الرئيس السنيورة ممثلا الحريري في مؤتمر توفير فرص العمل للشباب: متمسكون بوحدة الوطن وحصرية سلطته وسيادة دستوره

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 

افتتح المعهد العربي للتخطيط في الكويت، وجمعية "النهوض اللبناني للدراسات والتمكين"، قبل ظهر اليوم في السراي الحكومي، أعمال مؤتمر تنظمانه بعنوان "توفير فرص العمل للشباب اللبناني في سوق العمل المحلي والدولي والخليجي: التحديات والحلول المستدامة"، برعاية رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري ممثلا بالرئيس فؤاد السنيورة، وفي حضور وزراء: التربية والتعليم العالي اكرم شهيب، العمل كميل ابو سليمان، الدولة لشؤون الاستثمار والتكنولوجيا عادل أفيوني، المهجرين غسان عطالله، كريم خليل ممثلا وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل، سفراء الكويت عبد العال القناعي، المغرب امحمد كرين، قطر محمد حسن جابر الجابر، وممثلين عن سفارتي الولايات المتحدة الاميركية والصين، والقائمين باعمال سفارات سلطنة عمان، الامارات، العراق وفلسطين، مدير عام المعهد العربي للتخطيط في دولة الكويت الدكتور بدر عثمان مال الله، رئيس جمعية النهوض اللبناني للدراسات والتمكين الوزير السابق رشيد درباس، الوزير السابق خالد قباني، العقيد عثمان عثمان ممثلا المدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء عثمان، المدير العام لوزارة الثقافة الدكتور علي الصمد، رئيس الاتحاد العمالي العام الدكتور بشارة الاسمر، وعدد من عمداء الكليات في الجامعات وشخصيات اقتصادية وتربوية وثقافية واجتماعية.

الخياط

بعد النشيدين اللبناني والكويتي، افتتح منسق أعمال المؤتمر الدكتور نزيه الخياط المؤتمر بكلمة قال فيها: "ازاء التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية الكبرى وولوج العالم بوتيرة سريعة الى الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، ولأنه من الأهمية بمكان ضرورة الاضاءة على الاشكاليات الناتجة عنها، والتي توجهها البشرية جمعاء وفي مقدمها جيل الشباب في لبنان والعالم العربي ومقاربة الحلول المستدامة لها، نعلن افتتاح مؤتمرنا هذا".

درباس

ثم كانت كلمة رئيس "جمعية النهوض" درباس الذي قال: "أنهض أمامكم اليوم باسم "النهوض"، أي الجمعية التي أنشئت كمغامرة في عكس السير، وفي مهب رياح تحث المرء على الاختباء والكمون، لا على النهوض".

اضاف: "قامت الجمعية بمبادرة من الرجل الدؤوب دولة الرئيس فؤاد السنيورة وبرعاية من الرؤساء الحريري ونجيب ميقاتي وتمام سلام، وصدف أن كنت مارا من أمامهم فألقوا القبض علي ونصَّبوني رئيسا، بعد أن خلت نفسي مستعيدا حريتي من سنوات طالت علي في وزارة الشؤون الاجتماعية. ولكن في المجتمع رجالا تحيا إرادتهم في أماكن نائية عن دائرة التجاذب، فلا يتأثرون بسلبية الأحداث، أو اختلال ميزان القوى، أو باضطراب التوازن والاتزان، كما لا يشيحون عنها أو يتعامون، ولكنهم يؤمنون أن العرض اليومي لن يؤخر الفجر عن بزوغه في ساعته ودقيقته، ولا الليل عن انسداله، ولن يؤثر قيد أنمله في دوران الأرض، واستمرار الحياة".

وتابع: "الرئيس السنيورة اتخذ من الحكم والنيابة، بعد أن غادرهما على غير رغبة بالعودة، حقل خبرة، وذاكرة تضيء للمستقبل، ونسج من علاقاته المحلية والعربية والدولية شبكة صالحة للصيد في البحار والمحيطات وفي الجداول الصغيرة أيضا، لأنه يؤمن أن المجتمعات التي تتعرض للهزات والكوارث تصمد بقدر ما هي محصنة بمؤسساتها الأهلية، ووعيها العالي، والتضامن الجماعي الذي يصون من التفتيت والبعثرة".

وقال: "نشأت "النهوض" في مهيض السياسة التي تعم بلدنا ومجتمعنا العربي الذي تستلب أرضه بتطويبها لمغتصبيها بعد أن أصبح بأسنا بيننا شديدا، وبأس عدونا علينا ناعما وناقعا، فبتنا في خضم صراعات لا تنتهي بل تتوالد كالفطر المسموم، ومع هذا فإننا نجد النقاط المضيئة هنا وهناك، ونجد أيضا من ندبوا أنفسهم لجمعها وضمها وتوسيع حقولها، ليؤلفوا من مستصغر البصيص نورا، ومن نزر الماء نهورا. مثلي على ذلك، معهد كويتي رعاه وزير الخارجية يومذاك فأبلى في الادارة والتخطيط حتى فاح طيبه في عرض الصحراء وطولها، فحوله راعيه الى موئل للعرب، فهنيئا لنا بما قدمه صاحب السمو الذي لا يعرف رأسه الا الحكمة ولا ينبض قلبه بغير الحب، ولا يحرك سياسته الا بروح العروبة الحضارية الهادئة، التي اتخذت الكويت من الوائها علما لها، ومن لغتها فصاحة الثقافة، ومن تاريخها عبرة للمستقبل".

وتابع: "ومن هؤلاء أيضا البدر الذي يغدق نوره من مال الله، قيمته بمقامه العالي، بعيدا من السياسة، متجذرا في عصب المجتمع العربي، يبذل من ثقافته وإرادته، وحنكته ليزرع ما يمكث في الأرض، فإذا أردت أن تضعه في صنف من الاختصاص لوجدته أهم طوبوغرافي عربي، لأنه يقف على رأس مؤسسة تملك وتتملك باطراد خرائط الحاجات التنموية العربية، والامكانات المتوفرة في الأقطار المشتركة، ولوجدته أيضا من أهم قادة التمكين لما جناه من خبرة وما جمَّعه من خبراء، فكأني به في مهمته هذه يقول: إن الصراعات المتلفة للثروة والأجيال والفرص، ستؤول إلى نهاية ما، ولكن هناك من يستطيع رغم حمأتها أن يعمل لدنياه كأنه يعيش أبدا".

وأعلن ان "شريكنا في هذا المؤتمر، المعهد العربي للتخطيط ثمرة تجربة كويتية منتجة، منحها سمو الأمير هدية لعروبته العميقة، فأصبح المعهد في عهدة الدول الشريكة مع بقاء الرعاية الباذخة الكرم من الدولة المؤسسة". وقال: "إنها مناسبة أحيِّي فيها الدولة الشقيقة وأعبر عن محبة اللبنانيين لها واعترافهم بجميلها منذ نشأتها واحيي أيضا المؤسسة الرصينة التي تنبذ العشوائية، والخطب الفارغة، وتعتمد التخطيط في عملها وفق أعلى المعايير العالمية، بل وتسهم في تطوير هذه المعايير من خلال مسيرتها الناجحة. كما أنني اعتز بالعلاقة التي تعمقت بين جمعيتنا وبين المعهد رغم قصر المدة، ويعود الفضل في هذا للثقة المتبادلة بين الرئيس السنيورة والدكتور بدر، وكذلك للجهد المشترك بين ادارة الجمعية وادارة المعهد التي يقوم أحد أبنائنا اللبنانيين فيها بدور دافق الحيوية، بالغ الحرارة، فأثمر هذا في ما أثمر استقبال المتدربين في المعهد ورشتي عمل في طرابلس والبقاع، والبقية تأتي بإذن الله".

اضاف: "من صميم القلب أشكر لكم إسهامكم في هذا المؤتمر، وأقول لكم، إن لبنان دولة ثمينة وضرورية لأهلها ومحيطها وللعالم، وهو على مساحته الصغيرة وأزمته الاقتصادية يستضيف من الديموغرافيا العربية عددا يوازي نصف شعبه، وهو نموذج تكرهه اسرائيل ويحقد عليه المتعصبون ويستهدفه الإرهابيون، وهو يدفع لقاء صموده، أهم الفرص، وأطهر الشهداء، ولا يبدل جلده، ولا يعوج لسانه ولا يحيا في ثقافة أخرى. لقد تكرم دولة رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري الذي ورث عن أبيه الشهيد المظلومية المتمادية والصبر المتمادي، برعاية هذا الحدث، تعبيرا منه عن صدق إيمانه بالتنمية القائمة على حسن الادارة والتخطيط، وعلى تأهيل الأجيال للامساك بأزمة المستقبل".

مال الله

ثم كانت كلمة مدير عام المعهد العربي للتخطيط في دولة الكويت الذي قال: "أعرب عن سعادتي لوجودي على "هذه الارض المباركة لبنان، وللبنان مكانة خاصة في قلب كل الكويتيين وقلب سمو امير الكويت، ونشعر اننا بين اهلنا هنا، وتزداد سعادتي عندما آتي الى لبنان وألاحظ تقدما على صعيد السياسة والاستقرار والبنية التحتية رغم ما يعانيه لبنان، شاكرا دولة الرئيس الحريري على ما يقوم به من أجل إنجاح هذا المؤتمر، كما أشكر دولة الرئيس السنيورة على اهتمامه وشمول نظرته".

واضاف: "ان هذا المؤتمر يكتسب أهمية خاصة، وعندما نتحدث عن قضايا العمل واسواق العمل، في الحقيقة نحن لا نتحدث عن جديد، ولكن الجديد في الموضوع ان هناك علاقات مضطربة وغير متوازنة، وغير منسقة بين الدول المصدرة للعمالة العربية والدول المستوردة، وفي ظل العولمة اصبحت المنافسة شديدة أمام الدول العربية لتأخذ حصتها في العمل في اسواق الدول المستوردة التي تحقق معدلات نمو كبيرة، وهنا نتطلع من خلال هذا المؤتمر الى تعزيز الفهم المشترك العربي حتى تجد الدول المصدرة للعمالة مناهج وحلولا لفرص العمل، املين من هذا المؤتمر ان لم يكن الى تمهيد الطريق الى ان يثير هذه المسألة ويفتح حولها الحوار والنقاش".

ولفت الى ان "هذا المؤتمر ليس جديدا بموضوعه، وعندما ننظر الى الامور ونجدها في اطار من التشاؤم مع اننا نعمل في التنمية التي تفرض علينا التفاؤل، ولكن نحن لم نطرح موضوع اعادة الهيكلة، الاصلاح المالي والاقتصادي، الخصخصة، التنمية البشرية واصلاح التعليم، وهي ليست مفاهيم جديدة. فهذه الامور طرحت منذ اكثر من خمسين سنة، ولم نحقق التقدم الملموس، وكلما نضع خططا الى الامام نجد انفسنا عدنا الى الخلف. فإلى متى تبقى القضايا معلقة؟ ما يدفع المواطن العربي الى الشعور بالاحباط".

وأشار الى وجود أربع اشكاليات أساسية، غير ممكن تحقيق النمو الاقتصادي التشغيلي الذي يغذي التنمية ما لم تكن لدينا معالجة شافية لهذه القضايا، وهي:

أولا: موضوع الاصلاح المالي والاقتصادي، الذي بدأ منذ اكثر من خمسين سنة، وقد أصبح الاقتصاد يعرج رغم وجود فرص مهمة. فحتى الدول التي كانت تعرف فائضا ماليا اليوم تعاني من العجز في مالياتها.

ثانيا: حتى اليوم لا توجد منظومة انمائية عربية للتخطيط فعالة. فكيف ندير التنمية والاقتصاد دون تخطيط؟ فالتخطيط الانمائي هو اساس للوحدة الوطنية. هناك دول كثيرة حققت التنمية مع وجود خطط تنموية واضحة، ونحن للاسف لم نتمكن من ذلك وبقينا في حالة الجمود.

ثالثا: النظام التعليمي الصحيح والفعال، الذي نفتقده، والذي يجب ان يكون مواكبا للعصر بالتركيز على حسن استثمار الموارد البشرية، فنظمنا التعليمية لا تزال تعيش في الماضي، اذا ليس لدينا تعليم، لدينا نظما تعليمية دون تعليم، نتوهم فقط بامتلاكنا لنظام التعليم، الذي غايته نقل المجتمع الى الحداثة مع رؤية واضحة للمستقبل.

رابعا: موضوع الحوكمة الرشيدة، وهو موضوع قديم وفي غاية الاهمية وقد سجلت دول المنطقة تقدما ملحوظا على هذا الصعيد. وكل ذلك لا يتم الا على اساس من التماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية، وكل معطيات التنمية يجب ان تبنى على الشراكة السياسية والوحدة الوطنية".

السنيورة

ثم كانت كلمة الرئيس السنيورة ممثلا الرئيس الحريري، قال فيها: "أحمل إليكم تحيات دولة الرئيس سعد الحريري، الذي كان بوده أن يكون معكم في هذا المؤتمر الهام حول توفير فرص العمل للشباب اللبناني في سوق العمل المحلي والدولي والخليجي. ولكن التزاماته الضاغطة منعته من أن يكون معكم في هذه الصبيحة الأنيسة، وبالتالي فإنه يتمنى لمؤتمركم كل النجاح والتوفيق".

اضاف: "إنه لأمر بالغ الدلالة أن يستضيف السراي الكبير هذا المؤتمر المهم الذي يعقد برعاية دولة رئيس الحكومة السيد سعد الحريري رغم ما يتعرض له لبنان من صعوبات سياسية واقتصادية، وما يعانيه من التجاذب والضغوط الإقليمية والدولية التي تمتد آثارها السلبية إلى عمق البنية اللبنانية".

وتابع: "في حكمة منسوبة الى الخليفة عمر بن الخطاب يقول فيها: "نشئوا أولادكم على غير ما نشأتم عليه، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم". يؤكد هذا القول الذي يعود إلى أربعة عشر قرنا خلت، على أن الحياة البشرية هي في تحول مستمر ودينامية مستدامة ومتسارعة، بحيث تتكسر معها الكثير من المقولات التي كانت تعتبر من الثوابت. وعلى ذلك، فنحن اليوم أمام عصر جديد يشهده العالم وتشهده منطقتنا العربية، وهو عصر الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي الآخذ بالتطور بوتيرة متسارعة وغير مسبوقة في تاريخ البشرية. إنه عصر التطور التكنولوجي الذي يسابق ويسبق قدرة مجتمعاتنا العربية بل والمجتمعات الأخرى على مواكبته والتكيف مع أدواته وآليات عمله بطريقة متكافئة ومتناغمة. وذلك لأن اللحاق بذلك الركب المتسارع يشترط إيجاد الهيكلية والبنية الاقتصادية التحتية والفوقية الضرورية التي تسمح لمخرجات التعليم الأكاديمي والتقني، وكذلك لعمليات التمكين وإعداد الشابات والشبان اللبنانيين على مواجهة تحديات هذه المرحلة والتلاؤم مع حركتها السريعة ومع نتائجها".

وأشار السنيورة الى ان "الدول تتبنى برامج الإصلاح، التي هي بحاجة ماسة إليها، وتبادر إلى تنفيذها عندما تكون قادرة عليها، وليس عندما تصبح مجبرة على تنفيذها. عندها تكون العملية الإصلاحية قد أصبحت أكثر تعقيدا وأكثر إلحاحا، ولكن عندها أيضا يكون تنفيذها قد أصبح أكبر كلفة وأكثر وجعا وإيلاما، وكذلك أيضا ربما تصبح العملية الإصلاحية أكثر عرضة للأخطاء، وربما قد لا تعود عندها كافية لتأدية الغرض الذي تتوخاه الدولة لتحقيق النهوض والاستقرار والازدهار، وهو الحال الذي أصبحنا عليه اليوم ويا للأسف في لبنان".

وقال: "لا بد لي هنا، من توضيح بعض الأمور في ما خص الإصلاح، لكون الإصلاح وبهذا المعنى ليس إلقاء لقصيدة حماسية تلقى من على المنابر لاستثارة اهتمام وتأييد الجماهير، ولا يكون بإطلاق التهم الفضائحية وادعاء الطهرانية. بل هو فعل إيمان والتزام ورؤية واضحة وعمل مثابر. وهو رحلة مستمرة لا يجوز لها أن تنقطع أو تتوقف. وهو أيضا إثبات للذات وللمعنى والجدوى والفعالية. وهو طريق موحشة لقلة روادها وسالكيها. وهو عملية متكاملة لأنه لا يتعلق بجانب دون آخر من أعمال الدولة. وبالتالي لا يكفي الحديث عن الإصلاح لكي يتحقق أو لتتم محاربة الفساد. بل ينبغي أن تتوافر لنجاحه الإرادة الحازمة والملتزمة والصبر على المعاناة والشدائد وأن يتوفر مع ذلك القرار السياسي الجامع".

اضاف: "لقد أهدر لبنان موارد ووقتا وفرصا ثمينة، وفقد شهداء أعزاء، وتصدعت دولته. ويعود قسم كبير من ذلك لسبب ارتهان كثير من القوى السياسية لنزاعات طائفية ومذهبية وارتباطات خارجية فأصبح القانون ذا طبيعة استنسابية. أما الدستور فقد أدخل مرات كثيرة إلى غيبوبة قسرية طويلة بحيث صارت استحقاقاته مرهونة بالنتائج المسبقة وبفرضها على أكثرية اللبنانيين الذين يضطرون للرضوخ بسبب الاختلال الفادح في ميزان القوى حيث للسلاح الكلمة العليا، وكذلك للهيمنة التي أدت بلبنان إلى هذه الفوضى وهذا التسيب".

ورأى أن "هذا الوضع الذي آلت إليه البلاد وما أصبح عليه اللبنانيون من تراجع وانقسام وخلاف وممارسات وتصرفات شعبوية أدى إلى زيادة حدة تراجع دور الدولة وانحسار سلطتها وتراجع هيبتها، وتدني مستويات ثقة اللبنانيين فيها وبالأحزاب السياسية والطائفية".

وقال: "من جانب آخر، تتصاعد الشكوى من تراجع الأحوال الاقتصادية منذ أكثر من ثماني سنوات، ومنذ العام 2011. إذ انخفضت خلالها معدلات النمو الاقتصادي إلى واحد بالمائة سنويا بعد أن كانت قد حققت قفزة كبيرة خلال السنوات 2007- 2008- 2009- 2010، إلى نحو ثمانية بالمائة سنويا، ويستمر ذلك الركود الاقتصادي في خضم تفاقم العجوزات في الموازنة والخزينة والميزان الأولي من جهة، والعجز في ميزان المدفوعات من جهة أخرى. ذلك ما أسهم في وصول الأحوال العامة إلى وضع لم تعد تنفع معها عمليات المداواة بالمراهم لتلك الاختلالات الكبرى، ولا تجدي معها أساليب التصاريح الفضائحية التي لا تسهم في استعادة الدولة من براثن الذين ما زالوا مستمرين في اختطافها والتحكم بها، بل تسهم في زيادة حدة التعقيد لتلك المشكلات".

اضاف: "هنا أسارع إلى القول والتأكيد بأن الفرصة ما زالت متاحة أمام لبنان واللبنانيين للخروج من هذه المآزق المتسعة والمتوسعة، وذلك بالعودة إلى القيام بتصويب البوصلة الوطنية الداخلية وبوصلة السياسة الخارجية وأيضا المسارعة إلى اعتماد السياسات والإجراءات الصحيحة لمعالجة الأمور المتعلقة بإدارة الشأن العام في البلاد، ومنها ما يتعلق بالأمور الاقتصادية والمالية والإدارية، لكي تتحسن المناخات الاستثمارية بما تسهم بدورها في تمكين الاقتصاد اللبناني وماليته العامة من البدء باستعادة العافية والنمو والاستقرار نحو مسارات مستدامة، وبما ينعكس إيجابا على فرص العمل الجديدة للشابات والشبان اللبنانيين".

وتابع: "لكن ما ينبغي التنبه إليه هنا ويتعلق بحقيقة أساسية وهي أنه لم يعد من الممكن أن تقتصر المعالجات المطلوبة على الإجراءات المالية والإدارية فقط، وكلاهما ضروري ولكن للإسهام مع بقية المعالجات الوطنية والسياسية في إحداث الصدمات الإيجابية المطلوبة. فالحقيقة أنه لم يعد هناك من دواء واحد يستطيع تحقيق المعالجة المستدامة للمشكلات المعقدة والمتشابكة التي أصبحت تعاني منها الدولة اللبنانية وإداراتها واقتصادها وماليتها العامة".

وأكد السنيورة "ان سلوك طريق المعالجات الصحيحة للمشكلات يقتضي بداية التوقف عن التفتيش عن الحلول في المكان الخطأ، أو اقتصار التفتيش على مكان واحد فقط، بينما تبقى الأمكنة الأساسية الأخرى التي ينبغي تسليط الضوء على المشكلات التي تتسبب بها واستخلاص الدروس اللازمة منها، ولا سيما في ما يتعلق بممارسات اختطاف الدولة اللبنانية واستتباعها وتقاسمها من قبل الأحزاب الطائفية والمذهبية والميليشياوية. في ضوء ذلك، يمكن تحديد البرامج الإنقاذية الواجب اعتمادها. وبالتالي يمكن بل تجب العودة إلى تصويب البوصلة نحو التصدي للمشكلات التي تنهش في جسم الدولة وتمس المبادئ والقيم التي تجمع اللبنانيين ويفترض بها أن تكون بالنسبة لهم من المسلمات. إن العودة إلى الالتزام بتلك المبادئ والقيم يسهم في الوصول إلى نقطة بداية استعادة ثقة المواطنين اللبنانيين والمجتمعين العربي والدولي بالدولة اللبنانية".

وقال: "إن الخروج من هذه المآزق المتكاثرة على لبنان واللبنانيين ما زال ممكنا. والقسم الأكبر من القرارات التي تتطلبها معظم الحلول المطروحة هو بأيدي اللبنانيين قبل أن تكون بأيدي غيرهم. ويقتضي ذلك المبادرة إلى القيام بتصحيح الخلل المتفاقم في التوازن الداخلي، وذلك انطلاقا من الإيمان والعودة إلى:

1-      الالتزام الفعلي وليس الكلامي باتفاق الطائف والدستور نصا وروحا إذ ليس مقبولا أن يقول أحدهم إننا: "نعدل الدستور بالممارسة".

2-      الالتزام بتطبيق القوانين الصادرة إذ لم يعد من الممكن القبول بما يقوله بعض الوزراء إن بعض القوانين لا تعجبهم. لذلك فإنهم لا يريدون تطبيقها أو الالتزام بها.

3-      الالتزام بتحرير الدولة من الأسر والاختطاف الذي تمارسه عليها الدويلات كبيرها وصغيرها. وبالتالي التأكيد على استعادة الدولة القادرة، والعادلة، والحيادية في علاقتها مع كافة الأطراف السياسية لدورها وصلاحياتها وسلطتها الكاملة على كافة مرافقها وحدودها، وعلى جميع أراضيها دون أن تنازعها في ذلك أي سلطة أخرى. وبما يستعيد بالتالي، وتدريجيا انتماء وولاء جميع العاملين في إدارات الدولة ومؤسساتها وأسلاكها إلى الدولة اللبنانية. وليس لرؤساء الطوائف والأحزاب والميليشيات.

4-      العودة إلى احترام مصالح لبنان واللبنانيين في علاقتهم مع الدول العربية الشقيقة التي هي أسواقهم الطبيعية والحقيقية، وبالتالي استعادة الاعتبار والالتزام بسياسة النأي بالنفس وتحييد لبنان عن الخلافات العربية والدولية كما جاء في إعلان بعبدا، وذلك للحؤول دون وضع لبنان واقتصاده على ممرات الأفيال.

5-      العودة إلى احترام التزامات لبنان العربية والدولية، والذي هو في مصلحة لبنان واللبنانيين وحسب ما تؤكد عليه الشرعيتان العربية والدولية.

6-      العودة إلى الالتزام الكامل بمعايير وقواعد الكفاءة والجدارة والإنجاز في تسلم المناصب الحكومية من جانب أصحاب الكفاءة والجدارة والاستحقاق".

واعتبر السنيورة "ان هذا التحول إلى ما فيه مصلحة لبنان ليس انصياعا لإملاءات الآخرين بل هو انسجام مع مصلحة الدولة اللبنانية ومصلحة الاقتصاد اللبناني، وكذلك مع استدامة الحرص على مصالح اللبنانيين. لكن هذه الاقتراحات لا يمكن ان تتحقق نتائجها الإيجابية بين ليلة وضحاها إذ تتطلب التزاما وصبرا ومتابعة ومثابرة حتى تبدأ النتائج الإيجابية بالتحقق. ولكن الأمر المهم هنا، أنه بمجرد أن تعزم الدولة على الالتزام الصادق والشجاع والحازم والمثابر على البدء بالتطبيق والتنفيذ الصحيح، فإنها سوف ترسل رسالة واضحة وصادقة للبنانيين ولأشقائهم وأصدقائهم بأنها بدأت فعلا مشوار تطبيق السياسات والإجراءات الإصلاحية التي توصل تدريجيا إلى استعادة ثقة المواطنين وثقة المجتمعين العربي والدولي بالدولة القادرة والعادلة والحيادية في قيادة سفينة استعادة النهوض والنمو والاستقرار والازدهار".

وقال: "لقد دقت الآن ساعة الحقيقة ولم تعد المكابرة والهروب الى الأمام مفيد لأحد، وعليه، لا بد من الذهاب الى المعالجات الجذرية التي تؤدي الى النهوض والعودة بالدولة العادلة والقادرة والحيادية إلى حيث يجب أن تكون وأن تسود بكونها وحدها الحاضنة والمدافعة عن مصالح جميع اللبنانيين".

وتابع: "إذا بدأ الإصلاح كما سبق ذكره، فإن الشباب والشابات المتخرجين والأكفاء تنفتح أمامهم الفرص في القطاعين العام والخاص اللبناني، وعندها ينطلقون أيضا بحثا عن فرص عمل في الخارجين العربي والدولي، إذ يخرجون متسلحين بكفاءتهم وتميزهم ويخرجون باعتبارهم آتين من دولة ناجحة يشهدون لها، كما تشهد لهم. وهذه هي سمعة لبنان العريقة، وهذا هو مستقبله".

وختم: "لقد أردنا بانعقاد هذا المؤتمر في زمانه ومكانه ورعايته أن نؤكد لأشقائنا وأصدقائنا وأنفسنا أننا، رغم كل شيء، متمسكون بوحدة الوطن وحصرية سلطته وسيادة دستوره وأننا سنعمل على مدار الساعة لمزيد من التمكين وتأهيل الأجيال لمسابقة التطور، لأن الظلام لا يدوم ولأننا سنظل نسعى لاستيلاد الفجر من أشداق الظلمة".

تاريخ الخبر: 
24/04/2019