الرئيس السنيورة يكتب افتتاجية النهار : "إضرب حديداً حامياً لا نفع منه إنْ برد"

-A A +A
Print Friendly and PDF

"أبنت الدهر عندي كل بنتٍ            فكيف وصلْتِ أنتِ من الزحام"

(المتنبي)

يعتقد المتنبي أنه قد تعرّض في حياته للكثير من المصائب والمحن (بنات الدهر = المصائب)، بحيث إنه عندما أُصيبَ بالحمى وهو في مصر نظم قصيدته الشهيرة "الحُمَّى"، والتي يُبدي فيها استغرابه واستهجانه كيف تمكّنت الحُمَّى من الوصول إليه في خضم معاناته من تلك المجموعة الكبيرة من المصائب التي كانت تحيط به وتتزاحم من حوله.

ما أشبه حالنا نحن في لبنان اليوم بحال المتنبي بعد أن تزاحمت علينا المشكلات والخطوب الوطنية والسياسية والمالية والقطاعية والإدارية والنقدية والمصرفية والتي كان آخرها ذلك الضيف الثقيل المتمثل بجائحة الكورونا التي حلّت بنا لتضيف إلى هشاشة وضعنا، وضعف مناعتنا بُعْداً جديداً.

لقد علّمتنا التجارب أنّ الأزمات تأخذ وقتاً أطول مما يتخيل الكثيرون حين تحدث، ولكنها عندما تدهم تُطبق بشكل أسرع بكثير مما يتوهم الكثيرون، ولاسيما عندما يكون ذلك نتيجة عدم التحسب وعدم التهيؤ وعدم الاستعداد لمواجهة تلك الأزمات ومثيلاتها.

المشكلة المستعصية تكمن في أنّ البعض في لبنان يظن أنّ التلكؤ والتقاعس وعدم المبادرة إلى القيام بتنفيذ الإصلاحات لتحقيق الاستجابة للتحديات والتحولات والتطورات والأزمات المتسارعة، وهي الإصلاحات التي طالما كان يحتاج إليها لبنان، ويتطلع إليها اللبنانيون خلال العقدين الماضيين، باعتبار أنه يمكن التعويض عن التأخر بالقيام بها في وقت لاحق. ذلك الظنّ الخاطئ يستند إلى اعتقاد ذلك البعض بأن عجلة الزمن المتسارع يمكن وقفها، أو ضبط حركتها لكي تلتزم بالتوقيت الذي تلتزمه ساعة المعطِّلين، والذين ما فتئوا يحولون دون القيام بالمبادرات الإصلاحية اللازمة لتصويب البوصلتين الداخلية والخارجية للبنان.

الحقيقة غير ذلك تماماً، فالتأجيل والتعطيل والتقاعس أصبح يتسبب بالكثير من الأضرار الفادحة على الدولة اللبنانية، وعلى المجتمع اللبناني، وعلى الاقتصاد الوطني، والمتمثلة بالتردي والترهل والتفاقم على أكثر من صعيد. والمؤسف أن المعطِّلين ما يزالون يتعامون عن ذلك ولا يرغبون بالاعتراف أنهم أصبحوا مسؤولين عن استنفاد المناعة الداخلية للبنان، مما يجعل لبنان وإداراته ومؤسساته واقتصاده عرضة للتأثر بأي عاصفة عارضة، فكيف بلبنان الذي ينحدر نحو الهاوية، وبشكل متسارع، ليصبح واقعاً على فالق الزلازل المحلية والإقليمية والدولية.

إنّ التقاعس والاستعصاء على الإصلاح الذي عانى منه لبنان على مدى العقدين الماضيين جعل منه عرضةً للانعكاسات والتداعيات السلبية التي بدأت تُفَجِّرُها، وبشكل متزامن، استحقاقات المشكلات الوطنية والسياسية والمالية والنقدية والمصرفية والقطاعية والإدارية، وذلك كلّه بالتوازي والتزامن مع الصدمات المتلاحقة التي تتسبب بها الأحداث الخارجية، الإقليمية والدولية.

ولقد زاد في الطين بلّة الكارثة الصحيّة الأخيرة، المتمثلة بتفشي جائحة الـ"كورونا". هذه الفيروسة الصغيرة التي لا تُرى بالعين المجرّدة، استطاعت وعلى ما يبدو أن تغيّر وجه العالم وأنماط الحياة فيه، وهي التي لا يَظْهرُ من تأثيراتها وتداعياتها السلبية الهائلة وغير المسبوقة على صعيد العالم باقتصاداته وأولوياته، وعلى صعيد تواصل وتعاون الدول والمناطق بين بعضها بعضاً، سوى رأس جبل الجليد الطافي على سطح الماء.

إنّ الذي حصل مؤخراً، هو اضطرار الحكومة اللبنانية إلى اتخاذ قرار بعدم تسديد المبالغ المستحقة من أصل السندات السيادية للدولة اللبنانية، وذلك ما ترافق مع حالة انحسار كامل للثقة لدى اللبنانيين ولدى المجتمعَيْن العربي والدولي، بالدولة والحكومات اللبنانية وبالمجتمع السياسي اللبناني، وكذلك بالاقتصاد اللبناني وبماليته العامة وبنظامه المصرفي.

ولقد أدى ذلك بدوره، وعملياً، إلى وقف حرية التحويل إلى الخارج من لبنان، مما ضرب صدقية النظام المصرفي اللبناني، وصدقية النظام الاقتصادي الحرّ القائم على حرية المبادرة وحرية التداول وحرية التحويل والقطع، وأطاح بأعرافه المستقرة عبر عقود، وهو النظام الحرّ الذي جهد اللبنانيون في احترام مقوماته على مدى سبعين عاماً خلت.

وها هم اللبنانيون يشهدون اليوم على تداعي ذلك كلّه وصولاً إلى ما آلت إليه الأمور الآن على خلفية التطورات المستجدة الحاصلة في العالم، والمتمثلة بالانشغال المتزايد لدى دول العالم ومؤسساته كلٌّ بمشكلاته وأزماته، مما يجعلهم غير راغبين، أو غير قادرين على الالتفات إلى مشكلات لبنان، ولاسيما أنّ لبنان، وعلى الأقل خلال العقد الماضي، لم يتعامل مع المشكلات التي تعصف به بما يقتضيه ذلك من تنبه وجدية ومبادرة لمعالجتها معالجة صحيحة وفعّالة، مما جعل القيام به شديد الكلفة وشديد الأوجاع وقبل ان يصبح ذلك مستحيلاً.

إنّ ما آلت إليه الأمور أصبح يطرح وبشدّة الحاجة إلى المبادرة فوراً للقيام بالإصلاحات الوطنية والسياسية والمالية والنقدية والإدارية والقطاعية التي أصبحت جميعها مستحقة دفعة واحدة لاستعادة ثقة اللبنانيين والمجتمعَيْن العربي والدولي بالدولة اللبنانية وبالاقتصاد اللبناني وبالقطاع المصرفي. وهي الإصلاحات التي تفاقم الاستعصاء عن القيام بها لسنوات طويلة، وطال التلكؤ في اتخاذ القرار الصحيح باعتماد وتبني مبادئ هذا الإصلاح بكونه يشكّل المسار الحيوي، الوحيد واللازم للتكيف والتلاؤم المتواصل مع التحولات والمتغيرات المتسارعة من أجل تحقيق النمو المستدام.

إنّ الأمور توجب على لبنان واللبنانيين اعتماد أقصى فضائل الشجاعة والحزم والصراحة، والإقدام من الدولة اللبنانية وبمؤسساتها كافة إلى القيام بتلك الإصلاحات بالتعاون مع الأشقاء والأصدقاء والمؤسسات الدولية المتخصصة والمعنية. ومن ذلك، معالجة الخلل الكبير الذي أصاب التوازنات الداخلية اللبنانية جراء الاستمرار في مخالفة اتفاق الطائف والدستور اللبناني، وكذلك من غضّ للنظر عن الإطْباق الذي تمارسه الدويلات الطائفية والمذهبية على الدولة اللبنانية بما يحرمها من القدرة على فرض سلطانها وصلاحياتها على إداراتها ومؤسساتها وأجهزتها ومرافقها وأراضيها وحدودها. وإحدى هذه الإصلاحات هي في المسارعة إلى وقف الهدر والفساد فوراً، ولاسيما في الإنفاق العبثي على الكهرباء ودون اعتماد البدائل الصحيحة والطويلة المدى في هذا القطاع، رغم الادّعاءات. وكذلك في وقف الخلل الكبير الذي طرأ على توازنات السياسة الخارجية للحكومة اللبنانية وفي علاقاتها مع الدول العربية ومع المجتمع الدولي. ذلك مما جعل سياسات لبنان الخارجية غير متآلفة مع السياسة المعلنة للحكومة بأنها سوف تنأى بنفسها عن الصراعات العربية والدولية. والحكومة اللبنانية بالفعل لم تلتزم بذلك. إذ إنها أصبحت منحازة إلى محاور إقليمية جعلتها متناقضة مع ما يُفْترضُ به أن تحافظ عليه لجهة احترام مصالح لبنان ومصالح اللبنانيين في العلاقة مع الأشقاء العرب ومع الكثرة الكاثرة من دول العالم.

أما اليوم وقد "حصْحَصَ الحق"، فقد آن الأوان للقيام بما كان ينبغي على لبنان القيام به من إصلاحات منذ سنوات، فإنّه وعلى الرغم من كل ما جرى، فمازالت هناك تلك الإمكانية للخروج من هذه المآزق المتكاثرة إذا ما كانت بوصلة لبنان للإصلاح مصوبة نحو الوجهة الصحيحة في شقيها الداخلي والخارجي، وإذا ما توافرت الإرادة والعزيمة لدى الدولة اللبنانية ولدى اللبنانيين.

لذلك، فهل نبادر كل من موقعه من أجل أن ننقذ لبنان وننقذ مستقبل أولادنا وأحفادنا:

 

"إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة            فإنّ فساد الرأي أن تترددا"

تاريخ الخبر: 
21/03/2020