الرئيس السنيورة : قبل ان نقدم على تأسيس شركات محلية للدولة او مع الدولة ينبغي علينا ان نتثبت من وجود احتياطي من النفط مثبت لدينا

نظمت لحنة الاشغال النيابية في محلس النواب ورشة عمل حول النظام الضريبي للنفط والغاز وما يمكن اتباعه في لبنان وللمناسبة تقدم رئيس كتلة المستقبل النيابية الرئيس فؤاد السنيورة بمداخلة حو ل الموضوع في مايلي نصها : 

بداية أودّ أن أعبر عن تقديري الكبير لمبادرة لجنة الأشغال العامة والنقل والطاقة والمياه في المجلس النيابي ورئيسها الأستاذ محمد قباني بالدعوة لعقد ورشة العمل هذه، والتي تأتي من ضمن المبادرات المتعددة والمشكورة التي تقوم بها هذه اللجنة. وتأتي هذه المبادرة بالتعاون مع Westminster Foundation for Democracy، حيث وُجّهت الدعوة للسيد نيك باتلر للحضور والمشاركة إلى جانب وزيريّ الطاقة والمالية الحاضرين معنا في هذه الجلسة.

 والحقيقة اني أود أن أعبر عن تقديري لما تقدم به السيد باتلر من شرحٍ وإيضاحات وكذلك بأن أبدي تقديري للمداخلتين اللتين تقدم بهما وزيرا المالية والطاقة والمياه. وشكري وتقديري لهاتين المداخلتين لكونهما مبنيتان على تقدير صحيح وناضج لما مررنا به نحن في لبنان بما خصّ هذا القطاع حتى الآن، وكذلك لما اعتقد أننا سنمر به لاحقاً في المرحلة القادمة.

 لديّ أربع مواضيع أودّ أن أتحدث عنها وأن أبدي ملاحظاتي عليها مبدياً كذلك اعتذاري لاضطراري بعد مداخلتي إلى المغادرة وذلك لارتباطي في مواعيد سابقة خارج مدينة بيروت.

 بداية أودّ أن أشكر السيد نيك باتلر على الملاحظات القيمة التي أدلى بها والتي تعبر عن مدى عمق الخبرة الطويلة التي راكمها في هذا القطاع والتي يجب أن نستفيد منها نحن في لبنان بما يمكننا من إدارة قطاع المواد البترولية لدينا في لبنان بكفاءة واقتدار. ليس هذا فقط ولكن علينا أن نحرص على الاستفادة من غيره من الأشخاص من أصحاب الخبرة الذين يمكن لنا أن نستعين بهم بما يعيننا على تحقيق الإدارة الفضلى لهذا القطاع. وفي هذا الصدد، علينا أن نستخلص الدروس ونستفيد من كل التجارب الحسنة والسيئة التي حصلت وتراكمت لدى الغير. انه بذلك يمكن أن تتجمع لدينا أفضل الدروس الحسنة والسيئة بما يصوب بوصلة تحركنا على مسارات هذا القطاع. والمهم هنا بالنسبة للدروس السيئة هو الاستفادة من تلك التجارب السيئة التي ربما قد حصلت لدى غيرنا بما يعفينا من أن نرتكب نفس الحماقات أو نفس الأخطاء التي ارتكبها غيرنا.

 القضية الأولى:أود بداية في هذا الخصوص أن أشدد على مدى أهمية تجنب الوقوع في فخّ سوء إدارة التوقعات الكبرى لدى المواطنين (Managing Expectations). ذلك بما يعني ضرورة التنبه إلى الممارسات الشعبوية أو غير المسؤولة التي تسهم في الهاب التوقعات لدى الناس بشأن حجم الاحتياطي الممكن وجوده في لبنان والمجالات والفرص الكبرى التي ستتاح للبنانيين للاستفادة من تلك الموارد الهائلة والمنتظرة من هذا القطاع. وهذا الأمر هو ما قد حصل فعلاً لدينا بشكل أو بآخر خلال السنوات القليلة الماضية وما يزال. في هذا الصدد، وخلال هذه السنوات الماضية، كانت هناك ممارسات ومواقف وتصريحات من قبل عدد من المسؤولين ومن بعض الكتاب والمعلقين نتج عنها كميّة كبيرة من التوقعات الكبرى المتفلتة من الواقعية ومن الانضباط والتحفظ الضروريين. ولقد أسهمت في تكوّن هذه التوقعات عدة أسباب بما في ذلك ما أسهم به بعض السياسيين لجهة إلهاب هذه التوقعات لدرجة أنّ المداخيل الكبرى للبنان التي ستؤول من هذا القطاع أصبحت تعني لدى الإنسان العادي وكأنه سيستفيد من تدفقها على لبنان، وذلك خلال فترة قصيرة، وأنه ربما وبخلال عدة أشهر سوف يعوم الاقتصاد اللبناني على هذه التدفقات الهائلة من المليارات الواردة إلى الخزينة كواردات متوقعة من هذا القطاع.

 إنّ هذا الأمر- وكما تعلمون- هو غير صحيح على الإطلاق. فلقد سمعنا ما قاله السيد باتلر أمامنا اليوم من قبل خبراء آخرين زارونا من قبل. ولكن وياللأسف، استمر العمل على إلهاب التوقعات لدى اللبنانيين، بشكل غير علمي وغير متحفظ. واليوم جاء الكلام الذي قاله السيد نيك باتلر لنا ليؤكد لنا من جديد على أهمية التصدي لهذه الممارسات غير المسؤولة. فهو قد قال أن الفترة الزمنية الفاصلة قبل ان تحصل الخزينة اللبنانية على اي إيرادات من هذا القطاع قد تطول إلى حوالي عشر سنوات من تاريخ التأكد من وجود احتياطات مثبتة وبكميات اقتصادية. وهذا عندما يثبت أن لدى لبنان- إن شاء الله- ما يُسمى حقيقة "proven reserves" أي "احتياطي مثبت" للغاز أو النفط في مياهنا الاقتصادية الخالصة للبنان. وبالتالي فإنّه يتوجب علينا نحن كسياسيين وكرجال دولة أن نكون صريحين وصادقين مع اللبنانيين حتى لا يستمر العمل على إلهاب هذه التوقعات ودون طائل بما يؤدي إلى نتائج سلبية كبيرة. ومنها مراكمة مطالبات من قبل المواطنين، حيث تتعاظم الدعوات غير المبررة للالتزام بإنفاق أكبر على أمل أنه سوف تأتي الواردات المتوقعة لتغطيتها خلال وقت قصير. وبناء على ذلك، تبدأ الضغوط لدى بعض السياسيين أو من المهتمين بالشأن العامّ من أجل القيام بإنفاق غير منضبط. والمشكلة الأكثر إيلاماً أن ذلك يؤدي إلى ممارسة الضغوط من اجل الامتناع أو من أجل عدم القيام بالإصلاحات الصحيحة والضرورية للاقتصاد اللبناني ولماليته العامة على أمل ان الواردات المتوقعة سوف تغنينا عن تحمل مشقة الاصلاحات. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه الإصلاحات كان ينبغي ان يقوم بها لبنان منذ زمن طويل وهو قد تقاعس عن القيام بها منذ سنوات طويلة، والمؤسف أنه ما يزال البعض يعترض حتى الآن عن القيام بها مؤملاً أن تعين الواردات المنتظرة من هذا القطاع الواعد لبنان على تجنب شرب كأس الإصلاحات المر ظناً من هذا البعض أنه يمكن له أن يعوّض عن ذلك من خلال الواردات الاستثنائية المتوقعة من قطاع النفط والغاز الذي- كما سبق وقلت- أنه وحتى الآن لم يثبت بعد، أن لبنان لديه كميات من الاحتياطات المثبتة وبالأحجام الاقتصادية المحكى عنها. ولكي لا يفهمني أحد خطأ فإنّ كلامي هذا لا يعني ان ليس لدى لبنان احتياطي اقتصادي من الغاز في منطقته الاقتصادية الخالصة بل لأقول أنه وإلى ان يتم إثبات ذلك عن طريق الحفر لا يمكن لأحد أن يؤكد أو ينفيوجود مثل هذه الاحتياطات الاقتصادية.

القضية الثانيةالتي أودّ أن أشير إليها، وهو الكلام حول ضرورة إنشاء شركة نفط وطنية لبنانية مملوكة من الدولة اللبنانية أو من القطاع الخاص اللبناني. أنا أعتقد واستناداً لما تراكم لدينا من الخبرات والتجارب التي حصلت لدى الآخرين وما يسمى Best Practices. فإنّ هذه التجارب لا تؤيد بعد فكرة ضرورة المسارعة إلى إنشاء شركة وطنية محلية. فتجارب الآخرين من دول لديها قطاعات نفطية وغازية جيدة أو واعدة تبين لنا أنه وبالنظر لعدم وجود تجارب صحيحة سابقة لدينا يمكن الاعتماد عليها في لبنان في هذا القطاع. وكذلك بسبب عدم وجود تلك السابقات من التجارب المطمئنة للأداء الصحيح والرشيد والكفوء لما يُسمى بمؤسسات الدولة العاملة في قطاعات إنتاجية والتي لديها أيضاً الخبرة العميقة في هذا القطاع ولاسيما لجهة القدرة أو الاستطاعة ان تدير قطاعات مثل هذه القطاعات وبمثل ضخامة هذا القطاع وما يتطلبه ذلك من استثمارات مالية وخبرات مؤهلة بعد. لذلك ولتلك الأسباب جميعاً، فإننا نعتقد انه من الأفضل للبنان التريث في إنشاء شركة نفط وطنية ريثما تكتسب الدولة اللبنانية والقطاع الخاص اللبناني تلك المعارف والقدرات التي يجب أن نسعى إلى اكتسابها بشكل حثيث. ومما يؤيد هذا التفكير أيضاً انه وفي ضوء التوجه الحالي لدى الحكومة الذي أؤمن بنجاعته، فإن التوجه هو لتلزيم بلوك واحد أو اثنان "One Block or Two Blocks" من أصل الخمسة أو الستة بلوكات المعروضة للتلزيم. أي أنه سيكون لدينا على هذا الأساس فرصاً مستقبلية كثيرة وكبيرة لاحقاً من أجل أن تكون هناك مجال لتأسيس شركة وطنية لتولي هذه المسؤولية في المستقبل. وعلى ذلك، فإنّ هذا التوجه يعطي لبنان الفسحة من التجربة لكي يتلمس طريقه في إدارة هذا القطاع بشكل صحيح. والحقيقة التي عليّ أن أكررها أنه وقبل ان نقدم على تأسيس شركات محلية للدولة أو مع الدولة أو من قبل القطاع الخاص، فإنه ينبغي علينا ان نتثبت من وجود احتياطي مثبت لدينا في مياهنا الاقتصادية الخالصة. بالمقارنة فإننا في الواقع ليس لدينا بعد وحتى هذه اللحظة برهاناً على وجود احتياط مثبت بالرغم من المسوحات الجيوفيزيائية الثنائية والثلاثية الأبعاد، أو حتى تأكيد على وجود كميات احتياطية مثبتة كافية وبالكميات الاقتصادية لتبرير الاستثمار. لذلك فإني أعتقد إنه أمر غير متبصر وغير اقتصادي المبادرة إلى إنشاء شركة نفط وطنية للقيام بهذه الخطوة الآن. ولذلك لا أعتقد أنّ هذه خطوة محمودة.

لقد قرأنا كثيراً عن بعض التعليقات، على ضرورة انشاء شركة نفط وطنية، سواءً كان ذلك من القطاع العام أو بالتعاون مع القطاع الخاص. وهذا باعتقادي أمر مستعجل وبالتالي أعتقد أنه من السابق لأوانه، قبل ان يكون لدينا التأكيدات اللازمة عن وجود الاحتياطات المؤكدة والتي كما يعلم الجميع أنه لا يمكن تأكيدها قبل مباشرة الحفر. فالأفضل اذا التحلي بالصبر والبدء بالاستفادة من تراكم التجربة من خلال تلزيم رقعة أو رقعتين. نعم، بعد ذلك يمكن أن يكون لدينا إمكانية لإنشاء شركة حكومية أو شركة مختلطة بالتعاون بين القطاع العام والقطاع الخاص. إذاً في هذه الفترة وإلى أن يتأكد لنا بداية من وجود الاحتياطي الاقتصادي المثبت وتكون قاعدة البلاد من الكفاءات المتخصصة قد تزايدت وتوفرت لدينا أيضاً القدرات المالية التي نحن بحاجة إليها للقيام بالاستثمارات اللازمة وهي كما يعلم الجميع ليست بقليلة نكون بعدها جاهزين وباقتدار على المبادرة لإنشاء شركة نفط أو غاز لبنانية.

بالعودة إلى التجربة النروجية، وهي التجربة الأكثر نجاحاً حتى الان، لم تُقْدِمْ النروج على إنشاء شركة نفط وطنية، قبل ان تتوفر لدى النروج الخبرات والمعارف اللازمة بهذا الشأن كما وأيضاً الإثباتات عن وجود كميات مثبتة من النفط والغاز (Proven Reserves).

القضية الثالثة:وتتعلق بالدخل المتوقع من هذا القطاع وهو الأمر الذي يجب ان يُنظر إليه ككل، إذ يتم في أحيان كثيرة المبادرة ولأغراض المقارنة مناقشة كم هي معدلات الضريبة التي يجب أن تقتطعها الدولة وذلك للمقارنة بين ما هو معمول به بين بلد وآخر. هذه الطريقة المجتزأة للمقارنة غير صحيحة بل أحياناً خطرة. والصحيح في هذا الأمر هو أن يصار إلى تجميع كل المصادر التي تحصل عليها الدولة لتبين "Total Government Take" وهي حصة الدولة الإجمالية كاملاً. وعندها تجوز المقارنة بين ما هو جار بين بلد وآخر مع الأخذ بعين الاعتبار أيضاً لخصوصيات كل بلد في هذا الشأن. لذلك لا مجال ولا يجوز المقارنة بانتقاء مصدر واحد لدخل الدولة "From one Component" ونقارنه بين ما تحصل عليه الدولة في لبنان مع ما هو معمول به في بلدان أخرى. أي أنه لا يمكن أخذ الضريبة على الأرباح منفردة هنا ومقارنتها مع النروج أو مع أي دولة أخرى. يجب ان تؤخذ كل الاقتطاعات من إتاوة وبترول ربح وضرائب لتكوّن الـ"Total Government Take" ونقارنه مع ما تحصل عليه دول أخرى أيضاً من كافة المصادر. وهنا علينا أن نأخذ بعين الاعتبار طبيعة الاحتياطي الذي لدينا، الذي قد يكون حقلاً كبيراً أو صغيراً وضمن كميات معينة ومدى عمر الحقل الإنتاجي. إذاً وعملياً هناك عدد من الاعتبارات والخصوصيات التي يجب أخذها بعين الاعتبار.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ هناك موضوع التسويق وضرورة إيجاد الأسواق القريبة والبعيدة لتصريف الإنتاج بعد إشباع السوق المحلية. وقبل ذلك كيفية نقله، فالغاز يختلف عن النفط. فالنفط وبشكل تبسيطي يمكن تصديره من البئر مباشرة، بينما الغاز يحتاج إلى عدة تقنيات معقّدة وإلى استثمارات كبيرة لجهة نقله بالأنابيب إلى مواقع الاستهلاك أو تصديره أو تسييله وبالتالي فإنّ الغاز لا يمكن الاحتفاظ به كالنفط الخام وبالتالي فإنّ العمل بمقتضياته أمر ليس بالسهل. وبالتالي مسألتي الأسواق والنقل تلعبان دوراً أساسياً في تحديد الجدوى الاقتصادية للاحتياطات المتوفرة من الغاز الطبيعي في بلد معين.

القضية الرابعة:في هذا الشأن أتمنى أن نأخذ بعين الاعتبار موضوع الضريبة على توزيع الأرباح أي لجهة وجود "Dividendtax" وليس فقط مسألة ضريبة الدخل "CorporateTax". وفي هذا الخصوص يجب الأخذ بعين الاعتبار الاتفاقيات الموقعة بين لبنان وبين الدول الأخرى التي قد تنتمي أو لا تنتمي لها الشركات التي قد تتولى استكشاف واستخراج الغاز في لبنان. بحيث يجب التنبه لهذا الأمر حتى لا يصار إلى أن تكون هناك أفضليات لشركات تنتمي لدول معينة على شركات تنتمي لدول أخرى بسبب وجود هذه الافضليات والتي تعود إلى اتفاقيات تفادي الازدواج الضريبي (Double Taxation Treaties) وبين لبنان وعدد محدود من الدول.

فاقتطاع ضريبة التوزيع من شركة وعدم اقتطاعها من شركة أخرى تؤدي إلى تمييز بين شركة وأخرى. وبالتالي يكون العقد غير مبني على مفاضلة صحيحة وموضوعية. ولذلك فإنه من الأفضل دمج ضريبة الأرباح مع ضريبة توزيع الأرباح حصراً لهذا القطاع بحيث لا تكون هناك ضريبة اقتطاع على الاطلاق وتصبح ضريبة الدخل على هذا القطاع على سبيل المثال 25% ودون اي ضريبة على التوزيع وعندها لا يكون هناك Double Taxationأي ازدواجاً ضريبياً. ولذلك أرى ان يصار إلى دمج ضريبة الدخل وضريبة التوزيع To integratethe two Taxes togetherلكي لا يكون هناك شركات تُعامل بطريقة مختلفة عن شركات أخرى. أتمنى أن تؤخذ هذه النقاط في الاعتبار في هذه الندوة وانا مرة أخرى أحيي القائمين على والمشاركين بهذه الندوة وأشكرهم على هذه المبادرة التي قامت بها لجنة الأشغال العامة والنقل والطاقة والمياه. ولقد كنتُ آمل أن أبقى معكم لمدة أطول، ولكنني سأحاول أن أتواصل مع السيد نيك باتلر بطريقة أخرى.

 وشكراً.