نعم لانتخاب رئيس جديد للجمهورية يحظى برضى ودعم الشعب اللبناني ويكون كما يقول الدستور رمز وحدة الوطن

-A A +A
Print Friendly and PDF

اعلن رئيس كتلة المستقبل النيابية الرئيس فؤاد السنيورة ان عالمُنا العربيُّ يمرّ اليوم بفترة انتقالية تاريخية شديدة الخطورة ستحدد معالم ومستقبل المنطقة العربية وعلاقتنا مع جوارنا ومع العالم لعقود قادمة.

وقال : نحن نواجه مشكلة بناء الدولة العصريّة في معظم مجتمعاتنا، ومشكلة التحول نحو أشكال جديدة من الديمقراطية وصون الحريات العامة والخاصة واستقلالية ونزاهة القضاء

اضاف : إن التصدّي لهذه المسائل يتطلّب تغييراً حقيقياً في ثقافة العمل في مؤسسات القطاعين العام والخاص. ولهذا التغيير بيئة حاضنة هي إعادة الاعتبار للكفاءات المتنورة المنفتحة .

وقال الرئيس السنيورة : لا خشبةَ خلاصٍ لنا إلاّ بإعادة الاعتبار للدولة. الدولة المستقلة صاحبة السيادة على كامل أرضها والتي تتسع للجميع. الدولة المدنيةُ الديمقراطيةُ. دولة المواطنة المؤهَّلةُ لحماية الوطن ولمواجهة التطرف والإرهاب، عند كل الأطراف وفي كل الاتجاهات.

كلام الرئيس السنيورة جاء قبل ظهر اليوم في كلمة له القيت لمناسبة الذكرى العشرين لانطلاقة التعاون الثنائي اللبناني- الفرنسي الذي اقيم في  المعهد العالي للأعمال بحضور السفير الفرنسي وحشد من المعنيين والمهتمين وفي ما يلي نص الكلمة :

سعادة سفير فرنسا في لبنان،

أصحاب المعالي والسعادة،

حضرة مدير عام المعهد العالي للأعمال،

أيها السيدات والسادة،

 

إنها حقاً مبادرةٌ رائعةٌ ومشكورةٌ أن تعمد سفارة فرنسا في لبنان إلى الدعوة للاحتفال بانطلاقة التعاون الثنائي اللبناني- الفرنسي في ذكرى مرور عشرين عاماً على انطلاقة هذا التعاون بصيغٍ جديدة، وأن يجريَ هذا الاحتفال هنا في المعهد العالي للأعمال، وهو الصرح العلميّ والثقافيّ المميز.

 

ولا بدّ لي هنا من التعبير عن الشكر الكبير لمنظمي هذا المؤتمر وخصوصاً سعادة السفير الفرنسي في لبنان، الصديق ايمانويل بون، وأسرة السفارة، لدعوتهم لي للمشاركة في شهادة حيّة عن هذه السنوات التي خبرتها من منطلق مسؤولياتي كرئيس لمجلس الوزراء، وقبلها وزيراً للمالية على مدى عشر سنوات.

إنني أنتهز هذه المناسبة لأنوه بأهمية العلاقات اللبنانيّة الفرنسية العميقة الجذور والمتعددة المنابع، والتي تميزت وعلى مدى عقود طويلة بالصداقة والتعاون الوثيق والحرص على تنمية هذا التعاون في شتى المجالات الثقافية والعلمية والسياسية والأمنية والاقتصادية. فلقد وقفت فرنسا إلى جانب لبنانَ وساعدته سواءٌ بصورةٍ مباشرةٍ، أو من خلال الاتحاد الأوروبي، وعَمِلَتْ على تمكينه من التغلب على آثار الحروب الداخلية وفي وجه الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة. وأسهمت بصدق في إنجاح الخطة الإعمارية الهائلة التي اجترحها الرئيس رفيق الحريري عام 1993 لإعادة بناء الدولة اللبنانية الحديثة ومؤسساتها واستعادة دورها وهيبتها وكذلك تمكينها من التعامل مع متطلبات المستقبل باقتدار. كما أسهمت فرنسا وتُسهم في تعزيز قدرات الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. كذلك في تمكين لبنان على استعادة الحيوية والنمو للاقتصاد اللبناني وإقداره على ولوج آفاق التنمية المستدامة في شتى المناطق اللبنانية. وكذلك في استعادة زخم الجهود لتعزيز علاقات لبنان الأوروبية والدولية. كما أسهمت فرنسا في إنجاح مؤتمرات باريس-1 و2 و3 ومجدداً لاستعادة حيوية الاقتصاد اللبناني وسلامة ماليته العامة واستقراره النقدي، وحيث أسهم التعاون الوثيق بين الرئيس جاك شيراك والرئيس الشهيد رفيق الحريري في ترسيخ التعاون الرفيع بين البلدين. كما أسهمت فرنسا أيضاً بالدبلوماسية القويّة المتمرسة في المساعدة على صدور قرار مجلس الأمن رقم 1701 بالإجماع، وبالشكل والصيغة التي تُرضي لبنان والمصالح السيادية والوطنية اللبنانية.

أيها السيدات والسادة،

تُصادفُ هذا العام الذكرى العشرين لانطلاقة التعاون الثنائي اللبناني- الفرنسي بصيغة جديدة. وقد شاءها سعادة السفير، مناسبةً للإضاءة على مبادراتٍ ثلاثٍ تعود إلى المرحلة التي أشرتُ إليها، وهي المعهدُ العالي للأعمال في بيروت، والمعهد المالي والاقتصادي، الذي سُمّي بعد ذلك "معهد باسل فليحان" تكريماً للشهيد باسل فليحان والدور البنّاء الذي لعبه في وزارة المالية حينما كنتُ وزيراً للمالية. وبرنامج شراكة هوبير كوريان (PHC CEDRE)للبحث العلمي. هي مبادراتٌ ثلاثٌ نشأت عام 1996، من خلال اتفاقيات تعاون ثنائيّة مع الجانب الفرنسي.

لقد ساهمت هذه المؤسسات بشكل فعّال في بناء ثروة معرفية لدى لبنان بهذا الخصوص، وفي تعزيز روحية التميّز والإبداع والإنجاز في القطاع الخاص من خلال المعهد العالي للأعمال، وكذلك في القطاع العام من خلال معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي، وأيضاً على مستوى البحث العلمي في إطار برنامج الشراكة أوبير- كوريان (PHC CEDRE). كما ونجحت هذه المؤسسات في نقل الخبرات التقنية الفرنسية، وشكلت نماذج لشراكة فرنسية- لبنانية يُحتذى بها لتبادل الخبرات والتعاون المحلي والاقليمي.

إني وإن كنت أنظر بعين الإعجاب والتقدير لإنجازات المعهد العالي للأعمال، فلبرنامجCEDRE  ولمجلس البحوث العلميّة كما لمعهد باسل فليحان المالي عندي مكانة خاصة. فلقد تابعت أعمال مجلس البحوث عن قرب من موقعي حينها رئيساً لمجلس الوزراء وحرصتُ على دعمه من منطلق ايماني بأهميّة تعزيز البحث العلمي في لبنان. أما بالنسبة لمعهد باسل فليحان فلقد عملتُ على تطوير فكرته واستيلاده ورعايته والاهتمام به على مدى العشرين عاماً. فلطالما آمنت في كل مراحل مسيرتي المهنية ثم السياسية، مروراً بتجربتي في الحكم، بأهمية بناء الثروة البشريّة وكذلك بأهمية تعزيز التعلُّم المستمر والتدريب المستمرّ التي أعتبرُها في أساس أية عملية إصلاحٍ في الإدارة الحكومية.

أيها الإخوة والأخوات،

لقد سعيتُ دائماً في مسيرتي المهنية والسياسية إلى أن أنهجَ الطريق المؤدية إلى تحقيق الإصلاح والاستعمال الأمثل للموارد البشرية والمادية المتاحة، وكذلك لتحقيق التلاؤم المستمر مع المتغيرات والتحولات وفي المحصلة لتحقيق الإنجاز على صعيد خدمة المواطن والصالح العام. ذلك ما كان يقتضي مني العمل وفي كل المواقع التي شغلتها على استقطاب الكفاءات على قواعد احترام الجدارة والاستحقاق والسعي الدائم لزيادة المعارف والمهارات وتوفير الفرص التدريبية وتحفيز القُدُرات الإبداعية والقيادية وتعزيز الأخلاقيات المهنية الرفيعة المبنية على ثقافة الفعالية الإنتاجية والإنجاز الخاضع للمساءلة والمحاسبة لدى جميع من عملوا معي في تلك المواقع، وهي بالفعل كانت تشكِّلُ بالنسبة لي النُواةَ والقواعدَ الأساسيةَ للتقدم على مسارات الإصلاح الحقيقي في أية إدارة، حكومية كانت أم خاصة.

ولقد أوليتُ التدريبَ والتعلُّمَ المستمرَّ اهتماماً خاصاً. فلقد انطلقت به في بدء حياتي المهنية، ومُباشرةً بعد تخرُّجي من الجامعة، حيث بدأْتُ بمسيرة التعليم الأكاديمي ودوماً إلى جانب عملي المهني المصرفي وتحولت مع ذلك كله أيضاً باتجاه تدريب الكوادر في مؤسسات القطاع الخاص والعام وعمدت بعدها إلى تأسيس أول معهدٍ لتدريب العاملين في القطاع المصرفي على أُسُسٍ عصريةٍ حديثةٍ في لبنان يومَ كنتُ رئيساً للجنة الرقابة على المصارف. ولقد أتاح ذلك المعهد فُرَصَ التعلُّم وزيادة المهارات للعديد من العاملين في المصارف العاملة في لبنان آنذاك. واستمرّيتُ على هذا النهج عندما عُدْتُ إلى العمل في القطاع الخاصّ، حيث أسَّست معهداً للتدريب قَدَّمَ خدماتِه للعاملين في المجموعة المالية التي كنتُ أرأسُها ولمجموعاتٍ ماليةٍ أُخْرى في لبنانَ وخارجِه.

مع تسلُّمي مهامّي وزيراً للمالية مطلعَ التسعينات من القرن الماضي، أدركْتُ أنَّ الأَولويات كثيرةٌ والحاجاتُ لا تُحصى بينما الإمكانات والقدرات محدودة. فوزارة المالية كانت تعاني في مطلع العام 1993 من تدمير كامل لمعظم أبنيتها وتجهيزاتها ومستنداتها وملفاتها، حتى أنها كانت تفتقر لأبسط أنواع التجهيزات كالآلات الحاسبة البسيطة لعمليات الجمع والضرب والقسمة. هذا إلى جانب التدهور الكبير الذي كانت تشكو منه الوزارة والحاصل في معظم أنماط وأساليب وأنظمة عملها وكذلك في معنويات وكفاءات ومهارات الموظفين العاملين لديها وهي الأوضاع التي تفاقمت بعد معاناة شديدة للوزارة كما الوطن كله بسبب ظروف الحروب الداخلية والخارجية المدمرة والممتدة على مدى سبعة عشرة عاماً منذ العام 1975 وحتى العام 1993. إلاّ أنني أدركْتُ أيضاً أَولوية العنصر البشري والحاجات إلى تعزيز وتطوير كفاءاته ومهاراته وذلك على طريق التأسيس لإدارةٍ فاعلةٍ ورشيقةٍ لإدارات ومؤسسات القطاع العام وبالذات لوزارة المالية ولاسيما بسبب دورها المحوري في الدولة وفي إدارات ومؤسسات القطاع العام. كما أدركت الدور الأساس الذي تلعبه العناصر القيادية في تعزيز الإنتاجية وتطوير الأداء الكفوء وتحقيق الإنجاز والإصلاح والتلاؤم مع احتياجات المستقبل.

من ذلك انطلقتُ في عملية استنهاض كاملة تشمل إعادة بناء وتأهيل وتجهيز أبنية الوزارة وتجهيزاتها ولإعادة صياغة أنظمة عملها وبرامجها ودورها في خدمة المواطن. كذلك قمت أيضاً في عملية استنهاض كاملة للعاملين في الوزارة وتعزيزها بالعناصر الجديدة والشابة، وبادرْتُ إلى القيام بجهود مكثفة في عمليات التدريب وإعادة التأهيل للعاملين في الوزارة مع البحث عن شريك يساعد لبنان في إطلاق عملية الانفتاح على التطورات والتحولات الجارية من حولنا في العالم والتدريب والتعلم المستمر. ولقد قمت بذلك من خلال التواصل مع أكثر من شريك دولي. والحق يقال أنّ فرنسا كانت في طليعة المبادرين وأكثرهم حماسةً للتعاون معنا بشكل وثيق واستراتيجي بما في ذلك تحقيق تلك الأمنية العزيزة على عقلي وضميري بإنشاء المعهد المالي بالتعاون مع وزير المالية الفرنسي آنذاك السيد جان أرتوي.

إنه وبفضل هذا التعاون مع فرنسا، رأى المعهد المالي النور. ولطالما مثَّل هذا المعهد حَجر الزاوية في رؤيانا للإصلاح المالي وفي تحقيق تحسين حقيقي في مستويات الأداء وفي إنجاح مشاريعِ التحديث التي باشرنا بها في وزارة المالية منذ العام 1993 وتحديداً في مديريات ودوائر الماليّة العامة بشكل عام وفي مديرية الشؤون العقاريّة والمساحة وفي المديرية العامة للجمارك. وعلى هذه المسارات الإصلاحية عملْنا من منطلق اعتماد نموذج إنشاء جزر التميز القادرة على التوسع ونشر العدوى الحميدة لبرامج الاصلاح في الوزارة وكذلك في الوزارات والمؤسسات الأخرى. وعلى ذلك فقد أتى إنشاء هذا المعهد من ضمن الرؤية التحديثية والشمولية للقطاع العام اللبناني الساعية إلى تطوير الإدارة ولتمكينها من تقديم خدمات أفضل للمواطنين وكذلك لإقدار الوزارة على مواكبة حركة الاقتصاد وحركة القطاع الخاص واستشراف التحولات والتفاعل والتلاؤم معها وكذلك التخطيط للمستقبل بالتناغم والتعاون مع إدارات ومؤسسات الدولة الأخرى.

لقد سعينا في عملنا في هذا المعهد الذي تولاه الجانب الفرنسي في البداية على ان يكون هو المكان الحيوي لإطلاق دعوات وبرامج التغيير في البرامج والأساليب وفي تعزيز مستويات الأداء، وذلك على الرغم من العوائق والعراقيل من كل حدْبٍ وصوب والتي كانت تُزرعُ بين الحين والآخر في وجه المعهد واستمراريته، بحيث إنه لم يكتسب صفته القانونية المستقرة إلاّ بعد مرور أكثر من ست سنوات على تأسسه وانطلاقه في عمله.

أيها السيدات والسادة،

لقد نجح المعهد في إسهاماته الهامة والأساسية في احتضان معظم البرامج الإصلاحية في وزارة المالية لكونه شكّل الحاضنة لكل الكفاءات الجديدة تطويراً وتدريباً وإعادةَ تأهيل، وفي إعداد جميع العاملين في الوزارة واستنهاضهم للمشاركة في إدارة التغيير وتحقيق التقدم الذي جرى في الجمارك والدوائر العقارية والمالية العامة. ولقد كان من أهم ما أسهم به المعهد أنه ومن خلاله نجحنا في تحقيق إنجاز غير مسبوق بشكل يتعدى حدود لبنان وذلك في ظرفٍ كان يُعاني فيه لبنانُ من مصاعب مالية كادت أن تودي باستقراره النقدي في الأعوام 2000- 2003. فلقد نجحنا في العام 2001 وخلال أحد عشر شهراً فقط، في استصدار القانون وإعداد وإصدار المراسيم التطبيقية وتدريب الموظفين الشباب وغالبيتهم من الملتحقين حديثاً بوزارة المالية، من إطلاق مشروع TVAوالبدء بتنفيذ وتحقيق نجاح باهر بعد ذلك في إدارة هذه الضريبة وذلك في الفترة ما بين انعقاد مؤتمر باريس-1 ومؤتمر باريس-2، بحيث كان النجاح في تنفيذ هذا المشروع المهماز لنجاح مؤتمر باريس-2 وما تحقق بنتيجته من آثار ايجابية. ذلك ما أنقذ المالية العامة للبنان والاقتصاد اللبناني ورسَّخَ الاستقرار النقدي وبالتالي الاجتماعي والسياسي والأمني في لبنان ولدى اللبنانيين. لقد أثبت لبنان بذلك على قدرة وحيوية بالغة في التصدي ومواجهة التحدي الكبير وبالتالي النجاح في ذلك الامتحان الصعب.

أيها الإخوة،

أيها الأصدقاء،

يعبّرُ المعهد في إنشائه وفي إدارته عن قيم الخدمة العامة الكفوءة والرشيدة. فهو قد برهن من خلال التزامه بقيم الحياد والاستقلالية والمهنية العالية عن صوابية الرؤية من وراء إنشائه ودعم تطوره واستمراريته. وعلى ذلك جرى تحصين أدائه وتوسيع دوره مما مكنه من اكتساب ثقة كلّ وزراء الماليّة المتعاقبين، حيث شكّل بالنسبة لهم أداةً محرّكةً في مواكبة وخدمة مختلف مشاريع التطوير التي قاموا بها أو عملوا على تنفيذها. ولذلك جرى صونُ هذا الاستثمار إدراكاً لأهمية هذا النموذج المتميز والفعال في خدمة الشأن العام.

من جهته، حافظ المعهد على علاقات مميزة مع المؤسسات الفرنسيّة بل طورها ووسع مروحة المواضيع التي يُعنى بها، وتمكّن بفضل شراكاته وثقة المؤسسات المحلية والاقليمية والدولية بأدائه، من ترسيخ موقعه على الساحة الإقليمية، ولَمَعَ بحضوره على امتداد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مجسّداً رسالة لبنان، الجسر الواصل بين الشرق والغرب، ومعززاً صورة لبنان المعرفة والإبداع والطاقات البشرية المميزة.

تشَكِّلُ تجربةُ المعهد مثالاً للمؤسسة العامة الحديثة الرشيقة في هيكليتها، والفاعلة في آليات عملها، والمجدية في كلفتها وفي النتائج المحققة من قبلها، وكذلك في مقاربتها لموضوع بناء الثقافة الإنتاجية والتنافس البناء والأداء المميز والتعلم المستمر وبناء الشراكات مع الدول العربيّة ودول شمال المتوسط.

أيها الإخوة،

في الرصيد التراكمي للمعهد اليوم عشرون عاماً من النشاط ومجموعة من الإنجازات أهمُّها تميزُهُ بكونه المؤسسةَ الأولى إقليمياً التي شكلت مرجعاً قادراً وفاعلاً في بناء وتنمية القدرات ونشر الخبرات في مواضيع المالية العامة في اللغة العربية وفي خلق البيئة المؤاتية لمشاريع التطوير التي تتماشى مع ثقافة المنطقة.

هذا ما حدا بوزارات المال في معظم دول المنطقة العربية إلى السعي لإنشاء مراكز مماثلة. ونذكر على سبيل المثال المملكة الأردنية الهاشمية، ودولة فلسطين، واليمن والعراق ومصر والمغرب وغيرها من الدول التي ارتأت أن تنقل هذه التجربة، على طريقتها، بعد عشر سنواتٍ ونيف من إطلاقها في لبنان.

المعهد المالي هو قصة نجاح تحققت في لبنان بسبب وجود رؤية واضحة لضرورة القيام بهذا الدور والتقدم على مسارات إنجازه بالعمل والجهد والمثابرة والالتزام بمعايير وقواعد المهنية العالية.

إنّ التحدي الذي نجح المعهد أيضاً في تحقيقه هو في تحوله إلى مؤسسة قادرة على الاستمرار والتطلع والعمل على تحقيق نجاحات مستقبلية والصعود إلى ذرى أعلى من خلال الحرص الذي تبديه إدارته ووزراء المالية المشرفين عليه على التمسك بفكرته وبأهدافه وفي أهمية الاستمرار في تحقيق هذا النجاح المميز. والفضل الكبير في ذلك يعود لإدارته وإلى إيمان الوزراء المتعاقبين بأهمية الدور الذي يلعبه في كونه يستمر محركاً أساسياً من محركات التلاؤم المستمر في وزارة المالية وللدور البناء الذي يلعبه هذا المعهد من خلال خدماته في مجال التدريب والتعلم المستمر في وزارة المالية وفي وزاراتٍ أخرى.

أيها السيدات والسادة،

عالمُنا العربيُّ يمرّ اليوم بفترة انتقالية تاريخية شديدة الخطورة ستحدد معالم ومستقبل المنطقة العربية وعلاقتنا مع جوارنا ومع العالم لعقود قادمة. ولكننا وفي هذا الصدد، علينا أن لا ننسى أنّ أوروبا قد خاضت غمار هذه التجارب وعالجت معظمها ولكن على مدى عشرات السنين وربما أكثر وهي ماتزال تحاولُ وتُطوّر. بينما يبدو وكأنه يتحتم على دول العالم العربي أن تنجح في مواجهتها لهذه التحديات الخطيرة خلال بضع سنوات قليلة. ليس أمامنا سوى التأكيد على وضوح الرؤية والاقدام والمثابرة ولا شيء ينجح كالنجاح.

نواجه مشكلة بناء الدولة العصريّة في معظم مجتمعاتنا، ومشكلة التحول نحو أشكال جديدة من الديمقراطية وصون الحريات العامة والخاصة واستقلالية ونزاهة القضاء. وعلينا ان ننجح في بناء الدولة العادلة والقادرة التي تستطيع استعادة ثقة مواطنيها، وعلينا ان نخوض غمار الإصلاح الحقيقي عندما نكونُ قادرين عليه وليس عندما نصبح مجبرين عليه، لأنه عندها يكون أكثر كلفة وأكثر إيلاماً. كذلك وفي كثير من بلداننا، علينا أن نعالج مسألة علاقة الدين بالدولة والمسائل المتعلقة بمخاوف الأقليات وعلاقتهم بالمجتمع وبالدولة. كما علينا من ناحية أخرى أن نتعامل بحكمة وواقعية مع التحديات الاقتصادية والماليّة الناتجة عن عدم التلاؤم بين الواقع والتوقعات، بين المرتجى والقدرات والإمكانات. وأن نعالج بشجاعة مشكلات التخمة في الادارات الحكوميّة وتفشي الفساد وضعف الانتاجيّة فيها إلى جانب معالجة المشكلات الناجمة عن تعاظم البطالة بين الشباب وغير ذلك كثير.

 

بديهيٌ القول إن التصدّي لهذه المسائل يتطلّب تغييراً حقيقياً في ثقافة العمل في مؤسسات القطاعين العام والخاص. ولهذا التغيير بيئة حاضنة هي إعادة الاعتبار للكفاءات المتنورة المنفتحة على التجارب العالميّة واستخلاص العبر منها ومن تجاربها بكونها القادرة على فهم المتغيرات في العالم والتفاعل معها إيجاباً لما فيه مصلحة إدارة شؤوننا العامة بكفاءة. وهذا يتطلب استثماراتٍ كبيرةً في التعليم والبحث العلمي والتدريب والتعليم المستمر وفي اختيار القياديين على قواعد الجدارة والكفاءة ونظافة الكفّ وإخضاعهم للمساءلة والمحاسبة على أساس الأداء.

منذ قرابة ألف وأربعمائة عاماً، قال الإمام عليٌّ، كرّم الله وجهه لأحد ولاته: "اختَرْ لِلحُكمِ بَينَ النّاس أفضَلَ رَعِيّتِكَ في نَفسِكَ، مِمّن لا تَضِيقُ بِه الأُمُورُ، ولا تُمَحِّكُهُ الخُصُومُ، ولا يَتَمادى في الزَّلَّةِ، ولا يخشى مِنَ الفَيءِ إلى الحَقِّ إذا عَرَفَهُ، ولا تُشرِفُ نَفسُهُ على طَمَعٍ ولا يَكتفِي بأدنَى فَهمٍ دُونَ أقصَاهُ،... وتَوَخَّ مِنهُم أَهلَ التَّجرِبَةِ والحَيَاءِ". كما قال أيضاً: "ولا يَكُونَنَّ الْمُحْسِنُ والْمُسِيءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ؛ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ تَزْهِيداً لأَهْلِ الإحْسَانِ فِي الإحْسَانِ، وتَجْرِيئاً لأَهْلِ الإسَاءَةِ عَلَى الإسَاءَةِ".

أيها السيدات والسادة،

لقد كان لبنان وبفخر سبّاقاً في المنطقة العربية في تجربة بناء الديمقراطية من جهة وللأسف في تجربة الحروب الاهلية المدمرة في الوقت ذاته. اليوم تدخل معظم المنطقة في آتون الصراعات. لكن وبالرغم من كل التجارب الصعبة التي مررنا ونمر بها أودُّ أن أعودَ للتأكيد على أهمية التمسك بروح التعاون التي تجمعنا والتي أنتجت مؤسساتٍ متألقةً على الصعيد العلمي ومثالاً يحتذى به في قطاعات عديدة. اليومَ أكثرُ من أي وقتٍ مضى نحن في لبنان لا خشبةَ خلاصٍ لنا إلاّ التمسُّكُ بكفاءاتنا، بعلمائنا ومفكرينا وفنانينا وقياديينا، وبثروتنا البشريّة ولاسيما شبابنا المتحفز للتغيير والتألق. لكن لا خشبةَ خلاصٍ لنا إلاّ بإعادة الاعتبار للدولة. الدولة المستقلة صاحبة السيادة على كامل أرضها والتي تتسع للجميع. الدولة المدنيةُ الديمقراطيةُ. دولة المواطنة المؤهَّلةُ لحماية الوطن ولمواجهة التطرف والإرهاب، عند كل الأطراف وفي كل الاتجاهات.

من على هذا المنبر الكريم، وفي هذه الجامعة العريقة، أتمنى على فرنسا الدولة الصديقة وعلى فخامة الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند لمتابعة الدعم والمساندة للبنان بما يمكّن اللبنانيين ومن خلال الاختيار الحرّ في مؤسساتهم الدستوريّة، من انتخاب رئيس جديد للجمهورية يحظى برضى ودعم الشعب اللبناني ويكون كما يقول الدستور رمز وحدة الوطن. رئيسٍ يجمع الشعب اللبناني ولا يفرقه او يزيده تباعداً. رئيسٍ يعمل مع حكومة لبنان من أجل التمسك بلبنان السيد الحر الديمقراطي المدني المستقل وبمؤسسات الدولة القادرة والفاعلة والعادلة والسيدة على كامل أرضها.

كما أوجه دعوتي لجميع اللبنانيين لتعميم مُثُل الثورة الفرنسيّة Liberté, Egalité, Fraternité "الحريّة، المساواة والأخوة" لاستلهامها وللاستناد إليها وكذلك للتأكيد مجدداً على أهمية التمسك باتفاق الطائف الذي انبثق عنه الدستور اللبناني والذي أصبح الناظم لإجماع اللبنانيين والحكَم في تسوية نزاعاتهم الداخلية، كما والذي يمكن أن يصبح مرجعاً يمكن استلهامه من قبل بعض أشقائنا العرب في معالجة النزاعات والحروب الأهلية العربية الراهنة، من اليمن، مروراً بليبيا، وصولاً إلى العراق وسوريا.

كما أكرر رجائي للرئيس هولاند أن لا تفتر همته أمام من يحاولون ايقاف اندفاعته المشكورة في التفتيش عن حلول حقيقية ودائمة وعادلة للقضية الفلسطينية بكونها السبب الأساس للكثير من مشكلات المنطقة العربية، وحلُّها يشكِّلُ باباً للحلول الحقيقية لهذه المشكلات، وذلك بما يُسْهِمُ في استعادة الثقة والامل بالمستقبل لفئاتٍ واسعةٍ من الشعوب العربية في كافة أقطارهم ولاسيما لدى الشباب العربي، وهو الحل الذي يمكن أن يشكّل بوابة عودتهم لبناء علاقات التعاون والتآلف والتكامل والنهوض بينهم وبين العالم القريب والبعيد.

إخواني وأحبائي،

 

عاش التعاون اللبناني الفرنسي وستبقَ هذه الأرضُ منارةً للعلم والمعرفة والانفتاح المعترف بكل التلاوين، لكي نبقى للبنان، ويبقى لنا لبنان سيداً عزيزاً حراً مستقلاً متألقاً.

عشتم، عاشت فرنسا وعاش لبنان.