الرئيس السنيورة لقناة النيل : مطلوب حكومة اختصاصيين مستقلة تمارس عملها استناداً إلى كفاءة أعضائها وكفاءة رئيسها

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 

اجرت قناة النيل للاخبار حوارا مع الرئيس فؤاد السنيورة حول الاوضاع الراهنة في لبنان في ما يلي نصه:

س: ينضم الينا من بيروت السيد فؤاد السنيورة رئيس وزراء لبنان الأسبق. سيد فؤاد بعد التحية هناك حراك شعبي جديد عند قرب الإعلان عن تشكيل الحكومة الجديدة. برأيك ومن خلال متابعتك ورصدك لهذه التطورات في الشارع اللبناني الى أي مدى يمكن ان تستطيع هذه الحكومة إرضاء الاحتجاجات في الشارع اللبناني؟

ج: مساء الخير لك ولكل المشاهدين. رداً على سؤالك فإنه تجب العودة إلى بداية هذا الحراك وماذا كانت مطالبه. انتفاضة الشباب في 17 أكتوبر الماضي بدأت بالطلب من السياسيين اللبنانيين أن يدعموا تأليف حكومة من اختصاصيين مستقلين غير منتمين للأحزاب السياسية. ومطلبهم هذا يعود السبب فيه الى حقيقة تكونت خلال السنوات الماضية نتيجة تردي الأداء الحكومي في لبنان، والذي أدى بدوره إلى انحسار خطير في مستويات الثقة بين المواطنين اللبنانيين والحكومات اللبنانية، وكذلك بينهم وبين المجتمع السياسي في لبنان. ولقد أسهم في ذلك، التردي والترهل والتراجع والتدهور الخطير الذي طرأ على الأوضاع الاقتصادية والمالية والنقدية، وكذلك ما طرأ على الأوضاع السياسية خلال تلك السنوات الماضية من زيادة حدّة الخلل الخطير الذي أصاب التوازنات الداخلية الدقيقة في لبنان، وكذلك أصاب سياسة لبنان الخارجية وتحديداً بشأن علاقة لبنان بالدول العربية الصديقة وأيضاً علاقته مع المجتمع الدولي، وهي العلاقة التي أصبحت لا تأتلف مع مصالح لبنان ومصالح الانتشار اللبناني في الدول العربية وفي باقي دول العالم. جميع هذه المتغيرات والتحولات أسهمت وأدّت الى فقدان الثقة في الحكومات وفي المجتمع السياسي اللبناني، والذي أدّى بدوره بالتالي إلى دفع أولئك الشباب إلى المطالبة بأن تتألف حكومة لبنانية جديدة من اختصاصيين مستقلين، وأبدو حرصهم على أن لا يكون أولئك الوزراء الجدد قناعاً أو ستاراً يخفي التدخلات والسيطرة التي تمارسها الأحزاب السياسية الطائفية والمذهبية على الإدارة الحكومية للبلاد، وأن تستمر بالتالي تلك الأحزاب في فرض قبضتها وسيطرتها على لبنان بما يزيد من حدّة الانهيار الذي يعاني منه لبنان.

الحقيقة انه بعد قرابة خمسين يوماً على استقالة الرئيس سعد الحريري، وهو الحدث الذي كان يستوجب مسارعة فخامة رئيس الجمهورية لإجراء الاستشارات النيابية الملزمة. إلاّ أنّ الرئيس استمر على تلكؤه، لا بل وإلى قيامه خلال تلك الفترة بمشاورات سياسية جانبية والتي شكّلت انتهاكاً فاضحاً للدستور اللبناني، وذلك لكون تلك الاستشارات هي من واجبات ومسؤولية الرئيس المكلف. ذلك التلكؤ والانتظار أسهم في زيادة حدّة تلك المشكلات، وأظهر مدى تحول فخامة الرئيس إلى طرف في الصراع السياسي بديلاً عن الدور الذي حدّده له الدستور بأن يكون هو الحكم والجامع. بعد ذلك كلّه، جرى تكليف الدكتور حسان دياب بتشكيل الحكومة.

بعد ذلك التكليف ها نحن نشهد يومياً محاولات لإنجاز التوليفة الحكومية التي يفترض بها ان تلبي ما طالب به أولئك الشباب اللبنانيين من أهل الانتفاضة، وذلك بأن تكون للبنان حكومة جديدة من اختصاصيين مستقلين.

ما يجري الآن هو عكس ذلك تماماً إذ يظهر أن المرشحين للحقائب الوزارية هم في غالبيتهم كانوا مستشارين أو أعواناً لدى الوزراء السابقين أو محسوبون عليهم، وأسماؤهم يجري اقتراحها من قبل تلك الأحزاب الطائفية والمذهبية لكي يكونوا وزراء في الحكومة الجديدة. السؤال المهم إذاً ما الذي تغيّر؟ على العكس من ذلك، لقد أصبح الوضع أكثر سوءاً بدلاً من أن يتحسن من خلال حمل لبنان نحو الخروج من المآزق المتجمعة عليه. ما وصلت إليه الأمور الآن لا يلبي المطلب الذي تقدم به أولئك الشباب. لذلك نرى أن هناك تعسراً في عملية التأليف وهناك شروطاً يضعها الفريق الفلاني، وشروطاً مقابلة يضعها الفريق الآخر، وكلّ مجموعة تريد أن يكون لها ممثلين في الحكومة وان تزيد مكاسبها السياسية، وكل ذلك هو عكس المطلوب ويتم على حساب اللبنانيين وبما يسهم في زيادة حدّة التدهور الحاصل.

المطلوب إيجاد حكومة اختصاصيين مستقلة تمارس عملها استناداً إلى كفاءة أعضائها وكفاءة رئيسها وأيضاً استناداً إلى التعاون الصحيح مع المجلس النيابي، ولاسيما في هذه الظروف الدقيقة والاستثنائية التي يمر بها لبنان.

قد يقول أحدهم كيف يمكن لهذه الحكومة المقترحة من اختصاصيين مستقلين أن تحصل على الثقة من أعضاء المجلس النيابي الذين جميعهم سياسيون. وبالتالي كيف للنواب أن يؤيدوا حكومة من غير السياسيين. الجواب هو أن على الجميع أن يتذكر الأسباب الداعية إلى ذلك، وعلى الجميع أن يدرك هول الحالة التي وصلت إليها البلاد من تدهور سياسي واقتصادي ومالي ونقدي ومعيشي. وكذلك ان يتبصر ويفهم جيداً حال انعدام الثقة التي دفعت بشباب الانتفاضة، وكذلك بقسم كبير من اللبنانيين إلى المطالبة بحكومة من الاختصاصيين المستقلين عن الأحزاب السياسية. بعبارة أخرى فإنّ الوضع الخطير أصبح يفرض معالجة استثنائية لوضع استثنائي.

الحالة التي أصبح عليها لبنان والحاجة والمطالبة بحكومة اختصاصيين مستقلين هي بالفعل حالة استثنائية في النظام الديمقراطي. وهي مثل حالة حكومات الوحدة الوطنية التي درجنا على اعتمادها في لبنان والتي هي أيضاً حالة استثنائية فرضتها ظروف معينة بديلاً من "نظام حكم الأكثرية ومعارضة الأقلية". وهي كان يفترض بها أن تكون لفترة معينة ولكن جرى الاستمرار في اعتمادها وذلك في ممارسة خاطئة أثبتت فشلها وعقمها بنتيجة أساليب المحاصصة المتبعة بين الأحزاب المشاركة التي اعتمدتها تلك الحكومات.

المطلوب الآن وبسرعة، العمل على اكتساب الثقة من جديد، الثقة التي انحسرت كما قلت بين المجتمع السياسي اللبناني والمواطنين. وبالتالي فإنه ينبعي على السياسيين أن يدركوا أنه لم يعد لدى لبنان ترف الاختيار ولا ترف الانتظار لعامل الوقت كي يحل المشكلات. بل أصبح خطر الانهيار الكبير يشتد ويدق باب كل لبناني.

المشكلة في ذلك أن ما يجري الآن من مشاريع مقترحة لتشكيلات حكومية لا يفي بالغرض المطلوب. وهذه الخلافات بين الأحزاب الطائفية والمذهبية تؤدي إلى تأخير التأليف، بينما البلاد وأوضاعها الاقتصادية تشهد التدهور الكبير. ومما تجدر الإشارة والتنبيه إليه هو أن ليس هناك من أي شبكات أمان للبنان لا داخلية ولا عربية ولا دولية تقي لبنان النتائج السلبية والمدمرة التي قد تحصل له وللبنانيين.

 

س: نعم سيد فؤاد ولكن تحدثنا عن أوضاع اقتصادية وسياسية صعبة يمر بها لبنان الآن هل لبنان في ظل هذه التجاذبات والرغبات من جانب بعض القوى من الأحزاب السياسية، هل لديها الرفاهية الوقت من اجل ان تتواصل المشاورات النيابية للاستقرار على أسماء الوزراء والاقتراحات الخاصة لتشيل الحكومة نحن الآن نتنافس مع مرور الوقت في ظل هذه الأوضاع الصعبة التي يمر بها لبنان وشهدنا حالة الفوضى التي وقعت امام عدد كبير من المصارف وما إلى ذلك؟

ج: كلا، لم يعد لبنان يتحمل ترف الانتظار، ولا حتى ترف الاختيار. أي بعبارة أخرى أنّ الخيارات المتاحة للبنان هي شبه محدودة وعلى الأرجح ليس للبنان الا خيار واحد، وهو الخيار الوحيد والذي يتلخص بالعمل الجاد وبكل الوسائل ومن قبل الجميع من أجل استعادة الثقة بداية من اللبنانيين، وكذلك من المجتمعين العربي والدولي. ذلك يعني تلبية جميع مقتضيات استعادة الثقة عبر اعتماد المعالجات الداخلية الصحيحة وعلى جميع الأصعدة المالية والاقتصادية والنقدية والإدارية، وكذلك من خلال المعالجات الخارجية لاستعادة ثقة المجتمعين العربي والدولي. وهذا يعني أنّ الأمور لم تعد تقتصر على المعالجات المالية والاقتصادية والإدارية، بل أنها تتطلب معالجات وطنية وسياسية والتي عندما تتكامل مع بعضها بعضاً يمكن التوصل إلى بداية التقدم على المسارات العلاجية الصحيحة.

دعني أقول لك الآن أن ما يزيد من حدة غضب ويأس أولئك الشباب اللبنانيين هو تلك الخلافات المستعِرة بين الأحزاب الطائفية والسياسية على المحاصصة والتقاسم للحقائب الوزارية بهذا الشكل، ولاسيما وأنهم يشهدون بأم العين ما يعانيه اللبنانيون جراء تدهور الأوضاع الاقتصادية والمالية والمعيشية. والمؤسف أنّ تلك الأحزاب لا تدرك أنها بذلك تمارس نوعاً من الإنكار لحقيقة ما يحصل في لبنان. هذا القدر من التدهور والانهيار الحاصل لم يحصل قبلاً في تاريخ لبنان وعلى مدى أكثر من سبعين عاماً ومنذ الاستقلال اللبناني، إذ لم يشهد لبنان هذا الاعصار الذي يمر به الآن وبالتالي فإنّ هذا يتطلب مسارعة من قبل الطيف السياسي اللبناني بكامله ومن جميع المسؤولين في لبنان لإدراك خطورة هذه المرحلة وضرورة المسارعة إلى القيام بتأليف الحكومة من مجموعة متآلفة ومتضامنة من الاختصاصيين المستقلين وإعطائها الثقة، وكذلك تسهيل قيامها باعتماد السياسات واتخاذ الإجراءات على كل الأصعدة للبدء بتصحيح بوصلة استعادة الثقة.

س: ماذا يمكن للبرلمان او الرئاسة في لبنان ان تتدخل بحسب الدستور من اجل التسريع في تشكيل الحكومة؟

 

ج: انه يفترض بالنواب أن يتفهموا دقة هذه المرحلة والشروط الوحيدة المتاحة للخروج من المآزق المتفاقمة، ومن أجل الفوز بثقة اللبنانيين والمجتمعين العربي والدولي. يجب على الجميع أن يدرك أننا نشهد الآن وفعلياً نتائج ذلك القانون الانتخابي الخاطئ الذي اعتمد في العام 2017-2018 والذي أدى الى هذه النتيجة من الانتخابات، إذ فاقم هذا القانون الخلافات المذهبية والطائفية في لبنان.

أهمية هذه الانتفاضة في لبنان انها طرحت الأمور كما ينبغي وليس من زاوية المربعات الطائفية والمذهبية التي يلوذ بها بعض اللبنانيين، والتي تعمل الأحزاب الطائفية على تسعير تلك الخلافات الطائفية، وحيث تعمل تلك الأحزاب على إبقاء اللبنانيين مشدودين إلى تلك المربعات الطائفية والمذهبية. على عكس ذلك، فلقد عبّرت واختصرت إحدى الطالبات في احدى الجامعات اللبنانية عن حقيقة ما يطرحه شباب الانتفاضة وقالت أنها: "لا اريد حقوق المسيحيين ولا اريد حقوق المسلمين انا اريد حقوقي كمواطنة".

هذا هو جوهر المشكلة التي نراها ويعبّر عنها أهل الانتفاضة الشبابية علماً أن هناك من يندس على الحراك وهم كثيرون ويحاولون إثارة الضغائن والأحقاد ويسعون إلى إشعال نار الفتنة ويعملون على التدمير والتشويه. ولكن جوهر ما يقوم به الحراك هو عكس ذلك، وهو التأكيد على فكرة المواطنة وكيفية استعادة الثقة فيما بين اللبنانيين وهو ما ينبغي الحرص عليه. المشكلة التي نراها وتزداد بين السياسيين هي في حالة التمويه والتضييع ومحاولة التزوير لإرادة اللبنانيين في هذا الشأن. هنا يكمن جوهر المشكلة. وأكرّر هنا بأن لبنان لم يعد لديه ترف الانتظار ولا ترف الاختيار بين اقتراحات عديدة لم تعد موجودة. إذ أنه أصبح أمام اللبنانيين خيار واحد فقط، وهو العمل على استعادة الثقة وبالتالي القيام بجميع ما تقتضيه عملية استعادة الثقة من اعتماد سياسات واتخاذ إجراءات والعمل على تنفيذها.

تاريخ الخبر: 
17/01/2020