الرئيس السنيورة : اتفاق الطائف وما أفضى اليه من تعديلات دستورية جوهرية قد توافقَ عليه اللبنانيون وهو ما جعل لبنان رسالة

العنوان الثانوي: 
تحدث في البريستول في حفل لمؤسسة ميشال شيحا

قال الرئيس فؤاد السنيورة :أن اتفاق الطائف، ايها الشابات والشبان، وما أفضى اليه من تعديلات دستورية جوهرية، قد توافقَ عليه اللبنانيون، وان ما أكّدَ على أهمية هذه الصيغة ما سماه لاحقاً البابا يوحنا بولس الثاني بأن "لبنان هو رسالةٌ أكثر مما هو وطن". إنّ لبنان حقاً كذلك بكونه رسالة إلى كل المجتمعات المتنوعة. ويقيني أن هذه الرسالة الحضارية والمتفرّدة لا يمكن أن تفعلَ فعلَها إن لم يكن هناك من رسول يحمل تلك الرسالة بكفاءة تعينه على نشر تلك الرسالة ويعمل بجدّ من أجل إنجاحها بثقة واعتداد، وهذا ما نتوسّمه فيكم يا شبابَ لبنان الواعد.

كلام الرئيس السنيورة جاء بعد ظهر اليوم في احتفال اقامته مؤسسة ميشال شيحا لتوزيع جوائز للفائزين بمسابقة مبشال شيحا وفي ما يلي نص كلمته:

السادة الكرام رئيس وأعضاء مؤسسة ميشال شيحا،

طلاب وطالبات لبنان الأحباء،

أيها الحفل الكريم،

إنَّ فنَّ الحُكمِ هو فنٌ يُوجِبُ علينا أن نكونَ ذوي بصيرة

ميشال شيحا

21 آذار 1953

تحوّلات على المتوسط

لكم يسعدني أن ألبي هذه الدعوة الكريمة لأشهد وأُشارك وأباركَ رُوحَ التنافس الشريف التي التزمتم بها والمنطلقة من طرائق فهمكم وتصوّركم لمفهوم الثقة في حياتنا المعاصرة، مستهلاً بالإشارة إلى ما قاله الراحل الكبير ميشال شيحا وهو يحفّز أولياءَ الأمر على وجوب التحلّي ببصيرة ورؤيةثاقبة وكذلك بتبصُّر متحسب إذا ما رغبوا في إجادة فن الحكم.

هنا دعوني أتشاركُ وإياكم وجهةَ نظرٍ معرفية متكئة على خبرة أكثر من خمسةٍ وعشرينَ عاماً من ممارسة العمل السياسي من مواقع إدارة الشأن المالي كوزيرٍ للمالية، والسلطة وإدارة الشأن العام والسهر على انتظامِ عمل المؤسسات الدستورية والإدارات والمؤسسات الحكومية كرئيسٍ للحكومة، وكذلك بعد الاحتكام إلى الشعب في اختيار ممثليه في مجلس النواب كنائبٍ في البرلمان.

ولا بدّ لي في هذا المقام الذي تحضره هذه النخب الشبابية الواعدة التيوفدت من قطاع التعليم الرسمي العزيزِ على قلبي، من أن أقول إنها تبارت وتنافست على قواعد الكفاءة والجدارة، والتأمَ عِقْدُها الفكري حول مفهوم الثقة بالذات وبالآخَر وبالوطن.

وكي لا نغوصَ في كلام عام فضفاض، ارتأيت أن أستهلَّ ما سأقوله بذكرِ دعائمَ أو ركائزَ ثلاثٍ تنتظمُ من خلالها حياةُ المجتمعات عمومًا، وتتصل بتصوّرنا الخاص لمفهوم الثقة في وعي الجماعة وفي ضوءِ ممارساتها.

  1. وأعني بدرجةٍ أولى الحُكمَ الرشيدَ: الذي ينبغي أن يلهمَ الشباب أمثالَكم كونه يفترض السعي إلى التلاؤم المستمر مع المتغيرات وبالتالي القيام بالتعديلات اللازمة لدور الحكم، والإصلاحات لإدارات الحكومة وأجهزتها وأدواتها التنفيذية.
  2. تليها تراتبيةً البصيرةُ والرؤية المنفتحة على الأفق الواسع، والتي ينبغي أن يتحلّى بها المسؤولُ للنهوض بواجبه. ومن مقتضياتها ومعانيها قوةُ الاستيعاب والإدراك والفطنة والتحليلِ وإعمال العقل لرؤية وجهِ الصواب، والتبصُّر في ما قد ينجم من نتائج وتداعيات عن السياسات والقرارات التي يتّخذها.
  3. أمّا الركيزة الثالثة فهي الثقةُ: وهي حجرُ الزاوية، ومن مرادفاتها اليقينُ والإيمانُ والاطمئنانُ إلى قدرات المجتمع وسلامة العلاقة بين مكوناته ومع الدولة، واستشرافُ تطلعاته والتحقق من ثبات إرادته وصدق عزيمته.

في البدء كانت وتكونُ الثقةُ. لذا نحتكمُ وإيّاكم إلى فكرةٍ وضّاءة أثبتها ميشال شيحا في صحيفة Le Jourفي 7 حزيران 1952، ونصها: "إنّ المجتمع اللبناني بمجمله مبني على الثقة، وهذه الثقة تأتي برأينا ووفق ممارساتنا بتفسيرات مختلفة. الثقة تعني الحريةَ بالمعنى التشريعي وتعني التسامحَ والتعاطف والرحمة بالمعنى الأخلاقي. ولكن، وعلى وجه الخصوص تعني الشعورَ بالأمان عبر احترام الدستور وحكم القانون بشكل عام والالتزام بتطبيق الأحكام القضائية".

اليوم وبعد مرور ستّة وستّين عامًا على طرحِ تلك الأفكار السّامية، لا تزال تلك الكلماتُ تعبّرُ أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى عن أهمية وضرورة إحترام الدستور وهذه التشريعات القانونية والقيم الخلقية لصون دولة القانون.

من هذا المنطلق، يمكن أن نفصّل لجمهور المتبارين الشباب ما انطوت عليه أفكارُ ميشال شيحا وركائزُ فلسفته التي أضحت إحدى دعائمِ حياتنا الوطنية، كما يقول عنها فيليب تقلا (لبنان في شخصيته وحضوره). فمسألةُ الثقة التي نقاربها هي في اعتبارنا تمثل حجرَ الرَّحَى أي حجرَ الأساس في منظومة التعامل بين أي طرفين متجاورين ومتناظرين. ومبدأُ الوثوق بالآخر وائتمانه والركون إليه ينسحبُ على طبيعة تعامل هذا الثنائي أيًّا يكن، كالزوج والزوجة، الأب والأم، الأهل والأبناء، أو ببساطة مع الآخر وربما المختلف. وبما أن "مسرحَنا الكون" كما ينادي شيحا نفسُه، فالثقةُ أنّى استوجبَ حضورُها واجبٌة ومفصليّة، وهي وليدةُ التّربية ما يرتّبُ على الوالدَين مسؤوليةً عظيمةً لترسيخها في وعي أبنائهم. فمن الخليّةِ العائلية، يتوسّعُ نطاقَ الثقة ليترسّخَ أكثر فأكثر في حياتنا الاجتماعية. والثقة أيضاً تكون بين مؤسستين وبين الدولة ومواطنيها، أو بين دولتين جارتين أو صديقتين. هذا ما يجعلنا ندرك أهمية عامل الثقة الذي مع الوقت يمكن أن يسهم في رسم مصير أممٍ ودول.

لقد أحسَنَ مفكِّرُنا الرؤيوي مشيال شيحا توصيفَها بالقول: "ثمةَ وشائجُ (أي صِلات) نفسٍ ووشائجُ جسدٍ توثِّق، بين الإنسان وبلاده، بل بين الإنسان وإقليمه" (لبنان في شخصيته وحضوره). وعليه، فإنّ الثقة مسألةٌ مبدئية وأساسية في سيرورة الحياة وصيرورتها، باعتبار أن تَوافرها يسهِّلُ التعامُلَ في ما بين طرفين معنيين أو أكثر. فكيف إذا كان الوثوقُ بالذات وبالآخر مسألةً عامةً تتجاوز النطاقَ الأُسَري، وتتعلق بالعلاقة المفترضة بين الدولةِ حاكمًا ومواطنيها محكومين، أو تتصل بالعلاقات المنسوجة بين دولتين أو أكثر.

وباعتبارها الناظمَ الرئيس لِعقْدِ المجتمع. فالدولةُ، بما تُمثل وبمن تُمَثَّل، يُفترضُ بها أن تكون الجهةَ المركزية التي تسوسُ شؤونَ مواطنيها وتحترم خصوصياتهم وترعى مصالحهم. وفي المقابل يُفترضُ بمواطنيها أن يقبلوا التعاملَ معها، والخضوعَ لسلطتها، والعمل بموجب قوانينها، نتيجةً للثقة التي يمنحونها إياها. وذلك يعني أنّ الثقةَ لا يمكن أن تسيرَ باتّجاهٍ واحد، بل من شروطِ وجودها أن تكون متبادلة. ثقةٌ يمنحها المواطنون ومنهم المكلفون دافعو الضرائب للخزينة العامة للدولة. والدولةُ هي التي تحتضن ممثلي نظامهم السياسي، الذين يحصلون على الوكالة من المواطنين من خلال انتخابات ديمقراطية نزيهة وحرة تنبثق عنها حكومة تحظى بثقة مجلس النواب. ومن موجبات هذا التكليف الدوري تفويض الدولة، بمختلف الإدارات والمؤسسات والأجهزة الحكومية، مسألةَ البت والقطع في أمور إدارة الشأن العام بما فيها رسم السياسات وإقرار الاستراتيجيات واعداد البرامج ورعاية الشؤون العامة للمواطنين كافة. وعليه، فإنّ اختيار المواطنين لممثّليهم في البرلمان مرتبطٌ أكثر،َ وإلى حدّ بعيد، بالسياسات وبمستقبل البلاد وصورتِها المستقبلية. ومن ذلك يتبين كم تعتمد عملية الانتقاء من بين الخيارات القائمة على المبدأِ الأسمى للتّكليف، وهو الثّقة.

وللتذكير فالوكالةُ التي يعطيها المواطن لمن يمثله في البرلمان والتي على أساسها تُبنى السلطة في البلاد، والتي من ضمنها الحكومة التي تحصل على الثقة من مجلس النواب، تشملُ تخويلَ الدولةِ التي يجب أن تكون هي السلطة الوحيدة التي تمتلك الحقَ الحصري في حمل السلاح وفي استعماله عند الاقتضاء، استعمالَ القوة من أجل حفظ الحدود والدفاع عن الأرض وصد العدوان والتأكد من سيادة سلطة القانون والنظام عبر جيشٍ واحد وقوى أمنية واحدة وشرعية. هذه التدابيرُ كلها تتأسس على مبدأ الثقة وتستند إليه. وهذه الثقة المتدرجة والمتنامية يتم بناؤها واكتسابها على هذه الأسس السليمة، وهي تتعزز ما بين الدولة ومواطنيها، من خلال الممارسة والتجربة واحترام القانون والنظام والتقويم الدوري للأداء.

مفهوم الثقة هو مربطُ الفرس، والمواطن هو مبتدأُ الكلام ومنتهاه. فعلاقته وثقته بالدولة تتأسسان وتتعززان من خلال إحساسه وشعوره بالأمان والاحترام في تعامله مع القوانين والأجهزة والإدارات، وكذلك من خلال تأكده عبر التجربة ان الحكومة وإداراتها وأجهزتها وفي جميع ممارساتها تخضع لسلطة القانون وتحترمه. في المحصلة، اطمئنان المواطن إلى أن حقوقه محفوظة وكرامته مَصونة ومصالحه الحالية والمستقبلية تجري رعايتها بالشكل الصحيح والسليم والعادل ودون أي تمييز.

وعلى أساس ذلك تكون الثقةُ بالدولة بدايةً بالتكليف، وتتمظهر صورُها بدرجة ثانية بحكم الممارسة. بعد ذلك تخضع عمليتا التكليف والممارسة الى ما يسمّى الامتحان المستمر من خلال دورات المساءلة أو عبر التقييم الدوري المتمثل بالانتخابات النيابية الديمقراطية والحرة والنزيهة في ظلِّ قانون إنتخابٍ عادلٍ يضمن صحّةَ التمثيل ويصون الفكرة السامية للعيش المشترك.

يتبين من ذلك كله أنّ التكليفَ يكون في محله، ويتثبتُ إذا أدت تلك السلطةُ ما عليها من مسؤولياتٍ تُجاه مواطنيها، بما في ذلك تأديةُ حقوقهم كاملةً غير منقوصة وبشكل عادل ودون أي تمييز.

إنه ومن خلال دورة الممارسة الديمقراطية هذه، المقرونة بسياسات الإفصاح والشفافية المفترضة في أعمال الحكومة يتعرفُ المُواطنُ إلى الإنجاز من جانب، وإلى مَواطنِ الداء أو التقصير في الأداء الحكومي وأسبابه من جانب آخر. وأعني بذلك جملة المعوقات والصعوبات التي قد تواجهها آلة الحكم، والتي قد تحدُّ من قدرة إداراتها وأجهزتها على الوفاء بالواجبات والالتزامات، أو قد تمنعها من تلبية المطالب الشعبية المحقة التي يتوقع منها المواطنون أن تؤمنها لهم.

من جهة أخرى، إنّ العلاقة بين الدولة والمواطنين يجب أن تنتظم تحت عنوان سهل التشفير (واضح وبديهي): الكلفة والمردود. فالمواطن يعطي الدولةَ ثقتَه بتكليفه إياها بهذه المسؤولية، واستناداً الى ذلك تتولى الدولةُ إدارة الشؤون العامة للبلاد من خلال الأجهزة الحكومية. ويُفترض بالدولة أن تنهض بواجباتها كاملةً تجاه مواطنيها. وحيث يتوقع المواطن أن يحصل على نتيجة مجدية لقاء العمل الذي يكلفها به، وذلك بالمقارنة مع ما يتحمله المواطن من أكلاف مباشرة أو غير مباشرة في عملية تولي الدولة لمهماتها. فالمواطن يدفع الضرائبَ والرسوم لخزينة الدولة، وهو يتحمل كلفة تشغيل إدارات الدولة ومؤسساتها لتحقيق الأهداف التي وعدت بتنفيذها. ولهذا السبب تظهر أهمية أن يشعرَ المواطن بأن هناك من يحرص على ان تكون كلفة إدارة هذه الدولة (بمؤسساتها وإداراتها ومرافقها) معقولة مقارنة بالمردود الذي يحصل عليه المواطن منها. وأنّ هناك من يحرص على أن تظل إدارة الدولة رشيقةً وفعّالةً ومُجْدية وغير مكلفة، وهذا ما يتطابق مع قواعد الإدارة الرّشيدة للحكم بجوانبه الوطنية والسياسية، الأمنية والإدارية والتعليمية والصحية والاقتصادية والاجتماعية.

إنّ هذا كله مرتبطٌ بالرعاية العامة للشأن العام التي تقع في خانة المردود الذي ينبغي أن يحصل عليه المواطن في المقابل. وهي بمجملها تشكل الأسباب والنتائج التي تؤدي في المحصّلة إلى تمكين المواطن من اتخاذ قرار الوثوق الواعي والرصين بدولته وبنظامه السياسي. وهو من أجل ذلك يسلك المواطن طريق المقارنة بين الكلفة والمردود والذي على أساس منه يمكن له تجديد التفويض التمثيلي للسلطة (وممثليها)، إما بمنحها الثقة مجدداً وتخويلها متابعة السهر على تنفيذ تلك المهام في إدارة الشأن العام أو أن يسحب منها تلك الثقة من أجل اختيار أشخاص آخرين وإدارة جديدة.

وحيث أن السلطة التنفيذية في لبنان وفي مرحلة ما بعد اتفاق الطائف باتت منوطة بمجلس الوزراء، فالنجاح الذي تحققه الحكومة في أداء مختلف مهامها يسهم في تعزيز الثقة التي يمنحها إياها المواطن من خلال ما يراه ويلمسه على أرض الواقع من نتائج الأداء الحكومي ومستواه، ويتولاه مجلس النواب من خلال الأدوات والإجراءات المتاحة، مثلما يتم ذلك أيضاً من خلال التقييم الدوري الذي يفترض أن يمارسه المواطن عبر الاستحقاق الانتخابي الذي هو المفتاح الفصل في تعزيز أو سحب الثقةَ التي تنبني، طردًا أو عكسًا، بين المواطن والدولة.

وحينما نتكلم عن ممارسة تعبير المواطن عن هذه الثقة، فمن الطبيعي أن يعبّرَ عن رأيه ويدافعَ عن قراره بحرية ومن دون أي إكراه أو إغراء. فالثّقة تُبنى بفعل الممارسة والتجربة وليس بالكلام المنمق والشعارات الموسمية والوعود الشعبويّة المكرّرة. ولا يغيب عنّا ونحن نُشَرّحُ ونحَلِّلُ ونستخلصُ أن ثمةَ تحاورًا وتجاورًا عضويين بين مفهومين: الثقة والحرية من جانب، والثقة وضرورة التلاؤم المستمر في غمرة التطورات.

الأمر الأول، ان حريةُ الرأي تُستتبعُ بطبيعة الحال بحريةِ التمثيل (البلدي منه والنيابي). ومتى طُلبَ من الشعب التعبيرُ عن رأيه في أداء الحكومة والمجلس النيابي من خلال الانتخابات، فمن باب أولى أن تكون حريته مَصونة وخياراته محفوظة وقراره في التعبير عن رأيه حراً. فلا مكانَ لأية إكراهات أو ضغوطات محتملة تجبره على تعديلِ أشرعته (السياسية) وفق اشتهاء السلطة، وتدفعه بالتالي الى الاصطفاف بعكس مصالحه، بحيث تنتفي الثقةُ كتعبيرٍ حقيقي عن الشراكة بين أفرقاء المجتمع وبين المجتمع والدولة.

الأمر الثاني، يتمثل في ضرورة شعور المواطن بأن هناك عملية إصلاحية حقيقية تتم بشكل مستدام، مما يجعل الأداء الحكومي عملاً رشيداً ورشيقاً، متلائمًا مع المتغيرات. فالإصلاح كما نفهمه هو ثقافة وروحية ومنظومة وعمل متدرج ودائب ومستمر ومتلائم مع المتغيرات الجارية في هذا العالم الحافل بالتحولات. وهذا يفترض قدرة وإرادة الحكومة ومؤسساتها على أن يستمر عملها.

إنّ اكتسابَ الدولة لثقة مواطنيها ليس بالأمر السهل. فبناء الثقة واكتسابها وتعزيزها أمران أساسيان ومتلازمان، ينبغي التأكيد عليهما حتى تستقيمَ العلاقةُ بين المواطن والدولة من جهة، وتلك المأمول قيامها ما بين شتى فئات المجتمع من جهة ثانية.

أيها الإخوة والأخوات،

لبنان في وجوده كان وما يزال نتيجة إيمان اللبنانيين بعيشهم المشترك الذي يعني الاجتماع معاً في كنف وطن يصون حقوقهم ويحترم خصوصياتهم ويحقق آمالهم في العيش الكريم. والثقة التي تربط بعضهم ببعض تتوطد أكثر فأكثر في توافقهم وقبولهم بالوجود والعيش في ظلّ دولة واحدة، وحكومة واحدة، وذلك بمفهومها ما بعد اتفاق الطائف الذي جاء كأهم نواتج الثقة التي محضها اللبنانيون لنظامهم السياسي كما جرى تعديله بعد ذلك بالاتفاق. فلبنان بلدٌ عربي الهوية والانتماء، وهو وطن سيد حر مستقل ونهائي لجميع أبنائه، وموحّدٌ أرضاً وشعباً ومؤسسات. واجتماع اللبنانيين على هذه الثوابت هو ما يمكّنهم من أن يديروا شؤونَ مجتمعهم بطريقة صحيحة.

من الطبيعي القول أن اتفاق الطائف، ايها الشابات والشبان، وما أفضى اليه من تعديلات دستورية جوهرية، قد توافقَ عليه اللبنانيون، وان ما أكّدَ على أهمية هذه الصيغة ما سماه لاحقاً البابا يوحنا بولس الثاني بأن "لبنان هو رسالةٌ أكثر مما هو وطن". إنّ لبنان حقاً كذلك بكونه رسالة إلى كل المجتمعات المتنوعة. ويقيني أن هذه الرسالة الحضارية والمتفرّدة لا يمكن أن تفعلَ فعلَها إن لم يكن هناك من رسول يحمل تلك الرسالة بكفاءة تعينه على نشر تلك الرسالة ويعمل بجدّ من أجل إنجاحها بثقة واعتداد، وهذا ما نتوسّمه فيكم يا شبابَ لبنان الواعد.

انطلاقًا من هذه الرسالة، أدعوكم إلى أن تدركوا أنّ الثّقةَ التي تتأسّس في وعيكم منذ الطفولةِ بين أحضان أهليكم، ترافقُكم الدّربَ كله في كافّةِ مراحل حياتكم. وعليه، فإنّ توطّدَ هذه الثّقة في المنزل، وبعدها في المدرسة والجامعة مع زملائكم، وبعدها مع الآخر في كافة مراحل حياتكم العملية بطريقةٍ متبصرة وواعية، كفيلٌ بأن يجعلَ من هذا التنوع والتلاقح في مجتمعِنا وبين مختلف فئاته مصدراً لغنى الوطن.

فكل رسالةٍ بليغة الدلالة يفترض أن تحظى بمتلقين يستوعبون ويتفاعلون مع مضمونها، ويسعون لإيصالها لجمهورٍ معني ومهتم بها، يعيد نشرَها وتعميمها متى آمنَ ووثقَ بفكرة العيش المشترك وتقبّل الآخر وأهمية التماهي معه والتلاقح الفكري مع معتقداته.

وهنا يبرز دورُ جيلِكم أنتم، المُفعمُ بالحياة والطاقة والذّكاء، في الحرصِ على تبادلِ هذه الثّقافات بين كافّة شرائح المجتمع على قاعدة قبول الآخر والتعاون معه والاعتناء به، وفي الابتعاد عن حرفها عن مقاصدها أو تسييسها وشرذمتِها. إنّها الدّعوةَ إلى "التّعدّديّة الإيجابيّة" التي تنطوي تحت عنوان الرسالة القائمةَ على جعلِ هذه المنافسة التي جمعتكم اليوم في هذه المؤسّسة العريقة، مصغّرًا عن المنافسة الحقيقيّة والإيجابيّة القائمة على الثقة التي يجب أن تتعزّزَ بينكم وبين كلّ الأفراد والجماعات في المستقبل، لنشر رسالة لبنان في عيشه المشترك بين مختلف مكوناته.

هذه هي الأفكارُ التي وددتُ أن أتشارك وإياكم فيها هذه العشية وهي التي تنضوي تحت عنوان رسالتنا إلى الآخر. وهي مسلّماتٌ ينبغي أن تترسخَ في وجداننا وأفعالنا عندما نتحدث عن وجوب التحلّي بالثقة، ونؤكد على فعاليتها في شدّ اللحمة بين اللبنانيين وتوطيد نسيجهم الاجتماعي. فهي إن لم تتأسس وتتعزز بحكم التجربة، وتندرج في صلب ممارساتنا، فلن يكونَ هناك تسامحٌ حقيقي ولا تقبلٌ رحبٌ للآخر، ولا حتى رغبةٌ صادقة في العيش معه على قدم المساواة؛ أي بتساوٍ وسلامٍ وندية وبمحبة ورحمة.

أخيراً لكل فردٍ منكم أقول: الثقة هي تلك الشّعلةُ المتوهّجةُ في داخل كل واحد منكم، فلا تغيبوها واعملوا على دوام تعزيزها.

تاريخ الخبر: 
12/05/2018