الأمن والاستقرار المالي والنقدي أما التشريعات الضريبية التي تحققت حتى الآن فهي مهمة جداً، فقانون ضريبة الدخل الجديد يهدف إلى توخي العدالة الضريبية وتشجيع الاستثمار لدى القطاع الخاص وزيادة مداخيل الخزينة، وذلك من خلال فرض ضرائب واقعية لا تشكل أعباء كبيرة على المؤسسات الإنتاجية بحيث تتمكن من زيادة طاقتها الذاتية في التمويل وتخفيض تكاليفها الإجمالية ورفع قدرتها التنافسية وزيادة إمكانياتها الإنتاجية وتوفير فرص عمل لعشرات الآلاف من الشباب اللبنانيين الذين يدخلون سوق العمل كل سنة. إن الحكومة تعتقد أن هذا القانون سيزيل عن كاهل ذوي الدخل المحدود أعباء كبيرة ويؤدي إلى زيادة حقيقية في دخلهم، كما أنه سيوفر فرصاً مجدية للمستثمرين ويحقق لهم ميزات تفاضلية في لبنان بالمقارنة مع بدائل في أقطار أخرى، ويدفع بالنتيجة بعجلة الاقتصاد اللبناني إلى الأمام. هذا فضلاً عن أن مجلس النواب قد أقر قانون ضريبة الأملاك المبنية وضريبة رسم الانتقال، واللذان يلحظان تخفيضات هامة على المعدلات الحالية ووفقاً لنفس الأسس التي اعتمدت في قانون ضريبة الدخل. ومما يؤدي إلى المساهمة في حل المشكلة الإسكانية التي يعاني منها اللبنانيون كافة. وهذه الحكومة فهي تدرك أيضاً أن الاستثمار وبدء عملية النهوض الاقتصادي بحاجة إلى بنية تحتية وتوفير خدمات متنوعة. ولقد دأبت الحكومة على وضع مخططات إعادة بناء البنى التحتية وتطويرها لكي تلبي حاجات لبنان المستقبلية وهي عبارة عن برنامج للإنفاق التنموي، يمثل رؤية وتطلعات هذه الحكومة للمستقبل والمسار الذي تريد أن تسلكه، ويهدف إلى تأمين البنية التحتية المادية من كهرباء واتصالات ومياه وصرف صحي ونفايات وطرقات ونقل مشترك وتطوير المطار والمرافئ، كما يهدف إلى تأمين البنية الاجتماعية من تعليم وصحة وتنشيط القطاعات الإنتاجية من زراعة وصناعة وخدمات وسياحة، فضلاً عن تعزيز قدرة بنك الإسكان على التمويل بزيادة موارده بمبلغ 100 مليون دولار، وتفعيل بنك الإنماء الصناعي والسياحي وتحريك عجلة العمل في بورصة بيروت وسعي الحكومة لدى مؤسسة التمويل الدولية، ولبنان عضو فيها، لتوفير قروض إضافية طويلة الأمد للقطاع الخاص ولاسيما المؤسسات الصناعية والسياحية.

 إن هذه الرؤية الشاملة لمعالجة الوضع الاقتصادي الاجتماعي على المديين المتوسط والطويل ترافقت أيضاً مع إجراءات للحكومة على المدى القصير. فلقد أولت الحكومة اهتمامها بالقضايا الاجتماعية إذ أن الاعتمادات المخصصة في موازنة عام 1994 للقضايا الاجتماعية بما فيها التربية بلغت حوالي 1540 مليار ليرة لبنانية أي حوالي 38% من إجمالي الموازنة. أي ما يفوق ثلاثة أضعاف ما كان عليه المجموع في موازنة 1992.

واهتمت الحكومة أيضاً بأوضاع الموظفين المعيشية بأسلوب علمي واقتصادي مدروس يؤدي إلى التخفيف من الأعباء المعيشية والتحسين في القوة الشرائية لدخلهم ويجنبهم الدخول الحتمي في حلبة السباق التي لا تنتهي بين الأجور والرواتب من جهة والأسعار من جهة أخرى.

 

نبع الصفا- 12/09/1994

التاريخ: 
12/09/1994