الرئيس السنيورة في حوار مع السي بي سي : محاولة الاخلال بالتوازن الداخلي سبب تاخير ولادة الحكومة

العنوان الثانوي: 

اجرت محطة (سي بي سي) التلفزيونية التي تبث من القاهرة  حوار هاتفيا  مع الرئيس فؤاد السنيورة  فيما يلي نصه.

عبر الهاتف من بيروت ينضم إلينا الرئيس فؤاد السنيورة- رئيس وزراء لبنان الأسبق: دولة الرئيس فؤاد السنيورة نرحب بك.

ج: أهلاً بك شكراً.

س: حتى نكون في الصورة ما هي العقبات التي تقف في وجه تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة؟

برأيي أنّ هناك، وعلى ما يبدو، عدداً من الأسباب لتأخير تشكيل الحكومة. ولكن باعتقادي أنّ من أهم الأسباب المشكلة الناتجة عن الاختلال الحاصل في التوازنات الداخلية. وبالتالي عدم السعي وعدم الحرص لدى بعض المعنيين في العودة لاحترامها، ومن ذلك الخلل الذي حصل عملياً عقب انتخاب رئيس الجمهورية وما تبعه من تغيرات وممارسات إضافة إلى ما أدّت إليه الانتخابات النيابية الأخيرة التي جرت على أساس القانون الجديد الذي أدى إلى التسبب بزيادة حدّة التطرف والتمذهب في البلاد. وذلك ما أسهم كما كان متوقعاً في عدم انطلاق عملية التأليف للحكومة الجديدة بسلاسة. تجدر الإشارة إلى أنه ومنذ العام 2008، لم تجرِ عملية تأليف الحكومات اللبنانية بسلاسة وأدى ذلك إلى تأخير كبير في تأليف الحكومات.

الأمر الآخر والذي يساهم بالمزيد من الاختلالات، والذي نتج بالفعل عن المنحى الجديد الذي تعتمده بعض القوى السياسية في البلاد لجهة عدم التركيز على أهمية احترام الدستور واحترام الأدوار التي يحددها بوضوح الدستور اللبناني لكل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة في عملية التأليف، والذي لا يصدر مرسوم تأليف الحكومة إلاّ باقتران توقيعهما. ويتجلى عدم احترام تلك الأدوار في المحاولات العديدة التي تجري الآن لتخطي الصلاحيات وتحديداً صلاحيات دولة الرئيس المكلّف تأليف الحكومة. ذلك بما يؤدي إلى الافتراء أو التعدي على تلك الصلاحيات وبالتالي التعدي على الدستور ومخالفته، وهي الصلاحيات التي أولاها الدستور للرئيس المكلف والمحددة في نصّ الدستور بدقة شديدة. وبالتالي فإنّه ولتستقيم الأمور في عملية التأليف، فإنّه يجب العودة إلى احترام الدستور واحترام صلاحيات الرئيس المكلف لتسير عملية التأليف بسلاسة.

الأمر الثاني الذي يؤخر عملية التأليف والذي يظهر بوضوح في هذه الفترة، ويتعلق بالشهية المفتوحة لدى بعض الأحزاب والفرقاء السياسيين. إذ نرى أنّ عدداً منهم يريد أن يزيد حصته بطريقة غير معقولة وغير مقبولة بما يزيد من حدة الاختلال في التوازن السياسي الداخلي في لبنان. هذا من جانب، ولكن من جانب آخر فإنه ينبغي الأخذ بعين الاعتبار الى ان عملية تأليف الحكومة تفترض أن يكون تأليفها مبنياً على احترام التوازن الدقيق والصحيح فيما خصّ السياسات الداخلية والخارجية، وكذلك المبادئ الواجب اعتمادها والتقيد بها من قبل الحكومة التي ستتولى الحكم بعد نيلها الثقة. إذ ينبغي أن تكون الحكومة العتيدة متضامنة ومتعاونة ومتوازنة ومنسجمة من أجل أن تمارس مهامها وتعمل كفريق عمل. فالحكومة اللبنانية الجديدة عليها وبعد نيلها الثقة من مجلس النواب أن تتعامل مع كمية كبيرة من التحديات والمشكلات والاستحقاقات الوطنية والسياسية والإدارية والقطاعية والاقتصادية والمالية، وكذلك أيضاً الخارجية، وهذه بحد ذاتها تشكل مجموعة كبيرة من المشكلات التي تجمعت وتفاقمت على مدار سنوات عديدة ماضية، إذ لم يحصل في الفترة الماضية أي إصلاحات حقيقية لتلك المشكلات. كما لم تجر إصلاحات أخرى تساعد لبنان واللبنانيين على التلاؤم بكفاءة مع المتغيرات والتحولات الجارية في المنطقة والعالم. والآن نرى أنّ هذه المشكلات قد تجمعت وتزامنت استحقاقاتها والتي أصبح من الضرورة الملحة العمل على التصدي لها ومعالجتها بشكل صحيح. وبناء على ذلك، فإنه يفترض بجميع المعنيين ممارسة قدر كبير من الحرص، بحيث تأتي الحكومة الجديدة في تأليفها وفي توازناتها متوازنة بالشكل الصحيح لكي تستطيع التعامل مع الأوضاع المستجدة والتحديات الكبرى المحلية والخارجية القائمة والقادمة بشكل فعال وصحيح.

الأمر الثالث الذي يؤخر تأليف الحكومة، وهذا بتقديري، ناتج عن التدخلات والضغوط التي تمارس على رئيس الحكومة المكلف. فأنا أرى أن ليس هناك من تبصر لدى من يمارس تلك الضغوط في فهم وتقدير الظروف التي سيواجهها لبنان في المرحلة القادمة. وبالتالي فإنّي أرى ضرورة في الحرص والعمل على تحييد لبنان عن الصدمات الآتية من الخارج، إذ أنّ هناك حاجة ماسة للعودة الى اعتماد سياسة واضحة لجهة النأي بالنفس، أو النأي بلبنان عن المشكلات الآتية من الخارج التي وياللأسف يزداد في هذه الآونة الابتعاد عن تلك السياسة التي أقرها مجلس الوزراء في النأي بلبنان عن مشكلات الخارج. ويحصل ذلك في محاولات مستمرة على ما يبدو لوضع لبنان على ممرات الأفيال الإقليمية والدولية وبما في ذلك ما هو ناتج عن الموضوع السوري، وحيث تورط حزب الله في الحرب الدائرة بسوريا ومازال موجوداً ومتدخلاً هناك، لا بل تزداد محاولات توريط لبنان بالأزمة السورية التي لم تنته فصولاً بعد. وانا أرى في ذلك كله مخاطر كبيرة يجب على لبنان تجنبها والسعي من قبل الجميع إلى تحييد لبنان عنها.

أنا أعتقد ان جميع هذه الأسباب مجتمعة يقتضي أخذها بعين الاعتبار في عملية التأليف، وبعد ذلك أيضاً في عملية إدارة الحكومة والحرص بالتالي للتقدم على مسار دقيق وصحيح، لاسيما وأنه قد أصبحت الحاجة ماسة إلى العودة إلى التقيّد الصارم باحترام أربع مبادئ أساسية، وهي وياللأسف من البديهيات التي يفترض أن لا يكون هناك أي انحراف عنها. ولكن، وبسبب ما كنا نشهده خلال السنوات العشر الماضية ومازلنا لجهة الايغال في مخالفتها، فقد أصبحت هناك ضرورة كبرى في التأكيد والعودة إلى الالتزام باحترامها والتقيد بها من اجل الإسهام في استعادة الثقة بالدولة وهي الثقة التي انحسرت إلى حدود دنيا ومقلقه بسبب سوء الممارسات والتخطي على الدستور والقوانين وعلى سلطة الدولة.

أولها، العودة الى احترام اتفاق الطائف والدستور، وثانيها العودة الى احترام القوانين، وثالثها العودة الى احترام الدولة وصلاحياتها وهيبتها وسلطتها على كل مرافقها بعيداً عن المحاصصة والزبائنية، حيث لا يتقاسم سلطتها مع أي قوة أخرى. ورابعها العودة الى احترام مبادئ الإدارة الصحيحة والرشيدة للشأن العام لجهة احترام مبادئ ومعايير الكفاءة والجدارة في تحمل المسؤوليات في الإدارات الحكومية والمؤسسات العامة.

أنا أعتقد أن هذه هي الصورة الواقعية لما يجري في لبنان وهذه هي العوامل الواجب احترامها. إننا إذا عدنا للنظر إلى الأمور بشكل واضح وعدنا إلى احترام تلك المبادئ والمعايير والالتزام بتنفيذها وتطبيقها من قبل السلطتين التشريعية والتنفيذية، فإنه لا بدّ عندها من أن نرى تطوراً إيجابياً في عملية تأليف الحكومة. إنّ هذا يفترض أيضاً العودة الى تحكيم العقل وممارسة الحكمة والتبصر في المخاطر الكامنة والعمل حقيقة من أجل أن يكون هناك فريق وزاري مع رئيس الحكومة يقوم بعمل متجانس ومتضامن وقادر على أخذ الإجراءات الضرورية لإدارة المرحلة القادمة.

س: في الوضع الحالي كما نعلم أن هناك مشكلة في عملية توزيع الحصص كما تفضلت بالذكر. من أبرز الأحزاب التي تريد زيادة حصصها حزب القوات اللبنانية والحزب التابع لجبران باسيل. كيف يمكن لميشال عون أن يتعدى هذه الخطوات؟

ج: أنا أعتقد، وهذا أمر مبدئي، بأن رئيس الجمهورية، وحسب الدستور اللبناني، يعتبر هو الراعي للجميع وهو الحكم وهو بالتالي ليس طرفاً ولا ينبغي أن يكون طرفاً وليس لديه حصص ولا ينبغي أن يكون له حصص في الحكومة. كل الحكومة هي للرئيس عندما يتقيد رئيس الجمهورية بما ينص عليه الدستور ويتصرف على انه راعي الجميع وأيضاً هو الحكم. عندها كل الحكومة تكون له، والكل عندها ليس لديه أي مصلحة إلاّ وأن ينسجم مع تمنيات الرئيس. ولكن القول بأن الرئيس يريد حصة فإني أعتقد أنّ هذا مخالف للدستور. بالمناسبة ذلك كان هو موقف الجنرال عون ورأيه عندما توليت تأليف حكومتي الثانية في العام 2008. يومها اقتضت التوازنات أن يكون لرئيس الجمهورية في العام 2008 ثلاثة وزراء كحلّ لمشكلة نتجت بعد أحداث أيار من العام 2008 وبعد مؤتمر الدوحة في إيجاد التوازن بين فريقي الرابع عشر من آذار والثامن من آذار. من الجدير بالذكر هنا أن الجنرال عون حينذاك انتقد ذلك الأمر كثيراً، فكيف به وهو قد أصبح رئيساً للجمهورية الآن ولديه كتلة وازنة إذا بنا نراه يطالب بأن تكون له حصة بعدد من الوزراء. هذا غير مفهوم ولا يسهم في حل المشكلات المتصاعدة على الإطلاق بل يزيدها تعقيداً.

الأمر الآخر، ان رئيس الجمهورية وحسب الدستور اللبناني ليس له ان يشارك في التصويت داخل مجلس الوزراء فإذا كان هو محظور عليه أن يصوت مباشرة فإنه أيضاً لا يمكن له أن يصوت بالواسطة.

كذلك فإنّ هناك مسألة أخرى، وهي تتعلق بمن يعين نائب رئيس الحكومة. في البداية منصب نائب رئيس الحكومة غير مذكور في الدستور والعرف ان يعين أحد الوزراء وذلك بصفته وزيراً في الحكومة نائباً لرئيس الحكومة. وفي العادة يتم اختياره من بين الوزراء وعادة من يكون الأكبر سناً أو الذي كان وزيراً سابقاً أو من كان نائب رئيس وزراء بتاريخ سابق. تجدر الإشارة إلى أن نائب رئيس الوزراء السابق في الحكومة الثانية التي ألفتها في العام 2008 كان الجنرال السابق أبو جمرة، والذي لم يكن محسوباً على رئيس الجمهورية آنذاك، بل على الجنرال عون. وهو كان في الأصل نائب رئيس الوزراء في الحكومة التي عينها الرئيس أمين الجميل قبل الطائف وترأسها الجنرال عون آنذاك وانسحب منها وعند تأليفها كامل عدد الوزراء المسلمين أي نصف أعضائها آنذاك، وبالتالي كان مطعوناً بشرعيتها وفي ميثاقيتها. ولهذا فليس هناك عرف بهذا الخصوص وعلى أي حال، فإنّ الأعراف تكتسب شرعيتها إذا كانت لا تخالف الدستور أو القانون. بالمناسبة فإنّ التوافق على من يكون نائباً لرئيس الوزراء أمر يقتضي التوافق عليه بين ريس الجمهورية ورئيس الوزارة ولا يمكن لأحد منهما أن يحتكر بمفرده تلك الصلاحية.

في المحصلة، فأنا برأيي بأن هناك أهمية العودة الى احترام الدستور كما ينصّ عليه الدستور، ولاسيما حول ما هو دور رئيس الجمهورية وما هو دور رئيس الحكومة في ذلك. وبذلك وعلى هذه الأسس يكون رئيس الجمهورية بالتالي قادراً على ان يلعب دور الحكم وقادراً على احتضان الجميع وبالتالي لا تعود هناك من مشكلة من أجل قضية القوات اللبنانية الذين يريدون أربع حقائب، فما الغريب في ذلك، فالقوات كان لديها في الوزارة السابقة وهي الوزارة التي كان يرأسها الرئيس سعد الحريري وهي حكومة تصريف الأعمال الآن ثلاث حقائب وكان لديها أيضاً منصب الرئيس. فهم إذا يطالبون الآن بأربع حقائب بعد ان حصلوا على ضعف ما كان لديهم من نواب في الماضي فهذا ليس بمستغرب. ولذلك فإنّ مطلبهم ليس تعجيزاً. فلماذا كل هذا الضجيج غير المبرر.

كذلك أيضاً بالنسبة للوزير جنبلاط عندما يطالب بثلاث حقائب وهذا امر طبيعي.

المسألة الآن تقتضي من الجميع التعاون والتواضع. والدور العام الذي يمكن لرئيس الجمهورية أن يلعبه هو بالعودة إلى دور الحكم والراعي والحاضن للجميع.

المشكلة كما أراها هو وكما اعتقد اننا نُصغِّر الأمور الى حد بعيد لجهة الاختلاف على صغائر الأمور متناسين المشكلات الكبيرة التي يواجهها لبنان في هذه المرحلة وبالتالي الحاجة الضرورية للعودة الى ما يقتضيه الدستور والقوانين، وبالتالي الحاجة اللبنانية للتنبه إلى ضرورة التوافق على المعالجات الواجب اعتمادها للخروج من المآزق الكبيرة التي يواجهها لبنان وعلى أكثر من صعيد.

س: هل هناك تعمد لوضع عراقيل لتشكيل الحكومة اللبنانية والأطراف المعتمدة لوضع العراقيل؟

ج: لا أريد أن أدخل بالتسميات أنا أعتقد أن التسمية تؤدي الى مزيد من التعقيدات ويسهم في تأخير تأليف الحكومة. لذا أرى أنّ هناك ضرورة بأن يدرك الجميع الحاجة الماسة الى تأليف الحكومة في أقرب وقت ممكن والحاجة ماسة أيضاً من أجل تهدئة مطالب البعض التي تصدر من هنا وهناك الحاجة الماسة لان يلعب رئيس الجمهورية الدور الذي اراده له الدستور أن يلعبه، وهو أنه الراعي والحكم بين كافة الفرقاء والقادر بعد ذلك أن يلتزم بهذا الموقع وان يحتضن جميع الفرقاء ويصل أمر تأليف الحكومة العتيدة الى بر الأمان.

تاريخ الخبر: 
03/08/2018