الرئيس السنيورة: إيران تزعزع الاستقرار وتغذي التوترات المذهبية

ألقى رئيس «كتلة المستقبل» الرئيس فؤاد السنيورة مداخلة في «المنتدى الدولي الرابع» الذي عُقد في مدينة باكو في أذربيجان تحت عنوان «نحو عالم متعدّد الأقطاب». وفي ما يلي الترجمة الحرفية للنقاط الرئيسية التي أثارها السنيورة في كلمته:

التغييرات الرئيسية التي شهدتها إيران

من الواضح أن إيران تشهد تغييرات مهمة انعكست من خلال حدثين رئيسيين: الاتفاق النووي ودور الفصائل المعتدلة في النظام الطائفي. لقد بدا أن الحدثين عززا من قوة الفصائل المعتدلة في النظام الطائفي، وهذا على الأرجح سينعكس بشكل جيد أيضاً على العلاقات الإيرانية مع الغرب. لكن في ما يتعلق بنتائج هذين الحدثين الرئيسيين على منطقة الشرق الأوسط، يبدو حتى الآن، أن التدخل الإيراني في هذه المنطقة يستمر في لعب دور سلبي في زعزعة استقرار كيان الدولة في العديد من الدول العربية، وفي تغذية التوترات المذهبية بين السنة والشيعة وبين المكونات الأخرى من مجتمعات هذه المنطقة.

 ازدواجية السياسات الإيرانية

اليوم حينما نتحدث عن إيران، علينا أن نفهم أن هناك قوتين على الساحة: القوة الأولى التي أدارت باقتدار المفاوضات مع الغرب ونجحت في رفع العقوبات الاقتصادية وبدأت بفتح الاقتصاد الإيراني، والفوز في الانتخابات الأخيرة. لقد تمكنت هذه القوى من إيصال رسالة قوية من الشعب الإيراني خصوصاً مع فئة الشبان في المجتمع الإيراني إلى الغرب، مفادها أنها تسعى إلى المزيد من الانفتاح والاندماج.

لكن هناك أيضاً قوة ثانية في إيران لا تزال تظهر جانبها الثوري في الشرق الأوسط، وتطبق سياسة تصدير الثورة مدعومة من نظرية «ولاية الفقيه» الدينية، عبر حدودها الوطنية والسياسية. وبالتالي، وبهدف تحقيق هذه الغاية، تم استثمار جهود وموارد كبيرة من خلال رعاية ودعم ميليشيات مسلحة في عدد من الدول بمن فيها اليمن، العراق، سوريا ولبنان. ومن خلال قيامها بذلك، زادت إيران من الانقسام السنّي - الشيعي الذي بدوره عزّز التطرف والعنف والإرهاب في المنطقة وخارجها.

من المفيد هنا الإشارة إلى أن تسمية هذه الناحية بالجانب الثوري لإيران، تسمية خاطئة لأن المفارقة هي أن إيران كانت تدعم النظام الاستبدادي في سوريا الذي يقمع انتفاضة شعبه. برأيي فإن إيران تستخدم الصفة الثورية المغلفة بالغطاء الديني من أجل إعطاء الشرعية الدينية لتدخلها في هذه الدول بهدف فرض هيمنتها على المنطقة العربية.

 استخدام الدين لخدمة الأهداف السياسية لإيران:

إذاً، استخدمت إيران الدين من أجل تحقيق طموحات سياسية.

بالأساس، فإن الصراع السني الشيعي ليس في إصوله صراعاً دينياً.

أصلاً، وقبل حوالى 1350 عاماً، وعقب وفاة النبي محمد، كان هناك انقسام سياسي حول هوية من يجب أن يتولى الخلافة. وهذا أدى إلى بعض الخلافات بين المسلمين، وأدى دوره إلى تشكيل مجموعة من الفرق الإسلامية التي أنشئت لاحقاً وعمّقت الخلاف من أجل تبرير استمرار الصراع.

هدأت حدة هذا الخلاف خلال القرون الماضية، لكنه في الفترة الأخيرة، وبخاصة بعد قيام الثورة الإيرانية وتأسيس الجمهورية الإسلامية في إيران في العام 1979، عاد وبرز وأجّج الصراع الإقليمي على السلطة والنفوذ، حيث بدأت إيران استخدام «الشيعية« وورقة الشيعة من أجل كسب المزيد من النفوذ في العديد من الدول العربية.

واستمرار تأجيج الانقسام بين هذين المذهبين اللذين يجب أن يحترما ويعترف بهما بشكل متساو، مثل اللعب بالنار. وإن لم يتم احتواؤه وإنهاؤه قريباً، يهدد هذا الصراع بترددات خطيرة ليس فقط في الشرق الأوسط بل خارجه وصولاً إلى الشرق والغرب.

عدم إمكانية استدامة الصراع الحالي والحاجة لمواجهته:

إن استمرار الصراع الإيراني العربي لا يشكّل توازناً مستداماً، أكان بالنسبة لغالبية العرب وبشكل خاص المعتدلين منهم، ولا بالنسبة للغالبية العظمى من الإيرانيين وبخاصة المعتدلين منهم.

عكست نتائج الانتخابات الإيرانية الأخيرة ضخامة الطلب المكتوم للإصلاحات والتقدم والحاجة إلى المضي في مسار التنمية والاندماج مع العالم الحديث. لا يمكن تلبية مثل هذه الطموحات في إيران سياسياً واقتصادياً إذا استمر تجيير هذا الكم الكبير من الموارد الاقتصادية والسياسية باتجاه دعم الصراع مع العالم العربي ودعم ورعاية الميليشيات خارج الحدود.

إن استمرار الصراع ليس في مصلحة أحد باستثناء المتطرفين في الجانبين. وبالتالي، فإن تطوير موقف متفاعل وواضح قائم على إدراك العرب والإيرانيين معاً بأن ليس من مصلحتهما زيادة حدة المواجهة والخلافات، لأن من شأن ذلك جلب الدمار والأضرار لهما معاً. إن مصلحتهما المشتركة تتطلب ممارسة جهود لتأسيس علاقات واضحة بينهما، قائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة. وفي غياب ذلك، فإن العرب والإيرانيين يستهلكان جميع مواردهما، ويدفعان شعوبهما باتجاه تقويض تنميتهما في المستقبل. وبالتالي، دفع العديد من شرائح شعوب المنطقة باتجاه اليأس الحقيقي، وواقعياً دفع العديد من العرب والإيرانيين باتجاه التطرف والراديكالية، الأمر الذي يدفعهم تالياً الى اللجوء إلى العنف.

إضافة إلى ذلك، فإن الصراع يدور لغاية اليوم على الأراضي العربية، واستمرار الصراع سيزيد من حجم هذه الكارثة الإنسانية، إلى جانب أنه سيكون مسؤولاً عن إرسال مئات آلاف السوريين بعيداً عن سوريا والعراق عبر البحر المتوسط في قوارب الموت والإهانات.

هذا الوضع ليس مستداماً أيضاً بالنسبة للغرب، الذي لا يمكنه أن يتعايش معه لأنه يدفع مباشرة كلفة استمرار الفوضى في الشرق الأوسط من خلال ازدياد نسبة الهجرة إلى أوروبا، والتي بدأت فعلياً بتحمّل تداعيات سلبية نتيجة زيادة التطرف على أرضها، والنتائج السلبية على الاقتصاد العالمي أيضاً.

 لصراع الإيراني العربي: آفاق التقارب بدل التباعد:

خلال معظم الألفية الماضية وأكثر، كان بين العرب وإيران قواسم مشتركة مهمة: التاريخ، الجغرافيا، الدين ومصالح عديدة مشتركة خصوصاً الاقتصادية منها.

وأهم حقائق هذه الحياة التي يجب أن يعترف بها الجميع في هذا الصدد هي أنه سيكون من المستحيل على إيران الهيمنة على العالم العربي أو جزء منه. من ناحية أخرى، سيكون من المستحيل على العرب عزل إيران، إلى جانب أنه سيكون مستحيلاً أن يؤدي الصراع السني الشيعي إلى انتصار مذهب على الآخر.

إن المقاربة البناءة للعلاقات العربية الإيرانية تتطلب من الطرفين التكيّف مع التغيير. هذا التكيّف قد يأتي نتيجة إدراك أنه ليس من مصلحة أحدهما الاستمرار في حالة العداء. إضافة إلى ذلك، من المستحيل لكليهما أن يكونا على مستوى التطلعات الكبرى لشعوبهما من دون التكيّف مع هذه الظروف المتغيّرة، وهو ما لا يمكن تحقيقه دون وضع حد نهائي لهذه العدائية والمواجهة.

لقد حارب الكاثوليك والبروتستانت بعضهم في أوروبا طيلة مئات من السنوات، وفي النهاية تعلموا أن ليس لديهم أي خيار سوى العيش جنباً إلى جنب. لقد حان الوقت بالنسبة للسنة والشيعة أن يتعلموا هذا الواقع البسيط من تجربة الآخرين. وأكثر من ذلك، فإن واقع ما يباعد بين السنة والشيعة أقل بكثير مما يباعد بين الكاثوليك والبروتستانت الذين أدركوا في النهاية وتعلموا أن عليهم القبول ببعضهم البعض والاعتراف ببعضهم البعض والعيش جنباً إلى جنب.

 إيران دولة أم ثورة؟

لا يمكن لإيران أن تستمر بالتصرف كدولة وثورة معاً. كما لا يمكنها تحويل نفسها من ثورة إلى دولة في حين أنها تواصل محاولاتها لتحويل الدول العربية من دول إلى ثورات. هذا ليس توازناً يمكن للعرب قبوله، كما أنه ليس توازناً يجب على الإصلاحيين في إيران القبول به أو هو حقيقة من مصلحتهم القبول به. إضافة إلى ذلك، إنه ليس من مصلحة الغرب القبول بهذا التدهور خصوصاً أن الغرب يدفع اليوم ثمناً مباشراً وثقيلاً لتفكك العديد من الدول في الشرق الأوسط. هذا التفكك مسؤول بشكل مباشر عن تداعيات كبرى ويساعد على تعزيز قوى التطرف في المنطقة. وأكثر من ذلك، يساعد على زيادة عدد اللاجئين في الدول الأوروبية وبالتالي تغذية عدم الاستقرار في المنطقة ويؤثر سلباً ويحمل تداعيات مدمّرة على العالم بمجمله.

لذلك، يجب حصول تغيير. سوف تدرك إيران قريباً أن عليها انتهاج مسار يحوّلها إلى دولة، وأن تقوم ببذل الجهود الضرورية لتطبيق الإصلاحات السياسية، الاجتماعية والاقتصادية في الداخل والتي هي مناسبة وضرورية.

. الحاجة للإصلاح في إيران:

رغم أني أدرك الحاجة الحقيقية لإحداث إصلاح جدي وواسع في إيران، إلا أني أفضّل عدم الخوض في هذا الموضوع.

 الحاجة للإصلاح في العالم العربي:

لقد أظهرت التجربة أن جهوداً حقيقية يجب أن تُبذل في العديد من مناطق العالم العربي ولو بدرجات مختلفة، من أجل تطبيق أجندة إصلاحية لتحقيق التقدّم والنمو ومواجهة التحديات الخطيرة المتمثلة بالتطرف والإرهاب.

عندما يتعلق الأمر بالإرهاب، لقد أصبح واضحاً وجلياً أنه من الضروري إنقاذ الإسلام واستعادته من أولئك الذين يحاولون خطفه. وبالقيام بذلك، يمكن إنقاذ العالم العربي من خطر الوقوع في محظورات النزاع الدموي القاتل للأصوليين، وبالتالي مواجهة تحديات التطرف والحركات الإرهابية. لا يمكن تحقيق هذا الهدف من خلال اللجوء إلى استخدام القوة بمفردها، بل يتطلب أيضاً انتهاج وتطبيق جهود حقيقية تهدف إلى اعتماد وتطبيق برامج الإصلاح الديني الضرورية بما فيها إصلاح مناهج التربية الدينية للشبان. برامج الإصلاح هذه يجب أن تضم رجال الدين وأولئك الذين يفترض أنهم رائدون في الدعوة إلى الانفتاح المعتدل، التسامح، التحديث واحترام حقوق الإنسان والحريات العامة والخاصة.

هناك حاجة ملحّة لتشجيع الفكر النقدي في المجتمعات العربية، ومساعدة الأجيال المقبلة التي تتوق للعيش في مجتمعات متطورة، معتدلة وحديثة بعيداً عن التوتاليتارية، الطغيان والتطرف.

وفي هذا الإطار، من المفيد احتضان البيانات الهامة التي نشرت أخيراً نتيجة المبادرات التي تبنّتها: الإعلانات الأربعة عن الأزهر في مصر، إعلان المقاصد في بيروت لبنان: «إعلان بيروت عن الحريات الدينية»، وإعلان مراكش في المغرب: «حقوق الأقليات الدينية في المجتمعات ذات الغالبية الإسلامية». من الضروري جداً احتضان هذه البيانات ودعمها على أوسع نطاق.

تسوية مسألة الأقليات في العالم العربي من خلال وضع أسس الدولة المدنية الحديثة، واتباع هذا المسار تدريجياً. وهذا يعني التقدّم على مسار إنشاء: دولة مدنية في العراق، سوريا، ليبيا واليمن، حيث جميع مكونات هذه المجتمعات متساوية في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الأثنية، الدين أو المذهب، وحيث يجب أن تضم جميع مكونات هذه المجتمعات من دون استثناء أو تهميش. إن إقامة دول مدنية في هذه المجتمعات يصبح العامل الأول والأساس في تأسيس عقد اجتماعي وسياسي جديد.

 تأثير هبوط أسعار النفط والحاجة إلى التأقلم سريعاً مع هذه الصدمة الاقتصادية، المالية والاجتماعية:

إن أسعار النفط المنخفضة والخطر بغرق الاقتصاد العالمي مجدداً في الركود، يجب أن يشكّل حافزاً حقيقياً لإيران كما للعالم العربي للتفتيش عن مصالح اقتصادية مشتركة، والبدء بالعمل جدياً من أجل خلق فرص جديدة للتنمية والنمو لشعوبهم خصوصاً الشبان، عوضاً عن الاستمرار في استنزاف مواردهم في هذا المسار غير المستدام بتمويل الصراعات التي لن تحقق لشعوبهم أي انتصار محتمل.

 الحاجة الماسة لعكس مسار التدمير واعتماد سياسات تؤدي نحو التنمية والنمو الناشئ:

التنمية والنمو حاجتان ماستان في المنطقة لمحاربة التطرف والإرهاب الذي غالباً ما يتغذّى على الجهل والحرمان.

المصلحة الحقيقية للغرب هي في المساهمة في تحقيق هذه الغاية. للغرب مصلحة في المساعدة على تحويل منطقة الشرق الأوسط من منطقة نزاعات ومشاكل إلى منطقة فرص. في الوقت الحاضر، تتراجع العديد من المناطق في العالم: الصين تهدأ، أوروبا الغربية تلاقت، أميركا اللاتينية وصلت الى القمة وأفريقيا تفتقد إلى إمكانيات الطلب. فقط الشرق الأوسط مع قاعدته السكانية الواسعة والشابة والتواقة يمكنها توليد الطلب المكبوت الذي يحتاج إليه العالم بشدة اليوم.

لقد أهدر العالم العربي وإيران العديد من الفرص للحاق بالتطور العالمي نظراً لفشلهم في حل مشاكلهم التي كانت تتجيّش. الربيع العربي كان من الفرص المهدورة، لكن ومع ذلك، نعتقد أن شيئاً تغيّر ولا تزال هناك فرصة. الحاجة للقيام بما اصبح متأخراً في قضية فلسطين:

لكي يتحول الشرق الأوسط حقيقة من منطقة نزاعات إلى منطقة فرص، هناك العديد من المشاكل المزمنة التي تحتاج إلى معالجتها بعيداً عن الصراع الإيراني العربي، وأهم هذه المشاكل القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني بالعدالة والحرية.