الرئيس السنيورة في حوار مع المؤسسة اللبنانية للارسال: المحاولات الإصلاحية في لبنان في التسعينات ولكن جرى إجهاض عددٍ منها بسبب الاستعصاء وفقدان النيّة والإرادة على الالتزام بها مما فاقم الامور السلبية

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 

اجرت الصحافية ومقدمة نشرة الاخبار في قناة ال بي سي ريمي درباس مقابلة مع الرئيس فؤاد السنيورة تركزت حول اسباب عدم تمكن لبنان من تنفيذ برامج اصلاحية او تنفيذ البرامج الاصلاحية التي سبق ان اقرت سابقا وفي ما يلي نصها

س: دولة الرئيس، أنا أعمل على المؤتمرات الدولية التي عقدت من أجل لبنان وأنطلق من مسألة الإصلاحات، وأستشهد خاصة بكلام السفيرة الأميركية البارحة: "روحوا اعملوا الإصلاحات المطلوبة منكم". هذا هو الكلام الذي أصبح لنا فترة ونحن نسمعه. أنا أعددت أكثر من تقرير عنها وبداية كيف أنّ الإصلاحات بدأت من باريس-1. حضرتك كنت مشارك؟

ج: بداية، إنّ محاولات الإصلاح بدأت منذ العام 1993 ولم تبدأ فقط من مؤتمر باريس-1. طبيعي تكثفت الجهود بعد ذلك بمؤتمرات باريس-1 و2 و3.المحاولات لإجراء الإصلاحات بدأت في التسعينات وعملنا على جزء كبير منها ولكن جرى إجهاض عددٍ منها بسبب الاستعصاء وفقدان النية والإرادة للاستمرار في إجراء الإصلاحات، ولاسيما ما جرى في العام 1998 عند إقرار سلسلة الرتب والرواتب في مجلس النواب. إذ جرى العمل على تلك السلسلة على مدى عدة سنوات، وكانت قد أصبحت جاهزة في الشهر العاشر من العام 1998. ولكن إنجاز ذلك الإصلاح كان قد أصبح مستحيلا بعد انتخاب الرئيس اميل لحود، وهو الذي أصر على إلغاء جميع المواد الإصلاحية الخمسة في مشروع تلك السلسلة. وبالتالي في إقرار المجلس النيابي تلك السلسلة مبتورة ومن دون الإصلاحات التي كانت جزءاً أساسياً منها. مشروع ذلك القانون كان يتضمن إصلاحين أساسيين. الأول، يتعلق بكافة الاسلاك التي تعمل في الدولة، وذلك بأن تكون عملية الاختيار مستندة إلى قواعد الجدارة والكفاءة والتنافسية والشفافية. أما الثاني، فقد كان في وجوب اعتماد الوسائل والأدوات التي تمكن الإدارة من القيام بالتحقق من مستوى ونوعية الأداء والإنجاز المحقق من قبل العاملين في إدارات ومؤسسات الدولة اللبنانية، ولاسيما لدى أولئك الذين من الفئات الأولى والثانية والثالثة. تلك الإصلاحات جرى الغاؤها بالكامل في العام 1998 من قبل الرئيس لحود فور انتخابه.

بعد ذلك، جرت محاولات أخرى بإعداد مشاريع قوانين لاعتماد آليات لاختيار موظفي الفئة الأولى والثانية على قواعد الكفاءة والجدارة والتنافسية، وكذلك لاعتماد آليات لقياس الأداء والإنجاز في السنوات 2001 و2002 و2003 ولكن جرى افشالها.

أما فيما تتحدثين عنه ويتعلق بموضوع مؤتمرات باريس-1 و2 و3، فإنّ الحكومة اللبنانية وبعدما عاد الرئيس الحريري إلى الحكومة في نهاية العام 2000، وذلك بعد أن اعتذر عن تأليف الحكومة في نهاية العام 1998، بادرت حكومته إلى طلب انعقاد مؤتمر باريس-1 . فالرئيس الحريري عاد إلى رئاسة الحكومة بعد الانتخابات التي حقق فيها انتصاراً كبيراً، وبالتالي ألّف حكومتيه الرابعة والخامسة. في تلك الفترة التي كان فيها الرئيس الشهيد رئيساً للحكومة، جرى عقد مؤتمري باريس-1 و2، وبعد ذلك انعقد مؤتمر باريس-3 عندما توليت أنا رئاسة الحكومة.

قبل أن يذهب الوفد اللبناني إلى مؤتمر باريس-2 في نوفمبر من العام 2002، وذلك بعد ان نجح عقد مؤتمر باريس-1 في العام 2001، ذهبنا الى مؤتمر باريس-2 محملين بإنجازات إصلاحية.

ولقد كان مؤتمر باريس-2 مؤتمراً ناجحاً ليس فقط لأن أشقاءنا وأصدقاءنا كانوا يودون مساعدتنا، وهم ساعدونا بالفعل، ولكن ذلك كان بنتيجة أنه تبين لهؤلاء الأشقاء والأصدقاء ان الحكومة اللبنانية كانت جدية وأنها بذلت جهوداً كبيرة في عدة مجالات وقامت بخطوات عملية من أجل تحقيق مجموعة من العمليات والبرامج الإصلاحية.

وعلى سبيل المثال، بدأت تلك الإصلاحات بمعالجة ما يسمى الموظفين الاشباح الذين يقبضون رواتب ولا يحضرون، وكذلك معالجة مشكلة الموظفين الفائضين، ولاسيما في وزارة الاعلام وفي تلفزيون لبنان وفي شركة طيران الميدل ايست. وأيضاً قامت الحكومة بإصلاحات فيما يتعلق بالنظام التقاعدي وأيضاً في إصلاحات أخرى متعلقة بالقوانين التي أعدّتها الحكومة وأقرّها مجلس النواب، ولاسيما في ما يختص بثلاثة قوانين أساسية في تاريخ لبنان الاقتصادي، وهي قانون إصلاح قطاع الكهرباء وقانون اصلاح قطاع الاتصالات وقانون إصلاح قطاع الطيران المدني. وللأسف، إن هذه القوانين الثلاثة ما زالت مستعصية على التنفيذ مع انها اقرت في مجلس النواب، ومازال هناك استعصاء مستمرٌ بعدم القيام بتلك الإصلاحات من قبل الوزراء و/أو الحكومات التي تولّت المسؤولية.

س: دولة الرئيس، بباريس-1 الورقة التي قدمتموها ما كان فيها اصلاح كهرباء؟ صحيح؟

ج: لقد أُقِرّ قانون إصلاح قطاع الكهرباء في مجلس النواب في العام 2002، وذلك قبل ان نذهب الى مؤتمر باريس-2 مع قانوني الاتصالات والطيران المدني. وجميع هذه القوانين تنص على انشاء هيئة ناظمة لكل من هذه القطاعات. اريد ان اضيف على ذلك اننا عندما ذهبنا الى مؤتمر باريس-2 كانت الحكومة اللبنانية والمجلس النيابي قد اقر وجرى البدء بتنفيذ قانون الضريبة على القيمة المضافة الذي أسهم في عملية إعادة التوازن للمالية العامة. ولقد ذهبنا الى باريس-2 وكانت الحكومة اللبنانية تحمل معها وثيقة تثبت ما تم تنفيذه ليس فقط بما كنا نريد تنفيذه.

هذا الامر يعطي صورة حقيقية عن الجدية التي تميّزت بها آنذاك إرادة الحكومة اللبنانية وإرادة اللبنانيين في الإصلاح. واذكر هنا ان الرئيس شيراك رحمه الله لعب دورا هاما في عقد مؤتمري باريس-1 و2، وبعد ذلك في مؤتمر باريس-3. فهو قد زار لبنان في العام 2002، وألقى كلمة هامة في مجلس النواب وأمام النواب آنذاك منوهاً بأهمية القيام بالإصلاحات التي كان من المفترض ان يقوم بها لبنان.

س: دولة الرئيس، حضرتك تربط بين مؤتمري باريس-1 وباريس-2، هل كانوا متقاربين ولكن كان هناك نفس الإصلاحات والمطالب مدموجين؟

ج: مؤتمر باريس-1 كان من الأساس مؤتمراً للإعلان عن نوايا لبنان بأنه مصمم على القيام بجملة من الإصلاحات. ولقد انعقد مؤتمر باريس-1 في العام 2001 بعد ثلاثة أشهر على إعادة تسلم الرئيس الحريري لرئاسة الحكومة. وبالتالي كان ذلك للإعلان عن النوايا، وبالتالي للإثبات على أن لبنان سوف يسير على هذا الخط الإصلاحي وأنه سيثابر على الالتزام به. ولذلك، وعندما ذهبنا الى مؤتمر باريس-2 كنا نحمل معنا ما يثبت على أننا قطعنا شوطا على طريق الإصلاح، وأننا مازلنا مستمرين.

لا بدّ لي أن أقول هنا أنّ الإصلاح هو رحلة مستمرة وليست عملاً يتوقف على إنجاز عمل واحد. هو بالفعل ويجب أن يكون أداءً مبنياً على قناعة وايمان والتزام بالاستمرار بالعملية الإصلاحية، والغرض منها التوصل الى الاستعمال الاسلم والأفضل للموارد المتاحة لدى الدولة اللبنانية في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والإدارية والاجتماعية، وبطريقة تستفيد من استمرار التلاؤم والتكيف مع التغيرات والتحولات الحاصلة.

س: دولة الرئيس، في باريس-1 كان واضحاً ما يطلبوه من إصلاحات، صحيح؟ تحقق جزء منها أما الجزء الآخر لم يتحقق لماذا لم يتحقق؟ ولماذا مازلنا لليوم نحكي على الاصلاحات؟ أين المشكلة؟

ج: المسألة الحقيقية أنه، وبعد مؤتمر باريس-2 تجمّعت جهود كل المعرقلين المعادين للإصلاح مع بعضها بعضا ووقفت حائلا دون الاستمرار في عملية تنفيذ الإصلاحات.

س: أي إصلاحات تحديداً وقفوا بوجهها؟

ج: دعيني أعطيك مثالاً على ذلك: أولاً، بالنسبة للقوانين الثلاثة الأساسية: الكهرباء والطيران المدني وأيضا الاتصالات.  فلقد توقّفت مسيرة تلك الإصلاحات عقب عودتنا من مؤتمر 2002. وهو أمر كنت قد بيّنته وبكل وضوح في كل من موازنتي العامين 2003 و2004، إذ تحكي هاتين الموازنتين عن مقدار الاستعصاءات التي واجهتها الحكومة اللبنانية في عدم تجاوب المجلس النيابي وأغلب الفرقاء السياسيين عن القيام أو تبني الإصلاحات التي كان ينبغي ان تطال قطاعات عديدة في الدولة اللبنانية. ومن ذلك عدم القيام بالإصلاح الإداري لجهة إيلاء المناصب الأساسية في الدولة اللبنانية الى من يستحقها والى من يستطيع ان يحقق النتائج المرجوة من عمله، والى من يعمد إلى ترشيق الإدارة اللبنانية من أجل أن لا تظلّ الإدارة اللبنانية إدارة عاجزة ومكلفة في آن معا. ذلك ما كان يعني التوقف عن اعتماد العلاقة الزبائنية بين الإدارة اللبنانية وبين السياسيين، وهو الأمر الذي لم يكن ليرضي الغالبية من السياسيين. ونتيجة لذلك، كان هناك الكثير من السياسيين الذين كانوا يقفون حائلاً ضد تلك البرامج الإصلاحية.

س: من الذي عرقل هذا الإصلاحات دولة الرئيس: الكهرباء، الاتصالات والطيران المدني؟

ج: معظم السياسيين وفي مجلس النواب، كما تعلمين في تلك الفترة كنا نواجه استعصاء كان يمارسه النظام الأمني السوري- اللبناني. وعلى سبيل المثال، فإنّ الإصلاح في قطاع الكهرباء لم يتحقق منه شيء، وظلّ هذا القطاع قاصراً ومقصراً بخدماته وبإداراته ومتسبباً بأكثر من نصف رصيد الدين العام اللبناني كما أصبح عليه مجموعة الآن.

أما بالنسبة لقطاع الاتصالات، فإنّه وفي الحكومة التي ترأستها، وابتداء من منتصف العام 2005، فقد عملنا واستطعنا ان نعيّن الهيئة الناظمة لقطاع الاتصالات، وهي باشرت عملها. ولكن تلك الهيئة وعندما انتهت فترتها، وهي كانت لمدة أربع سنوات، توقفت وبالتالي لم يجر تعيين بديلٍ عنها. وبالتالي لم يستمر الإصلاح الذي حاولنا ان نقوم به عندما كنت رئيساً للحكومة. هذا بالنسبة لموضوع الاتصالات. وكذلك في مجال الإصلاح، فقد ألزمت حكومتي الأولى نفسها بتنفيذ التعيينات لعدد من مراكز الفئة الأولى على أساس الالتزام بقواعد الكفاءة والجدارة والتنافسية وهي تجربة جديرة بأن يصار إلى الاهتداء بها.

أنت تعلمين أنّ الحكومة الأولى التي ترأستها كانت تعاني في كل يوم في جملة من الاستعصاءات ومن المشكلات والحروب والاغتيالات والتفجيرات الإرهابية، والتي كانت تنهال عليها من كل حدب وصوب. أما باقي الإصلاحات التي كان ينبغي ان تقوم بها الحكومات اللاحقة فإنّ تلك الحكومات كانت إما غير قادرة بسبب تركيبتها أو لم تكن لديها الرغبة أو الإرادة للقيام بذلك. وفي المحصلة لم يحصل الإصلاح المنشود.

س: دولة الرئيس، في باريس-1 أخذ لبنان 500 مليون يورو على شكل مساعدات وقروض ميسرة كمساعدات أولية كون مؤتمر باريس-1 كان تمهيد للمؤتمر الثاني. ماذا نعمل بالـ500 مليون يورو؟

ج: هذه المبالغ كانت على شكل قروض ميسرة. في مؤتمر باريس-2 كانت هناك مساعدات على شكل قروض ميسرة، وذلك من خلال استبدال القروض المتوجبة على الدولة اللبنانية العالية الكلفة. إذ جرى عندها الحصول على قروض متدنية الكلفة لتسديد القروض العالية الكلفة. يعني بالنهاية انخفض عبء الفائدة على خزينة الدولة اللبنانية وأصبح أقل بكثير مما كان في الماضي. هذا بالإضافة أن لبنان استعاد بذلك النمو الاقتصادي الذي كان قد انحسر في العامين 1999 و2000 الى الصفر تقريباً. هذا وبالإضافة الى استرجاع النمو، فقد تحسن وانخفض العجز في الموازنة والخزينة وعاد الفائض في ميزان المدفوعات كما بدأ التحسن في نسبة معدلات الدين العام بالمقارنة مع الناتج المحلي، والتي عادت الى الانخفاض.

خلال تلك السنتين 2003- 2004 بدأت تَتَّضِحُ معالم التحسن في هذا الاتجاه. بعد ذلك كان اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وبالتالي كانت بعدها الحكومة التي ترأستها والتي عانت من نتائج وتداعيات الاغتيال وبعد ذلك عانت أيضاً جراء الاجتياح الإسرائيلي في العام 2006، وبعدها في العام 2007 من تداعيات ما حصل في مخيم نهر البارد. لكنه وخلال السنوات 2007 و2008 و2009 و2010 حقق لبنان آنذاك اعلى مستوى للنمو الاقتصادي في تاريخه، إذ ارتفع النمو الاقتصادي خلال تلك السنوات الأربع الى ما يقرب من الـ9.5% سنوياً. وكذلك، فقد حقّق لبنان آنذاك فائضاً كبيراً في ميزان المدفوعات وبدأ الانخفاض في نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي.

على العكس من ذلك، وابتداء من العام 2011 ومع استمرار الاستعصاء عن القيام بالإصلاحات، ونتيجة للاختلال في التوازنات الداخلية والأحداث الحاصلة في سوريا، فقد انخفض النمو الاقتصادي على مدى السنوات 2011 الى سنة 2019، وهنا لا نتحدث عما جرى في العام 2020 لان نسبة النمو أصبحت سلبية وبشكل كبير.

ففي تلك السنوات 2011- 2019 انخفض النمو الاقتصادي إلى ما لا يتعدى 1 الى 1.5%. لكن ميزان المدفوعات بدأ يحقق عجزاً مستمراً على مدى تلك السنوات التسع وأيضاً عادت نسبة الدين العام الى الناتج المحلي إلى الارتفاع. كل هذه المؤشرات كانت في معظمها نتيجة الاستعصاء على القيام بالإصلاحات، وهي الحال التي مازلنا نشهدها حتى الآن.

س: التجاذبات السياسية والاختلاف بالرأي بسبب ماذا؟ في ناس ما بدها اصلاح لماذا؟ لتسرق المصاري؟

ج: دعيني أقول لك، وباختصار، إنّ الفساد في لبنان هو فساد سياسي. لا أعنى بذلك: "انو ما في حدا عم يسرق من الجارور". ولكن في أصل الفساد هو فساد سياسي، حيث يجري استتباع الدولة اللبنانية بإداراتها ومؤسساتها لصالح الأحزاب السياسية والطائفية. وبالتالي، فإنّ التقاسم بين تلك الأحزاب للدولة. هذا فضلاً عن المناكفات السياسية والضغوط الشعبوية، التي تؤدي بمجموعها إلى تبديدٍ وهدرٍ اقتصاديٍ وماليٍ وهدرٍ مقونن. فلقد كانت تقر قوانين بمجلس النواب، فضلاً عن أداء حكومي متعثر يؤدي الى الهدر في استعمال الموارد المالية القليلة المتاحة والموارد الاقتصادية القليلة المتاحة، أو إلى عدم استعمالها بالشكل الاقتصادي الصحيح والمجدي، والذي يؤدي بدوره الى تردي مستويات الأداء في الاقتصاد اللبناني، كما لا تؤدي الى تشجيع الاستثمار في لبنان او تضع العوائق والعراقيل امام الاستثمار في لبنان.

س: دولة الرئيس، بين باريس-1 وباريس-2 كما تفضلت أنتم وفعلتم جملة إصلاحات تمهيدا لتذهبوا على باريس-2 ولقد تمّ هذا الشيء وبيّنت النتائج على مدى سنوات لاحقة بنفس الوقت كان هناك اعتراض سياسي. حسناً لماذا بوقتها رغم هذا الاعتراض السياسي كان هناك إمكانية لإجراء إصلاحات ولماذا اليوم بعد باريس-2 وباريس-3 صارت مطالب الإصلاحات أكثر، الاختلاف السياسي كان ومازال وما بحياته سيتغير لماذا لم نعد قادرين أن نعمل إصلاحات مثل ما حققناها بوقت سابق؟

ج: الحقيقة أنه وخلال تلك الفترة، أي خلال فترة وجود النظام السوري في لبنان ووجود النظام الأمني السوري اللبناني، كان هناك قد بقي بعض الحياء السياسي في لبنان: "بعد ذلك طق شرش الحياء". وبالتالي زاد تسلط الأحزاب السياسية والطائفية والمذهبية على الإدارة اللبنانية الذي أصبح بلا حدود. وبالتالي، تفاقمت الاستعصاءات والمزايدات وتردّت التصرفات الشعبوية والارضائية. ولأعطيك مثالاً على ذلك، وفي مجال إصلاح الكهرباء في لبنان. فالقانون الذي أقرّ في مجلس النواب عام 2011، وهو مؤلف من 4 أسطر فقط، وهو القانون 181/2011 والذي أقرّ من اجل تمكين لبنان من ان ينشئ معامل كهرباء في معمل دير عمار والذوق والجية وان يوسع الشبكة الكهربائية، ويعمل إصلاحات في هذا القطاع. ولقد اشترط هذا القانون ثلاث شروط بسيطة جدا وبثلاثة أسطر:

  1. استنفاد العمل من أجل الحصول على التمويل الميسّر من الصناديق العربية والدولية لتمويل مبلغ الألف ومائتي مليون دولار.
  2. إنشاء الهيئة الناظمة للكهرباء.
  3. تأليف مجلس إدارة جديد لمؤسسة كهرباء لبنان.

تلك كانت الشروط.

الحقيقة أنه كان هناك استعصاء من قبل جميع وزراء الطاقة الذين تحملوا تلك المسؤولية من العام 2008، وحتى الآن عن القيام بتنفيذ هذا القانون. لقد جرى تنفيذ بعض من تلك الانشاءات الكهربائية والباقي لم ينفذ. فمعمل الكهرباء في دير عمار الذي كان يجب ان ينفذ هناك لم يضرب فيه مسمار. ولماذا؟ بسبب الاستعصاءات وعدم الرغبة في الاستعانة بالصناديق العربية والدولية؟ مع أنّ هذه الصناديق العربية والدولية تُقْرِضُ لبنان بفوائد متدنية جدا وتمنحه فترة سماح طويلة قبل البدء بالتسديد ولمدة 4 او 5 سنوات. وبعد ذلك تمنحه فترة تسديد طويلة تمتد على مدى 15 سنة. من الطبيعي أنّ هذا الامر هو في مصلحة لبنان. لكنّ الصناديق تضع شرطاً طبيعياً ومطلوباً من كل اللبنانيين، وهو أن تكون عملية التلزيم فيها شفافية كاملة. ذلك ما يعني ان التمويل من تلك الصناديق لا يفسح المجال لعمليات التواطؤ والهدر والسمسرة. هذا الامر كان امرا مرفوضا بالكامل من جميع الوزراء الذين تحملوا مسؤولية تلك الوزارة منذ العام 2008 حتى اليوم. ولليوم لم تتعيّن الهيئة الناظمة ولم يتعين مجلس إدارة جديد لمؤسسة كهرباء لبنان. مع أنّ كل تلك هي الأمور المطلوبة من كل اللبنانيين. ومع ذلك، فإنّه لم يتحقق منها شيء حتى الآن.

س: دولة الرئيس، في تلك الفترة عندما ذهبتم على باريس-1 وباريس-2 وباريس- كنتم تسمعون بقصة فساد. يعني اليوم لا تسمع عن لسان المسؤولين والمتابعين والسفراء موضوع الفساد. أنتم عندكم فساد روحوا اعملوا إصلاحات. في تلك الفترة كان يتم التكلم عن هذا الشيء؟

ج: الفساد في لبنان ليس أمراً جديداً أو يعود فقط للسنوات العشر الماضية. كلا الفساد موجود في لبنان منذ زمن طويل. ولكنه تفشى وتعاظم عندما استشرى مرض عدم احترام القواعد الأساسية في الحكم في لبنان. ونتيجة عدم احترام مصالح الناس وعدم احترام المال العام وأيضاً عدم احترام الدستور والقوانين النافذة. لقد أصبحت الحال سيئة لدرجة كبيرة عندما أصبحت الدولة بقرة حلوباً ومجالاً واسعاً لتقاسم المغانم بين السياسيين وأصبحت الإدارات والمؤسسات توزع على الأحزاب الطائفية والمذهبية وعلى الميليشيات، وأصبح كل حزب يتمسك بوزارة معينة أو إدارة معينة ويعتبرها ملكاً لحزبه أو لطائفته ولا يجوز أن يتولاها أحد غيره ويستعملها لخدمة أغراضه السياسية. وفي هذا خرق كامل للدستور اللبناني. في هذا الشأن، الدستور شديد الوضوح ليس هناك من حقيبة تعتبر ملكاً لطائفة وليس هناك من طائفة ممنوع على أي عضو فيها ان يتسلم حقيبة معينة.

س: نجحوا برأيك باريس-1 وباريس-2؟

ج: نعم، نجحنا بالشيء الذي قمنا به في مؤتمرات باريس-1 و2 و3. وحصل لبنان على مساعدات قيمة لاستبدال دينه العالي الكلفة، ولتمويل عدد من المشاريع التطويرية في لبنان. ولكن ذلك كان يفترض بلبنان استمرار الالتزام بالقواعد الصحيحة للتقدم على مسارات الاستفادة من كامل نتائج تلك المؤتمرات، وذلك عن طريق الالتزام بالأداء الجدي والمثابرة على الإصلاح والاستمرار في عدم الخضوع للاستعصاء الذي كان يتفاقم لإجبار الحكومة ومجلس النواب لعدم القيام بالإصلاحات اللازمة.

هذه هي المشكلة التي يعاني منها لبنان ومازال يعاني منها حتى هذه اللحظة. كم مرة سمع اللبنانيون من أشقاءهم العرب ومن الأصدقاء في العالم وحتى من اللبنانيين أنفسهم.

أولاً، ان هناك إصلاحات يجب عليكم الإسراع إلى القيام بها والمثابرة على متابعة تنفيذها. أخبريني: ما هي الصورة التي يجب ان نعطيها للعالم باننا نرفض الإصلاح، أو أننا نصر ونعاند في عدم القيام بتنفيذ الإصلاحات التي أشد ما يكون لبنان بحاجة إليها. وأننا مازلنا حتى هذه اللحظة نعاند ونستعصي عن تنفيذ مبدأ أساسي وهو احترام استقلالية القضاء. كم يجب علينا ان ننتظر حتى نعتمد القاعدة التي يتم فيها اعتماد الأسلوب والآليات التي تؤدي الى إيلاء المسؤوليات في الإدارة اللبنانية الى أكْفائها والى الذين حققوا نجاحات حقيقية في عملهم ويستطيعون ان يتولوا تلك المسؤوليات بكفاءة وحرفية وليس للذين همهم الوحيد إرضاء السياسيين الذين أسهموا في تعيينهم أو يقدمون لهم الحماية.

س: بالسابق من 2001 حتى اليوم المجتمع الدولي وحتى الصناديق العربية كانت تساعدنا لأنه كانت ترى بالمقابل في شيء يتحقق. أما اليوم سوف أرجع على سيدر تحديداً الشروط يمكن صارت أقصى لان الفساد صار أكثر ويجب أن يكون في إصلاحات ولأنّ المجتمع الدولي كشفنا على حقيقتنا وان نحن ساعدناك يا لبنان وأعطيناك نقود لكن ما وجدنا إصلاحات. فلنكون واقعيين لبنان اليوم غير قادر على انجاز ما يطلبه منه المجتمع الدولي بالتالي وإذا بقي لبنان على هذه الحالة فلن يحصل على مساعدات أي دولة صح؟

ج: صحيح ولكن دعيني أن أصوب وجهة نظرك. أنت تفترضين أن المجتمع الدولي يضع شروطاً جديدة على لبنان. المجتمع الدولي لا يضع ولا شرط جديد. المجتمع الدولي يقول للبنانيين نفذوا الإصلاحات التي أقرّها مجلسكم الكريم. إصلاحات الكهرباء مثلاً ماذا الذي يمنع أن تنفذ، كذلك الإصلاحات في قطاع الاتصالات؟ لقد أقرّ المجلس النيابي قانون الاتصالات ومازال هذا القانون عصياً على التنفيذ. كذلك الإصلاحات في الطيران المدني. فمجلس النواب أقرّ قانون الطيران المدني وهو مازال دون تنفيذ. لا تنفذ هذه القوانين وتقولين لي أنّ هذه شروط جديدة من قبل المجتمع الدولي لا ليست هذه شروط يضعها المجتمع الدولي.

س: نحن ندور حول بعضنا بنفس الحلقة منذ ذلك الوقت؟

ج: "نحنا بعدنا محلنا". لا بل تدهور الوضع بشكل خطير وانهارت الثقة بلبنان وبدولته وحكومته. لماذا؟ لأنّ هناك من يود ان يضع يده على الدولة اللبنانية والآن هو لا يكتفي بذلك بل يريد ان يضع يده على الاقتصاد اللبناني وان يغير نمط عيش اللبنانيين، وهو ما سمعناه من تصريحات مؤخراً.

س: موضوع الكهرباء والإصلاحات والطيران المدني؟

ج: ليس ذلك فقط، هناك من يضع يده على القطاع المصرفي الآن، وعلى الدولة اللبنانية، وعلى الاقتصاد اللبناني. وحزب الله ومن معه يحاولون التعمية على ما يقومون به من تفاسير غريبة عجيبة لتقصيرهم وهم يحاولون رمي الكرة الملتهبة باللوم على 30 سنة الماضية. أي 30 سنة؟ هذه الـ30 سنة والذين هم ينتقدونها الآن كان لهم فيها أكثر من نصفها على الأقل. والامر الثاني، هو أنهم هم أنفسهم لطالما عرقلوا الإصلاحات في فترة التسعينات وفي فترة العقد الأول من هذا القرن.

مثلاً أنت تذهبين لإجراء فحص قيادة سيارة ليعطوكي دفتر سيارة. وحسب قانون السير المفروض أن تقودي السيارة على اليمين. هذا من مقتضيات الالتزام بقانون السير. أنت تقودين السيارة على الشمال "شو بيصير فيكي.. بتعملي حوادث". أليس كذلك؟ هذا تمامً الذي صار فينا وما زلنا نعاني منه.

س: دولة الرئيس، الحديث معك فيه لذة ومعلومات ومعطيات؟

ج: دعيني أقول لك أمراً. أنه أنا ومنذ حوالي سنة ونصف، أرسلت كتاباً الى فخامة الرئيس، وإلى الرئيس بري، وإلى رئيس الوزراء، وإلى رؤساء معظم الأحزاب في لبنان، لتذكيرهم بأمر أساس، وهو أنه عندما كانوا يتكلمون عن الإصلاحات، يجب أن يتذكروا تلك الإصلاحات التي جرى إفشالها على مدى عدة سنوات سابقة، ولاسيما في العام 2004. قلت ذلك في مقدمة ذلك الكتاب الموجّه لهم، ووضعت ذلك بالخط العريض، لكي يقرأها بسرعة الذي لا يريد ان يقرأ صفحتين فيقرأ على الأقل 5 أسطر. يقول: "الإصلاح امر تقوم به الأمم عندما تكون قادرة عليه وليس عندما تصبح مجبرة عليه لأنها عندما تريد ان تقوم بالإصلاح وهي مجبرة عليه يكون الإصلاح قد أصبح شديد الكلفة ولكن أيضا كثير الاوجاع. هذا الامر الذي كنت قد قلته لفخامة الرئيس هو حرفياً ما نمر به اليوم.

نحن في العام 2004، وعندما كنت وزيراً للمالية، أعدّيت موازنة إصلاحية كاملة فيها مجموعة من الإصلاحات التي كانت قد رفضت من قبل اللجان النيابية التي كانت تمتنع عن تبني الإصلاحات، وهي إصلاحات، وياللأسف، وبعد مرور 15 سنة على ذلك، يتبين كم كانت تلك الإصلاحات ضرورية في حينها. وها نحن نجد أنفسنا اليوم اننا مضطرون الى القيام بها. وياللأسف، فقد أصبحت كلفتها عالية وأوجاعها أكبر. هذا هو الامر الذي وصلنا اليه الآن ولا خروج من هذا الموضوع الا بالعودة الى الالتزام بمبدأ الإصلاح لتحقيق النهوض.

كذلك أيضاً الالتزام بمبدأ العودة الى احترام الدستور والعودة الى احترام القوانين واحترام سلطة الدولة اللبنانية الوحيدة على كل أراضيها واحترام استقلالية القضاء.

أين منا نحن الآن من هذا الالتزام. هذه الحكومة لا تنفذ هذا الإصلاحات. هناك عدم استعداد من فخامة الرئيس للالتزام بهذه الأمور. وبالتالي لقد سمعنا من جميع السفراء العرب ومن المسؤولين الأجانب: "حاج بقى تروحوا وتجوا وتحكوا معنا بالطالع والنازل، روحوا اشتغلوا شغلتكن اوعى تفكروا انو نحنا فقدنا الرغبة بمساعدة لبنان، لازالت لدينا الرغبة بمساعدة لبنان، ولكن المشكلة فيكم أنتم إذ ليس لديكم الرغبة بمساعدة أنفسكم".

س: دولة الرئيس، أنت تعرف انه الجواب يكون أنّ هذه الحكومة تتحمل تبعات 30 سنة الماضية وأنه لا يمكنكم أن تحملوها مسؤولية الفساد. الحكومات السابقة لماذا ما قامت بهذه الإصلاحات؟

ج: أريد أن أسألك: استقلالية القضاء وتوقيع مرسوم التشكيلات القضائية، هل هذه تبعات ثلاثين سنة؟ مثلاً آخر: هل هذه تبعات الثلاثين عاماً ليصار إلى تهريب التعينات التي أجروها بذلك الشكل. لقد أجَّلوا إصدار نص القانون الذي اقره مجلس النواب مؤخرا من 10 أيام. أجلّوا إصدار ذلك القانون حتى يُهرِّبوا التعيينات هذه. يمكنك أن تقولي لي ما هي الأعباء والتركة الثقيلة في أعباء الكهرباء إذا كانوا يريدون أن يعينوا هيئة ناظمة ويعينوا مجلس إدارة جديد؟

س: لماذا لم يتم التعيين بالسابق أيام الرئيس الحريري؟

ج: لقد قلت لك عندما رجع رفيق الحريري في نهاية العام 2002 بعد نجاح مؤتمر باريس-2 انطلقت كل المدفعية عليه واستمرت حتى استشهاده.

س: انا أقصد بعد رفيق الحريري؟

ج: وقت سعد الحريري، من كان يمسك بالوزارة؟ وزارة الكهرباء من كان يتولاها؟ أذكرك مثلاً أنّ مجلس الوزراء الحالي وبكامل أعضائه اجتمع من أجل بتّ موضوع سلعاتا. وهو قد أخذ قراراً بذلك. إذا بهم يرسلون بعدها في طلب الوزراء واحد تلو الاخر ليلحسوا جميعاً تواقيعهم عن ذلك القرار.

س: يعني باريس-1 وباريس-2 وباريس-3 وسيدر، مكانك راوح. صح او لا؟

ج: بعدنا محلنا يا سيدتي: "إنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". هناك مشكلة خطيرة نعاني منها. وهو تَركّز في انهيار ثقة اللبنانيين بالحكومة اللبنانية وبأرباب العهد. وما من شيء يمكن أن يحصل إذا لم يَجْرِ استرجاع هذه الثقة. ولا يمكن أن يتحقق التغيير والنهوض إذا لم يحصل إصلاح حقيقي، وفي مقدمه إعادة الاعتبار والاحترام للدستور والقانون، وكذلك في التأكيد على احترام سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها واستعادة الاعتبار للقضاء واستقلاليته.

س: نحن استفدنا بشيء من هذه المؤتمرات؟

ج: استفدنا بس استفدنا بالنذر اليسير. كان بالإمكان ان نستفيد منها أكثر بكثير.

تاريخ الخبر: 
22/06/2020