الرئيس السنيورة : هل يقوم رئيس الولايات المتحدة بالإيحاء إلى اتفاقية سايكس- بيكو جديدة في المنطقة

اعتبر رئيس كتلة المستقبل النيابية الرئيس فؤاد السنيورة ان المسؤولية الآن تقع على كاهل العرب المعتدلين فيما يخص الحثّ على القيام بالإصلاحات الدينية في المنطقة وفي تبني المبادرات الهامة.

 ومن هذه المبادرات على سبيل المثال: (الإعلانات الأربعة للأزهر في مصر، وإعلان جمعية المقاصد في بيروت، لبنان: إعلان بيروت حول الحريات الدينية" وإعلان مراكش في المغرب: "حقوق الأقليات الدينية في المجتمعات ذات الأكثرية المسلمة"

وقال الرئيس السنيورة : في هذا العالم الذي يتراجع فيه النمو الاقتصادي في أكثر المناطق الأخرى وتنحسر قوتها الاقتصادية، يمكن أن يكون الشرق الأوسط وبفضل موارده الهائلة ولكن أيضاً بفضل حجم الطلب المكبوت لديه، مصدراً هاماً لنمو الاقتصاد العالمي. ولكن هذا الأمر يتطلّب دعماً من المجتمع الدولي وبذل المزيد من التعاون والتكامل الاقتصادي في المنطقة أيضاً لتوزيع الموارد بشكل أفضل وأكثر فعالية.

اضاف الرئيس السنيورة : التاريخ لم يكن عادلاً مع العرب، فلا يزال الفلسطينيون يدفعون ثمن أخطاء الآخرين، أخطاء ارتكبتها أوروبا في خلال القرن الماضي. وساهمت هذه الأخطاء في خلق المأساة الفلسطينية. أزمة تُعتبر مصدر معظم الشرور في المنطقة ومصدراً لمشاعر الذل والهزيمة كلّها التي يعاني ويقاسي منها العرب

وسال الرئيس السنيورة : هل يقوم رئيس الولايات المتحدة بالإيحاء إلى اتفاقية سايكس- بيكو جديدة ولكن مع لاعبين إقليميين (السعودية وإيران)، بدلاً من القوى الاستعمارية القديمة (بريطانيا وفرنسا) هادفاً إلى تقسيم المنطقة ضمن شقّين: بين النفوذ والاحتفاظ بالسلطة، تكون قائمة على أسس دينية وطائفية؟ استنادا الى كلامه الى مجلة اتلانتيك التي قال فيها : أنه ينبغي على السعوديين أن يتعلّموا تقاسم المنطقة مع إيران

ومضى الرئيس السنيورة قائلا : من قال إنّ شعوب المنطقة وبلاد الشام على وجه الخصوص، موافقة أن تكون تحت رعاية هذه أو تلك القوة الإقليمية؟

كلام الرئيس السنيورة هذا ورد في محاضرة له الاسبوع الماضي  في كلية فليتشر للقانون والدبلوماسية-  في جامعة تافتس في بوسطن تحت عنوان : "الشرق الأوسط الناهض: المخاطر والفرص ".

وفي ما يلي نص المحاضرة :

سيداتي وسادتي،

أصدقائي الأعزاء،

تحية وبعد،

 أنه لمن دواعي سروري أن أكونَ معكم اليوم في هذه الكلية العريقة.

 اليوم، يتم إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط الناهض كما يتم إعادة دمغ تاريخه بالدم والدمار والمعاناة.من اليمن إلى العراق وسوريا ووصولاً الى ليبيا، دمرت الحروب الأهلية المستشرسةُ الدولَ وشرّدت الأُمم وبددّت مستقبل الاجيال. وما يضيفإلى التعقيد في هذا اللغز الجيوسياسي، هوالسلام المحفوف بالمخاطر في لبنان واستمرار الاحتلال في فلسطين.في الوقت ذاته، لا يزال الاستقرار بعيد المنال في مرحلة ما بعد الثورة في تونس ومصر حيث يواصل المسلحون المتطرفون تشكيل تهديد جدي على الأمن والتنمية والتطور على حد سواء.

 وعندما نلقي نظرة على المنطقة، لا يرى الكثير من أمثال المهاجرين (سواء أكانوا مهاجرين سياسيين أو اقتصاديين) أي فسحة أمل في الأفق، وبالتالي يركبون في قوارب الموت والذل هاربين، رامين أنفسهم في غمار البحار. أماالبعض الآخر، مثل الرئيس بوتين، فيرى في ذلك ميداناً مفتوحاً أمامه للطائرات والصواريخ، وفرصةً لفرْض وعرْض عضلاته العسكرية ولاستحقاق الهيبة المفقودة من جديد.في حين أن آخرين، مثل الرئيس أوباما، ينظرون إلى المنطقة ويرون مدينة "غوثام"، "وهي مدينة فاسدة تسيطر عليها العصابات وقطاع الطرق،فيأتي عندها المهرج أو الجوكر ويضرم النار بالمدينة كلها". ويبدو أن فكرة وجود منطقة ميؤوس منها شكّلت احد الأسباب التي دفعت الإدارة الأمريكية إلى الحدّ من اهتمامها بمنطقة الشرق الأوسط.

ولكن هل هذه المنطقة ميؤوس منها حقاً؟ وهل شعوبها محكوم عليها بالعيش إما تحت وطأة استبداد الحكام أو الخضوع لعدمية الإرهاب والتطرف؟ وهل كان الربيع العربي مجرد سراب في وسط صحراء قاسية وفارغة؟

في الواقع، اسمحوا لنا أن نتحدّث بصراحة محضة ونطرح الأسئلة التي تجول في بال معظمكم، سواءً في السرّ أو في العلن: ممن يشكو العرب؟ ممن يشكو المسلمون؟ لماذا لا يمكنهم أن ينخرطوا بسهولة في ما أصبح اليوم حضارةً عالميةً للحرية، وللحقوق الفردية والمدنية وللانفتاح؟

هنا، لا يجدر بنا أن ننسى معاناة منطقة الشرق الأوسط من زعزعات كبيرة وبشكل مستمر على مدى العقود السبعة الماضية، بدءًا من قيام دولة إسرائيل والنكبة المستمرة للاجئين الفلسطينيين والاحتلال الإسرائيلي المتجذر والقاسي في الضفة الغربية والتي لم تنتهِ بعد مع استمرار الفاجعة في سوريا والعراق وانهيار التوازن الاستراتيجي في المنطقة.

 ويتساءل المرء، من هو المسؤول عن هذه الزعزعات كلّها؟ فمن جهة، طوعاً أو كرهاً، فقد قامت القوات الغربية بلعب دور رئيس في التسبب في الكثير من مآسي العرب. مآسٍ أدت إلى وضع البلاد العربية الراهن.بعدها، استقال هؤلاء اللاعبون الغربيون من دورهم الأخلاقي والسياسي وتنحوّا حتى عن رغبتهم في المساعدة لإيجاد حلول لهذه المشاكل. بدايةً، بدأ هذا الوضع مع المشكلة الفلسطينية ولم ينتهِ بعد إذ إستمرّ بدعم الغرب المباشر أو غير المباشر للأنظمة العسكرية في المنطقة؛ هذه الأنظمة التي بدورها لطالما شجعت ورعت واستغلت المتطرفين، مستعينةً بهم لابتزاز الغرب. ولم تكتفِ بذلك، بل قامت هذه الأنظمة أيضاً بابتزاز المعتدلين والأقليات في العالم العربي عبر استخدام المتطرفين للتهويل بهم.

لذلك، يُلقى اللوم وإلى حد كبير على الدور التاريخي الذي لعبه الغرب في قيام دولة إسرائيل، وفي قيامه بدعم الكثير من الأنظمة العسكرية بشكل مباشر أو غير مباشر، مروراً بدعم المجاهدين في أفغانستان (الأمر الذي فتح صندوق باندورا الذي يتضمن الشرور المتجسدة بالتطرف كلّها)، وصولاً إلى تغيير النظام في العراق.

ومع ذلك، اسمحوا لي أيضاً بأن أوضح بشكل أكبر:أنا لا أجرّد العرب من مسؤولية ما آل إليه الوضع الحالي.فهم يتحمّلون جزءاً كبيراً من المسؤولية، لا سيما بسبب الفشل المتراكم على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية كما في كيفية إدارة الشؤون العامة بشكل عام.في الواقع، قام الكثير من السياسيين والمفكرين في المنطقة بإطراء الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية في الشرق الأوسط معتبرين أنّها ضرورة قصوى وليست خياراً. وبالإضافة إلى ذلك، فأنا أعتبر شخصياً أنّنا بحاجة ماسة إلى إصلاحات دينية جدية، وخاصة في طريقة فهم الإسلام وممارسته وتدريسه من أجل التوصل إلى فهم أفضل للروح الحقيقية للإسلام التي تدعو للشفقة والرحمة والتسامح والتعارف وبالنهاية إلى قبول الآخر بشكل أفضل.

ولكن التاريخ لم يكن عادلاً مع العرب، فلا يزال الفلسطينيون يدفعون ثمن أخطاء الآخرين، أخطاء ارتكبتها أوروبا في خلال القرن الماضي.وساهمت هذه الأخطاء في خلق المأساة الفلسطينية. أزمة تُعتبر مصدر معظم الشرور في المنطقة ومصدراً لمشاعر الذل والهزيمة كلّها التي يعاني ويقاسي منها العرب فيما يشهدون على إخوتهم وأخواتهم الذين لا يزالوا يعانون من ذل الاحتلال ومن الممارسات العنصرية التي ترتكبها إسرائيل في الضفة الغربية والقدس.

لقد تمكّنت الأنظمة العسكرية والاستبدادية من الاستيلاء على السلطة في عدد من الدول العربية بحجة إسرائيل، بدءاً من الأربعينات من القرن الماضي ودامت حتى الستينات، حيث حكمت هذه الأنظمة بقبضة من حديد، واعدةً باستعادة الأرض المحتلة واسترجاع الكرامة المفقودة، غير أنّها خسرت كلاهما معاً، ولم تقم إلا بإدامة أنظمة حكمها.هذه الأنظمة، التي فشلت في تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية اللازمة فشلت أيضاً بتحقيق النمو والازدهار. ولطالما كان الغرب يشجعها ويدعمها عندما كان يرى في وجودها منافع له.وعندما تدخَّل الغرب لتغيير نظامٍ بالقوة، كما الحال في العراق في العام 2003، فإنّ ذلك قد تسبّب بالمزيد من الفوضى من خلال تدمير مؤسسات الدولة والسماح للقوات الإقليمية المعاكسة بملء الفراغ. أليس من الواضح أن الفظائع التي يشهدها العراق اليوم هي نتيجة مباشرة لتفكيك الجيش العراقي في العام 2003 وبعدها في سقوط الدولة العراقية تحت تأثير الميليشيات المسلحة؟ ألم يكن القضاء على مؤسسات الدولة في العراق دعوة لإيران لبسط نفوذها وهيمنتها في هذا البلد وعبر ومن بلاد الشام وزعزعة استقرار المنطقة بأكملها من خلال إشعال فتيل الانقسامات الطائفية والعرقية؟

 وطالما نحن في الحديث عن إيران، فلقد قال الرئيس أوباما في مقابلة أجراها مؤخراً مع مجلة ذي أتلانتيك أنه ينبغي على السعوديين أن يتعلّموا تقاسم المنطقة مع إيران.ونحن كعرب معتدلين ونمثل الغالبية الساحقة فإننا نريد أفضل العلاقات مع ايران التي نشاركها الجغرافيا والتاريخ والثقافة والمصالح الاقتصادية والاجتماعية.فنحن نريد علاقات أخوية ودية مع ايران، تستند على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. وبصراحة، أعتقد أن السماح لإيران ببسط نفوذ أكبر في شؤون العالم العربي من شأنه أن يعقّد أكثر ويعمِّق المشاكل المعقدة في منطقتنا بدلاً من أن يحلّها.

وبالإضافة إلى ذلك، فهل يقوم رئيس الولايات المتحدة بالإيحاء إلى اتفاقية سايكس- بيكو جديدة ولكن مع لاعبين إقليميين (السعودية وإيران)، بدلاً من القوى الاستعمارية القديمة (بريطانيا وفرنسا)هادفاً إلى تقسيم المنطقة ضمن شقّين: بين النفوذ والاحتفاظ بالسلطة، تكون قائمة على أسس دينية وطائفية؟

 وهنا اسمحوا لي أن أطرح الأسئلة التالية:

 أولاً، من قال إنّ شعوب المنطقة وبلاد الشام على وجه الخصوص، موافقة أن تكون تحت رعاية هذه أو تلك القوة الإقليمية؟
ثانياً، ما هيمطالب ايران ازاء شعوب المنطقة؟ أم أننا ببساطة نتقبل الأفكار الخطيرة والمزعزعة للاستقرار التي تجعل الروابط الطائفية تتجاوز الروابط الوطنية؟ وهذه الأفكار هي الوصفة لصراعات لا متناهية في المنطقة.

 ثالثاًوهي النقطة الأهم، كيف تمكّنت ايران من توسيع نفوذها لتصل إلى وعلى مدى ضفاف البحر الأبيض المتوسط؟ ألم يكن تدمير دولة العراق الذي يعتبر الدولة الحاجز، وبعدها تجاهل ما أفضت إليه نتائج الانتخابات العراقية وبالتالي دعم الحزب المدعوم من إيران وكل ذلك دعوة مباشرة لإيران لبسط نفوذها على بلاد الشام؟ ألم يكن التزايد في حدة التطرف الشيعي دعوة لتعزيز صعود التطرف السنّي من أجل الحد من محاولات إيران لتصدير الثورة الإسلامية إلى جانب اعتماد نظرية ولاية الفقيه التي يتم تطبيقها عبر الحدود الوطنية والسياسية وسيلة لقلب التوازن، وذلك وفقاً لما يمليه المرشد الأكبر؟

 أنا لا أسعى إلى توجيه أصابع الاتهام. في النهاية، نحن جميعاً غارقين في مجرى النهر الموحل نفسه. إن الأحداث الجارية في آسيا وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وتزايد الإرهاب في جميع أنحاء العالم، تظهر أن المارد الشرير قد خرج من قمقمه وأنّ العالم كلّه أصبح في خطر.

لا يمكن للولايات المتحدة أن تستريح ببساطة في المقعد الخلفي وتترك الأمر لروسيا وإيران لأخذ زمام المبادرة في المنطقة.ولا يمكن لأوروبا أن تختار ببساطة أن تشيح بنظرها عن جذور المشكلة، وأن تستمر في الانغماس والجدال بشكل متواصل في قضية اللاجئين والهجرة وأن تسعى لتفسير معنى الحدود، وهذه كلها مسائل هامة ولكن ليس بنفس أهمية العمل الجاد على إنهاء الحروب التي ولّدت هذا التدفق من اللاجئين بشكل أساسي.وفي الوقت ذاته يجري السماح لإيران بالتفاوض مع الغرب كدولة والاستمرار في التصرف في الشرق الأوسط كجهة وكإيديولوجيا مصدِّرة للثورات.ومن جهتهم، لا يمكن للعرب أن يلقوا اللوم كله على نظرية المؤامرة الكبرى وأن يتجنبوا النظر إلى أنفسهم في المرآة ويستوعبوا كيف أهدروا الكثير من الفرص في الماضي، وكيف أنهم يجدون نفسهم اليوم أمام أجيال سبقها التقدم والتطور بأشواط.

 سيداتيوسادتي،

أظنّ أنه أصبح لزاماً علينا جميعاً أن نتقاسم العبء كما والاتفاق على استراتيجية تتألف من أربعة مسارات متوازية يجب تبنيها على المستويين العالمي والإقليمي:

  • إيجاد حلول دائمة للمشاكل البديهية والاساسية من خلال العمل على التصدي ودرء الاحتلال والدكتاتوريات في آنٍ واحد، وعلى أن يتم في ذات الوقت العمل على تشجيع الاعتدال باعتباره وسيلة فعالة ومستدامة لمحاربة التطرف.
  •  بناء دولة مدنية متينة: ويكون ذلك بالتمسك بسيادة القانون والتصدي بشكل صحيح وقاطع لقضايا الأقليات والحقوق المدنية للجميع، في حين يتم تعزيز الحريات العامة والخاصة. كما يجب تطبيق اللامركزية في الحكومات في المكان والزمان المناسبين والسماح للمجتمعات المحلية أن يكون لها دور أكبر في إدارة الشؤون الداخلية، والتي ينبغي عليها ان تقوم بدورها بتعزيز المساءلة والمحاسبة والحكم الرشيد بشكل أفضل في الإدارات الحكومية كلّها على مختلف مستوياتها مهما كان حجمها.
  • الحثّ على المباشرة في الإصلاحات الدينية الضرورية.
  •  المباشرة في وضع « مشروع مارشال » اقتصادي للمنطقة، يهدف لأن يعزز أيضاً التكامل الإقليمي الداخلي ويحوّله من أرض التحديات إلى أرض الفرص.

 اسمحوا لي أن أتوسع قليلاً في شرح هذه النقاط التي هي من مسؤولية الأطراف كلّهم: الغرب والعرب والإيرانيون.

أولاً:لقد تسبب الاحتلال بحالة الذل والفشل، وبخاصة في عدم إحراز تقدم في تحقيق مطالب الفلسطينيين بحقهّم من أجل إقامة دولة مستقلة سيّدة لنفسها وقابلة للحياة. كل ذلك شكل البيئة المثالية للأنظمة الاستبدادية وأنصارها كي تزدهر. فلطالما مرّت "الطريق إلى القدس" من خلال هذه أو تلك المدينة العربية، كما تنصّ الجملة الشهيرة التي تكرر استعمالها، ولكن للأسف لم تتمكن من أن توصل الفلسطينيين قط إلى القدس.وفي الوقت نفسه، قامت الأنظمة الاستبدادية، وغالباً ما تعرف على أنها فاسدة وجشعة، برعاية البيئة المناسبة لولادة التطرف والعناية به وتكاثره. ومن ذلك فإنّ هذه الشعارات من "الإسلام هو الحل" و"الجهاد هو الجواب" لا تتأتى من جذور مفاهيم دينية إسلامية متمرّسة،بل هي في الحقيقة نتاج الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

 ولذافإنّ فكرة تشجيع سلام عادل ودائم في فلسطين جنباً إلى جنب مع تحقيق مبادرة السلام العربية، التي أطلقت في بيروت عام 2002، فضلاً عن دعم التحول السياسي وانتقال السلطة سلمياً في سوريا، والتأكيد على وجود تمثيل أفضل في العراق يحتضن كل المكونات العراقية، وفي حين يتمّ الحفاظ على وحدة كل بلد وشعبه، من الشروط الأساسية والضرورية للبدء في عملية القضاء على التطرف من جذوره.

انه وهنا يجب التنبّه سيداتي وسادتي، إلى أنّ اعتماد أي استراتيجية أخرى يُظن أنها تهدف إلى مكافحة التطرف ولكن لا تأخذ بعين الاعتبار إيجاد الحلول الناجعة لهذه المشاكل الجذرية تصبح مضيعةً للوقت والمال؛تماماً مثل نظرية الأوعية المتصلة أو المستطرقة: حيث يتمّ الحدّ من الضغط في مكان ما فقط لنجد انه يتضاعف في مكان آخر!

وبالإضافة إلى ذلك، فقد حان الوقت أن نستخلص الدروس المناسبة والحاسمة من التاريخ.فكما لا يمكن للأنظمة الاستبدادية أن تكون موازنةً للتطرف، فإنه أيضاً لا يستطيع نوع آخر من التطرف أن يشكل بوجوده في المقابل توازناً مستداماً. إنّ استيراد الميليشيات الشيعية من العراق ولبنان واليمن وأفغانستان لمحاربةالدولة الإسلامية في العراق وسوريا،ودعم الأسد يشكل وصفةً لمزيد من الدمار والمزيد من التهجير والمزيد من التطرف لدى كل جانب. وكما اتضح من تجربة الصحوات في العراق التي وضعها بكل براعة الجنرال بتريوسفي ذلك الوقت، فإنه لا يمكن هزيمة السنة المتطرفين إلا من خلال السنة المعتدلين. وهذا الأسلوب من المواجهة أمر ينطبق على كيفية مواجهة جميع أشكال التطرف. ولذلك يشكّلدعم القوى الديمقراطية ودعم الاعتدال في المنطقة، بالإضافة إلى إيجاد الحلول الحقيقية للمشكلات البديهية والأساسية في المنطقة بدءاً من فلسطين، الطريق الأقل كلفة والأكثر فعاليةً لمحاربة التطرف العالمي بنجاح وبشكل مستدام.

وأيضاً ضمن هذا الإطار: لا يمكن لإيران أن تستمر في التصرف كدولة وثورة في آن. فليس من مصلحة الغرب تقبّل التفكك المستمر لدول عدّة في المنطقة نتيجة للتدخل الإيراني، ولا سيما أن الغرب يدفع الآن مباشرة ثمناً باهظاً لهذا التفكك. فمن مصلحة هذاالغرب الذي يعمل الآن على تحسينعلاقته مع ايران، أن يجعل هذا الأمر واضحاً للإيرانيين. حيث يجب على إيران أن تدرك أنه لا يمكنها أن تهيمن على العالم العربي كما يجب على العرب أن يدركوا أنه سيكون من المستحيل عزل إيران.

 ثانياً:فيما يتعلق بمسألة بناء دولة مدنية متينة، فإنه وفي الواقع لقد أصابت فكرة الدولة في جميع أنحاء العالم كثير من الوهن مع التحول الجاري لمصلحة أهمية اللاعبين غير الحكوميين. وجميعنا خير شهود على هذا الأمر في أوروبا وفي الولايات المتحدة، من خلال ما نلحظه من هيمنة الغرباء في الانتخابات.ولكن ما نشهده في العالم هو نتيجة لعملية طبيعية ناتجة عن التطور الحاصل واللامركزية التي آلت إليها الأمور، حيث تحوّل الاتجاه عن الدولة المركزية إلى المجتمع ومن ثمّ إلى الفرد، والذي من خلال التكنولوجيا ووسائل الإعلام الاجتماعية، أصبح هؤلاء اللاعبين الجدد أقوى من أي وقت مضى.

في الوقت ذاته، ان ما نشهده في العالم العربي مختلف تماماً. فنحن نشهد تفكك الدولة ولكن من دون تمكين للفرد،وهذا أمرٌ خطيرُ جداً.

بالإضافة إلى ذلك، فإنه لم تتمّ معالجة مسألة الأقليات في الشرق الأوسط، كما أنه لم يجرِ تناول قضايا ومسائل مختلف مكونات المجتمعات العربية بعمق وشمولية في المنطقة. فالحركة القومية العربية المتمكّنة في وقت مضى وضعت الأقنعة على هذه القضايا ولم تعالجها بانفتاح، فيما قامت الأنظمة الاستبدادية بعدها باستخدامها بمهارة لمصلحتها، وبالأخص فيما يتعلق بالطوائف المسيحية (وخاصة في مصر وسوريا والعراق).ولكن اليوم، في حين تعتبر الحركة القومية العربية في أضعف حالاتها في الوقت الحاضر، وفيما تطفو على السطح قضايا الهويات العرقية والدينية وتتقدم الهوية الوطنية، فإنه يجب على مسألة الأقليات أن تكون جزءاً لا يتجزأ من السؤال: أي دولة نريد؟ وبالتالي ضرورة تعزيز الهوية الوطنية وفي الوقت ذاته التعامل مع الهويات العرقية والدينية بانفتاح واعتراف واستيعاب.

 لقد أصبح من الضروري جدّاً أن يباشر القادة العرب والمفكرين بوضع الأساس لدولة عربية مستقبلية: وهي الدولة المدنية التي تحترم وتعززّ التنوع، وحيث تكون المجتمعات كلّها متساوية في الحقوق والواجبات في ظل سيادة القانون. وفي هذا الشأن، تلوح مبادرات واعدة وجيدة في هذا الإطار. ولقد حان الوقت أيضاً للبدء بالتفكير في تطبيق اللامركزية في الدولة المركزية وإعطاء المجتمعات المحلية ومختلف مكونات المجتمع دوراً أكبر في التعامل مع شؤونها الداخلية، ولكن مع التأكيد الدائم أن يتم ذلك ضمن قواعد الدولة المتكاملة ذات السيادة الموحدة.

ثالثاً:لم يعد الإقدام على خوض غمار الإصلاحات الدينية نختاره أو لا نختاره بين المباشرة أو عدم المباشرةفي هذا المشروع. ان موضوع الاصلاح الديني يجب أن يعطى الأولوية القصوى وبالأخص أنّه يجري تشويه الإسلام وانتزاعه من حقيقته ونبل مقاصده على مستوى غير مسبوق. ولذلك فإنه يجب إعداد برامج جديدة لإصلاح التعليم الديني الذي نعلمه لشبابنا واجيالنا الصاعدة، وكذلك أيضاً التعليم الديني الذي نعلّمه لرجال الدين الذين يجب أن يكونوا في الأساس رواداً في الدعوة إلى الانفتاح والتسامح والاعتدال واحترام حقوق الإنسان، وتشجيع التفكير النقدي. كل هذه المواضيع تشكل تحدياً كبيراً يحتاج إلى المعالجة الجدية ولاسيما بعد عقود من خضوع المؤسسات الدينية لغير المؤسسات العسكرية والأنظمة الأمنية.

تقع المسؤولية الآن على كاهل العرب المعتدلين فيما يخص الحثّ على القيام بالإصلاحات الدينية في المنطقة وفي تبني المبادرات الهامة. ونورد هنا وعلى سبيل المثال بعض المبادرات الاصلاحية الهامة مثل (الإعلانات الأربعة للأزهر في مصر، وإعلان جمعية المقاصد في بيروت، لبنان: إعلان بيروت حول الحريات الدينية" وإعلان مراكش في المغرب: "حقوق الأقليات الدينية في المجتمعات ذات الأكثرية المسلمة". في هذا الصدد فإنه يجب اعتماد هذه الإعلانات وأخذها على محمل الجد ودعمها على نطاق واسع بما يشجع على القيام بالمزيد من المبادرات.

رابعاً:إنّ تحديات السلام أكبر بكثير من تحديات الحرب.فمنذ أكثر من 70 عاماً، فهم المسؤولون الذين وضعوا "مشروع مارشال" لإعادة إعمار أوروبا هذا الأمر، وأدركوا أنه لا يمكن تحقيق سلام دائم إلا بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والتعليم الأفضل وتحقيق التقدم. اليوم، الشرق الأوسط الذي يشكّل موطناً لما يفوق 400 مليون نسمة، بحاجة إلى رؤية عظيمة، رؤية تدرك تحديات اليوم ولكن تدرك أيضاً فرص الغد. يحتاج هذا الشرق إلى رؤية غير مهووسة بالخوف من الإسلام، رؤية لا ترى 400 مليون إرهابياً، ولكن ترى فيهم 400مليون إنسان يريدون العمل بجد لكسب حقهم بأن يكون لهم مستقبل أفضل، 400 مليون إنسان يريدون استعادة كرامتهم التي تمت المساومة عليهاوالتفريط بها لعقود من الزمن، 400 مليون مستهلك، حريصين على الإلتحاق بالقطار العالمي للتنمية والتقدم.

في هذا العالم الذي يتراجع فيه النمو الاقتصادي في أكثر المناطق الأخرى وتنحسر قوتها الاقتصادية، يمكن أن يكون الشرق الأوسط وبفضل موارده الهائلة ولكن أيضاً بفضل حجم الطلب المكبوت لديه، مصدراً هاماً لنمو الاقتصاد العالمي.ولكن هذا الأمر يتطلّب دعماً من المجتمع الدولي وبذل المزيد من التعاون والتكامل الاقتصادي في المنطقة أيضاً لتوزيع الموارد بشكل أفضل وأكثر فعالية.

 سيداتي وسادتي،

أيها الحضور الكريم،

اسمحوا لي أن أختتم بالقول: إن الشرق الأوسط الناهض هو أمر واقع، إنما الأمر بأيدينا كلّنا لتحديد ما إذا كان سيكون مصدراً لتصدير التطرف أو ما إذا كان منبعاً سيولّد النمو والازدهار.الأمر بأيدينا لتحديد ما إذا كان سيصنّف كمنطقة مخاطر أو منطقة تضجّ بالفرص.قد يختار الغرب بشكل عام والولايات المتحدة بوجه خاص، أن يديروا ظهرهم لنا ويحدّوا من تدخلهم الإيجابي في منطقتنا.ولكن سيكون من الصعب جداً عليهم قطع الاتصال معنا ونحن جميعاً في عالم يتواصل ويعتمد على بعضه بعضاً. إن المخاطر لواضحة ويجب العمل جميعاً من أجل تداركها وتجنبها، من باريس إلى بروكسل، وصولاً إلى مختلف المدن الأمريكية. ولكن بالمقابل، فإن الاستثمار في مستقبل منطقتنا هو أيضاً استثمار مباشر في مستقبلكم.

في الختام، أود أن أشكر جامعة تافتس لاستضافتي اليوم،وأود أن أشكر صديقي العزيز الدكتور نديم شحادة من مركز عصام فارس، وصديقي العزيز الدكتور نديم روحانا من كلية فليتشر لدعوتهم لي وعلى جهودهم في تنظيم هذا اللقاء.

أشكر مشاركتكم وأتطلع لسماع آراءكم ولمناقشة تفاعلية.

مع فائق تقديري وشكري.