الرئيس السنيورة: هناك أمل في الإنقاذ والمهم أن نرى ما يبشر بتغيير حقيقي في أداء رئيس الجمهورية والحكومة

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 

أجرت قناة الحرة حوارا شاملا مع الرئيس فؤاد السنيورة في ما يلي نصه:

س: مباشرة من بيروت ينضم الينا رئيس الوزراء اللبناني الأسبق الأستاذ فؤاد السنيورة، مرحبا بك أستاذ فؤاد، شكرا جزيلا لتلبية الدعوة، هل يمكن انقاذ لبنان من الإفلاس؟

ج: مساء الخير، نعم ولا شكّ عندي بذلك، وباعتقادي أنه حتى وبعد أن وصلنا إلى هذه المرحلة من التدهور والتردي، فإنّه مازال هناك أمل. ولكن، ولكي يتحقق التقدم على مسار هذا الامل، فإنّه يقتضيه الكثير الكثير من الإرادة والعزيمة والرؤية الصحيحة والقدرة على اتخاذ القرارات الإصلاحية والإصرار على تنفيذها.

لقد سمعت من المعلقين الذين سبقوني في الحديث معك الآن أنه لا توجد خطة في لبنان. الواقع أنّه حسناً فعلت هذه الحكومة بأن وضعت خطة. صحيح أنّ هناك انتقادات أساسية وكثيرة على هذه الخطة دستورية وقانونية واقتصادية ومالية واجتماعية، وكذلك بشأن المقاربات المعتمدة، والمبادئ والأساليب التي استندت إليها الحكومة في إعدادها وايضاً لجهة عدم عدالتها في توزيع المسؤوليات بين الفرقاء المعنيين، ولكن الحكومة قد وضعت هذا المشروع. ان وجهة نظري بداية ومن حيث الشكل، أنّ هذه ليست الخطة الأولى التي وُضِعَتْ في لبنان. فعلياً، فقد وُضِعَتْ خطط اقتصادية ومالية عديدة في السابق، ولاسيما في العام 2002 وفي العام 2007 في مؤتمري باريس-2 وباريس-3. ولكن المشكلة آنذاك أنّ تلك الخطط تعرضت لاستعصاء كبير من ذات الأشخاص، ومن ذات ممثلي الأحزاب السياسية الذين يسيطرون الآن على هذه الحكومة الحالية، مما حال دون تنفيذها آنذاك. وبالتالي لم يجرِ في تلك السنوات التقدم على مسارات الإصلاح التي ارتكزت عليها تلك الخطط. إذن لم تكن المشكلة آنذاك في عدم وجود الخطط الاقتصادية والمالية. المشكلة كانت في عدم وجود النية والإرادة والقرار والالتزام.

إنَّ هذا ما يقلقني اليوم من أنه قد لا تكون هناك الرؤية الواضحة والنية الصحيحة والاستعداد الكافي لدى رئيس الجمهورية والحكومة لاتخاذ القرارات اللازمة لمباشرة العملية الإصلاحية بشكل صحيح، ولاسيما وان الأوضاع قد أصبحت أكثر صعوبة وأشدَّ خطورة.

ففي الماضي حالت الاستعصاءات دون تنفيذ الإصلاحات التي كان يحتاجها لبنان لمعالجة المشكلات، والتي كان يعاني منها خلال العقدين الماضيين. وهي المشكلات التي تعقدت بشكل كبير وخصوصاً خلال العقد الماضي من هذه القرن، وتحديداً ابتداء من العام 2011، ولاسيما بعد الانقلاب الذي حصل على الحكومة الأولى للرئيس سعد الحريري. أي أنه عملياً وخلال السنوات العشر الماضية ازداد الوضع تأزماً فيما خصّ زيادة العجز في الموازنة والخزينة، وتفاقم الانخفاض الكبير في معدلات النمو الاقتصادي في لبنان الى حدود تقارب الصفر، وأيضاً في وقوع ميزان المدفوعات بعجز كبير ومستمر على مدى جميع سنوات هذا العقد. وهذا الوضع ازداد تعقيداً وتردياً بعد التسوية الرئاسية التي جاءت بالجنرال ميشال عون رئيسا للجمهورية. فخلال هذه السنوات الأخيرة، ازداد التعطيل وتفاقمت ضغوط الممارسات الشعبوية والأطماع الرئاسية، وازداد حجم الاستعصاء في الوقت الذي أصبح لبنان أكثر ما يكون بحاجة إلى رؤية ثاقبة، وإرادة صحيحة من اجل إقداره على الخروج من المآزق والمشكلات المتراكمة والمنهالة عليه.

لا شكّ ان إطباق حزب الله على السلطة في لبنان والضغوط التي يمليها استناداً الى وهج سلاحه، وبسبب التأثير الكبير الذي يمارسه على مجموعة الحلفاء الذين يؤازرونه، ومن خلال ما أصبح يتمتع به من نفوذ وتأثير في مجلس النواب، ولاسيما بعد اجراء التسوية الرئاسية، وبعد الانتخابات النيابية الأخيرة على أساس القانون الانتخابي الجديد، فقد أسهمت المواقف والضغوط التي يمارسها حزب الله على الحكومة في عدم تسهيل الحوار مع صندوق النقد الدولي، بما حال دون التوافق على برنامج مع الصندوق، وهذا قبل ان يغير الحزب موقفه مؤخراً، مما اسهم في زيادة ارتباك هذه الحكومة وتلكؤها عن اتخاذ القرار الصحيح بأن تبدأ الحوار مع الصندوق. وبالتالي هي قد أضاعت وقتاً طويلاً وثميناً لما يتعدى الخمسة أشهر كان بالإمكان توظيفها من أجل الحدّ من التردي المتعاظم في الأوضاع الاقتصادية والمالية والنقدية وفي الحدّ من الانهيار الحاصل الآن.

اليوم وبعد أن اتخذت الحكومة القرار ببدء الحوار مع صندوق النقد الدولي، فإنّ هناك الكثير من الكلام الذي يجري تداوله في لبنان حول قواعد وشروط التعاون مع صندوق النقد والإصلاحات التي يصر عليها الصندوق.

أنا أودّ أن أكون واضحاً هنا. إنّ معظم الإصلاحات التي يُقال ان صندوق النقد الدولي عادة يطلبها هي بالفعل ذات الإصلاحات التي كنا نسعى الى تحقيقها في مطلع العشرية الأولى من هذا القرن، وتحديداً عندما ذهبنا الى مؤتمر باريس-2 ومؤتمر باريس-3. فلقد وضعت الحكومة اللبنانية في العامين 2002- و2007 تلك الإصلاحات في الخطط التي تقدمت بها إلى هذين المؤتمرين. ولكن، وياللأسف، في كل مرّة، كان يجري إجهاض تلك الجهود بسبب الاستعصاء وعدم وجود النية والإرادة الحقيقيتين لخوض غمار تلك الإصلاحات الضرورية على الصعد الاقتصادية والمالية. ولاسيما للعمل على ترشيق حجم الدولة في إداراتها ومؤسساتها وأجهزتها وخفض أعبائها وإنفاقها وزيادة كفاءتها وفعاليتها الإنتاجية وبسط نفوذها على جميع مرافقها وجباية جميع إيراداتها ومعالجة مشكلة الكهرباء المزمنة.

الإصلاح يا سيدي امر تقوم به الامم عندما تكون قادرة عليه وليس عندما تصبح مجبرة عليه، لأنه في تلك الحالة الأخيرة تكون العملية الإصلاحية قد أصبحت كلفتها أكبر بكثير وآلامها وأوجاعها أشد بكثير وهذا بالضبط ما وصلت إليه حال لبنان الآن.

نحن الآن قد أصبحنا هنا، فإنه وبعد هذا الاستعصاء الطويل، وبعد هذا التردي الكبير الحاصل في نسبة النمو الاقتصادي والتراجع في الحركة الاقتصادية، والعجز الكبير في الموازنة والخزينة والناتج عن الإصرار على تحميل الخزينة اللبنانية عجوزات كبيرة تنوء بها، وكذلك تحميل الدولة اللبنانية حجم إدارة كبيرة ومكلفة جداً أصبحت غير قادرة على تحملها. هذا بالإضافة إلى التداعيات المترتبة عن المتغيرات السياسية الكبيرة والكثيرة التي حصلت في لبنان وانعكست على أوضاعه الاقتصادية والمالية والإدارية بسبب تفاقم الاختلال في التوازنات الداخلية في لبنان والناتجة عن الإمساك والإطباق على السلطة وعلى الدولة اللبنانية التي يمارسها حزب الله وحلفاؤه، وأيضا بسبب الاختلالات الكبيرة الحاصلة على التوازنات في السياسة الخارجية للبنان، وتحديداً بما خصّ علاقة لبنان مع أشقائه من الدول العربية، ولاسيما شركاؤه التجاريون منهم، وكذلك مع المجتمعين العربي والدولي. هذه الأمور المتفاقمة دفعت بالأوضاع المالية والنقدية إلى أن أصبحت شديدة السوء، وانعكست وكما ذكرتم في المقدمة بذلك الانهيار في سعر صرف الليرة اللبنانية، والذي نجم عنه في المحصلة انهيار كبير في مستويات الثقة بين المواطنين وبين الدولة اللبنانية، وبين المواطنين والمجتمع السياسي اللبناني ككل، وكذلك أيضاً مع المجتمعين العربي والدولي والدولة اللبنانية.

لذلك، وجواباً على سؤالك بشأن الأمل في حدوث تغيير لإنقاذ لبنان من الانهيار. دعني أقل لك أنه لا وهم لدى أي أحد في لبنان أو في الخارج أنه يمكن الانتقال فوراً من حالة الظلام الدامس إلى حالة الضياء الكامل. أو أن برامج الإصلاح التي يمكن ان يعتمدها لبنان قادرة على ان تحقق ذلك الانتقال الفوري إلى حالة التعافي الكاملة وبدون آلام كبيرة، وهي العملية التي أصبحت الآن تتطلب وقتاً أطول.

في ضوء ذلك، فإنّ المهم هنا هو أن يرى اللبنانيون والمجتمعان العربي والدولي ما يبشر بتغيير حقيقي في أداء رئيس الجمهورية والحكومة في لبنان نحو تعديل البوصلة بما يمكن لهما، من البدء باستعادة الثقة المفقودة، وذلك يكون من خلال قرارات وتوجهات يتبين منها أنهما ملتزمان باحترام الدستور ووثيقة الوفاق الوطني والتقيد بالقوانين اللبنانية ومصلحة الدولة في استعادة سلطتها الكاملة على أراضيها وحدودها ومرافقها وإيراداتها.

ودعني أقل هنا بداية لماذا هذا الإصرار والعناد في عدم تمرير التشكيلات القضائية وعلى الأقل للتأكيد على استقلالية القضاء وعدم منازعة مجلس القضاء الأعلى في صلاحياته.

ولماذا هذه المعاندة في عدم المبادرة فوراً إلى معالجة المشكلة المزمنة المتمثلة بالكهرباء التي هي مسؤولة عن أكثر من خمسين بالمائة من حجم الدين العام، كما أصبح عليه الآن.

كذلك أيضاً لماذا هذا التلكؤ وعدم المبادرة إلى استعادة الدولة اللبنانية لسلطتها الكاملة على إداراتها ومؤسساتها العامة وعلى مرافقها وعلى معابرها الحدودية وعلى جميع إيراداتها.

وكذلك لماذا هذا الامتناع عن استعادة الاحترام للكفاءة والجدارة في تسليم المناصب القيادية إلى أكفائها، وبالتالي إخضاع أولئك المسؤولين إلى المساءلة والمحاسبة بالطرق المؤسساتية الصحيحة وليس بالأساليب الشعبوية، وان يكون ذلك على أساس الأداء والإنجاز الموضوعي وغير المتحيّز.

كذلك ما الذي يمنع الحكومة من البدء في معالجة الخلل في التوازنات الداخلية التي تضمن الاستقرار الداخلي ولا تبادر إلى تصحيح الخلل الفاضح في التوازنات الخارجية في علاقات لبنان الخارجية بما يعيد لبنان إلى محيطه العربي وإلى تناغم مع العالم.

وما الذي يحول دون قيام الحكومة بالشروع فوراً في تطبيق الإصلاحات الاقتصادية والمالية والنقدية والقطاعية والإدارية التي تمكن لبنان من تصحيح بوصلته التي اختلت عبر هذه السنوات.

ما تقوله وتسأله: هل ممكن؟ نعم ممكن إذا توفرت الإرادة والعزيمة والقرار على مباشرة التنفيذ. فرحلة الألف ميل تبدأ بخطوات فهل سيقوم بها رئيس الجمهورية وهل ستقوم بها الحكومة؟ هذا هو السؤال الكبير الذي يحدد إمكانية الإنقاذ.

س: نسمع كلاما عن الإصلاحات ونسمع كلاماً عن تحالفات سياسية قد لا ترقى إلى أن تكون تحالفات انما مقاربات سياسية. الحديث بدأ عنها منذ عشرة أيام الى الآن، ولكن يبدو وكأنها ذابت واختفت. أين تيار المستقبل وجنبلاط وباقي الأطراف التي من المفترض انها كانت قد بثت الامل بأن يكون هناك حلف جديد وتقارب سياسي جديد، اين هو، ماذا جرى، من راهن بشكل خاطئ على من خلال الأسبوع الماضي؟

ج: الحقيقة أنّ هناك اختلالاً كبيراً في التوازن الداخلي في لبنان. فمن جهة أولى هناك فريق برئاسة حزب الله والتيار الوطني الحر وحلفائهما والذي يتميز بأن هناك بداخله من يستطيع أن يأخذ القرار ضمن فريقه ويلتزم به الآخرون، وأن يؤكد ويحصل على ما يريد مستعيناً على ذلك بوهج سلاحه. وبالتالي، فإنّ هناك موقفاً متضامناً بين أعضاء هذا الفريق. بينما وفي المقابل، فإنّ الفريق الآخر الذي كان يضمه تجمع 14 آذار أصبح يشكو من تشرذم وضياع في التوجه وعدم القدرة على اتخاذ القرارات اللازمة والصحيحة خلال السنوات الماضية، وقد أدى ذلك إلى حدوث هذا الخلل الفادح.

الذي حصل مؤخراً ان هناك بدايات لحديث تعاوني بين الفرقاء الأساسيين الذين كانوا يشكّلون مع غيرهم في السابق مجموعة 14 آذار. وذلك ينبغي أن يكون على قواعد جديدة وصحيحة تسهم في تصويب البوصلة. انا اعتقد أنّ هذه المجموعة مضطرة إلى ان تجد فيما بينها قواسم مشتركة من أجل تصويب المسيرة السياسية في لبنان بما يسمح بالاتفاق ايضاً على بنود خطة الإصلاح الواجب ان يصار إلى اعتمادها. فلبنان لم يعد يستطيع ان يكون لديه ترف الانتظار والتأخر ولا ترف الاختيار بين بدائل كثيرة فالمخاطر أصبحت شديدة وكبير.

س: ما هي وجهة نظر تيار المستقبل بما قام به جنبلاط، لماذا لم يلب تيار المستقبل الدعوة إلى اللقاء في بعبدا. ولماذا ذهبت بقية الأطراف التي كان من المفترض ان تكون على حلف سياسي معه. وهل تبرأ جنبلاط من هذا التقارب السياسي، وهل هناك خلاف اليوم ولماذا راهن او هل راهن تيار المستقبل خطأ بعدم ذهابه الى بعيدا في الاجتماع الأخير؟

ج: انا اعتقد ان الفرقاء الثلاثة وكذلك معهم ممثلو حزب الكتائب، وهم كذلك قد صرحوا، أكان جنبلاط او سمير جعجع او تيار المستقبل أنهم عملياً لديهم ذات وجهة النظر والاعتراضات فيما يتعلق بأداء رئيس الجمهورية والحكومة، وعبروا عن رأيهم أيضاً في الخطة والبرنامج الذي تقول الحكومة أنها تريد تطبيقه. ولكنها وياللأسف لا تقوم بعد بأي تقدم نحو البدء بالإصلاح الحقيقي.

صحيح أنّ كل فريق من هؤلاء الفرقاء الثلاثة عنده طريقته في العمل. هناك زيارة قام بها جنبلاط الى رئيس الجمهورية بناء على دعوة الرئيس من اجل عرض الوضع المتردي في جبل لبنان والذي يحتاج إلى معالجات سريعة، وبالتالي كانت هناك مناسبة للقاء بينهما ولكن عملياً فإنّ جنبلاط لم يحضر الاجتماع في بعبدا الذي دعا إليه رئيس الجمهورية وهو قد أرسل ملاحظاته إلى رئيس الجمهورية.

أما بالنسبة لسمير جعجع فقد ذهب وحضر الاجتماع في القصر الجمهوري، ولكنه أعطى رأيه بصراحة بموضوع الخطة التي انتقدها.

أما بالنسبة للرئيس سعد الحريري فكان موقفه واضحاً بأن الدعوة لهذا الاجتماع لا تمثل الأسلوب الذي يجب أن يعتمده رئيس الجمهورية، الذي يجب ان يحرص في المبدأ على تحقيق الاجماع الوطني لدى اللبنانيين بدلا من ان يكون تصرفه محفزاً على الانقسام فيما بينهم. وهذا ما نجم عن ذلك الاجتماع. فهذه الدعوة لم تكتمل شروطها حتى تتحقق ويحصل لبنان على ما يدعم الجهود نحو الإصلاح، ولاسيما انه لم تجر مناقشة هذه الخطة الاقتصادية والمالية الجديدة ولا التشاور بشأنها قبل إقرارها. وكأن الذين دُعوا إلى ذلك الاجتماع في بعبدا كان مطلوباً منهم أن يبصموا على هذه الخطة. بينما كان واضحاً أنّ لديهم انتقادات كثيرة بشأنها. ولذلك لم ير الرئيس الحريري أن يذهب ليحضر هذا الاجتماع وانا اؤيده بهذا الموقف.

تاريخ الخبر: 
10/05/2020