الرئيس السنيورة في مؤتمر تجديد العروبة: لتوازن استراتيجي عربي وعلاقات صحيحة مع ايران مبنية على الاحترام وعدم التدخل في شؤون دول المنطقة

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 

شدد الرئيس فؤاد السنيورة على ضرورة إعادة الاعتبار إلى القضية العربية الأساس من خلال التركيز على ضرورة التوصل إلى حلّ عادل وشامل للقضية الأساس وهي القضية الفلسطينية

وقال الرئيس السنيورة : لا مناص من العودة إلى إنجاح المشروع الحضاري للعروبة المستنيرة والجامعة والمحتضنة لشتى المكونات العربية الإثنية والدينية، والثرية بتنوعها، بعيداً عن دعوات  التهميش او الاجتثاث والتشفي والثأر، والمتمتعة بشجاعة المصالحة والمغتنية بالمشروع العربي المعترف بكيانات الدول العربية المختلفة القائمة على أساس الحكم المدني

واعتبر الرئيس السنيورة : التأكيد على اهمية الإنجاز الذي حققه لبنان مع نهايات القرن الماضي بإقرار اتفاق الطائف الذي أكد على ان لبنان هو وطن عربي الهوية والانتماء معيداً بذلك إبراز مفهوم الدولة الوطنية اللبنانية ونهائية الكيان اللبناني وتأكيد انتساب لبنان الى الهوية العربية. وهذا الاتفاق يؤكد على وحدة اللبنانيين ومبدأ المواطنة وعلى مفهوم الدولة اللبنانية المدنية المحتضنة لكل مكوناتها على قواعد العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمييز او تفضيل. لكنه وبسبب تصاعد حدة الخطاب السياسي والمناكفات السياسية فإن الحال التي وصلنا اليها تؤكد على الحاجة الماسة للابتعاد عن اثارة النعرات الطائفية والمذهبية العنصرية والى وقف دعوات الكراهية واثارة الضغائن والاحقاد.

وشدد الرئيس السنيورة : على ضرورة تطوير موقف عربي واضح وثابت يستعيد التوازن الاستراتيجي في المنطقة العربية وذلك من خلال تطوير وإيجاد إرادة عربية واحدة بشأن القضايا والمشكلات والتدخلات والفتن التي تتعرض لها المنطقة العربية وذلك بديلاً عما هو سائد حالياً من تعدد الإرادات المتناثرة والمتشاكسة والمتعارضة بشأنها. وفي هذا المجال فإن هناك دوراً عربياً جامعاً وهاماً حيث ينبغي على جمهورية مصر العربية ان تستعيده وتقوم به بالتعاون والتنسيق الكاملين مع المملكة العربية السعودية.

واكد الرئيس السنيورة : على ضرورة تطوير موقف مبادر وواضح في آن من الجمهورية الإسلامية الإيرانية وهو بنظري الموقف القائم على الإدراك بأن لا مصلحة للفريقين العربي والإيراني من زيادة حدة الخصومة والتخاصم بينهما والتي لا ينجم عنها إلا الدمار والخراب على الفريقين. فالمصلحة المشتركة تقضي أن يكون هناك سعي لإنشاء علاقات صحيحة وندية بين الدول العربية وبين الدولة الإيرانية، تكون مبنية على أساس الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة

كلام الرئيس السنيورة جاء صباح اليوم في كلمة له في افتتاح مؤتمر تحدي تجديد العروبة الذي اقامه النادي الثقافي العربي لمناسبة الذكرى الخامسة والسبعون لتاسيسه

وفي ما يلي نص الكلمة:

أصحاب الدولة والمعالي والسعادة،

أيها الأحبة،

أنا شديد الاعتزاز اليوم بمشاركة هذه النخبة الرائعة من المثقفين اللبنانيين والعرب، وبحضور هذا الجمع المميز من الأعزاء المهتمين بموضوع واعمال هذه المؤتمر الفكري الذي يقام بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعون على تأسيس النادي الثقافي العربي. انه اجتماع لفكرةٍ كبيرةٍ وساميةٍ هي فكرة تجديد العروبة لتخرج من جمودها الى فضاء تجددها الحيوي النابض، ولتعودَ كما كانت إطاراً جامعاً ومشتركاً للعرب جميعاً، لمختلف الأجيال وفي شتى الاهتمامات، بما يُقْدِرُها على الاستيعاب والاستفادة من التنوع الاثني والقومي والديني ولما يثري مجتمعاتنا ودولنا العربية ويعزز حيويتها ونهوضها. فالاجتماع على مواجهة تحدي تجديد العروبة أمرٌ كبير، ثم إنّ الجهة الداعية لهذا الاجتماع هي أمرٌ كبير أيضاً. فقد حمل النادي الثقافي العربي في بيروت منذ الأربعينات من القرن الماضي قضية الدعوة العربية، وناضل مثقفوه الكبار على مدى عدة أجيال في سبيل إحقاقها في جوانبها الثقافية والاستراتيجية والاقتصادية والإنسانية. ولقد مرّ النادي مِثْلَ الفكرةِ نفسِها، ومثل لبنان بظروف صعودٍ وخفوتٍ واضطراب، لكنّ الثابت بقي ثابتاً. ما قدّمْنا المحلي الانطوائي، ولا تنكرنا للوطني، ولا هربنا إلى الشمولي. وكانت لدينا الشجاعة دائماً للاعتراف بأخطاء التحليل أو الممارسة. كما كانت لدينا الشجاعة دائماً للاستئناف والبناء على ما سبق، وتجاوُز الإخفاقات ومصاعب الطريق.

ولستُ بصدد تقويم الأوضاع الحالية بالنسبة لفكرة العروبة، باعتبار أنّ المؤتمر كلَّه مخصَّص لذلك. لكنّ هذا لا يمنع من القول إننا اليوم في الحالة التي أعطاها ابن رشد لكتابه في مجادلة الغزالي: "نحن في حالة تهافُت التهافت".

التهافت الأول، جعلنا ننحدر من المستويات الوطنية والقومية الكبرى، وهي التي تمثل الجوامع الكبرى إلى وضع المحليات، بما تستبطنه وتثيره أحياناً من خيبات أو اختراقات او تضييق للآفاق والرؤى، فحوَّلنا من عرب إلى مصريين وسوريين وسعوديين وخليجيين وعراقيين وأردنيين ولبنانيين وسودانيين وفلسطينيين وجزائريين وليبيين ومغاربة متناسين ما يَجْمعُنا من روابط قومية وحضارية وثقافية وكذلك روابط مصلحية.

أمّا التهافت الثاني، فأسقطنا إلى سوريين علويين وسوريين سنة وسوريين مسيحيين ومصريين أقباط ومصريين مسلمين إلى آخر... والخوف أن يستمر الأمر وتتراكم التداعيات وندخل في حلقة تفتيت مستمرة ومدمرة. وهذه لا مخرج منها إلا بمشروع عربي جامع يستوعب ويحتضن كل المكونات ولا يقصي أياً منها، ويبني على تكاملها بين بعضها بعضاً دون إغفالٍ لِحقيقة انتماءاتها القطرية ولكن مع الحرص على البناء على ثراء تنوعها الاثني والقومي والديني.

أيها الإخوة الأفاضل،

ما أريد ان أقوله اليوم هو أن التهافت الأول ما كان يمكن أن يؤدي حكماً إلا إلى التهافت الثاني: أي الانحدار إلى ما دون القومي، ثم الانحدار إلى ما دون الوطني. وهذا التهافت الثاني سيؤدي بدوره حكماً، ما لم يجر تدارُك تفاقُمِ مشكلاتِه، إلى تهافت ثالث قد يقسِّم، المنطقة لا إلى طوائف فقط، بل إلى إثنيات وأعراق وعشائر وقبائل ويدخلنا في صراعات لا تنتهي ولا طائل من ورائها غير تضييع الجهود والطاقات وتبديد الموارد والإمكانات والفرص. فالتهافت يؤدي إلى مزيدٍ من التهافت. فإمّا أن نستعيد الوطن ذا البعد القومي والوطني المستفيد من تنوعه الوطني ومما يجمعه مع شقيقه العربي من جوامع ثقافية وحضارية ومصلحية، أو نصير إلى درْكٍ لا يمكن استدراك عواقبه.

بمعنى أنه لا مناص من العودة إلى إنجاح المشروع الحضاري للعروبة المستنيرة والجامعة والمحتضنة لشتى المكونات العربية الإثنية والدينية، والثرية بتنوعها، بعيداً عن دعوات  التهميش او الاجتثاث والتشفي والثأر، والمتمتعة بشجاعة المصالحة والمغتنية بالمشروع العربي المعترف بكيانات الدول العربية المختلفة القائمة على أساس الحكم المدني وعلى أساس احترام حرية الفرد، وحيث يتساوى الجميع أمام القانون مواطنين كراماً. المشروع العربي الذي يجعل من المصالح العربية المشتركة الأساس في جمع العرب وتوحيد كلمتهم وتكاملهم وذلك في إطار نظام مصلحة عربي. إنّ هذه العودة هي السبيل الوحيد لأن نبقى ولأن نكون ولأن نعطي شعوبنا ما تستحق من كرامة وعدالة وعيش مشترك وكريم، ومشاركة حقيقية في عالم العصر وعصر العالم.

لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار للعمل على إنجاح هذا المشروع العربي فالوقت يدْهَمُنا، والفشل اليوم يعني عقوداً جديدةً من التشتت والحروب والصراعات والتبديد للموارد والفرص والتي يخسر فيها الجميع ولا يربح فيها أحد.

أيها الاخوة والاخوات،

من وجهة نظري تكون عملية إعادة الاعتبار لهذا المشروع من خلال العمل على ثمانية محاور:

أولاً: إعادة الاعتبار إلى القضية العربية الأساس من خلال التركيز على ضرورة التوصل إلى حلّ عادل وشامل للقضية الأساس وهي القضية الفلسطينية. حلٌّ يعيد الحقوق والكرامة للفلسطينيين وللعرب ويزيل أحد أهم تداعيات الاستعمار الاستيطاني من منطقتنا العربية. ان هذا يقتضي موقفا عربياً جامعاً ومثابراً ومصمماً على التصدي لأي مشروع او تركيبة او تسوية تؤدي الى تصفية القضية الفلسطينية، او تأخذنا الى ما يطيح بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. ويكون ذلك استناداً إلى المبادرة العربية للسلام.

ثانياً: العمل على تطوير موقف عربي واضح وثابت يستعيد التوازن الاستراتيجي في المنطقة العربية وذلك من خلال تطوير وإيجاد إرادة عربية واحدة بشأن القضايا والمشكلات والتدخلات والفتن التي تتعرض لها المنطقة العربية وذلك بديلاً عما هو سائد حالياً من تعدد الإرادات المتناثرة والمتشاكسة والمتعارضة بشأنها. وفي هذا المجال فإن هناك دوراً عربياً جامعاً وهاماً حيث ينبغي على جمهورية مصر العربية ان تستعيده وتقوم به بالتعاون والتنسيق الكاملين مع المملكة العربية السعودية.

ثالثا: ضرورة تطوير موقف مبادر وواضح في آن من الجمهورية الإسلامية الإيرانية وهو بنظري الموقف القائم على الإدراك بأن لا مصلحة للفريقين العربي والإيراني من زيادة حدة الخصومة والتخاصم بينهما والتي لا ينجم عنها إلا الدمار والخراب على الفريقين. فالمصلحة المشتركة تقضي أن يكون هناك سعي لإنشاء علاقات صحيحة وندية بين الدول العربية وبين الدولة الإيرانية، تكون مبنية على أساس الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة. ويكون ذلك استناداً إلى أنه بين العرب وإيران ثلاثة جوامع أساسية تجمعهما وهي: التاريخ الطويل في العلاقة بين إيران والمنطقة العربية في حلوها ومرّها. وهناك الجغرافيا المتصلة بين الدول العربية وإيران، وهناك المصالح الحقيقية والكبيرة للفريقين والتي يجب أن تكون مستقرة ودائمة بين إيران والدول العربية وفق سياسة حسن الجوار. إذ إن التخاصم ومحاولات بسط النفوذ والهيمنة وإثارة الخلافات والفتن واعتماد مبدأ مدمر قائم على تصدير الثورة عبر التلاعب بالمكونات العربية في عدد من الأوطان العربية ولاسيما في العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين والكويت . وهذا فضلاً عن كونه يتعارض مع القانون والشرعية الدولية فإنه يعود بالضرر الكبير على الفريقين بكونه يدمر المنجزات ويبدد موارد الحاضر والمستقبل.

يعرض الإيرانيون اليوم، ومن خلال خطاب الرئيس روحاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة اتفاقاً على التكافل والتكامل في أمن الخليج، واتفاقيات عدم اعتداء. وهذا كله بعد الاضطراب الذي نشرته إيران في الملاحة البحرية، والإغارة على المنشآت البترولية السعودية. فالعرب لم يتعرضوا لأمن الملاحة، ولا هاجموا المنشآت البترولية الإيرانية، ولا نشروا المليشيات مثل إيران في الدول العربية.

إنّ التوجه البناء بشأن العلاقات العربية الإيرانية يفرض على الفريقين بالفعل تحقيق التغيير الذي يمكن أن يأتي نتيجة الإدراك بأن ليس هناك من مصلحة لاستمرار حال التخاصم وبالتالي تبرز الحاجة هنا إلى البناء على قواعد العلاقات التاريخية والجوار الطيب والمصالح المشتركة أي ان يتحقق التغير والتآلف والتلاؤم المشترك واللازم مع مقتضيات العصر. بما يعني ان يمد العرب أيديهم إلى إيران لاستعادة الثقة والتعاون وأن تبادر إيران، بالفعل وليس بالقول فقط، إلى إنهاء أحلام الهيمنة والسيطرة وبسط النفوذ، والعودة المفيدة إلى البناء على قواعد الاحترام المتبادل والعلاقات الندية في التعامل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي من الدول العربية.

إنّ ما يصدق على إيران، يصدق بعضُهُ اليومَ على تركيا دولة الجوار العربي الكبرى الأُخرى التي نتشارك معها التاريخ والجغرافيا والموارد المائية. تركيا تحتج بأسباب استراتيجية. إنما العامل الرئيس في توسع التدخل التركي، يبقى كما في حالة إيران، هو الضعف العربي، وبخاصةٍ تهافُت الدولة في سورية. فلقد عمدت تركيا الى بسط نفوذها على بعض المناطق في المشرق العربي. وهي قد استعانت من اجل البقاء السلطوي في المنطقة العربية بإيران وروسيا. وها هي الدول الثلاث تتقاسم النفوذ في المنطقة فيما بينها وتحاول التفرد بتحديد المصائر السورية المستقبلية وكل ذلك في غياب الدور العربي. ذلك مما استحث وشجع على ان تنهال التدخلات الأوروبية والأميركية الأُخرى، على عالمنا العربي.

رابعاً: التركيز على أهمية البناء على العمل العربي المشترك واستخلاص العبر من أخطاء الماضي حيث لم يقم المشروعان للشريف حسين والملك فيصل الأول، وللرئيس عبد الناصر وبما فيه الكفاية على تطوير وتعميق المصالح العربية المشتركة المبنية على التكامل العربي بدءًا بالمصالح الاقتصادية والاجتماعية وصولاً إلى المصالح الأمنية والسياسية. فلقد عصفت بهما مشكلات إرادة التفرد، وانقسامات الحرب الباردة، وإهمال روحية التكامل وعقلانياته من جهة، وكذلك تعملق التفوق الإسرائيلي من جهة أخرى.

إنّ تفعيل العمل العربي المشترك بشقّيه السياسي، الأمني والاقتصادي يقتضي تطوير موقفٍ عربيٍّ جَماعي واضح وحازم يستعيد التوازن الاستراتيجي في المنطقة العربية مع تركيا ويتصدى للتمدد والتدخل الإيراني للدول والمجتمعات العربية.

أما التحدي والخطر الأساس الذي ينبغي على العمل العربي المشترك التصدي له فيتمثل بالاحتلال الإسرائيلي الاستيطاني ولاستمرار عدم وجود حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية على أساس المبادرة العربية للسلام.

في هذا الصدد، علينا مرةً ثانيةً أن نكونَ صادقين مع أنفسنا: إذ لا يمكن لأي بلد عربي ولا لأي اقتصاد عربي بمفرده أن يحلَّ منفرداً ويتصدى لهذا الكم الكبير من التحديات الحالية، والتي تتجاوز قدرة أي دولة من الدول العربية بمفردها. ومن ذلك قضايا التنمية المستدامة والتغيرات المناخية وعدم التلاؤم مع مقتضيات الثورة العلمية والتكنولوجية وكذلك تدفقات الهجرة والتحديات الأمنية والإرهاب والتطرف العنيف والاتجار بالبشر. فجميع هذه التحديات وغيرها تحتاج إلى عمل تشاركي في إطار مقاربات متعددة الأطراف. وبالتالي فقد حان الوقت، بل لقد تأخرنا كثيراً، من أجل التحرك وفق رؤية واضحة لتحقيق تعاون وتكامل اقتصادي وعلمي وتكنولوجي وأمني عربي يحقق استدامة الامن الإقليمي للدول العربية، ويسهم في تحقيق النمو المستدام والازدهار والرقي الحضاري والانساني والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والأمني والسياسي في دولنا العربية، هذا مع التأكيد على انه مع تحقق ذلك الهدف فسوف تستفيد دول الجوار وتحديداً ايران وتركيا وفي منطقة الجوار الافريقي من العدوى الإيجابية للازدهار في منطقتنا العربية.

أيها الاخوة والاخوات،

لا يفوتني هنا القول إنّ التحدي الكبير والمتزايد الذي يواجه دولنا العربية الآن يكمن في كيفية الانصات إلى مطالب شعوبنا ولاسيما إلى شبابنا الساعي والمتحفز للمشاركة في نهوض بلاده وفي صنع مستقبله. ان من اهم التحديات التي سوف تواجه مجتمعاتنا العربية في العقد القادم هي في إيجاد 50 مليون فرصة عمل جديدة لاستيعاب المنضمين الجدد إلى سوق العمل العربية خلال السنوات القليلة القادمة.

السؤال الأساس هو كيف يمكن أن نعملَ على تأهيل وتحسين قدرات جزءٍ وافرٍ من أولئك الشباب من أجل التلاؤم بعلمهم وتعلمهم المستمر وبمعارفهم ومهاراتهم مع طبيعة الحاجات القادمة لاقتصاداتنا العربية ومع الحاجات المستقبلية لمجتمعاتنا العربية الشابة التي تتطلع إلى المشاركة بحضارة العالم ورقيه وازدهاره، وأيضا ترغب وبشدة أن تعيش بكرامة في أوطانها.

كم هو صاعق ومؤلم ومحزن أيها الاخوة والاخوات ان تصبح نسبة المهجرين والمشردين العرب من ديارهم وخارج ديارهم أكثر من ستين بالمائة من مجموع المهجرين والمشردين في العالم. هذا مع العلم أنّ الأرض العربية تشكّل 6% من مساحة الكرة الأرضية، وأنّ العرب يشكّلون 6% من سكان المعمورة.

خامساً: التقدم على مسار الإصلاح السياسي، وذلك بالعمل على إعادة تأسيس الحكم المدني المستوعب والمحتضن لكل المكونات، والبناء على مبادئ الدولة المدنية، دولة الحكم الصالح والرشيد. فأوهامُ الدولة الدينية قسمٌ كبيرٌ منها سببُهُ فشلُ الدولة الوطنية العربية في مرحلتها الثانية، وقيام أنظمة الطغيان والطائفيات. والتي هرب منها الناس إلى ما ظنوه نعيمَ الدولة الدينية. إنّ أنظمة الحكم الصالح هي الكفيلة بإسقاط أوهام الأصوليات القاتلة وإغراءات الدكتاتوريات التي عانت منها شعوبنا العربية على مدى عقود ماضية.

سادساً: العمل على صعيد السياسة والاجتماع والثقافة في التصدي لأسباب تفكك المجتمعات العربية من الداخل والذي تزداد حدّته بفعل التدخلات الخارجية. علينا أن ندرك أنه لا يمكن تحقيق المعالجات المنشودة من دون التشديد وإعادة التأسيس على الهويات الجامعة بديلا عن طغيان الهويات ما دون المستوى الوطني. وبالتالي السعي لإعادة الاعتبار لمبادئ المواطنة والمساواة الكاملة وعلى ديمقراطية الجدارة من خلال أنظمة حكم تكون قائمة على هذه المبادئ.

سابعاً: التقدم على مسار الإصلاح الديني وإنقاذ الإسلام واسترجاعه من خاطفيه وإنقاذ العالم العربي من الوقوع في تجارب ومحن صراع الأصوليات القاتلة وتجنب هدر عقودٍ إضافية من السنين القادمة في حروبٍ عبثية وتجاربَ فاشلة.

إنّ التعاون يجب أن يكون مركزاً وواضحاً في التصدي للحركات الإرهابية المتطرفة وعلى ضرورة المبادرة الى القيام بجهودٍ مصمِّمةٍ لخوض غمار الإصلاح الديني، وذلك بهدف إنقاذ الاسلام من هذه الآفات والجرائم والبدع التي تُرتكب باسمه. وكذلك في العودة إلى إعادة الاعتبار لقيم العمل الجاد والتركيز على أهمية الاعتدال والحرص والحفاظ على احترام حقوق الإنسان وحرياته العامة والخاصة.

إنّ المسلمين من مفكرين وقياديين وقادةٍ دينيين ومؤسسات دينية ومثقفين، لديهم عمل كثيرٌ ومسؤولياتٌ كبيرةٌ في إعداد البرامج الهادفة لإصلاح التعليم الديني لناشئتنا وكذلك لرجال الدين الذين ينبغي أن يكونوا رواداً في الدعوة للانفتاح والتجديد. هناك حاجة ماسة لتشجيع التفكير النقدي في مجتمعاتنا، من أجل تغيير الرؤية للعالم لدى الأجيال القادمة، خاصةً بعد عقودٍ من استتباع الأنظمة العسكرية والأمنية للمؤسسات الدينية. لقد آن الأوان ليُسهمَ المسلمون من كل الجنسيات في مهمة الإصلاح الديني الإسلامي بإثراء المنظور الديني وتعميقه عبر إعادة الاعتبار للعلم والمعرفة والتأكيد على توفير حقوق الإنسان، والانفتاح على العالم على قاعدة أُخوّةِ البشر وتعارُفهم وتعاوُنهم في المشتركات والمصالح الكثيرة والكبيرة التي تجمعُهُم في الحاضر والمستقبل.

إنني المح بعض البوادر الإيجابية لدى بعض مؤسساتنا الدينية التي بدأت السير في السنوات الأخيرة على مسارات التأهيل والإصلاح، وإن كانت ما تزال بحاجة إلى الكثير الكثير من الإرادة الثابتة والمثابرة على المضي قدماً على تلك المسارات. والشاهد على البدء الجدي وثيقة الأخوة الإنسانية بين قداسة البابا وشيخ الجامع الأزهر في أبو ظبي، ووثيقة منتدى تعزيز السلم مع وزارة الأوقاف المغربية، ثم إعلان ملك المغرب مع قداسة البابا بالرباط. وكذلك وثيقة مكة المكرمة التي أصدرتها رابطة العالم الإسلامي، وهي جميعها خطوات ينبغي تشجيعها وتكثيفها.

ثامناً: في ضوء هذا الواقع الصعب يتبين بما لا يقبل الشك أنه لا يمكن لدولنا ولمجتمعاتنا العربية أن تلقى الاهتمام والاحترام في محيطها وفي العالم في ظل غياب موقف عربي حازم وفكر عربي مبادر وخلاق. على العكس من ذلك، فإنّ حال التشرذم والانقسام والتشاطر على بعضنا بعضاً والاستمرار في الانصياع إلى منطق الإرادات المتعارضة بدلاً من التآلف بينها ضمن إطار المصلحة العربية الواحدة سوف يدفع بدول الجوار الإقليمي والمجتمع الدولي إلى تجاهلنا والاستخفاف بنا، أو محاولات الاستيلاء على دولنا وانتهاك سيادتنا.

هناك حاجةٌ ماسةٌ لتكوين موقف عربي يعيد للعرب احترامهم بدايةً لأنفسهم ولدى غيرهم ويستعيد بموجبه المواطنون العرب بعض الأمل في المستقبل، ويُعيدُ إليهم احترام العالم لهم ولقضاياهم. وهذا ما يمكن أن يُساعد عليه التقدم على مسار بناء قوةٍ عربيةٍ مشتركةٍ للحفاظ على الأمن القومي العربي على الأرض وفي الجو والبحر وهو ما يمكن أن يشكِّلَ الخطوةَ العمليةَ الأولى في إنتاج موقف عربي يُخرجُ الأمة من حال التقاعس والتواكل ويوقف حالة الانحدار العربية نحو الانقسام والتشرذم والتصادم.

لا بد لي هنا من التأكيد على اهمية الإنجاز الذي حققه لبنان مع نهايات القرن الماضي بإقرار اتفاق الطائف الذي أكد على ان لبنان هو وطن عربي الهوية والانتماء معيداً بذلك إبراز مفهوم الدولة الوطنية اللبنانية ونهائية الكيان اللبناني وتأكيد انتساب لبنان الى الهوية العربية. وهذا الاتفاق يؤكد على وحدة اللبنانيين ومبدأ المواطنة وعلى مفهوم الدولة اللبنانية المدنية المحتضنة لكل مكوناتها على قواعد العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمييز او تفضيل. لكنه وبسبب تصاعد حدة الخطاب السياسي والمناكفات السياسية فإن الحال التي وصلنا اليها تؤكد على الحاجة الماسة للابتعاد عن اثارة النعرات الطائفية والمذهبية العنصرية والى وقف دعوات الكراهية واثارة الضغائن والاحقاد.

أيها الأحبة،

يقول الشاعر العربي:

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً      وان افترقن تكسرت آحادا

هناك قولٌ لطالما رددته وهو في اللغة الإنجليزية ومن المفيد الاستشهادُ به وهو يقول: “Stand up to be counted”، وهو يعني وجوب الوقوف أو اتخاذ الموقف الذي يتمكن المُلتفّون حول الطاولة أو المسرح ان يروا الموقف العربي، والمشارك العربي وبالتالي لكي يحسبوا له حساباً.

إنّ الردّ الحقيقي على المقولة المطروحة في عنوان هذا المؤتمر، وهي: "تحدي تجديد العروبة: "تستوجب العمل على استعادة الثقة بين السلطات في دولنا العربية واجيالنا العربية الشابة. وكذلك العمل على إحياء وتفعيل العمل العربي المشترك، لكي يصبح للفكرة العربية جدوى عملية". نعم، الثقة بإشراك الأجيال الجديدة واستنهاضها، وتعزيز العمل العربي المشترك لاستعادة نظام المصلحة العربية. إنه وعبر هذين الأمرين، أرى أملاً كبيراً في تجديد العروبة فكراً وواقعاً.

أيها الأحبة،

إنها الذكرى الخامسة والسبعون للنادي الثقافي العربي. وهي ذكرى لها حقٌّ علينا نحن ابناء النادي. كما أنَّ لها حقاً ينبع من قوميتنا ومن امانتنا لهذه الفكرة ولتلك الرسالة. العروبة ما تزال المدخل الصحيح لما فيه صالح الأمة العربية والدول العربية وللعالم وللإنسانية. لقد كانت هذه هي رسالة النادي الثقافي العربي، وآمُلُ أن تبقى قائمةً في اصولها وإن اختلفت سياقاتها.

أتمنى لاجتماعاتكم ومداخلاتكم وحواراتكم في هذا المؤتمر اليوم وغدا وما سيتلوها عقب ذلك من مداولات وأفكار كل التوفيق.

عشتم أيها الاصدقاء والزملاء، عاش النادي الثقافي العربي، وعاشت فكرة العروبة سبيلاً حضارياً واستراتيجياً للعرب ولعيشهم المشترك مع العالم.

تاريخ الخبر: 
04/10/2019