الرئيس السنيورة: الحريري هو الأصلح لتولي الحكومة ومطالب الشباب محقة والفساد في معظمه سياسي

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 

اعلن الرئيس فؤاد السنيورة: ان السابع عشر من أكتوبر يشكل بداية بروز ظاهرة جديدة متمثلة بهذه الحركة الشبابية التي عبَّرت عن ضيقها ورفضها لما جرى ويجري على مدى السنين الماضية

وقال الرئيس السنيورة: أنّ الأحزاب السياسية الطائفية والمذهبيةوالميليشياوية تعاونت فيما بينها على اقتسام السلطات والنفوذ وخيرات ومنافع السلطة وكان همها الأساسي اقتسام ذلك النفوذ وتلك المنافع من الدولة اللبنانية ومن اداراتها ومرافقها لصالح أفرادها وجماعاتها

أضاف الرئيس السنيورة: ان تفاقم الأداء السيء في السياسة الخارجية للبنان أدى إلى ذلك الانحراف الذي جرى في السياسة الخارجية للبنان في علاقاته مع أغلب الدول العربية وأدّى الى توريط  لبنان ودفعه لكي يصبح على ممر الافيال الإقليمية والدولية

ومضى الرئيس السنيورة قائلا: وللمرة الأولى قد أصبحت الساحات كلها متصلةً مع بعضها بعضاً على امتداد لبنان من شماله إلى جنوبه والجميع أصبح يتكلم لغة واحدة.

وقال الرئيس السنيورة : المطالب التي تقدم بها الشباب هي مطالب محقة ونابعة عن معاناة شديدة وقلق كبير  وهي في جوهرها تعبر عن رغبة أولئك الشباب  والشابات في أن يستعيدوا آليات النظام الديمقراطي الصحيح في ممارسة المساءلة  والمحاسبة للحكومة من خلال الدور الذي ينبغي ان يقوم به كل من مجلس النواب والمجتمع المدني.

كلام الرئيس السنيورة جاء في حوار مع قناة الإخبارية السعودية في ما يلي نصه:

س: ابدأ معك بسؤال فيما يتعلق بالوضع الحالي للبنان، هل أصبح لبنان على مفترق طرق وهل من الممكن ان تعي الأحزاب السياسية المتغيرات الحاصلة بعد السابع عشر من أكتوبر؟

ج: الحقيقة أنّ هذا الوضع المستجد في لبنان، وذلك على مدى الأسبوعين الماضيين مهم جداً ويجب التفكر به واستخلاص العبر والدروس منه. ولكنه وفي الواقع نتج عن الامتناع عن التجاوب والتلاؤم مع المتغيرات التي طرأت وعلى مدى مرحلة طويلة وليست بالقصيرة. ولقد كان ينبغي ان تقوم خلالها جميع القوى السياسية والحكومات اللبنانية بالتنبه إلى ما يجري في لبنان وفي المحيط من متغيرات ومخاطر أصبحت جاثمة وأيضاً أخرى متراكمة على لبنان بسبب عدد من العوامل والصدمات المحلية والخارجية.

إلاّ أنني اعتقد انه وبعد السابع عشر من أكتوبر الماضي، فقد أصبحنا في لبنان جميعاً في وضع جديد يفترض بالجميع قراءته قراءة صحيحة وبتمعن. لأن ما جرى في تلك الأيام الماضية يشكل بداية بروز ظاهرة جديدة متمثلة بهذه الحركة الشبابية التي عبَّرت عن ضيقها ورفضها لما جرى ويجري على مدى السنين الماضية من سوء إدارة للشأن العام، وعدم تنبه الى المشكلات العميقة الوطنية والسياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها لبنان. وهذه المشكلات ليست وليدة الأيام الماضية بل هي ممتدة وتتفاقم على مدى سنوات عديدة ماضية. ودعني أقول انه وعلى مدى السنوات العشر الماضية، ظهر مدى التردي في الأداء الحكومي غير السليم في الحكومات اللبنانية الماضية، ولاسيما في هذه الحكومة الأخيرة. إذ أنّ الأحزاب السياسية الطائفية والمذهبية والميليشياوية تعاونت فيما بينها على اقتسام السلطات والنفوذ وخيرات ومنافع السلطة وكان همها الأساسي اقتسام ذلك النفوذ وتلك المنافع من الدولة اللبنانية ومن اداراتها ومرافقها لصالح أفرادها وجماعاتها. وذلك ما أدى الى التسبب بتفشي المزيد من الفساد والافساد في العمل الحكومي.

ومما زاد الأمور تعقيداً والمصاعب قسوةً، أنّ هذا التقاسم أفقد النظام الديمقراطي في لبنان الآليات الصحيحة للمساءلة والمحاسبة اللازمة لتصويب وتحسين الأداء الحكومي. وذلك لان الذين هم في مجلس النواب كان يفترض بهم وكان ينبغي عليهم أن يقوموا بمحاسبة الحكومة، وهو ما لم يقوموا به بشكل صحيح وفعّال. ذلك لأنه عندما يصبح ذات الأشخاص الموجودين في الحكومة هم أيضاً الموجودون في مجلس النواب ويتقاسمون سوية النفوذ والمصالح هنا وهناك، فإنهم بالفعل أصبحوا يتعاونون فيما بين بعضهم بعضاً على التغطية والتستر على بعضهم بعضاً، لأنهم يتقاسمون المصالح والمنافع سوية. وبالتالي فقدْ فَقَدَ النظام الديمقراطي آلياته الصحيحة لتحقيق وتنفيذ المساءلة والمحاسبة الضرورية لتصويب الأداء. وبالتالي لم تحصل المساءلة والمحاسبة الحقيقية والفعالة وكان ان ترتبت عن ذلك كلّه النتائج السلبية التي نشهدها اليوم، وهي أن هذا الوضع قد بدأ يُظْهرُ ضعفه وهزاله، وعدم كفاءته، ويتراكم عن هذا الضعف تلك الممارسات الخاطئة. وهذا ما كان ومازال يحصل وعلى الأقل منذ قرابة العشر سنوات.

وعلى ذلك، بدأت تظهر المؤشرات عن مدى تردي الوضع الاقتصادي وزيادة حدّة مصاعبه. فالنمو الاقتصادي لم يعد يتعدى الـ 1% بل وأحياناً وصل إلى سلبي بحدود 2%. وأيضا بدأ يتزايد العجز في الموازنة والخزينة أصبح يصل الى مبالغ طائلة، ولاسيما بسبب الإمعان في زيادة الإنفاق وعدم الإقدام على ترشيق الدولة وعدم محاربة الفساد والإفساد السياسي في الدولة. وكذلك أيضاً تفاقم العجز في ميزان المدفوعات. ذلك كلّه مما زاد من حدّة التردي في الأداء السيء للإدارة الحكومية وفي تفشي الفساد، وهو ما ظهر أيضاً في الخلل الكبير في التوازن الداخلي في لبنان وأعظم من ذلك تفاقم الخلل في التوازن الخارجي في لبنان من خلال الخلل في السياسة الخارجية للبنان.

فلقد ابتعد لبنان عن الالتزام بسياسته المعلنة لجهة النأي بالنفس أو التحييد عن الصراعات في المنطقة. وذلك ما أدّى إلى هذا الفتور الذي شاب علاقة لبنان مع الدول العربية التي تمثل بالنسبة للبنان ومن جهة أولى أسواقه التقليدية والأساسية ناهيك عن أنها من جهة ثانية تشكّل التعبير الصادق عن العلاقة الوثيقة التي يجب ان تربط لبنان كبلد عربي بالدول العربية. ذلك لأنّ تفاقم الأداء السيء في السياسة الخارجية للبنان أدى إلى ذلك الانحراف الذي جرى في السياسة الخارجية للبنان في علاقاته مع أغلب الدول العربية. وأدّى الى توريط لبنان ودفعه لكي يصبح على ممر الافيال الإقليمية والدولية وبالتالي عرضة وبشكل أكبر للصدمات والتدخلات الأجنبية في أموره الداخلية.

ذلك مما أدى بدوره الى هذه النتائج السلبية الكبرى التي رأيناها ليس فقط على الصعيد الاقتصادي، بل وأيضا على الصعد السياسية والوطنية بحيث انحسرت الثقة الى الصفر ما بين المواطنين اللبنانيين وما بين الدولة اللبنانية. وكذلك بينهم وبين الحكومات اللبنانية والمجتمع السياسي اللبناني وهذا ما عبّرت عنه الانتفاضة الشبابية في تظاهراتها واعتصاماتها. هذه الحركات الشبابية قد أبدت رفضها لذلك ونزلت الى الشوارع بكثافة غير مسبوقة وطالبت باستقالة الحكومة.

كذلك، فقد طالبت تلك الانتفاضة بتأليف حكومة من اختصاصيين مستقلين يتمتعون بالكفاءة والنزاهة والخبرة الناجحة في النشاطات التي يقومون بها. حكومة جديدة تستطيع أن تُكوِّنَ فيما بينها فريق عمل متعاون ومتضامن، تتمكن من خلاله أن تضع لبنان مرة جديدة على بداية مسارات استعادة الثقة.

فقدان الثقة هي ما يشكو منه لبنان، وذلك ما يحمل معه تأثيراته السلبية الكبرى على الأوضاع الاقتصادية والأوضاع الوطنية والأوضاع السياسية. فالمشكلة الأساس في هذا الشأن تتمثل بهذا الانحسار الكبير في مستويات الثقة لدى المواطنين بالدولة وبالمجتمع السياسي في لبنان.

هذه الحركة الشبابية حققت شيئاً جديداً غير مسبوق إذ لم يسبق ان حصل شيء مثله في لبنان في تاريخه الحديث. إذ أنه وللمرة الأولى قد أصبحت الساحات كلها متصلةً مع بعضها بعضاً على امتداد لبنان من شماله إلى جنوبه. والجميع أصبح يتكلم لغة واحدة وبالتالي أصبح أولئك الشباب يعبرون عن رأيهم وعن رفضهم لتلك الممارسات التي أسهمت فيها الحكومات الماضية، ولاسيما الحكومة الأخيرة والتي زادت من حدة الانقسامات الطائفية والمذهبية وزادت من حدة الصراعات والعصبيات الطائفية والمذهبية التي أصبحنا نعاني منها وبشدة في هذه الفترة.

بتقديري إن ما حصل خلال الأسبوعين الماضيين يعتبر من أهم الإنجازات التي حصلت في لبنان منذ الاستقلال، وتتمثل في عودة لبنان الى ما ينبغي أن يكون عليه بلداً يؤمن شبابه بالعيش المشترك والقائم على مشاركة المعاناة وعلى المصالح المشتركة. لقد عاد لبنان ليوجه للبنانيين وللعالم العربي رسالة تعبر عن أهمية فكرة العيش المشترك، ورسالة تعبر عن أهمية التآلف الوطني وقيم الاخوة الإنسانية بين المواطنين الذين يتشاركون في الوجع وفي رفض تشويه صورة اللبنانيين. لا شك ان لبنان هو بلد متعدد وان هذه الحركة الشبابية جاءت لتظهر صورة اللبنانيين الحقيقية والتي هي على خلاف ما حاول أولئك السياسيون أن يصوروه وان يصروا على زيادة حدّة الخلافات بين أبنائه.

س: فيما يتعلق بهذه الوحدة والساحات المتصلة ببعضها بعضا وفيما يتعلق بمطالب المتظاهرين والتي كانت تطالب برئيس حكومة جديدة وبتسمية حكومة كفاءات لتصحيح هذا الوضع، نسمع تصريحات من كافة الأحزاب والأطراف للاستجابة لمطالب المتظاهرين بتشكيل حكومة الكفاءات. لعل الرئيس الحريري كان الأبرز في تقديم الفعل قبل القول باستقالته، ماذا عن باقي الأطراف والأحزاب السياسية هل هناك فعلا قول بعيد جدا عن الاستجابة لمطالب المتظاهرين؟ كيف تقيم وضع هذه الأحزاب مع التعامل مع الذي يجري؟

ج: لا شكّ أن المطالب التي تقدم بها الشباب هي مطالب محقة ونابعة عن معاناة شديدة وقلق كبير، وهي في جوهرها تعبر عن رغبة أولئك الشباب والشابات في أن يستعيدوا آليات النظام الديمقراطي الصحيح في ممارسة المساءلة والمحاسبة للحكومة من خلال الدور الذي ينبغي ان يقوم به كل من مجلس النواب والمجتمع المدني. هذه المطالب التي كنت دائما أطالب به واؤيدها، وذلك بأن يصار الى انشاء حكومة من اختصاصيين وزراء قادرين على القيام بواجبهم الوزاري باحترافية عالية وأيضا باستقلالية. لكن المطالبة بحكومة اختصاصيين مستقلين وحياديين لا يمكن أن تنطبق على رئيس الحكومة لأنه من غير الممكن ان يتولى رئاسة الحكومة شخص من المجتمع المدني وفورا ودون ان تكون لديه وتتوفر عنده الخبرة السياسية والإدارية لكي يتولى منصب رئاسة الحكومة بما يقتضيه ذلك من خبرة وتجربة وقدرة على تحمل المسؤولية.

ولذلك انا اعتقد ان الوجه الاصلح ليتولى رئاسة هذه الحكومة العتيدة هو دولة الرئيس سعد الحريري لما اكتسبه من خبرة من جهة، ولما يتمتع به من رمزية وطنية، وأيضاً للصلات التي يحظى بها واكتسبها في علاقاته مع المسؤولين في العالمين العربي والدولي ويستطيع أن يوظفها لصالح لبنان واللبنانيين وأيضاً للشعبية التي يتمتع بها في لبنان.

أما بالنسبة لرأي بقية الأحزاب الأخرى فيما خصّ رأيهم بحكومة الاختصاصيين. فالحقيقة أنّ ليس جميع هذه الأحزاب تعبر عن موقفها بصراحة وليس كلها من يطالب بحكومة اختصاصيين مستقلين، فما زال هناك آراء مختلفة عند عدد من الأحزاب مثلا التيار الوطني الحر لم يعبر عن موافقته على ذلك ولا أيضا حزب الله يعبر عن موافقته على ذلك ولا حتى حركة امل تعبر عن موافقتها على حكومة اختصاصيين. والأمر وعلى ما يبدو مازال موضع تجاذب وأخذ ورد.

انا اعتقد الآن ان لبنان لديه فرصة وفرصة ذهبية لمحاولة اخراج نفسه من هذا المأزق الخطير، وعلى لبنان ان يَجْهدْ من أجل توجيه بوصلته الداخلية لرأب الصدع في التوازنات الداخلية في لبنان، وكذلك لرأب الصدع في سياسة لبنان الخارجية. وبالتالي هناك حاجة ماسة للعمل فعلياً لاستعادة الثقة في الدولة اللبنانية وفي الحكومات اللبنانية والحرص على التمييز في الممارسة من قبل المسؤولين ما بين فكرتي المصالح العامة والمصالحة الخاصة. ذلك لأنّه وخلال الفترة الماضية ضاعت الحدود بينهما واختلط الشأن العام بالشأن الخاص وأصبحت الأحزاب تتقاسم النفوذ والمنافع والمكاسب فيما بينها من خلال اقتسامها للوزارات والإدارات والمؤسسات وهي تسعى إلى تحقيق ذلك من خلال محاولتها لبث المزيد من العصبيات والتشنج والنفور والتخاصم بين الهويات المختلفة بين اللبنانيين، والتي أصبحت بسبب ممارسات تلك الأحزاب السياسية والطائفية والمذهبية، فإنها أصبحت وياللأسف هويات متقاتلة. لماذا كل هذا؟ فقط وياللأسف من أجل الحفاظ على سلطتهم ونفوذهم ودورهم المزعوم. وهذا الامر ما اثبت فشله ولاسيما وان لبنان يمر بمرحلة عصيبة جداً هي الأسوأ منذ الاستقلال. والحقيقة أنّ جميع اللبنانيين مفجوعين بهذا الأداء الذي شهدناه خلال هذه السنوات القليلة الماضية ومفجوعين باستمرار هذا الأداء السيء وحتى الآن.

س: فيما يتعلق بتصريحات رئيس حزب القوات اللبنانية عندما أشار بأن هناك من حاول الدفع بالجيش لمواجهة المتظاهرين، ولكنه أشاد بموقف الجيش في الوقوف امام هذه المحاولات من قبل بعض الأحزاب، كيف تنظر إلى وضع الجيش خلال هذه الفترة؟ وأيضا في مسألة أخرى فيما يتعلق بالتوازنات الداخلية اليوم حزب الله أشار الى انه لم يستخدم أيا من أوراقه حتى الآن، البعض قرأها على انها تهديدات للشارع اللبناني.

ج: المعروف والشائع: "اللي جرّب المجرّب بيكون عقلو مخرّب" فعليا ان التجربة التي مررنا فيها في العالم العربي بعدم الاستماع والإنصات إلى صوت الشباب للتعرف إلى ماذا يريدون، وبالتالي ارتكاب الخطأ الجسيم في معاملة تلك الحركات بالعنف أو عدم المبالاة. أنا اعتقد ان هذه التجربة قد أثبتت خطأها وعدم صوابيتها، وبالتالي انا اعتقد ان موقف سعد الحريري كان موقفا حكيما ومتبصرا في ضرورة الاستماع للشباب وهو قد بادر إلى تقديم استقالته.

أما بالنسبة للتدخلات مع قيادة الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية، فهناك البعض في دوائر الدولة وبعض المسؤولين فيها ممن يضغطون على الجيش اللبناني والقوى الأمنية من اجل استعمال العنف في التعامل مع المتظاهرين.

يجب أن لا ننسى هنا أنه وقبل ثلاثة أيام تعرّض المعتصمون في ساحات الشهداء، ورياض الصلح، ومنطقة الرينغ الى هجمة معروف من قام بها ضد أولئك المعتصمين وهم عناصر من حزب الله وحركة أمل.

من الطبيعي في هذا الأمر أنه يجب علينا أن نكون واضحين في التعامل مع الشباب إذ يجب ان يكون التعامل من خلال الحوار والتواصل المستمر وأيضا من خلال العمل على إعادة اكتساب الثقة.

وهنا أقول ان اكتساب الثقة ليس من خلال التصريحات الكلامية والكلام المعسول الذي يطلق كيفما كان في الهواء. إنّ هذا لا يؤدي الى إقناع الشباب بل إلى زيادة غضبهم وخنقهم، خاصة أنّ هناك تجارب مريرة لدى أولئك الشباب نظراً لأنّ هناك وعوداً أطلقت وأعطيت لهم في الماضي ولم يجرِ الالتزام بها.

أنا اعتقد ان هناك ضرورة من اجل التعامل مع أولئك الشباب والشابات بكثير من الحكمة والدراية واستعمال الحوار ولكن الحرص على الصدق والصراحة معهم وكذلك الجرأة في الحديث معهم لكي يصار إلى شرح الأوضاع الصعبة التي يمر بها لبنان بصراحة وصدق وبالتالي إلى ضرورة التعاون سوية من اجل التوصل إلى الحلول الصحيحة، والتقدم جميعاً على مساراتها. وذلك يعني انه يجب على لبنان ان يعيد تصويب بوصلة سياساته الداخلية وبوصلة سياساته الخارجية وإعادة الاعتبار لاتفاق الطائف والدستور والدولة وسلطتها الكاملة والعادلة، ولاستقلالية القضاء، وللكفاءة والجدارة في إيكال المسؤوليات إلى أكفائها، وكذلك الاحترام للحريات العامة في البلاد.

انا اريد ان أقول ان الكلام الذي سمعته من فخامة رئيس الجمهورية البارحة كلام لا علاقة له بلغة الشباب وما يطلبونه ويتوقعون الحصول عليه وهو كلام أقل ما يمكن أن يقال فيه أنه من الماضي. الحقيقة أنّ الرئيس لم يأت على ذكر أي شيء يتلاءم ويتجاوب مع رأي أولئك الشباب وما يريدون تحقيقه وما يشكون منه. كذلك أيضاً هناك الكثيرون ممن عبروا ان العهد يعتمد تفسيرات خاطئة للدستور اللبناني كما انه يخالف أحكام الدستور. ولذلك أرى أنه يجب ان تبادر الدولة اللبنانية من جديد الى اتخاذ موقف صريح وملتزم باتفاق الطائف الذي أنهى الحرب اللبنانية وتوصل الى الصيغة الجديدة للدستور اللبناني. لم يعد بالإمكان وعلى الاطلاق العودة الى كلام سمعناه كثيراً في الآونة الأخيرة من عناصر تنتمي للتيار الوطني الحر بأننا نريد تعديل الدستور بالممارسة. يجب ان يكون هناك التزام حقيقي ودائم ومستمر بالدستور اللبناني الذي تجمَّع من حوله اللبنانيون. وبالتالي يجب ان يكون الدستور هو الرابط والجامع لهم جميعاً.

اللغة الجديدة التي يجب ان يستعملها العهد وتستعملها الحكومة العتيدة هي اللغة التي يجب ان نقولها للشباب ونخاطبهم بها وان نستمع إليهم ونتحسس بهواجسهم وتفهمها، وان نقوم بما ينبغي ان نقوم به وليس ان نعدهم بشيء ونتنكر له. لا أن ننبذ الطائفية والمذهبية بالقول ونمارسها بالفعل. طبيعي يجب ان يكون هناك مسعى يتسم بالصراحة والجرأة في الحديث عن المشكلات لا ان نحاول التغطية والتعتيم على المشكلات العميقة التي نعاني منها ويجب أن نطور معهم الحلول الواجب اتباعها لاعتمادها. انا اعتقد ان هذه هي الرسائل التي أرسلها هؤلاء الشباب والتي يجب على الجميع ان يلتقطها ونبدأ في التجاوب والإجابة عليها.

الكلام التهويلي بتحميل الشباب المسؤولية بأنهم هم المسؤولون عن التأخير في إجراء الإصلاحات، انا اعتقد ان هذا الكلام ليس في محله بل هو قطعاً خطأ. لأنّ هذه الإصلاحات الكثيرة التي كنا نتحدث عنها على مدى العشرين سنة الماضية كان هناك وبشكل دائم استعصاء في لبنان وعدم رغبة للقيام بتلك الإصلاحات الإدارية والسياسية والوطنية والاقتصادية. انا أستطيع أن أتلو عليك كلاماً وبرامج إصلاحية كنت قد أطلقتها وأطلقها معي كثيرون غيري على مدى العشرين سنة الماضية ولكن كانت تقع تلك الكلمات وتلك البرامج على آذان صماء، وذلك كان بسبب الاستعصار عن القيام بالإصلاحات الضرورية. وبالتالي ليس من المعقول ان نأتي اليوم لنحمِّل الشباب المسؤولية عن عدم تحقيق تلك الإصلاحات أو أن يدعي البعض بأنهم هم المسؤولون عن التأخير في إجرائها.

س: كنت اتحدث عن زعيم حزب الله عندما تحدث في كلمته عن ان استقالة الحكومة أوقفت الإصلاحات، كيف يمكن ان تقدم هذه الحكومة الفاقدة للثقة إصلاحات للشارع اللبناني؟ وفي جانب آخر هل يمكن ان نشهد تشكيل تحالفات جديدة في لبنان لقيادة هذه المرحلة؟

ج: انا اعتقد ان الحكومة الماضية قد فشلت ولا يمكن محاولة ترميمها والانتظار أو التوقع انها هي التي سوف تقوم بهذه الإصلاحات لأنها تتكون من اشخاص كان أداءهم الحكومي سيئاً وهم مارسوا الكثير من وضع العراقيل لمنع اجراء الإصلاحات فكيف يمكن ان نتوقع أداء مختلفاً اليوم.

بالتالي فإنّ المطلوب الآن أن تتولى الحكومة الجديدة إجراء الإصلاحات من خلال شخصيات تتمتع بالجدارة والكفاءة والخبرة العملية وبالتالي بالثقة والاستقلالية ولدى كل من أعضائها نجاحاته في الحقول التي مارس فيه عمله السابق، وبالتالي على كل واحد منهم أن يأتي حاملاً معه خبراته وتجاربه وانجازاته التي حققها بجهده بما يسمح لهم أن يكونوا مع رئيس الحكومة فريق عمل متفق ومتجانس ومستعد للعمل سوية من أجل النهوض بلبنان وإخراجه من مأزقه. ونعتقد ان الكثير من الشباب في لبنان ومنهم أيضاً العديد من العاملين خارج لبنان هم من الذين يتمتعون بهذه الكفاءات وهذه الجدارة والخبرة وبالتالي عليهم جميعاً ان يتلقفوا تلك الرسائل التي وجهها إليهم أولئك الشباب المعتصمين. وبالتالي أن يعطوا بدورهم للعالم صورة جديدة وصحيحة عن لبنان، بأن لبنان يحترم الكفاءة والجدارة في ايكال المسؤولية لمن يستحقها ولمن يستطيع ان يقوم بها، وان لبنان يؤمن بالنظام الديمقراطي وبآلياته في إجراء المساءلة والمحاسبة.

أما بالنسبة لإجراء تحالفات فأنا أعتقد أنه وفي هذه المرحلة الجديدة يجب ان تتعزز هذه القوى على قواعد جديدة. من هو مع الإصلاح الحقيقي ومن هو ضد الإصلاح ومن هو مع محاسبة الفاسدين ومن هو الذي يريد ان يستمر في التغطية على ممارسات الفساد والإفساد، وعلى الذين يؤمنون بالإصلاح ان يتعاونوا فيما بينهم على القيام بذلك ففي الاتحاد قوة.

يجب ان نكون هنا واضحين وصريحين بأن الفساد في لبنان في معظمه هو فساد سياسي. الفساد السياسي هو حينما تتعاون القوى الحزبية من أحزاب طائفية ومذهبية وميليشياوية على تقاسم الجبنة وتقاسم المنافع من الدولة اللبنانية لصالحها أو لصالح أفرادها وتمارس التغطية على بعضهم بعضاً. يجب ألا ننسى أنه يجب أن يصار إلى محاسبة كل من ارتكب الفساد، وذلك من خلال القضاء المستقل والنزيه.

أودّ أن أقول في نهاية حديثي بانّ الآلية الصحيحة هي عندما تعود آليات النظام الديمقراطي لتعمل بحيث يتم من خلالها إجراء المساءلة والمحاسبة الصحيحة والمستمرة لأعمال السلطة التنفيذية. وعندما تعود هذه الآليات الى العمل يكون ذلك هو بداية الطريق الصحيح لما يسمى لقطع دابر الفساد والمفسدين. يجب ان لا نغفل هذه الحقيقة الساطعة بأن الفساد هو فساد سياسي أولاً وأخيراً في لبنان.

 

تاريخ الخبر: 
03/11/2019