حديث الرئيس فؤاد السنيورة خلال اللقاء الحواري حول: "قضايا لبنان والمنطقة العربية" والذي أقامه المركز الاسلامي في عائشة بكار

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 

المقدمــــة:

دولة الرئيس الأستاذ فؤاد السنيورة، صاحب السماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان ممثلاً برئيس المحاكم الشرعية سماحة الشيخ الدكتور محمد عساف. دولة الرئيس نجيب الميقاتي ممثلاً بالأستاذ عبد الفتاح الخطاب، معالي الوزراء وسعادة النواب السابقين، القضاة المدنيون والقضاة الشرعيون، اصحاب الفضيلة العلماء ممثلي الهيئات الدبلوماسية، رؤساء الجمعيات والجامعات الخيرية والاجتماعية والثقافية والإعلامية والكشفية، أيها الحضور الكريم، أهلاً وسهلاً بكم جميعاً.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين.

أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم في هذا اللقاء المتجدد دائماً مع المركز الإسلامي هذا اللقاء الطيّب مع النخبة الخيرة للحضور الكريم والذي نستضيف به معاً شخصيات رسمية وفعاليات وروّاد في العمل الفكري والثقافي والأدبي والاجتماعي والإعلامي والصحي. ولنبحث معاً بشؤون وشجون حياتنا وتاريخنا وتراثنا ولمعالجة ما يمكن معالجته من أمور حياتية واجتماعية أما اليوم فإنه يسرنا ويشرفنا أن نستضيف معاً شخصية متميّزة يصعب علينا التعريف عنها بكلمات نظراً لما لهذه الشخصية من مواصفات متعددة والتي عرف عنها الصبر والصلابة والمواقف الجريئة والتي استوعبت جميع الناس في كل الأطياف وفي كل الأزمات إنه دولة الرئيس فؤاد السنيورة.

الرئيس فؤاد السنيورة رجل الدولة من الطراز الرفيع والوطني بامتياز فبإسمي وباسم أعضاء المركز الإسلامي نرحب بكم دولة الرئيس في المركز الإسلامي فأهلاً وسهلاً بكم ضيفاً عزيزاً بيننا. دولة الرئيس فؤاد السنيورة اسماً يختصر تاريخاً مشرفاً من النضال وهو كان رفيقاً ومن المقربين من الرئيس الشهيد رفيق الحريري رحمه الله. تربى في عائلةٍ ترعى العلم والأدب والدين فكان عالماً وأديباً وسياسياً بامتياز وفي عهده كان له الفضل في بقاء لبنان بعيداً عن المشكلات الاقتصادية والأزمات العالمية وبفضل سياسته المالية الحكيمة بقي لبنان جاذباً للاستثمارات بالرغم من كونه بؤرة نزاع وتوتر. إنه المقاوم الأول في السياسة والدبلوماسية التي انتهجها ابان العدوان الغاشم في 2006. انه المدافع الأول والذي حمى المؤسسات الرسمية وتحديداً السراي الحكومي بفضل صموده وصبره. دولة الرئيس المركز الإسلامي يفتخر أنه يسير على نهج وثوابت ما رسموه لنا اسلافنا وعلى رأسهم الشهيد الشيخ أحمد عساف فنهجنا نهج الاعتدال والتسامح ومن ثوابتنا دعم مقام الرئاسة في مجلس الوزراء المرجعية السياسية الوطنية الجامعة ودعم دار الفتوى المرجعية الدينية الوطنية الكبرى ودعم المؤسسات والجمعيات الخيرية والاجتماعية الفاعلة والعاملة. فمن منطلق دعمنا لمقام رئاسة مجلس الوزراء فإننا نسجل دعمنا المطلق الكامل لدولة الرئيس سعد الحريري ونبارك خطواته ونقف الى جانبه صفاً واحداً لما يقوم به من جهود كبيرة جبارة في إنجاز تشكيلة الحكومة العتيدة ونطالب الجميع مد يد العون له وتسهيل مهمة التشكيل وعدم وضع العراقيل والتزام نصوص الدستور واتفاق الطائف الذي يمنح الرئيس المكلف حق التشكيل بالتعاون مع فخامة رئيس الجمهورية.

دولة الرئيس في ظل الأزمة المعيشية الخانقة الملقاة على كاهل المواطن لا بد لنا من إيجاد الحلول المناسبة والناجحة من حق المواطن ان يؤمِّن له حياة لائقة ليستطيع العيش بكرامة في هذا الوطن. وأيضاً نمر بأزمات متلاحقة على صعيد الأمة الإسلامية والدول العربية وما يحصل بها من حروب وتقاتل وتشتت وتمزق.

دولة الرئيس انها ليست المرة الأولى التي شرفتنا بها بلقاءات في المركز الإسلامي، عرفناك صريحاً وواضحاً واليوم نطلب من دولتكم حقائق الأمور فأنتم تختزنون الكثير فأهلاً وسهلاً بكم، منبر المركز الإسلامي يتشرف بكم، أهلاً وسهلاً.

دولة الرئيس فؤاد السنيورة:

أنا سعيد بدعوتكم لي لأن أكون معكم في هذا اللقاء الحواري وهذه فرصة طيبة جداً وأنا هنا ليس فقط لأعطي رأيي ولكن لأسمع منكم أيضاً. بداية أود أن أقول انها ليست المرة الأولى التي أحضر فيها إلى هذا المكان لأتحدث مع إخواني فيه. أذكر أنه وفي المرة الأولى التي حضرت وتحدثت فيها الى جمهور هذا المركز وفي هذه القاعة، كانت في العام 1993 اي قبل 25 عاماً. بالتالي فإنّ هذا بشكل سبباً إضافياً لأؤكد لكم كم أنا سعيد في هذه الفرصة التي أتيحت لي بمناسبة هذه الدعوة. سأحاول أن أتحدث في أمرين في الموضوع اللبناني وأيضاً في الموضوع العربي.

الموضوع الأساس الذي يشغل اهتمام الكثيرين في لبنان الآن هو موضوع الساعة وهو التعطيل الذي يعترض تشكيل الحكومة، والمشكلة المستجدة، والتي سميت عقدة نواب سُنّة الثامن من آذار، او نواب حزب الله. وهذه للحقيقة مشكلة مفتعلة بكل معنى الكلمة، وهي مصطنعة من أساسها. والواقع أنّه جرى افتعالها بغرض فرض السيطرة والتحكم بمسار الأمور في لبنان. والهدف الذي يتوخى منه حزب الله من ذلك أن يُلقِّن اللبنانيين درساً، وذلك أنه ما من شيء ممكن أن يتحقق لدى اللبنانيين، وما من شيء يمكن أن يتم في البلاد من دون موافقته. وذلك فيه افتئات حقيقي على الدستور اللبناني.

لقد بدا لنا جميعاً خلال هذه الفترة أنّ هناك مشكلات متعلقة بالحزب التقدمي الاشتراكي وشيء آخر يتعلق بالقوات اللبنانية وان هناك معارضات وبالتالي كل الأنظار كانت موجهة الى تلك المشكلات. ولكن، وبعد أن جرى التوصل الى تسوية بشأنها كيف ما كانت تلك التسوية، فقد أصبح حزب الله في وضع المضطر لأن يختلق أسباباً جديدة تستدعي منه ان يضع خطاً أحمر حول مشكلة تأليف الحكومة التي بدا آنذاك أنها على وشك الانتهاء، مخترعاً بذلك مسألة تتعلق بما يسمى سُنّة 8 آذار ومستنداً الى حجة غير دستورية على الإطلاق تتعلق ببدعة جديدة وبموضوع طرأ فجأة ولأول مرة، حيث بدأنا نسمع أن كلّ خمسة نواب يحق لهم بمقعد وزير في حكومة ثلاثينية. وهذا أمر لا ينص عليه الدستور اللبناني لا من قريب ولا من بعيد.

الدستور اللبناني واضح شديد الوضوح وهو ان على رئيس الجمهورية ان يجري استشارات نيابية وهذه الاستشارات النيابية ملزمة للرئيس. ولكن عندما أتى الدستور ليتحدث عن الاستشارات التي يجريها رئيس الحكومة المكلف، في تواصله مع النواب والفئات السياسية المختلفة في لبنان وهو أمر من حقه وواجبه، لم يأتِ الدستور إطلاقاً على أي فكرة تعود لأن هناك إلزاماً على الرئيس المكلف لا في مهلة محدّدة ولا أن عليه ان يقبل بما يشترطه عليه أولئك الفرقاء الذين هم في مجلس النواب او لدى أي جهة أو مجموعة يستشيرها. في الحقيقة أنّ رئيس الحكومة المكلف لديه مهمة واحدة وأساسية وهي أنه وبعد أن يجري اتصالاته ينبغي أن يكون محرراً من كل القيود والأعباء والالتزامات ذلك أنّ عليه ان يؤلف حكومة متضامنة منسجمة، متفقة في ما بين اعضائها ومع رئيسها. وهو حتى ينجح في تأليف هذه الحكومة عليه أن يمر بامتحان وهذا الامتحان هو ان يذهب بها الى مجلس النواب وبالتالي أن يضمن أن يمنحه النواب الثقة به وبحكومته. لم يذكر الدستور أي شيء لا على حصة رئيس الجمهورية ولا على إلزام الرئيس المكلف بأن يقبل بالشروط التي يضعها مختلف الأطراف من النواب أو غيرهم.

جاءت هذه البدعة الجديدة في أعقاب ما سمعناه من ان هناك من يقول: "صحيح نحن لا نستطيع أن نعدل اتفاق الطائف والدستور فبالتالي نريد ان نعدله بالممارسة".

أنا لم اسمع في حياتي ولا أظن ان أحداً سمع ان هناك دستوراً يعدل بالممارسة. فالدستور هو أسمى القوانين التي يفترض في الحقيقة أن الناس تحترم هذا الدستور بالقول وبالفعل. ولتعديل الدستور الذي هو بمثابة العهد والعقد الذي يلتزم به اللبنانيون فإن هناك مبادئ وآليات ينبغي احترامها. وللخروج من القواعد التي ينصّ عليها الدستور، فقد ظهرت هذه البدعة الجديدة انه يتوجب على رئيس الحكومة ان يعمل من أجل أن يتمثل هؤلاء النواب الخمسة الذين جمعوا شملهم في الحكومة. والحقيقية ان حزب الله كان على عجل من أمره في افتعال هذه البدعة وبالتالي فهو لم يتبصر ويعدّ لهذا الأمر كما ينبغي في وقت الانتخابات. فأولئك النواب الخمسة لم يخوضوا الانتخابات ككتلة سياسية متجانسة ومستقلة ومعلنة تعبر عن خط سياسي. بل هم خاضوا الانتخابات بشكل متفرق وعلى أساس انتمائهم لكتل أخرى. وهم تمثلوا وشاركوا في تلك الكتل. وبعد ذلك تمثلوا في الاستشارات النيابية التي سمَّت الرئيس المكلف من خلال انتمائهم لتلك الكتل الثلاث أي بشكل متفرق. وبعد ذلك اشتركوا في المشاورات التي أجراها الرئيس المكلف على أساس انتمائهم لتلك الكتل. الثلاث كتل، وهي كتلة الرئيس بري وكتلة حزب الله، وكتلة سليمان فرنجية. وهم بذلك أعلنوا حينها للناس أنهم ينتمون الى تلك الكتل. وهم يطالبون الآن وفجأة بأن يصار إلى اعتبارهم على أنهم كتلة مميزة منفصلة عن باقي الكتل. والحقيقة، أنهم وحتى ولو كانوا كتلة منفصلة عن باقي الكتل فإنّ رئيس الحكومة ليس ملزماً بأن ينصاع الى هذه الطلبات، فكيف وأنهم ليسوا بكتلة. وكيف إذا كان هذا الأمر بحد ذاته سيؤدي الى الإخلال في هذا التوازن الذي ينبغي ان نحافظ عليه.

لماذا ادَّعوا بهذه الأسباب. انا بتقديري ان هناك اسباب داخلية واسباب أكثر من ذلك إقليمية التي استدعت فعلياً ان تطلب إيران من حزب الله ان يشدد فعلياً على هذا المسألة وهي أن حزب الله يريد أن يثبِّتَ أنه حزب عابر لكل الطوائف، وان له وجود اساسي لدى جماعة السنة في لبنان. فهو قد اخترع قبلاً شيء اسمه سرايا المقاومة، وهي كانت من ضمن المحاولات ليبين ان له وجود أساسي في أهل الجماعة والسنة في لبنان. لكن هناك شيء آخر يريد ان يحققه حزب الله من خلال وجوده عبر السنة وهو أنه يريد ان يبين أن أولئك النواب السنة من أصل النواب السنة يرغبون في حماية شرعية سلاحه ومساعدته في مواجهة العقوبات الأميركية الجديدة. كذلك أيضاً من أجل الإسهام في تثبيت شرعية استمرار نظام الأسد في الحكم في سوريا. كذلك أيضاً أنه ولهذا الغرض يريد أن يثبت بأنه لا يترك حلفاءه وهو يتمسك بهم للحفاظ على استمرار انتمائهم إليه. كما يريد حزب الله باختصار أن يثبِّتَ انه يتحكم بكل الامور في لبنان أكان ذلك في انتخابات الرئاسية وكذلك في الانتخابات النيابية وفي تشكيل الحكومة، أي أنه صاحب القرار في لبنان يعني أنه هو He calls the shots.

اما الأسباب الخارجية، التي دفعت حزب الله بتقديري لمحاولة التمسك بهذه المطالب تتعلق برغبته في التحضير للإمساك بتطور الأمور في لبنان والمنطقة وبما يمكنه من استخدام هذه الأوراق في المعارك التي يخوضها الآن. أكان ذلك على الصعيد اللبناني أو الإقليمي او الدولي. وهذه بنظري الأسباب الأساسية التي دفعت بحزب الله الى العودة للتمسك بهذه الأوراق لاستعمالها في الاستحقاقات الحالية والداهمة.

أول هذه الأمور هو دخول العقوبات الأميركية على إيران وحزب الله حيّز التنفيذ. فهو يريد أن يتحقق لأي حد هذه العقوبات الأميركية هي جدية في تنفيذها ام لا.

الأمر الثاني والمتعلق بالمراهنة على نتائج الانتخابات الأميركية وتأثيراتها على السياسة الخارجية للولايات المتحدة، ولاسيما انعكاسها على امكانية التغيير في السياسة الخارجية الأمريكية. لان الرئيس الأميركي لم ينجح في الانتخابات التي حصلت في الكونغرس ولكن نجح بما هو أكثر فعالية وذلك في دوره في السياسة الخارجية. انا لا ادافع عن ترامب ولكن أحاول أن أوصِّف الواقع. ترامب كرئيس أميركي له دور كبير جداً في رسم السياسة الخارجية.

الأمر الثالث وهو نتائج المعارك الدائرة في الحديدة في اليمن وآثارها على الحوثيين وبالتالي على تورط إيران في اليمن وفي مناطق عربية أخرى في سوريا وفي العراق. حيث مازالت إيران تختطف عملية تأليف الحكومة العراقية الجديدة عبر عدم الموافقة بعد على استكمالها بتعيين وزيري الدفاع والداخلية. ولكن يبدو أن هناك توجه لدى إيران بشأن موضوع سيطرة الحوثيين في اليمن وبالتالي سيطرة حزب الله عليهم وبالتالي سيطرة إيران على الممرات المائية الدولية عبر مضيق باب المندب، هذا أمر مرفوض دولياً. إننا نلمح بعض التوجه في هذا الاتجاه، ربما قد يساعد ويؤدي ذلك الى عقد المؤتمر خلال الأيام القادمة في السويد.

الأمر الرابع وهو ما قد ينتج عن الموضوع السوري وكما هي المراهنة التي تجري هناك، فإنّ تساؤلات حول إمكانية بقاء الحزب في سوريا وكذلك بالنسبة لإيران او هل ان هناك بداية انحسار لوجودهما وبالتالي فإنّ هناك محاولة إيرانية لتحقيق مكاسب من خلال أوراق تسعى إيراني إلى امتلاكها في سوريا ولبنان بهدف استخدامها في هذا الصراع الدائر في المنطقة. الأمر الأخير هو حادثة الخاشقجي وكيف يمكن استغلال ذلك كله من قبل إيران لابتزاز السعودية في هذا الشأن في كل من اليمن وسوريا، هذه كلها مادة وأوراق فلربما تحاول إيران استعمالها في هذا الشأن.

والآن الموضوع هو كيف يمكن لكل من إيران وحزب الله أن يضعا عصا في دولاب تأليف الحكومة مثل موضوع تأليف الحكومة في العراق. وعلى ما يبدو فإنّ ذات الأمور تستعمل من اجل الضغط على لبنان في تأليف الحكومة وعلى الوضع العربي ككل.

من الطبيعي أنّ عدم تأليف الحكومة في لبنان أمر جداً مضرّ بلبنان واللبنانيين. وعملياً الرئيس الحريري خلال هذا الفترة لم يترك فرصة الا ومد يده من اجل ان يتوصل الى حل لهذه المسألة المعقدة. ولكن كل ما الرئيس الحريري اتخذ خطوة في هذا الشأن باتجاه التقدم والتسهيل فإنه وكل ما يمكن ان يعمل من اجل حصول هذه الإنجاز، نرى أنه يواجه بالمزيد من الاستعصاء او عدم القبول في هذا الأمر. لا بل والمطالبة دائماً بتنازلات إضافية مؤخراً لقد وصل الحريري إلى نقطة لم يعد بالإمكان تقديم المزيد من التنازلات في هذا الخصوص. هذا الأمر أصبح مضراً بلبنان وبرئيس الجمهورية، وهو يفترض أن يكون الحريص ايضاً على عهده إذ أنه ما زال في بداية سنته الثالثة، وبالتالي يجب ان يكون حريصاً على تأليف الحكومة التي تبدأ بعد الانتخابات بأسرع وقت ممكن. وبالتالي يبرز التساؤل ما هي إمكانية ان يصار الى التوصل الى نتيجة في هذا الخصوص. الأمر المهم في هذه المرحلة وهو تعزيز الصمود وعدم تقديم المزيد من التنازلات. ليس المهم فقط تأليف الحكومة، ولكن المهم أيضاً أن تكون حكومة منسجمة لأن الموضوع ليس فقط تأليف حكومة، بل حكومة منسجمة وقوية وتستطيع ان تأخذ القرارات التي أصبحت البلاد بحاجة الى ان تأخذها.

من هذه القاعة ومنذ البدايات وفي العام 1993 كنت اتحدث عن الإصلاح الذي كان يحتاجه لبنان منذ 25 عام. يجب ان ندرك كيف نتعامل بكل حكمة وروية بشأن ما آلت إليه أحوالنا، وبشأن موضوع الإصلاح. الإصلاح ليس قصيدة حماسية تلقى عن المنابر وليست اغنية تغنى وليس بموسيقى هادئة لضبط الأعصاب. الإصلاح نهج وتفكير ومقاربة والتزام. والإصلاح شيء تقوم به الأمم وتمارسه وتستمر به لأن الإصلاح رحلة مستمرة. وهو ليس أمراً واحداً تقوم به الأمم. تقوم الأمم بالإصلاح عندما تكون قادرة عليه وليست عندما تصبح الأمم مجبرة على القيام به. لأنها عندما تصبح الأمم مجبرة عليه تكون العملية الإصلاحية قد أصبحت شديدة الكلفة وشديدة الألم والأوجاع وايضاً لا يعرف أحداً إذا ما كانت تصبح كافية وربما تصبح الأمم حينها قابلة للوقوع بالأخطاء الكثيرة. هذا الأمر يسري ليس فقط على الدول بل على المؤسسات وحتى على مستوى المواطن في بيته.

هذا الأمر هو توجه، ونحن نتكلم عن حكومة ولقد آن لنا ان نواجه مشكلاتنا بكثير من الروية ونصل الى تفاهم ما بيننا على أهمية تنفيذ هذه الأمور وأهمية الإصلاحات التي يجب لبنان ان يقوم بها.

انا لا اقول شيئاً جديداً على الإطلاق، حيث نحن لسنا بحاجة الى المزيد من المراهم الموضعية. لقد أصبحنا بالفعل بحاجة الى معالجات حقيقية ملتزمة ليس فقط بالموضوع الاقتصادي والمالي والاجتماعي بل وأيضاً بالموضوع الإداري التي نحن لا نعطيه الأهمية الذي يستحقها. نحن بحاجة إلى التبصر والتنبه لنرى اين اصبحت الدولة التي أمست تتقاسمها الميليشيات والأحزاب الطائفية والمذهبية وكأنها جثة تُقطَّع، وحيث ينال كل حزب حصته منها والأدهى من ذلك أن ينال كل حزب المواقع الذي يصرّ عليها والحقيبة المعينة التي يريدها. كأن الوزارة او الحقيبة قد اتت مع أولئك الأحزاب منذ الولادة والتي ورثوها عن أجدادهم. هذا كله مخالف للدستور. لذلك عندما يقول أحد انهم يريد تعديل الدستور نراه بالممارسة يقوم بذلك ونكتشف بالتالي اهمية هذا الذي يطبق والذي هو مخالف للدستور. نرى بأمّ أعيننا ماذا يجري وكيف يمس بالأمور الأساسية المتعلقة بمستقبلنا ومستقبل اولادنا.

هذا الأمر يأخذنا الى مكان دقيق وخطير لندرك ما يجب علينا ان نفعله. لقد أصبح واجباً علينا أن تتكون لدينا ارادة حقيقية وذلك واجب جميع المسؤولين ولا سيما الرؤساء الثلاثة لولوج طريق الإصلاح الحقيقي ولأنه الطريق الوحيد الذي يوصلنا الى نقطة بداية جديدة بحيث نبدأ بالخطوة الأولى لاستعادة الثقة ما بين الناس والمواطنين من جهة والدولة من جهة أخرى. وهذه هي الثقة التي انحسرت إلى حدود مقلقة جداً وهذا يعني وجوب العودة الى المبادئ. وهذا أمر شديد الأهمية والضرورة وممكن ان يكون قد أصبح مستحيلاً. فإذا العودة الى احترام الدستور والقوانين وهذا أمر شديد الأهمية.

كيف يمكن لنا أن نقبل أن يقول وزير بالحرف الواحد انا لا يعجبني قانون معين وبالتالي لا اريد تطبيقه. ان لا يعجبه فهذا من حقه. ولكن يجب عليه بداية أن يطبقه وبالتالي من حقوقه أن يسعى لأن يجد وسيلة لتعديل هذا القانون. اما ان يتصرف وكأنه الحاكم الفرد خلافاً لرأي اللبنانيين فإنّ هذا أمر مرفوض. ان يقول القانون لا يعجبني ولا اريد تطبيقه هذا شيء غير مقبول.

إنه من الواجب إعادة الاعتبار للدولة التي هي القاسم المشترك بين جميع اللبنانيين. ذلك يعني أن نعيد الاعتبار لاستقلالية القضاء ولاحترام الكفاءة والجدارة في تولي المناصب القيادية في الإدارة العامة اللبنانية. كل هذه الأمور يفترض بها ان تكون محترمة وإذا لم تكن محترمة فكيف للدولة أن تستعيد ثقة مواطنيها بها.

كان الرئيس فؤاد شهاب عندما تختلط عليه الأمور يقول: "احضروا الكتاب" اي الدستور، وقس على ذلك في احترام القوانين واحترام معايير الكفاءة والجدارة، وهي من الأمور الشديدة الأهمية. لأن اي واحد ولو لديه محل تجاري وابنه يعمل معه ولكن هذا الابن يتشاجر كل يوم مع الزبائن فإنه سوف يضطر بعد ذلك إلى أن يقول له: يا ابني توقف عن العمل حتى لا ينقطع رزق صاحب المحل. لأن إذا استمرينا في توظيف الأشخاص من غير اصحاب الكفاءة فإنّ ذلك سوف يشجع على تردي العمل الحكومي ونصل بذلك أيضاً الى الفساد وهي الحال التي وصلنا اليها الآن في لبنان.

نحن بحاجة للصدمة الإيجابية التي تستدعينا الى ان تكون بوصلتنا صحيحة. هذه نظريات وبديهيات صحيح. ولكن نحن الآن فقدنا ما يسمى ترف الانتظار ولم يعد لدينا ترف الاختيار. ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ بكل صدق وصراحة ووضوح لأنه وبغير ذلك نكون نضحك على أنفسنا. وللنظر الى أحوال دول أخرى التي اعتمدت على نفسها ونجحت في تنفيذ برامجها الإصلاحية. ونحن لا ينقصنا اي شيء ويمكننا ان ننجح ونعالج مشكلاتنا. إذن يجب ان نوجه البوصلة ونمشي على الطريق الصحيح. علينا ان ندرك ان لدينا مشكلة حقيقية لنتمكن من حلّها. لا اريد من أحد أن يستنتج مما أقوله ان ليس هناك حل. ما أقوله ان المفتاح في ايدينا فلنستعمله حتى نصل الى الطريق الصحيح ونتقدم بعدها على مساراته.

هذا على الصعيد اللبناني، اما على الصعيد العربي فإننا نمر في هذه المرحلة في فترة صعبة. مثل ما نحن في لبنان فإننا لا نريد ان تنكسر ارادتنا. وبالتالي يجب ان لا تنكسر ارادة العرب أيضاً. الوضع شديد السوء، والظروف التي نمر بها صعبة جداً لكن طالما أن القلم ما زال في أيدينا ولم نوقع على هزيمتنا فإنه لدينا فرصة وعلينا ان نغتنمها. نحن مررنا في فترة وما زلنا نمر بها، فمنذ الحديث عن تفكك السلطنة العثمانية واتفاقية سايكس بيكو، ومنذ النكبة 1948 ومروراً بهزيمة العام 1967 التي أدّت إلى احتلال إسرائيل أراضي عربية جديدة. لم يستعد العرب الأرض ولم يستعيدوا الكرامة. هناك تاريخ طويل من المهم ان نتذكره ونحن نعاني منه. انه وتقريباً في السنتين 1978– 1979 تزامنت ثلاث أمور مع بعضها بعضاً. وهناك أمر رابع حصل في تلك السنة ذاتها وشيء خامس من بعدها بعد 15 عام.

في هاتين السنتين 1978- 1979 جرى العديد من الأمور اضافة الى ما كنا وأصبحنا نعاني منه ما حصل في العامين 1967 و1948 وهو ما حصل في السنتين 1978- 1979.

بداية الغزو السوفياتي لأفغانستان وما فَجّره ذلك الاجتياح من صراعات وحروب ونزاعات وإيقاظ لعصبيات وأفكار وتشنجات وإلى مزيد من التطرف والعنف وبروز مفتعلي الفتن في أكثر من منطقة عربية وإسلامية.

الأمر الثاني هو قيام الثورة في إيران وهم أي الإيرانيون من حقهم ان يكون لديهم ثورة. وهنا دعوني أقول إنه يجب ان يكون بيننا وبينهم علاقات سوية وصحيحة لكن ممارساتهم تشي بأمور أخرى لا تأخذنا وإياهم إلى الطريق الصحيحة والتي تعود علينا وعليهم بالخير. في هذه الثورة اول ما جاءت به هو اعتماد مبدأ تصدير الثورة والمبنية على نظرية فقهية، وهي ولاية الفقيه العابرة للحدود السياسية، وذلك خلافاً للقواعد التي قامت عليها مجموعة الاتفاقيات والعلاقات الدولية ومعاهدة وستفاليا، التي تنص على احترام الشؤون الداخلية لأي بلد ودون أن تتدخل أي دولة بالشؤون الداخلية للبلد الآخر. لقد جاءت الثورة بمنطق يخولها أن تكون عابرة للحدود وقادرة ان تعطي صلاحية لنفسها للتدخل في اي بلد آخر عبر إقناع أو الضغط على بعض الناس في تلك الدول ليقتنعوا به ويحترموا قرارات المرشد وذلك بما يخالف مصالح الكثرة الكاثرة من شعوب تلك البلدان. لنتذكر كيف حلل الخميني دم سلمان رشدي ولم يكن ذلك دفاعاً عن الإسلام، بل كانت هي الذريعة التي اعتمدها للتدخل بشؤون الدول الأخرى. والحقيقة أنه لو لم يتخذ الخميني ذلك الإجراء لما سمع أحد ولا قرأ ذلك الكتاب. أنا لم أسمع أحداً قال إنه قرأ الكتاب أو أنه حاول ان يقرأ الكتاب نتيجة التعقيدات الموجودة فيه. المهم عند الخميني هو إنشاء ذريعة ما يسمى التدخل في شؤون البلد الأخرى. وبالتالي إحداث الشقاق والخلافات داخل المجتمعات العربية وبالتالي التدمير الذاتي للبلدان العربية.

والأمر الثالث الذي جرى فعلياً بعد اتفاقية كامب دافيد في 17/12/1978، والتي استرجعت مصر بموجبها سيناء إلى حضن الوطن والتي أدت عملياً إلى انسحاب مصر من شؤون العالم العربي وانكفائها إلى الداخل المصري. ذلك ما أسهم في حدوث فراغ كبير في التوازن الاستراتيجي في المنطقة وهو الأمر الذي استمر على مدى عدة عقود. علماً أنه لطالما كان لمصر، وهو ما ينبغي أن يكون لها من دور وازن عربياً وإقليمياً لأن مصر تشكل ثلث العالم العربي شأن وازن في العالم العربي. ولقد كان اولى تداعيات هذه الأحداث الثلاثة الكبرى المحاولة الإرهابية والحصار الذي حصل في احتلال الحرم المكي من قبل الجهيمان. ثم تفاقمت الأمور الى ان وصلت الى احتلال الكويت من قبل العراق، وبالتالي الى العام 2003 الذي تمّ فيه احتلال العراق. احتلال العراق شكّل تغييراً أساساً في تاريخ المنطقة العربية الذي أدى احتلاله إلى ازالة الحاجز الذي كان يقف حائلاً ما بين الداخل الآسيوي وبين البحر المتوسط وبالتالي إزالة العراق، ليس فقط ازالته كدولة ولكن أيضاً في حلّ الجيش العراقي.

كل تلك العوامل أدّت الى هذا الحال من الفوضى والاختلال وبالتالي ها نحن نشهد انعكاسات هذه الأمور وتداعياتها. وهي التي أوصلتنا بعد ذلك الى ما يسمى انتفاضة الربيع العربي ووصلنا الى انه قد أصبح فعلياً واجباً علينا أن نختار بين هذه الأنظمة التي تفتقد إلى كلّ عناصر الحوكمة أو الفوضى، وكأن أحداً يريد أن يقول ان ليس لدينا حل سوى أن نختار القبول بتلك الأنظمة. بينما هذه الأنظمة هي المسؤولة عن كل ما يعصف بمنطقتنا العربية من مشكلات ونراه حالياً. إذ أنها هي التي تسببت بما وصلنا اليه. لم يعد لدينا حكم رشيد ولا دولة صحيحة ولا نحن استعدنا كرامة الإنسان ولا كرامة الإنسان العربي وكرامة معيشته وحرياته، ولا أيضاً تعاملت هذه الأنظمة بكفاءة مع ما يسمى التنوع في البلدان العربية بالشكل السليم. هي لم تتعامل مع مشكلة الاختلاف بالشكل الصحيح. لقد ادى بنا ذلك الى المزيد من التمزق والتشظي داخل مجتمعاتنا العربية.

ما العمل الآن، طبيعي هناك جهد كبير يجب ان يبذل وهذه ليست المرة الأولى التي تمر بها المنطقة العربية بهذه التحديات. بل بالعكس لقد مررنا في ظروف سابقة وكانت عنيفة بذات القدر. الموضوع الآن أن نأخذ بعين الاعتبار تغير الأوضاع والظروف.

من المهم جداً الآن ان لا تنكسر ارادتنا، وان تكون بوصلتنا صحيحة ومن المهم جداً ان نرى ان قضيتنا الفلسطينية هي قضية أساسية وان هذه القضية مسؤولية كل العرب وكل المسلمين وكل المسيحيين بما تعنيه أيضاً ان هناك موقف على العرب أن يتخذوه وهو أنهم مازالوا متمسكين بالمبادرة العربية للسلام وهذا الشيء الوحيد المتفق عليه والذي ينبغي ان يستمر العرب في التمسك به. خلافاً لما يقال عن موضوع اتفاقيات القرن التي لا نعرف شيئاً ثابتاً حولها لكن نحن لدينا الموقف العربي التي اتخذ في العام 2002 في بيروت من اجل موضوع المبادرة العربية للسلام.

النقطة الثانية وهي موضوع إيران، هي جزء من المنطقة ولا أحد يستطيع ان يغير الجغرافيا لكن لا أحد يقبل ان تتحكم إيران في مصيرنا ومصير أولادنا. ونحن لا نقبل ذلك لا من جار قريب ولا بعيد، موقفنا يجب ان يكون بمد اليد الى إيران على اساس ان تتخلى إيران بالكامل عن موضوع التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية وان تفرض عليها تطبيق موضوع ولاية الفقيه في بلداننا العربية. هم احرار في بلدهم ولكن ليسوا أحراراً في إلزامنا في تطبيق ما يريدون على بلدان اخرى وان يكون لهم الأحقية في ذلك وخلافاً لكل المواثيق الدولية، من أجلنا ومن أجل العالم، ليس لهم الحق بالتدخل في شؤون بلداننا العربية. وهذا الأمر يجب ان يصار الى التنبه إليه والى أمور أخرى بما يؤكد على سيادة شعوبنا على بلدانها.

تقديري الشخصي في هذه المسائل نحن نعيش في فترة بلغ التعب والانهاك مبلغه في المنطقة وخارجها أيضاً، وبالتالي هذا الإدراك له دور ضروري جداً، يجعلنا ندرك مقدار المصائب الأخرى التي يمكن ان تنهال علينا في المستقبل. وندرك أيضاً ما هي المصالح المشتركة لدول المنطقة من جهة أولى الدول العربية ومن الجهة الثانية تركيا وإيران. لا أقول ذلك من باب الافتراضات بل أقوله من باب مشهد لا بد انكم رأيتموه خلال الأشهر الثلاث الماضية، هناك حرباً كانت دائرة في منطقة القرن الافريقي ما بين الحبشة، ايرتريا وجيبوتي، الحبشة عينت رئيس وزراء مسلم، سافر الى ايرتريا ووقع اتفاقية اعلان انتهاء الحرب، اتوا برئيسة جمهورية سيدة ووصلوا الى اتفاق مع جيبوتي لأنه أدرك ان هذا الإنهاك سوف يدمر ثلاث دول، هل يمكن ان نستخلص من هذا الأمر العبر الصالحة. سؤال مطروح على الجميع.

شكراً

أتمنى على المحاورين اختصار الموضوع على أسئلة وليس مداخلة نظراً لضيق الوقت.

السؤال الأول من الحضور: ما الذي اوصل حزب الله لأخذ هذه القوة في لبنان؟

ج: نعود الى نشأة حزب الله في العام 1982، كانت البلد محتلة من قبل إسرائيل وإلى ان وصلت إسرائيل الى احتلال العاصمة بيروت وبالتالي فإنّ حزب الله قدم نفسه انه يريد فعلياً ان يتصدى للعدوان الإسرائيلي وأن تكون بندقيته موجهة نحو اسرائيل حصل هذا الشيء لغاية العام 2000 بعد ذلك تغيرت وجهة هذه البندقية وتعمقت تلك المشكلة \أيضاً بعد العام 2006 وما شهدناه خلال تلك الحرب وبعدها. الإنسان يميل في اوقات معينة إلى التنازل. لقد تنازلنا بما فيه الكفاية، نحن الآن في نقطة عدم القدرة على التنازل مجدداً.

السؤال الثاني من الحضور: هل نحن في لبنان قادرين على الخروج من الخطة المرسومة للمنطقة، اليوم سلاح حزب الله الذي يستطيع ان يشغل البلد او يوقفها، لو حزب الله ليس معه سلاح كان بإمكان الحكومة ان تتشكل من دونه. هل نحن قادرين على تغيير واقع البلد خارج إطار مرسوم للمنطقة؟

ج: باختصار هناك قول في اللغة الإنكليزية يقول Stand up to be counted. فبالتالي طالما انه لا أحد يقف ويكون له موقف فإنه عملياً لن يحسب للذي لا يقف أي حساب. وهناك مثل عامي يقول: "الديك عليه ان يصيح، ولكن طلوع الضو على الله". نحن لا نحاول ان نتحجج بان ذلك ليس بقدرتنا لكي نبرر عدم القيام بأي تصرف، ولكن علينا ان نعمل ما باستطاعتنا عمله وأن نبادر وأن نصمد.

السؤال الثالث من الحضور: الصعوبة الكبيرة في الوضع المعيشي اليومي للناس، نحن نسمع كثير من التحاليل ولكن لم نسمع يوم ان هذه المشكلة انحلت او غيرها، المزيد من العقد يومياً، شو المانع من عدم تطبيق الطائف او الدستور، مراكمات باتجاه تعقيد الأمور.

ج: موضوع البوصلة قصدت في ذلك بداية العودة الى احترام الدستور، والدستور مبني على اتفاق الطائف. والدستور هو الذي أصبح يختصر كل شيء. لم يعد هناك شيء اسمه ميثاق خارج الدستور الذي لدينا. الدستور هو الحافظ لسمو هذه العلاقة بين اللبنانيين. وصيغة الطائف اتت بعد نقاشات ومحاورات على مدى الفترة الممتدة من 1975 وحتى سنة 1989 حين تم الاتفاق على اتفاق الطائف وهذا الاتفاق حظي بموافقة البطرك صفير وكذلك الفاتيكان.

عندما اتى البابا يوحنا بولس الثاني إلى لبنان، فقد كان قداسته هو الذي أطلق على لبنان كلمة "رسالة" وانه بذلك هو أكثر من وطن فهور رسالة. قيل هذا الكلام عن دراية. هو رسالة للمجتمعات المتنوعة فعلياً وللحقيقة انه ما زال هناك الكثير من الأشخاص اللبنانيين الذين لا يدركون اهمية هذا الاتفاق. هذا البلد الذي كان قائماً عند تأسيسه على سلبيتين: المسلمين لا يطالبوا بالوحدة مع سوريا والمسيحيين لا يطالبوا باستمرار الانتداب الفرنسي. اتى اتفاق الطائف وعالج الموضوع وبنى لبنان من جديد ولكن على ايجابيتين ان هذا الوطن هو الوطن النهائي لجميع اللبنانيين وانه بلد عربي. وقال للبنانيين أنك كل فرد هو مواطن وهو أيضاً جزء من طائفة او مذهب. انا اريد ان احترمك لأنك مواطن وأنك جزء من طائفة. كل ما يريده المواطن يجب ان يسعى مجلس النواب لتنفيذه، والحكومة تعمل بالتوافق مع مجلس النواب. هذا ماذا أراده الدستور من تطبيق فكرة مجلس الشيوخ لجهة احترام للطوائف. مجلس الشيوخ مهمته ان ينظر في قوانين محددة إذا كانت تمس هذا العيش المشترك او عملية تهميش لأي من الطوائف هذا هو الحل. حتى هذه اللحظة لم يأتي اي أحد ببديل عن اتفاق الطائف.

السؤال الرابع من الحضور: اريد ان اعود الى صفات امين عام حزب الله، قرأته عدة مرات، من أخطر المواقف التي اعلنت بتاريخ خطابات الأمين العام بما يتضمنه من خارطة طريق لتثبيت الهيمنة الكاملة على الوطن اللبناني، بدأت من الناحية العملية بما يسمى نواب حزب الله، او نواب السنة المستقلين وهم عملياً منتمين الى كتلة حزب الله وحركة امل والنظام السوري. النقطة الثانية انه اشار انه طلب من الرئيس المكلف ورئيس الجمهورية ان تكون الحكومة من 32 وزيراً لكي يتم توزير الطائفة العلوية والأقلية المسيحية. وهذه مسألة خطيرة، وكأنه قال في الخطاب انه إذا لم نتمكن هذه المرة من تشكيل حكومة 32 فنحن حكماً سنكون ممثلين في الحكومة المقبلة لأنه وضع خارطة طريق مستقبلية للحكومة وهذه الخطورة الاستراتيجية. والموقف الثالث نحن 30 نائب مع حلفائنا في كتلة واحدة وقبلنا في 6 وزارات ولكن حجمنا على المستوى الشعبي والسياسي أكبر بكثير وهذا اشارة ومبطنة للتعديل الدستوري بالنسبة للطائف. اكتفي بهذه النقاط الثلاث لأقول انه وضع اليد على جزء من الطائفة السنية في لبنان ونحن لا نريد ان نخجل ونقول هذا المكون السني في لبنان هو أحد المكونات الأساسية للمجتمع اللبناني وإذا لا نريد ان نضع اصابعنا على الجرح ونخرج من النفاق السياسي والتعبئة السياسية ونقول كيف هي ادوات الصمود لهذه الطائفة بأركانها وقياداتها ومرجعياتها المستقلة والحريصة على القرار الوطن المستقل. إذا نفذ هذا الحل يمكننا ان نعتبر ان القيادات السياسية قد بدأت تقوم بنوع من التماسك والاستنهاض للمجتمع الإسلامي ويمكن ان يواجه الضغوط السياسية. مطلوب ان يكون هناك صمود ومواجهة سياسية اجتماعية وأمني لمجتمعنا الإسلامي. فما هي الآليات التي يمكن لدولتك ان تتصورها.

ج: الحقيقة ان هذه هي جزء من المشكلة. حزب الله لم يضع يده فقط على جزء من أهل الجماعة والسنّة. هو وضع يده على كل لبنان وانا اعتقد ان نحن مسلمين متمسكون بديننا ولكن على ثقة ان جميع طروحاتنا يجب ان تكون طروحات وطنية وان نتمسك بالوطن الذي يحترم كل مكوناته. اما ان نحصر مطالبنا بمطالب طائفية فهذا خطأ. لأنه بعمله هذا يستولد مطالب أخرى من أطراف طائفية أخرى، فالتطرف لا يعيش ولا يبرر وجوده الا التطرف المقابل. اعتقد اننا لا أحد سوف يأخذ ديننا لأننا متمسكين به، ولكن يجب ان ننظر الى الأمور بطريقة وطنية صحيحة، عندما تكون مواقفنا مواقف وطنية فإنه عندها علينا ان نعترف ان من حق الآخرين مثل حقنا نحن.

الذي تصرف به حسن نصر الله في هذا الكلام كان يدينه إذا نحن تصرفنا مثله الآن في هذه الطريقة نكون عملياً نبرر له ما يفعله. هو يريدنا ان نقع في هذه الحفرة لكي يبرر امام جماعته، كل هذا ليبرر امام جماعته انه يدافع عنهم وهو عملياً يريد ان يحبس كل الناس في مربعات الخوف في الآخر يقول الرسول: "ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب". كيف نتصرف إزاء ذلك كلّه بدرجة عالية من الحكمة والصلابة. نحن نرى حسن نصر الله وكل شخص آخر ينفخ في جمر الطائفية. ان هذا الطريق لا يوصل الى نتيجة ونحن يا اخوان يجب ان نكون أكثر الناس الذين تعلموا من هذا الدرس. نحن لا نريد ان نعالج مشاكلنا عن طريق القوة أو العنف بل من خلال الرؤية الثاقبة والواضحة والإرادة والحزم والتبصر والموقف المتضامن. أذكر انني وفي خطاب ألقيته في إفطار دار الأيتام الإسلامية في بيروت في العام 2009 ان قلت: "نحن لسنا طائفة ولا نريد ان نكون". لنتبصر في أحوالنا وأحوال منطقتنا جيداً.

السؤال الخامس من الحضور: لم تتطرق الى الوضع الاقتصادي واللبناني، حاكم مصرف لبنان في أكثر من مرة يقول الوضع المالي العام جيد ولا خوف على الليرة. خبراء صندوق النقض الدولي أصدر بيان في شباط 2018 يتحدثوا عن الوضع المتردي والدليل الأخطر هو رفع الفائدة الى 17%.

ج: خلال دراسة مشروع الموازنة للعام 2017، وكنت ما زلت في حينها عضواً في مجلس النواب ورئيساً لكتلة المستقبل. ولقد حصل ذلك في شهر تموز من العام 2017، ولقد كان لي مداخلة يومها إذ كان الحديث حول الوضع الاقتصادي والمالي. ولقد قلت حينها للزملاء النواب: أنا اريد ان اذكركم أنه في 23– 24– 25 تموز 1997، أي قبل 20 عام تنادى كل من له علاقة في الموضوع المالي والاقتصادي العام في لبنان من ممثلي المصارف والعمال والصناعيين والتجار ومختلف النقابات والروابط وانعقد مؤتمر في الكورال بيتش برئاسة الرئيس رفيق الحريري، وكنت في حينها وزيراً للمالية. ولقد رويت في العام 2017 امام السادة النواب قائلاً لهم إذا عرضت عليكم تلك الخلاصة التي تم الخروج بها من ذلك المؤتمر في 1997 وقرأتموها فإنه لا أحد يمكن أن يخطر بباله الا وان هذه الوثيقة قد كتبت البارحة أي في العام 2017 وليس قبل عشرين عاماً نظراً لأنّ الأوضاع مازالت على حالها بل تردّت والوصفات العلاجية هي ذاتها، ومعنى ذلك أنه قد أضعنا كل الفرص التي أتيحت لنا لكي نعالج مشكلاتنا ولم نعالجها.

الآن لا زال لدينا فرصة ولكنها يبدو أنّ تلك النافذة للحلول تضيق إلى الحد الذي يمكن أن تقفل قريباً. ما المشكلة؟ المشكلة أننا نحكي كلام ونمارس عكس ما نقول. ونحن نستمر في الممارسات ذاتها. لذلك فقد آن الأوان لنرى مصلحتنا وان نطلق جرس الإنذار. المصلحة ان يتحول الفكر لدينا وهذه المعلومات عما آلت إليه أحوالنا من تردٍ الى ارادة تغيير حقيقية وممارسة حاسمة. نحن الآن أصبح لدينا وياللأسف مناعة ضد المعالجات والأدوية وليس "فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ". وإذا علينا ان نجيش كل جهودنا وطاقاتنا من أجل القيام بالإصلاحات الاقتصادية والمالية والإدارية والاجتماعية التي استعصينا حتى الان عن القيام بها.

السؤال السادس من الحضور: كنت أحب لأسمع موضوع العقاب والمحاسبة وكيف ممكن ان تصلح الامور من دون محاسبة.

السؤال السابع من الحضور: هل إذا لم يخلقوا مشكلة 8 آذار ستكون حكومة متجانسة.

ج: رأيي الشخصي، ان طبيعة المعالجة الآن تتطلب حكومة غير كلاسيكية، نحن بحاجة وبنظري الى حكومة مصغرة من الأقطاب، لأننا بحاجة الى الكثير من القرارات المهمة والصعبة والأشخاص الموجودين من الأقطاب يجب ان يتحملوا المسؤولية. اعتقد وياللأسف انّ الاتجاه هو نحو الحكومة كلاسيكية.

موضوع المحاسبة والمسؤولية، منذ عشرين يوم قمت بمداخلة في ندوة عقدت في فندق البريستول، إذ قلت في علم الإدارة هناك مبدأ أساسي، يقولوا: "الرقابة ليست بديلاً عن حسن الإدارة"، في موروثنا الثقافي كل شخص يقول: "اعطي الخبز للخباز لو اكل نصفه"، فنريد ان نعدل هذه المقولة ونقول: "اعطي الخبز للخباز وراقبه حتى لا يأكل نصفه". ليس هناك من أمر سهل في الدنيا، من يريد ان يطمح للكثير يجب ان يتحمل المسؤولية. الفساد موجود وناتج عن ذهنية معينة قد اصبحت متجذرة في البلد. وبالتالي هذا الأمر جزءاً كبيراً منه ليس عملاً شخصياً فقط، أي الشخص الذي يسرق او يأخذ نسبة من تلزيمات هذا الفساد. المشكلة المستحكمة فينا أنه قد أصبح الفساد فعلياً فساداً سياسياً. والفساد هذا ناتج عن استتباع الإدارة اللبنانية التي أصبحت في المحصلة الموظفون والعاملون في الدولة ولكي يكونوا موظفين في الدولة عليهم أن يستزلموا للسياسيين لتعيينهم ويتوقعون من أولئك الموظفين خدمة مصالحهم السياسية. لقد استخدمت عبارة في مجلس النواب قبل أكثر من أربع سنوات وكأن هناك سيارة Volkswagen يتوجب عليها ان تجر مقطورة كبيرة. ولا أحد يعمل على دعم تلك السيارة الصغيرة بل الجميع يريد ان يزيد الأعباء على تلك المقطورة. هناك عدد متنامي يومياً من الموظفين والعاملين في الأجهزة، جميعهم يريدوا التثبيت في وظائفهم. هذا الفساد السياسي الحقيقي، ولا أحد يطرح اي حل والكل يريد أن يحافظ على حصصه في الدولة وفي مواقفه فيها. كان والدي رحمه الله يقول لي الله يرحم من ابكاني، الله لا يرحم من ضحكني، الذي ابكاني، بكى علي، ومن أضحكني ضحك علي.

من جهة ثانية، فقد أقرت حكومتي الأولى في 25/05/2006 مشروع قانون وأرسلته إلى مجلس النواب وذلك بإخضاع جميع حسابات الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات وكل ما له علاقة بالمال العام لرقابة يتولى القيام بها مؤسسات التدقيق الراقية (Audit Firms) هذا المشروع مازال قابعاً في مجلس النواب منذ اثني عشرة عاماً ولم يحركه أحد وهو مازال حتى الآن في الأدراج.

في ختام هذا اللقاء يتشرف المركز الإسلامي في عائشة بكار بتقديم درع المركز لدولة الرئيس فؤاد السنيورة كعربون وفاء واحترام وتقدير.

تاريخ الخبر: 
26/11/2018