الرئيس السنيورة : بعد أكثر من خمسين عاماً على النكسة أو سبعين عاماً على النكبة تزداد أوجه الضعف والعجز والاختراق في الوطن العربي

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثاني: 
القى محاضرة في الاردن بدعوة من جمعية الشؤون الدولية

اعلن رئيس كتلة المستقبل النيابية الرئيس فؤاد السنيورة انه: بعد أكثر من خمسين عاماً على النكسة أو سبعين عاماً على النكبة، تزداد أوجه الضعف والعجز والاختراق في الوطن العربي،  فتحرير فلسطين أو جزءٌ منها لم يتحقق وماتزال رقع الاحتلال تتسع. كما لا يزال الشعب الفلسطيني يرزح تحت الاحتلال والاستيطان، والفلسطينيون، على صورة العرب جميعاً، منقسمون تحت الاحتلال، والاستيطانُ يتزايد، والقدسُ تهتفُ بل تستغيث لإنقاذها ومنْع تهويدها، وتكادُ تضيع تماماً القضية الفلسطينية برمتها.

      والدولُ العربيةُ المستقلة الناهضة التي كان يُفترضُ بها أن تنعُمَ بالحكم الرشيد، استولى في سنوات الخمسينات والستينات والسبعينات على عشرةٍ من أقطارها عسكريوها الذين ساموها الخَسْفَ والهوان، وضيّعوا المصالحَ الوطنيةَ والقومية.

وقال الرئيس السنيورة : تُعاني الأمة العربيةُ من ضياعِ الأَولويات التي تحددتْ وتَشكَّلَ على أساسٍ منها الوعي العربي العام بعد نكبة العام 1948.

واعتبر الرئيس السنيورة :  إنّ الطريق الوحيد لمواجهة الأخطار التي تتهدّدنا يكون حتماً بالعودة إلى العروبة المستنيرة والمنفتحة وبالإصرار على انتمائنا العربي الجامع وأولوية قضيتنا الكبرى فلسطين. وعلى أساس الاعتراف المتبادل ببعضنا بعضاً والابتعاد عن سياسات التدخل والسيطرة والتقدم على مسارات التكامل والتعاون الاقتصادي بما يسهم أيضاً في استعادة التوازن الاستراتيجي في المنطقة العربية.

وراى الرئيس السنيورة  : ان  كلُّ عنفٍ باسم الدين أو القومية أو السلطة الغاشمة مرفوضٌ ومُدان. وإذا لم نحرصْ على سلام وسلامة العقيدة والمجتمع، فلن تبقى لنا شعوبٌ وأَوطان وأديانٌ أيضاً.

وقال الرئيس السنيورة : لا يجوز أن يتحول الإسلام في بلاد العرب بالذات إلى عبءٍ أو عائق لحركتنا في أوطاننا العربية وفي العالم. كما لا يجوزُ أن يستخدمه الإيرانيون وغيرهم ضدَّنا.

كلام الرئيس السنيورة جاء في محاضرة له في العاصمة الاردنية عمان ليل الاثنين الماضي بدعوة من جمعية الشؤون الدولية لمناسبةمرور خمسين عاماً على نكسة العام 1967حضرها حشد من المسؤولين الاردنيين السابقين وعدد كبير من المثقفين والمهتمين.

 الجدير ذكره ان جمعية الشؤون الدولية هي من ابرز واعرق جمعيات المجتمع المدني في الاردن وهي برئاسة رئيس الحكومة الاسبق الدكتور عبد السلام مجالي وهي تضم الى عضويتها عددا كبيرا من رؤساء الحكومات والمسؤولين السابقين وهي جمعية تهدف الى متابعة القضايا الاقليمية والدولية وتاثيرها على الاردن .

 وفي ما يلي نص المحاضرة التي القاها الرئيس السنيورة:

 

 

 

أصحابَ الدولة والمعالي والسعادة،

أعضاءَ مجلس إدارة جمعية الشؤون الدولية الموقرة،

السيداتُ والسادةُ الكرام،

تحيةً طيبةً أحملُها لكم من إخوانكم واخواتكم في لبنان،

 

يأتي لقاؤنا اليوم في رحاب هذه المدينة العزيزة عَمّان وبدعوةٍ من جمعيتكم الموقرة في ظل أحداث ومتغيرات ومناسبات حافلة بالدلالات والمؤشرات.

كما نجتمع في أفياء هذا الشهر الفضيل، شهر التعبد والتفكر والتوبة الى رب العالمين، والإقبال على العمل الصالح، وهو الشهر الذي تحسُنُ فيه مراجعةُ الذات والتدبر والتأمل في المحيط، وكذلك محاولة الاسترشاد بتجارب ومِحَن الماضي، والاتعاظ بها في النظر الى المستقبل. ويصادف لقاؤنا الليلة هنا مرورَ خمسين سنة على النكسة، وهي المحنة المستمرة منذ الخامس من حزيران 1967 بعد نكبة العام 1948.

 

لقد شكّلت كارثة ذلك اليوم تحولاً أساسياً في تاريخنا العربي الحديث، انحفرت في ضمائرنا ووجداننا وأعادتنا إلى الوراء عشرات السنين. وها نحن وحتى الآن لم نستطع تعويضَ ما خسرناه في ذلك اليوم المشؤوم على مختلف الصعد الوطنية والنفسية والمادية والمعنوية والسياسية والتاريخية والجغرافيا. لا بل استمرّ تراجُعُنا في ظل خلافاتنا وانقساماتنا وصراعاتنا وتشظَّيْنا دُوَلاً ودويلاتٍ وجماعات.

إلى جانب ذلك، فإننا نجتمعُ على بُعْد أيامٍ من أهمّ وأبرز قمةٍ إسلاميةٍ دولية شهدتْها مدينةُ الرياض في المملكة العربية السعودية وبحضور ذلك العدد الكبير وغير المسبوق من قادة الدول العربية والإسلامية، مع الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب. تلك القمة التي وإن لم تتطرق إلى جوهر القضية الفلسطينية، وهي القضية العربية الأمّ، إلاّ أنها توصلت الى اتخاذ مواقف هامة، على وجه الخصوص، تُجاه قضية أساسية تُعاني منها المنطقة العربية والعالم وهي قضية التطرف والإرهاب. كذلك ما توصلت إليه من قرارات هامة فيما يتعلق بمواجهة الأطماع ومخططات وبرامج التوسع والتدخل ومحاولات السيطرة التي تقوم بها إيران وتنفذها على حساب الدول والشعوب والمجتمعات في المنطقة العربية.

السيدات والسادة الكرام،

في الأزمنة الصعبة ووسط المتغيرات العاصفة من حولنا تبرُزُ أهميةُ التبصُّر في مآلات الأُمور والحرص على أن تكون رؤيتنا وبوصلةُ توجهنا وتحركنا وممارساتنا صحيحة. وهنا تبرز أهمية الابتعاد عن التردد والارتباك، وبالتالي عدم تغليب التناقضات الفرعية على القضايا ذات الأولوية، وكذلك أهمية العودة في الملمات إلى الثوابت والمرتكزات والاهتداء بها للولوج إلى معالجة قضايا الحاضر والمستقبل بثقة وباقتدار.

وأنا هنا أودُّ أن أكونَ صريحاً لكي نكونَ في انسجام مع أنفُسنا ومع المصالح الحقيقية لأوطاننا وشعوبنا العربية.

نحن في العالم العربي عانينا ومازلنا نعاني في هذه المرحلة على وجه الخصوص، من ثلاث آفات: الآفة الاولى، هي آفةُ الاستبدادات والديكتاتوريات، والثانية، هي آفة التطرف والمذهبية وانتشار الأصوليات والانشقاقات بداخل الإسلام وكذلك تصاعد حدّة الإرهاب، والثالثة، هي آفةُ التدخلات الخارجية الإقليمية والدولية بما يُخِلُّ بسيادتنا ووحدة مجتمعاتنا ودُوَلنا.

ولنبدأبالآفة الأُولى، آفة الاستبداديات والديكتاتوريات. فعلى أثر الفشل في حرب فلسطين عام 1948 بدأت أنظمةُ دُوَل الاستقلال العربية تتهاوى في انقلاباتٍ عسكرية بحجتين، الأُولىالفشل في حرب فلسطين، وضرورة شنّ حرب أُخرى للتحرير لا تستطيع الأنظمة القائمة القيام بها. والحجة الثانيةضرورة إقامة أنظمة ديمقراطية تكسب تأييد الناس في تحقيق التغيير الجذري الوطني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي والتنموي. وبعد عقدين من سيطرة الحكام العسكريين والأمنيين في دول عربية رئيسية، جاءت هزيمة العام 1967 لتُثبت أنّ الاستبداد لا يُحرِّر ولا يُنَمّي ولا يصنع المستقبل الآخر المزدهر والمتلائم مع حركة العصر.

ولنصل إلى الآفة الثانية، وهي التطرف والمذهبية وظهور الأصوليات والانشقاقات بداخل الإسلام وزيادة حدّة الانقسام السني والشيعي وتصاعد حدّة الإرهاب. وهذه ظاهرةٌ ما تعوَّدْنا عليها، وقد فاجأتْ جمهورَنا كما فاجأت المثقفين والإعلاميين ورجالات العلم والدين.

لقد كنا نفيئُ إلى ظلٍّ ظليلٍ عندما تَهُبُّ العواصف، هو ظِلُّ سماحة الدين، وحرصُ رجالاته ومؤسَّساتِه على سلامة الأَوطان والدول والعُمْران. لكنني أقول لكم أيها الإخوةُ والأخوات والأبناء بصراحة، ونحن في رمضان، الذي نعملُ جميعاً على الصدق فيه مع الله، ومع أُسَرِنا، ومع مجتمعاتنا، ومع أمتنا وأنفسنا، ومع العالم. أقول إنّ أفعال أولئك المتطرفين المُشينة والإجرامية تُوشك أن تَحْرِمَنا من مساحة الطمأنينة والسكينة في ديننا، ومن الأُلفة فيما بيننا، ومن الإقبال على صَلَوات الجمعة والجماعة باشتياقٍ للتضامن والمودّة، بل ومن الحركة بأمنٍ وأمانٍ في العالَم ومعه. وهو العالم الذي لا نريد أن نخاف منه ولكن لا نريد أن نخيفه أيضاً.

من هم أولئك الذي يسيئون ولا يتوقفون أمام دينٍ أو خُلُقٍ أو إنسانية؟! إنهم مجموعات صغيرة إمّا تعمل بتوجيه ووحيِ من يسخِّرونهم لخدمة أهدافهم التدميرية والتخريبية، أو فئات مغرّر بها، اتخذت من القتل الفظيع باسم الدين منهجاً للإرهاب، ولتكفير الناس، ولضرب السكينة والسكون في الدين، وإلى تغيير الأعراف ورفض العيش المتنوع والمشترك. وهؤلاء هم في الحالتين من يجب التصدي لهم. إذ ما عاد الاستنكار كافياً، ولا عادت فتاوى التبرؤ كافية. لا بد أن يعتبر كلٌّ منا نفسَه مسؤولاً عن ذاتِه ومشاعره وأحاسيسه. ومسؤولاً عن أَولاده لكي لا يتنمَّروا على دينهم وباسمه للأسف، ولكي لا يسيئوا للأخلاق والأوطان وإنسانية الإنسان. إنه مرضٌ مُخيفٌ هذا الذي نزل بنا على اختلاف الأديان والمذاهب.

كلُّ عنفٍ باسم الدين أو القومية أو السلطة الغاشمة مرفوضٌ ومُدان. وإذا لم نحرصْ على سلام وسلامة العقيدة والمجتمع، فلن تبقى لنا شعوبٌ وأَوطان وأديانٌ أيضاً.

ولنصل إلى الآفة الثالثة، وهي التدخلات الخارجية الإقليمية والدولية. فعلى أثر فشل الدولة الوطنية العسكرية والأمنية، وانفجار الأصوليات، ازداد مقدار الضعف والتخلخل. فتدخلت دول الجوار ثم تدخل الأميركيون، وصولا الى تدخل الجميع أخيراً.

كانت النكبة في العام 1948 وبعدها النكسة في العام 1967 وبعدها كانت طليعة التدخل على أثر الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، الذي هو تدخل من العيار الثقيل، إنشاء إيران لتنظيمٍ مسلَّحٍ في لبنان ساعد لبنان على إنجاز التحرير في العام 2000 وليتحول بعدها إلى تنظيم مسلح يعمل بتوجيه من الحرس الثوري الإيراني على تنفيذ مخططات إيران في المنطقة. وعندما رأت إيران أن التجربة نجحت، شجعت على تكوين ودعم ميليشيات مسلحة أُخرى في عدة بلدانٍ عربية كان لها دور معلوم في أصل الحروب المنتشرة بالمنطقة من لبنان وإلى سورية والعراق واليمن والبحرين.

وإلى ذلك فقد تدخلت الولايات المتحدة من ضمن تحالف عام 1990 لإخراج القوات العراقية من الكويت. ثم تدخلت لاحتلال العراق عام 2003 على أثر هجوم القاعدة على نيويورك وواشنطن عام 2001. ذلك ما أدى عملياً إلى تدمير الدولة العراقية وحلّ الجيش العراقي واستبداله بميليشيات طائفية ومذهبية وإنهاء العراق كدولة حاجزة بين الداخل الآسيوي والبحر الأبيض المتوسط. ذلك مما أدى إلى تعميق وترسيخ الخلل الاستراتيجي في المنطقة العربية. وفي تبادُلٍ للضربات من جهة، واشتراكات في مواجهات وعمليات عسكرية من جهةٍ أُخرى. وفي عقدٍ ونصف 2001- 2016 ما بقي أحدٌ إلاّ وتدخل في المشرق العربي والجزيرة العربية وليبيا والسودان، تارةً بحجة مكافحة الإرهاب، وطوراً وبصراحة من أجل اقتطاع مناطق نفوذ.

السيدات والسادة،

تُعاني الأمة العربيةُ من ضياعِ الأَولويات التي تحددتْ وتَشكَّلَ على أساسٍ منها الوعي العربي العام بعد نكبة العام 1948، والأَولويات كانت:

  • النضال من أجل تحرير فلسطين بشتّى السُبُل والوسائل. وقد آل هذا النضال إلى تحديد هدفٍ متواضعٍ- إذا صحَّ التعبير- وهو إقامة الدولة الفلسطينية المستقلّة وعاصمتُها القدس، على حدود النكسة أو النكبة الثانية، أي حدود العام 1967. وعلى هذا كانت المبادرة العربية للسلام في العام 2002 التي حددت مرتكزات حل الصراع العربي- الإسرائيلي. وهي المبادرة التي لم تحظ بما تستحق من اهتمام ودعم ومتابعة لا من قبل الجامعة العربية ولا من قبل الدول العربية التي عملت على طرحها وكان يُفترضُ بها الترويجُ لها. وربما لذلك لم تحظ هذه المبادرة أيضاً بالاهتمام من قبل دوائر القرار الدولي ولا من قبل المجتمع الدولي.
  • والنضال من أجل إقامة أنظمةٍ للحكم المدني الصالح في دولٍ متحررةٍ من الاستعمار والتبعية. أنظمة تسودُها قيم ومبادئ المواطنة والحرية والعدالة والتنمية والمشاركة واحترام حقوق الإنسان.
  • وكذلك النضال من أجل إقامة تكتلٍ عربيٍّ يمثّل وحدة الانتماء والمصالح المشتركة، ويمتلك فضيلة إدراك أهمية التكامل العربي ومحاسنه في تحقيق النهوض فيالمجتمعات العربية. وبالتالي ضرورة العمل من أجل التقدم على مسارات تنفيذه.

 

إنّ هذه الأولويات، وفي ضوء ما جرى لغيرنا ومع غيرنا من أُمم العالم، ما تحقّق منها شيءٌ تقريبا. فبعد أكثر من خمسين عاماً على النكسة أو سبعين عاماً على النكبة، تزداد أوجه الضعف والعجز والاختراق، على النحو التالي:

  • فتحرير فلسطين أو جزءٌ منها لم يتحقق وماتزال رقع الاحتلال تتسع. كما لا يزال الشعب الفلسطيني يرزح تحت الاحتلال والاستيطان، والفلسطينيون، على صورة العرب جميعاً، منقسمون تحت الاحتلال، والاستيطانُ يتزايد، والقدسُ تهتفُ بل تستغيث لإنقاذها ومنْع تهويدها، وتكادُ تضيع تماماً. والإسرائيليون ماضون في التهويد وبناء المستوطنات، وآخِرُ مساعيهم تنصبُّ على الاستيلاء على المسجد الأقصى وتصفية القضية الفلسطينية برمتها. حيث لا مكانَ فيها لأهلها الأصليين بالذات، المسيحيين منهم والمسلمين ولاسيما أن إسرائيل لا تميز في عدائها لهما ولا لمقدساتهما. وهي لذلك تعمل على اقتلاع وتهجير المسيحيين والمسلمين على السواء لإفراغ القدس والضفة الغربية المحتلة من مكوِّنيها الأساسيين.
  • والدولُ العربيةُ المستقلة الناهضة التي كان يُفترضُ بها أن تنعُمَ بالحكم الرشيد، استولى في سنوات الخمسينات والستينات والسبعينات على عشرةٍ من أقطارها عسكريوها الذين ساموها الخَسْفَ والهوان، وضيّعوا المصالحَ الوطنيةَ والقومية.

إنّ الإحصاءات الأكثر صدقيةً التي أصدرتْها الأُمم المتحدة مؤخراً تقول إنّ المهجَّرين العرب أصبحوا يشكلون أكثر من 55% من مجموع المهجرين في العالم، بينما لا يزيد مجموع عدد العرب عن 5% من مجموع سكان العالم. وأنّ هناك أكثر من 12 مليون سوري من النازحين داخل سوريا والى خارجها يحتاج معظمهم للمساعدة العاجلة في وجه الجوع والصقيع والحر القاتل. وأن نصف سكان اليمن أصبحوا يقفون على مشارف المجاعة وأضيف إلى مصائبهم جائحة الكوليرا. ولا نريد ان نسترسل في الحديث عما يجري في ليبيا والسودان والصومال. وأنّه وخلال الأعوام القليلة الماضية قد سقط أكثر من ستمائة ألف قتيل عربي في سبع أو ثماني دول عربية حوالى خمسمائة ألف منهم سقطوا في سوريا لوحدها، وحوالي ثلاثة أضعاف مجموع هذا العدد الإجمالي هم من الجرحى والمصابين بعاهاتٍ دائمة.هذا إضافةً إلى أن نصفَ هذا الجيل الصاعد من الأطفال الذين هم ما بين الثالثة والسادسة عشرة من العمر لم يستطيعوا ان يلتحقوا بأي نوع من أنواع التعلم الذي يقيهم الوقوع في براثن الأمية.

  • والحضورُ العربي في عالَم اليوم والعصر ما تحقّق منه الكثير. وينقسم العديد من العرب اليومَ على ولاءات لدول غير عربية في المنطقة وخارجها. هذا فضلاً عن أنه عندما يُذكر العربُ اليومَ في العالم يُذكَرون مقرونين بالقاعدة أو داعش، او النصرة ، أو أي منظمة ارهابية اخرى، أو باعتبارهم خطراً على أمن العالَم واستقراره!

 

أيها السيدات والسادة،

ماذا نفعل، ومن أين نبدأ؟ أسهلُ السُبُل الاستكانةُ للأسى واليأس، والاكتفاء بتعداد المصائب والعقبات والوقوف على الأطلال. وهو ليس سبيلاً مشرِّفاً على أيّ حال. والسبيل الآخر الذي لجأ إليه البعض الآخر كان في سلوك طريق التشدد والانزلاق إلى العنف الموصل إلى الوقوع في وهدة الإرهاب وكلا الطريقين مثبِّط للجهود ومدمر للطاقات والجهود والمبادرات وللأجيال وللمستقبل.

السبيل الوحيد، وهو بنظري السبيل الصحيح، هو في عدم الاستكانة وعدم اليأس وعدم القبول بانكسار إرادتنا أو القبول بالتحول إلى السلبية والعنف القاتل. فعلى مدى تاريخنا الماضي والحاضر لم يكن الأمل وحده وعلى أهميته الكبرى، ما كنا نحتاجه وكنا نعود إليه وننتصر به ومعه، في مواجهة المحن والأزمات. الذي كان نصيرَنا في الماضي وسيكون نصيرَنا الآن وفي المستقبل هو الشجاعةُ في مواجهة الحقيقة، وفي استخلاص الدروس الصحيحة وفي العودة إلى تصويب بوصلتنا نحو ما يجب ان نقوم به، وبالتالي في تزخيم تلك الإرادة الصامدة والثابتة والمثابرة في مجالاتها حتى يتمَّ لنا ما نريد وتريده شعوبنا العربية.

الروَّاد الأوائل ما يئسوا ولا استكانوا، إنما الأهمُّ في هذه الظروف الصعبة عدمُ نسيان الأَولويات التي سبق ان وضعها المناضلون العرب نُصب أعينهم في شتّى المواقف والظروف. ليس صحيحاً أنّ البحث في الدفاتر القديمة سلبيٌّ دائماً. فالدفاتر هذه هي رأسُ المال الباقي. الباقي هو الإنسانُ العربي، وهذا هو دفترنا القديم والجديد. لقد تكاثرت على الجسد العربي الأمراض، لكنه هو الجسدُ العربي الذي ما قصّر ولا تخاذلَ ولا ضنَّ بالتضحيات الجِسام عندما رأى مع قياداته الطريق واضحة أمامه نحو الهدف الذي يريد أن يحققه.

فإذا كان هذا الجسد العربي قد تجرَّع كأس الهزيمة المريرة في الخامس من حزيران 1967 واندحر واندحرت كرامته آنذاك، فإنه وفي مثل هذا اليوم أيضاً بالذات، وذلك من حسن الصدف، أنه وفي العاشر من رمضان عاد هذا الجسد العربي هو ذاته ليستعيد جزءاً من تلك الكرامة المهدورة وليحقق الانتصار في العام 1973.

ما هو الدرس الذي نستخلصه أولاً وأخيراً من هذا كله؟ أنه ليس هناك من مستحيل طالما حرصنا على ان لا تنكسر إرادتنا العربية وان لا تموت فينا الكرامة العربية.

إذا فلنستذكر الأَولويات التي يجب ان نتمسك بها ولا نحيد عنها في ضوءِ التحديات التي تعترضنا منها القديم ومنها الجديد الذي تكالب على الجسد النازف.

أولى الأَولوياتكانت ويجب أن تبقى "فلسطين".

وأولُ شروطوقف التدهْوُر في قضية الشعب العربي الفلسطيني وإنهاءُ الانقسام الداخلي. إذ لا معنى للصراع على السلطة في ظلّ الاحتلال والابتلاع ومحاولات الاقتلاع من فلسطين. إنّ أكثر من نصف الشعب الفلسطيني يعيش في المنافي فاقداً لأهمّ شروط الإنسانية: الوطن، فضلاً عن الحقوق. أمّا النصف الآخَرُ فهو إمّا مهدَّدٌ بالتهجير أو بفقد مواطنته وإنسانيته.

 

أمّا ثاني شروطوقف التدهور في القضية، فهو شرطٌ عربي: فلمن نترك نحن العرب الرايةَ العربية في فلسطين، أَإِلى إيران وميليشياتها، أم للتطرف الديني والإرهاب؟! إنّ استعادةَ الوعي الفلسطيني والعربي كُلِّه وقْفٌ على استعادة الوعي بمفتاحية قضية فلسطين والقدس لكلِّ ما عداها. لا عروبةَ بعد فلسطين، ولا رايةَ بعد رايتها. كيف يحدث ذلك أو كيف ينبغي أن يحدثَ ذلك؟

يجب العمل على استيلاد الفرصة من رحم المأساة وليس على طرائق الفصائل المتصارعة في غزة وعين الحلوة وغيرها من الاماكن. لدينا المبادرة العربية للسلام منذ العام 2002. وهذه المبادرة لا يمكن متابعتها بقوةٍ إلاّ بموقفٍ فلسطيني واحد، وموقف عربي واحد نتوجه بداية إلى أنفسنا نحن العرب وإلى الدول والشعوب الإسلامية وإلى مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة وللرأي العام الدولي. هناك المبادرة، وهناك الموقف الواحد والداعم الذي يجعلها مشروعاً حياً قابلاً للمتابعة والتنفيذ في عقول وضمائر اصدقائنا في العالم والمجتمع الدولي.

 

يجب أن نتوجَّهَ للعالم طالبين التضامُنَ في وجه التغول الإسرائيلي باعتباره إرهاباً موصوفاً هو أساساً في قلب مشكلة الإرهاب المتنامية وأحد أهم مصادره. وبقدر ما نكون جادّين وقادرين على اجتراح البدائل والحجج والبراهين التي تحفظ لنا حقوقنا وتعيد إلينا الأرض، بقدْر ما يجري الإصغاءُ إلينا والتفاعل معنا ومع قضيتنا.

 أما ثانيةُ الأَولوياتفتتمثل بالتقدم المثابر على مسارات إقامة أنظمة الحكم الرشيد في البلدان العربية، وهي التي ابتُليت بحكم أنظمة الاستبداد والتسلط والممارسات الشمولية. فهذه الأنظمة ما اكتفت بالقمع والقتل للمواطنين، بل أضافت لذلك تضييعَ المصالح الوطنية والقومية. والطريق الطويل يبدأ بخطى متتابعة وممارسات تراكمية لا تلكؤ فيها ولا تراجع ونتقدم بموجبها على مسارات الوصول إلى الحكم الرشيد.

 

أما ثالثة الأولويات، فهي التصدي وبحزم لتلك التحولات التي يجري فيها تغليب الانتماء الطائفي والمذهبي على الانتماء العربي والوطني وعلى مبدأي المواطنة والدولة المدنية.

أما رابعة الأولويات، فهي التصدي بالتكامل وبالتضامن العربي للتخلف وللتراجع الاقتصادي والتنموي وكذلك للمطامع الإقليمية والدولية المحدقة بنا.

إنّ الطريق الوحيد لمواجهة الأخطار التي تتهدّدنا يكون حتماً بالعودة إلى العروبة المستنيرة والمنفتحة وبالإصرار على انتمائنا العربي الجامع وأولوية قضيتنا الكبرى فلسطين.وعلى أساس الاعتراف المتبادل ببعضنا بعضاً والابتعاد عن سياسات التدخل والسيطرة والتقدم على مسارات التكامل والتعاون الاقتصادي بما يسهم أيضاً في استعادة التوازن الاستراتيجي في المنطقة العربية.

وأمّا خامسة الأولويات، فهي الإصلاحُ الديني. لقد حدثت في أوساطنا انشقاقاتٌ دينية. وهي في قسم وافر منها ناجمةٌ عن التراجُع الفكري والثقافي. لكنها ناجمةٌ أيضاً عن فشل الدولة الوطنية العربية في مرحلتها العسكرية والأمنية. لم يكن شبابُنا لينجذبوا ولن ينجذبوا إلى وهم الدولة الدينية، إذا كانت لديهم أنظمةٌ للحكم الصالح. إنّ الإصلاح الديني أمر في غاية الأهمية ويكون من طريق النهوض الفكري والحيلولة دون نشوء أجيال جديدة على التطرف وعلى معاداة دولنا الوطنية ونشر العنف في العالم. ويكون كذلك من طريق تقوية المؤسسات الدينية المستنيرة والمنفتحة والعاملة على تجديد الخطاب الديني الذي يحض على العلم والتعلم ويؤكد على ثقافة العمل والإنتاج، ويشجع على التفكير النقدي في مجتمعاتنا من أجل تغيير الرؤية للعالم لدى أجيالنا القادمة. وهذا يعني التأكيد على عدم استتباع تلك المؤسسات الدينية للأنظمة أو استخدامها لأغراض سياسية. كذلك أيضاً التشديد على عدم تدخل تلك المؤسسات بأعمال الدولة والحكم، وذلك من خلال التأكيد على فصل الدين عن الدولة وبالتالي فضّ الاشتباك بين الدين والدولة.

لا يجوز أن يتحول الإسلام في بلاد العرب بالذات إلى عبءٍ أو عائق لحركتنا في أوطاننا العربية وفي العالم. كما لا يجوزُ أن يستخدمه الإيرانيون وغيرهم ضدَّنا. نحن نقاتل منذ عقود على جبهة مواجهة العدو الصهيوني، وعلى جبهة منع الاختراقات من دول الجوار، وعلى جبهة الغَلَبة الدولية، والآن على جبهة مواجهة التطرف والإرهاب باسم الإسلام. وهذه الجبهة الأخيرة هي أخطر الجبهات لأنها تقسِّمُ المجتمعات وتفسد دخائل الأفراد والجماعات. لقد قال أحد الشعراء العرب: "قتلتنا الردة، قتلتنا الرِدَّة. ذلك أنّ الواحدَ منا يملكُ في داخِلِه ضِدَّه".

فلنخرج بأيّ سبيلٍ من هذا الوضع، أو تظلَّ الهشاشةُ هي سيدةُ الموقف في مجتمعاتنا ودولنا ويستمر التفريط بالحقوق ويستمر ويتفاقم الضياع والانكسار والخذلان الذي تعاني منه أجيالنا الصاعدة.

ما هي الخلاصة أو الخلاصات التي نستفيدها من القمة العربية- الإسلامية- الأميركية بالرياض؟

الخلاصة الأُولى، وقد حصلت بداية انفراجة بين العالم الإسلامي والولايات المتحدة، هي الخروجُ معاً من استنزافات الإرهاب المدمِّر بشتى الطرائق والسبل وبالتركيز على إنهاء البؤَر الإرهابية على أنواعها في العراق وسورية واليمن وليبيا.

 

والخلاصة الثانية، العمل معاً من أجل حماية الأردن ولبنان من التهديد الذي يمثله الأتون السوري. وكما أتاح النظامُ التابعُ في سورية لإيران أن تخلُقَ ميليشيا مسلَّحة فيه، يريدون الآن أن يُحاصَرَ الأردن من حدوده في سورية والعراق.

إنه إذا لم ينفع التحالف العسكري الإسلامي في حماية الأردن من هذا المصير، فمتى  ينفع؟!

والخلاصة الثالثة، أنه إذا كان الإرهاب الفظيع يستدعي تعاوناً دولياً، فإنّ مكافحة التطرف في الدين هي مهمةُ العرب والمسلمين. فينبغي أن ينتهي تماماً هذا الميلُ للعنف واستسهالُهُ على النفس وعلى الآخرين. بالإصلاح الديني، وبالتربية السليمة، وبالإعلام، وبالثقافة، وباجتراح الأفكار والمخارج والآفاق الجديدة من المستحيل لكي لا يستمر شبانٌ منا في إيذاء أنفسهم وإيذاء العالَم، وإيذاء علاقاتنا به.

السيدات والسادة الكرام،

 لأردن ولبنان يتشابهان في الكثير من الصفات: الأردن ولبنان يتشابهان في الحجم الصغير والإمكانيات المتواضعة، والتشابُه في ثقافة المواطنة والحريات والمناعة في وجه النزاعات الداخلية. كما أنّ الأردنّ ولبنان يتشابهان في هذه الظروف بتحملهما أكثر بكثير من طاقاتهما من أعباء النزوح السوري بشكل قد يقوض البلدين، وذلك كما سبق أن تحمَّلا أعباء اللجوء الفلسطيني، وكان ما كان من تأثيرات سلبية دفع البلدان ثمنها من الغالي والنفيس في كل من لبنان والأردن. ولا داعيَ لإعادة سرد ما كان من الانعكاس والنتائج السلبية على كل منهما من هذه القضية وهذه الأعباء.

لذلك فإنه وإزاء هذه التحديات والخطوات، فإنه في المقام الأول ينبغي أن تكون للبلدين سياسة واحدة أو سياسات منسَّقة في الحد الأدنى في معالجة مسألة النزوح السوري وإيجاد الحلول اللازمة لها ولاسيما بما خصّ الدفع باتجاه إنشاء المناطق الآمنة في سوريا ريثما تتأمن الحلول الدائمة، وذلك لمعالجة وتحقيق الأمنين المعيشي والأمني في لبنان والأردن الذي تتعالى وتيرة الاستنزافات فيهما بسبب حدة النزوح السوري إلى كلي البلدين وتأثيراته السلبية على المجتمعات المضيفة وعلى الاستقرار الوطني والأمني في البلدين.

وأمّا الأمرُ الآخرُ فهو في كيفية تعزيز خطاب المواطنة في كل منهما وتشجيع الممارسة الديمقراطية وذلك للإسهام في تجاوز عوامل التصدع الداخلي. إنّ التشبث بفكرة المواطنة يمكن الإدارة الرشيدة للتنوع من أن تجعل منه مصدر ثراء للمجتمع وعامل تحصين له بدلاً من أن تكون التوجهات الدمجية العنيفة، والتهميش الفئوي، سبباً بين أسباب التردي والتفجير كما حصل في سورية ولسورية ومايزال. إنّ السياسة الرشيدة في الأردن ولبنان يمكن أن تتعاون فيما بينها في تحقيق التوازن بين وحدة الدولة والمجتمع من جهة، والإصغاء للتنوع والخصوصيات من جهة ثانية، بما يحفظ الاستقرار والمستقبل المشترك والنمو والتنمية المستدامة.

 السيدات السادة الكرام،

في هذه الظروف المتقلبة والضاغطة والخطيرة على المنطقة وعلى لبنان والاردن ليس لنا الا التنبه والتروي والتمسك بالحكمة لكي تنقذ بلداننا من البركان المتدفق على المحيط. والسبيلُ الأوفرُ لذلك هو التمسكُ بحقوق الإنسان والدولة المدنية والاعتراف بالتنوع والتغيير السلمي والتنمية البشرية والعمل الدائم على التلاؤم المستمر مع حركة العصر.

في ختام كلامي، أودُّ أن أتوجَّه بالشكر إلى الإخوة في جمعية الشؤون الدولية والى رئيسها الصديق العزيز دولة الرئيس الدكتور عبد السلام المجالي وإلى الإخوة أعضاء مجلس الإدارة على إتاحتهم لي هذه الفرصة الطيبة للقاء معكم. وهي الفرصة التي آمُلُ أن تتكرر في ظروف عربية وأردنية ولبنانية أفضل.

عاش الاردن وعاش لبنان.. وعاشت أمتنا العربية.. والسلام عليكم ورحمة الله..

تاريخ الخطاب: 
07/06/2017