السنيورة لـ المدن:التخلي عن مشروع لجنة بطرس كان خاطئاً

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثاني: 
اعتبر ان السلاح ليس وحده كفيلاً بحلّ الأزمات

يفضّل الرئيس فؤاد السنيورة عدم الدخول في متفرعات السياسة وزواريبها في هذه المرحلة الدقيقة التي يمرّ بها لبنان، المنطقة والعالم. هي مرحلة للترقب، ولمراقبة ما يمكن أن تؤدي إليه التطورات السياسية. للجانب الفكري اهتمام أساسي عنده الآن، ينطلق من تعزيز مفهوم المواطنة في منطق الدولة كأساس في العالم العربي. ولذلك، لا يترك أبحاثه ولا يبارح اهتماماته في هذه القضايا، التي كان آخرها مؤتمر الأزهر، الذي خرج بإعلان جديد، جريء ومتقدّم، إذ دعا إلى بناء الدولة المدنية.

الدولة المدنية هنا تعني الخروج من الإصطفاف الديني والمذهبي للدول أو للجماعات السياسية فيها، وارساء القواعد الإنتظامية والإدارية على أساس بديهي ثابت، وهو الحقوق والواجبات. في تشريحه لأزمة الدولة والمجتمع والسياسة، يعود السنيورة إلى الزمن البعيد الذي غلبت فيه الدولة الوطنية، أو دولة المواطنة في العالم العربي أو المشرقي. ومن هذا الثقب يتوسع في بناء وجهة نظره، فلا يحصر الصراع القائم حالياً بأنه صراع مذهبي، أو سنّي شيعي. فهذا، وفقه، بلا شك، أحد أشكال الأزمة، وهو أحد نتائجها ومسبباتها في آن. ويعتبر أنه لا يمكن اقتصار تحديد المشكلة بالصراع السني الشيعي، بل هو أحد أوجهها المتعددة. ويتأتى ذلك من شعور عميق لدى المسلمين، بحال الهزيمة التي تجلّت بالنكبة الفلسطينية واستمرّت في ما بعدها، بأشكال دول عسكريتارية.

السبب الأهم لاستمرارية هذه الأزمة، هو عدم إيجاد حلول ناجعة لها، ترتكز على محاكاة هموم الشعب. تحت هذه السحابة المستمرّة، تمر المنطقة، وفق السنيورة، بمرحلة تتسم بالضبابية، خصوصاً في ظل عدم وضوح أي سياسات خارجية، وسط ما يحكى عن إمكانية تصعيد أميركي إيراني. فالرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب، يتحدث بلهجة تصعيدية، لكنها مختلفة عن مواقفه التي كان يطلقها قبل انتخابه، لأن مقتضيات الرئاسة تفرض أسلوباً آخر. هذه التحولات المرتقبة، تثبّت الصورة حول دقة المرحلة، والأكيد وسطها، أن واشنطن ستكون على وجه مختلف عن الإدارة السابقة، لأنها تريد أن تأخذ موقفاً متصلّباً.

يجتهد السنيورة بمزج التحولات، واستخلاص العبر منها، وربط التطورات الخارجية بالوضع الداخلي اللبناني، ويعتبر أن دقة الوضع تفترض مزيداً من التبصّر والتفكر. ووسط أجواء التصعيد الأخيرة، والتخوف من إندلاع حرب مع العدو الإسرائيلي، يسارع السنيورة إلى توجيه نصيحة، بوجوب اجراء قراءة متأنية للتجربة التي مرّ بها لبنان إبان حكومته في العام 2006، وكيف استطاعت الخروج من الحرب. لا شك في أن الوضع صعب، ولبنان الذي دخل غرفة العناية الفائقة بعيد انتخاب رئيس الجمهورية ميشال عون، قد يتعرّض لوعكة أخرى. لذلك، لا بد من الحذر والتبصّر، لأن السلاح ليس وحده كفيلاً بحلّ الأزمات. وربما، في مكان ما، يسهم في تعميقها، وقد يرتدّ على أصحابه.

بالنسبة إلى تفاصيل الوضع اللبناني، والنقاش في شأن إقرار قانون جديد للانتخابات، والذي يأخذ حيزاً أساسياً من اهتمامات القوى السياسية، يلتزم السنيورة ببيانات كتلة المستقبل النيابية. فهو يؤكد السقف المرسوم، الذي بموجبه لا بد من الالتزام بإتفاق الطائف والدستور، وعدم الخروج عنهما. وهذا ما أسهم في رفض بعض القوى القانون التأهيلي. ولدى سؤاله عن تفاصيل النقاشات الانتخابية، يعتبر أن النقاش حالياً يتركز على النسبية الكاملة، ولا يجزم بحصول توافق بشأن القانون وإقراره، خصوصاً أن بعض المقاربات ينطبق عليها المثل القائل: "هالغطاء مش لهالطنجرة".

ما هو المشروع الانتخابي لتيار المستقبل؟ يرد السنيورة بالتمسك بإقرار قانون جديد للانتخابات، ويعيد التذكير بأن حكومته كانت أول من أدخل النسبية إلى صلب القوانين الانتخابية عبر لجنة الوزير الراحل فؤاد بطرس. وحتى الطروحات التي تقدّم بها البعض في ما بعد، كانت ترتكز على تفاصيل بسيطة وصغيرة تلائمها من إقتراح بطرس، لكنهم يتعاطون مع المسألة، كمن "يأت بالزر، لتفصيل طقم على أساسه". وهذا المنطق لا يستقيم. وفيما يشير إلى تخلّي المستقبل عن مقترح بطرس، بعد موجة الطروحات الأخرى، لا يخفي رأيه بأن ذلك قد يكون خطأ. أما إلى أين تتجه الأزمة، فلا أحد يملك جواباً واضحاً. هناك آراء عديدة، تشير إلى العودة إلى قانون الستين، باعتباره نافذاً. فرغم رفض البعض، لكن لا شيء في لبنان مستحيلاً.

التقدّم الأساسي الذي قد يحصل، هو بالتوافق على أهمية إقرار مجلس للشيوخ. ويرى السنيورة ذلك خطوة في طريق تطبيق إتفاق الطائف. ولكن ذلك يحتاج إلى مزيد من الوقت، خصوصاً النقاشات التي ستتعلق بتحديد صلاحيات هذا المجلس، كي لا تتعارض مع صلاحيات أخرى. ولكن من الضروري الدخول في هذه العملية، التي تحتاج إلى تعديل كثير من المواد الدستورية لتنفيذها.

يبدي السنيورة أسفه لبعض الآليات السياسية والإدارية في الدولة، لا أحد يطبّق قاعدة "لا تزروا وازرة وزر أخرى". وهذا دليل على الوهن. بمعنى أن التعاطي السياسي لا يأخذ طابعاً مؤسساتياً، إنما انتقامياً. فإذا اختلف طرفان على مسالة معينة، يرد الطرف الآخر باستهداف "ضحايا" جدد. والأمر نفسه، بالنسبة إلى تعطيل عمل المؤسسات، أو سحب إحدى المؤسسات من مجال عملها، والتعاطي معها على أساس أنها رهينة. وهذا الأمر، وفقه، لا يستقيم ولا يمكن البناء عليه. وهنا، يفضّل العودة إلى الفكر، وإلى مندرجات إعلان الأزهر، لأن قيام الدولة المدنية وحده كفيل بعدم التصويب على الضحايا، بل إيجاد الحلول لهم، وتلبية مطالبهم، لا أخذهم رهائن

تاريخ الخطاب: 
30/04/2017