الرئيس السنيورة لتلفزيون الغد : الحكومة مستمرة بفعل الات التنفس الاصطناعي من حزب الله والتيار الوطني الحر

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 

أجرت قناة الغد الإماراتية حواراً مع الرئيس فؤاد السنيورة حول آخر التطورات في لبنان هذا هو نصه:

س: هل ستسقط هذه الحكومة بفعل الشارع أم أنها ستصمد ام ستستقيل؟

ج: في الحقيقة جاءت هذه الحكومة بدعم من طرفين أساسيين وهما حزب الله وفخامة رئيس الجمهورية ميشال عون، وهي قد أصبحت الآن تعاني من وضع شديد الصعوبة تسبّب به تلكؤها وعدم مبادرتها، وكذلك فقدانها للرؤية الصحيحة والروح القيادية. وهذه الحكومة هي مستمرة الآن في موقعها بسبب أنها موضوعة على آلات التنفس الاصطناعي الذي يقدمه لها كل من هذين الطرفين.

هذا الوضع الهشّ الذي أصبح يسود لبنان الآن، هو إلى حد بعيد ناتج عن استمرار الاستعصاء الكبير على الإصلاح وعلى مدى عدة عقود ماضية. وهذا ليس فقط من عمل هذه الحكومة، بل هو ناتج عن تقاعس وتلكؤ الحكومات الماضية والمجالس النيابية عن القيام بالإصلاحات التي يحتاجها لبنان على الصعد الاقتصادية والمالية والنقدية والقطاعية والإدارية. وأكثر من ذلك وأيضاً على الصعيد السياسي. لكن هذه المشكلات الكبرى تفاقمت كثيراً خلال العقد الماضي وابتداء من العام 2011، وتحديداً وبعد ذلك، خلال السنوات التي أصبح فيها الرئيس ميشال عون رئيسا للجمهورية.

لقد أصبحت هذه الحكومة وأدائها الآن تمثل نموذجاً للانكار واللامبالاة وعدم المبادرة الى القيام بما يؤدي الى البدء باستعادة الثقة التي انهارت كليا ما بين المواطنين اللبنانيين وما بين الحكومة اللبنانية والعهد الذي يمثله فخامة الرئيس والدولة اللبنانية. وكذلك للثقة في الطبقة السياسية بأجمعها. والمؤسف أنّ هذا الانهيار في الثقة امتدّ ليصبح فقداناً للثقة من قبل المجتمعين العربي والدولي بهم. وما نراه اليوم هو مظهر من مظاهر هذا الانهيار الكبير بالثقة ما بين الفرقاء وهذه المجموعات.

س: هل الآن الحديث عن بديل للحكومة؟

ج: خلال اليوم الفائت كانت قد سرت أجواء وأفكار حول إمكانية تغيير هذه الحكومة. وسرت شائعات وتداولٌ لأسماءٍ مقترحة لتشكيل الحكومة الجديدة. ولكن الذي أجهض هذه التوقعات كان الموقف الذي اتخذه حزب الله، وهو يمثل الطرف المسلح ويمثل الدويلة المسلحة التي تبتلع الدولة اللبنانية، والذي كان موقفه معارضاً. في هذا السبيل، بادرت مصادر حزب الله لنفي إمكانية أي تغيير حكومي.

الآن فإنّ هذا الظرف الشديد الصعوبة الذي يعاني منه لبنان واللبنانيون هو بالفعل غير قابل للتصور من قبل أي عاقل، إذ ليست هناك من سابقة لحدّة هذا التدهور النقدي في لبنان، ولا حتى لسابقة بهذا القدر لدى دول أخرى مرّت بما يسمى الـHyper inflation. إذ أنّ لبنان لم يشهد مثل هذا الانهيار وبهذه السرعة للأحوال المعيشية الصعبة بسبب انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية والناتج في قسم كبير منه عن هذا الانهيار الكبير بالثقة.

السؤال الآن: كيف يتمكّن لبنان من أن يستعيد استقراره ويخرج من هذا الوضع المتأزم. حتماً لا بدّ ان يكون هناك حكومة جديدة، لأنّ هذه الحكومة أثبتت عجزها وعدم قدرتها على إدارة البلاد وعلى تحقيق التغيير. ولكن دعني أقول لك رأيي بهذا الشأن بكل وضوح وصراحة.

س: هل سيعود الرئيس سعد الحريري عاجلاً أم آجلاً برأيكم؟

ج: أنا أعتقد أنه وبدون أدنى شكّ أنّ الرئيس سعد الحريري يمثل شريحة كبيرة وواسعة من المواطنين اللبنانيين، وليس من فئة واحدة بل من كل الفئات اللبنانية. ولكن عودة الرئيس الحريري أو أي شخص اخر من الأشخاص الذين يتمتعون بالمواصفات الوطنية والقيادية الذين يمكن أن يصار إلى تكليفهم من قبل المجلس النيابي لتأليف الحكومة العتيدة، وفي مقدمهم حتماً الرئيس سعد الحريري محفوفة بالمخاطر. فأنا أميل إلى الاعتقاد أنّ عمل أي رئيس حكومة جديد محكوم بالفشل إذا لم يحصل ويسبق التكليف تغيير أساسي في المقاربات وفي المنهاج وفي الأساليب التي يعتمدها فخامة الرئيس. وذلك يعني أنه تقضي العودة الى احترام اتفاق الطائف والعمل على استكمال تطبيقه، واحترام الدستور، واحترام مصلحة الدولة اللبنانية، واحترام الشرعيات الوطنية والعربية والدولية، واحترام استقلالية القضاء.

المؤسف أنّه، وفي معظم هذه القضايا نرى التوازنات الدقيقة في لبنان تتعرض للاختلال. واختلالها يؤدي إلى التسبب في هذا الانهيار بالثقة، ومن ثم التسبب بهذا الانهيار في سعر صرف الليرة اللبنانية. وفي المحصلة، إلى هذا الانهيار في مستوى ونوعية عيشة اللبنانيين في لبنان.

هذه المخاطر والتحديات لها انعكاسات خطيرة جداً. أولاً، على هذا المزيج والنسيج الاجتماعي، وعلى فكرة العيش المشترك في لبنان. وثانياً، على الطبقة الوسطى في لبنان فقط بما أصبح يعني انحسار دورها وفعاليتها. وثالثاً، إلى تداعيات أمنية خطيرة. وهذه الأمور مجتمعة تبين مقدار خطورة مجريات الأحداث في لبنان وبما يبين كيف أنّ هذه الحكومة وفخامة رئيس الجمهورية لا يقومان بالجهد المطلوب للتصدي لهذه المشكلات الكبرى. وأيضاً يظهر قصور الممارسات وحدّة الاستعصاء على القيام بالإصلاحات المطلوبة. ولذلك، وفي ظل استمرار تلك المقاربات القاصرة عن القيام بالمعالجات المطلوبة من قبل رئيس الجمهورية، فإنّه سيكون مستحيلاً على أي رئيس للحكومة قد يكلّف بتأليف الحكومة العتيدة، أن ينجح في معالجة المشكلات القائمة والداهمة.

المسألة الأساس، وهي أنه إذا لم يكن هناك تغييراً في المقاربات والأسلوب والأداء، وهو الحال التي أصبحنا نعيشه اليوم في لبنان، حيث نرى الاستعصاء الكبير لدى فخامة الرئيس فإنه لا يمكن توقع حلولاً قريبة.

س: البعض يقول ان حكومة العهد وحزب الله لم تأتي لتسقط وانه لا يوجد بديل لها حتى هذه اللحظة، هل سيسمح حزب الله برأيكم ان تسقط حكومة حسان الدياب وحكومة العهد؟

ج: هذا على ما يبدو هو الموقف الواضح لحزب الله الذي عبّر عنه الحزب. لأنه يرى أنّ الأسباب التي تستدعيه للتمسك بهذه الحكومة ليست أسباباً داخلية فقط. إنما هي في الحقيقة أسباب إقليمية وتعود لدور حزب الله الإقليمي وهو الذي لا يخفيه. فالواضح أنّ الحزب ينفذ ما تمليه عليه الجمهورية الإسلامية الإيرانية ودولة ولاية الفقيه. وبالتالي، فإنّ الحزب يتصرف على هذا الأساس. في هذا الصدد، فإنّ المسؤولين في إيران يرون ان هناك ظروفاً متغيرة، والتي يمكن ان تتطور سلباً بالنسبة لهم في العراق وفي سوريا، وبالتالي هم على ما يبدو حريصون على الصمود في مواقعهم والاستمرار في استعمال لبنان رهينة من اجل التفاوض مع الجانب الأميركي. وكذلك بالنيابة عن إيران. كذلك أيضاً من أجل التمكّن من التفاوض مع الجانب الروسي الذي أصبحت له الكلمة الأساس في سوريا. ولهذا نرى كيف أصبح العامل الإقليمي عنصراً محورياً في موضوع استبدال هذه الحكومة وفي إدارة الأوضاع في لبنان. هذا في الوقت الذي تنحدر فيه الأمور وبتسارع مخيف نحو الهاوية أو الارتطام الكبير.

إنّه ومع أهمية تلك العوامل الإقليمية، فإنه مازالت هناك مساحة حقيقية للذي يؤمن ويريد ان ينفذ الإصلاح يمكن التقاطها والتصرف على أساسها. ولكن لا يبدو أنّ ذلك الإيمان وتلك النوايا متوفرة.

س: دولة الرئيس، كيف تقيِّمون عمل حكومة حسان دياب ورئيسها وخصوصا انها جاءت بعد حراك الشعب اللبناني الذي بدأ في أكتوبر الماضي وان المهمة الرئيسية لهذه الحكومة كانت وماتزال هي الإصلاح الاقتصادي وأيضاً تحسين الظروف المعيشية للناس هناك؟

ج: الواقع انه بعد 17 أكتوبر الماضي كان هناك اتجاها عاما في لبنان، ولاسيما من قبل المنتفضين في الساحات والشوارع في معظم أنحاء لبنان، وذلك للمطالبة بحكومة من الاختصاصيين، وكان ذلك بالنسبة لهم شرطاً وضرورة.

وفي ذلك الحين، كان لي رأي بأنه لا يمكن ان تأتي بطاقم كامل مؤلف من رئيس الوزراء والوزراء، أي من القبطان والمساعدين ليقودوا طائرة بدون أن تكون لأي منهم أي خبرة سابقة في الطيران او في قيادة الطائرات.

لذلك، كان رأيي انه لا يمكن ان تأتي برئيس حكومة لم يسبق أن كانت لديه أي خبرة في الحكم ليقود فريقاً أيضاً من الذين لم يكن لهم أي خبرة سابقة في الحكم. وهذا ما حصل ومن الطبيعي أن لا نفاجأ بما نشهده اليوم من قصور وتقصير في أداء هذه الحكومة.

ولكن هذا لم يكن هو الخطأ الوحيد الذي جرى ارتكابه، إنما كانت هناك أخطاء جسيمة أخرى. فهذا الفريق الذي تسلّم المسؤولية الحكومية، جيء به على أساس انه فريق من الاختصاصيين. ولقد تبيّن بعد تأليف هذه الحكومة أنّه وفي عدد من الحقائب الوزارية جرى تسليم بعض الحقائب لمن ليس لديهم أي معرفة بموضوع الحقيبة، ذلك بينما كان المفترض بهذه الحكومة أن تكون الحقائب الوزارية في عهدة من لديهم بعض الاختصاص بكل واحدة منها.

لكنّ الخطأ الأكبر كان وكما تبين فيما بعد أنه ولا وزير من أولئك الوزراء الاختصاصيين يتمتع بالحيادية التي كانت مطلوبة عند تأليف هذه الحكومة.

في الحقيقة، لقد جرى اختيار أولئك الوزراء بناء لرغبة الأحزاب التي رشحتهم، وهم بالفعل يتصرفون بشكل كامل استنادا الى التعليمات التي تأتيهم من أحزابهم. ذلك بما أدّى إلى إجهاض فكرة حكومة الاختصاصيين. إذ جرى اختيارهم وبشكل أساس على قاعدة أنهم يمثلون ويلوذون بتلك الأحزاب وينفذون تعليماتها. وهذا كان أحد الأسباب في فشل هذه الحكومة.

ودعني اعطيك مثلاً على ذلك، انه وخلال الأسبوعين الماضيين بادرت هذه الحكومة وفي جلسة لمجلس الوزراء ترأسها رئيس الوزراء إلى اتخاذ موقف بدا منه وإن الحكومة تتصرف بشجاعة غير معهودة. وهي بذلك بدت وكأنها تقوم بخطوة على طريق إصلاحي طويل من اجل اصلاح قطاع الكهرباء، وذلك لأنها اتخذت قراراً بصرف النظر عن انشاء معمل للكهرباء في منطقة سلعاتا، وهو الامر الذي يريده ويصرّ عليه رئيس الظل للجمهورية، وأعني بذلك صهر رئيس الجمهورية الوزير السابق جبران باسيل. إلاّ أنّه، وبمجرّد أن اخذت الحكومة ذلك القرار، حتى جرى استدعاؤهم- رئيس الوزراء والوزراء- من قبل رئيس الجمهورية، مما اضطرهم إلى أن يتراجعوا كلّهم بما فيهم رئيس الوزراء عن القرار الذي أخذته الحكومة قبل يومين. هذا يعطيك صورة عن مدى الاستتباع الذي تقع تحت تأثيره هذه الحكومة، والذي يضطرها إلى الانصياع للضغوط التي يمارسها عليها رئيس الجمهورية والأحزاب الممثلة في الحكومة ولاسيما حزب الله.

س: لكن دولة الرئيس، رئيس الوزراء الحالي حسان دياب له وجهة نظر أخرى ربما وله تصريحات تابعناها ليل أمس يتهم فيها جهات لم يسمها بأنها تقود مخطط ما من اجل اسقاط الحكومة الحالية وربما قالوا بالنص انه هناك من يعمل على خنق لبنان ويعمل على ان يكون هناك صدامات مدوية وتكون النتيجة حصول تحطم كبير وخسائر ضخمة؟

ج: من السهل على رئيس الحكومة الموجود الآن، وكذلك على رئيس الجمهورية بأن يوجهوا مثل هذه التهم للآخرين في أنهم لا يساعدون لبنان. وكذلك في توجيهه التهم لبعض الدول من دون أن يسميها بالتدخل في شؤون لبنان، وان كنت أرى أنه قد ارتكب في ذلك خطأً كبيراً.

الحقيقة أنّ هذه البلدان لا تساعد لبنان الآن، ولكن معظمها كان في السابق يقف ويساعد لبنان وبشكل كبير جداً وفي كل المحطات والمآزق التي تعرّض لها لبنان على مدى جميع العقود الماضية. ولكن لماذا لم يقوموا بمبادرات مماثلة الآن؟ ألأنهم لا يريدون مساعدة لبنان ام انه بسبب ان لبنان لا يساعد نفسه وليس لديه النيّة الحقَّة في ذلك.

أريد أن استشهد هنا بحديث للرسول (صلى الله عليه وسلم) يقول: "ولا يسبنَّ الرجل أباه". قالوا: وكيف يسب الرجل اباه يا رسول الله. قال: "يسب اباء الآخرين فيسبون اباه".

الذي كنا نعاني منه في الماضي وهو قد تفاقم الآن وإلى حدّ كبير. هو الاستعصاء على الإصلاح. صحيح أنه كانت هناك استعصاءات في الماضي، وهي مازالت مستمرة ولكنها أصبحت متعاظمة الآن. عدم القيام بالإصلاحات الضرورية التي يحتاجها لبنان أصبحت أكثر حدّة الآن ولاسيما منذ ان تولى رئيس الجمهورية خلال السنوات الأربع الماضية. هذا علماً أنّ هذه الأحزاب الممثلة الآن في هذه الحكومة هم بأكثريتهم من الأحزاب التي وقفت حائلاً دون القيام بالإصلاحات التي كان يحتاجها لبنان على مدى سنوات عديدة ماضية.

وسأعطيك مثلاً عن هذا الامر، ما بقي انسان في لبنان، أو أخ في العالم العربي، أو صديق في العالم، أو مسؤول في أي وجميع المؤسسات الدولية المعنية الا وأشاروا على لبنان انه: "عليكم ان تبادروا فوراً إلى إصلاح قطاع الكهرباء"، وهو القطاع الذي هو مسؤول عن تراكم أكثر من 50% من حجم الدين العام للبنان، كما وصل اليه الآن. ومع ذلك، فقد استمرّ الاستعصاء لدى الحكومات اللبنانية، وكذلك في هذه الحكومة. وبالتالي استمر العناد بعدم القيام بها.

خذ مثلاً آخر، ان فخامة رئيس الجمهورية تسلم التشكيلات القضائية التي اقرها ثم عاد واكد عليها مجلس القضاء الأعلى، لاسيما وأنّ هناك قانون صريح جداً بهذا الخصوص. إذ أنّه وبعد تأكيد مجلس القضاء الأعلى على تلك المراسيم، فإنه ينبغي على فخامة رئيس الجمهورية ان يوقع عليها ليصار إلى البدء بتطبيقها. لكنّ فخامة الرئيس مازال يستعصي عن الحل. لماذا؟ لأنه يريد أن يُبقي على بعض القضاة الذين يأتمرون بأمره في مراكز معيّنة في القضاء ليستعملهم في ما يحقق بعض أغراضه السياسية، وبما يسهم في تركيب التهم الباطلة على النسق الذي شهده لبنان في السابق. هذا في الوقت الذي أصبح لبنان بحاجة ماسة لإعطاء صورة زاهية وصحيحة للعالم بأنّ لبنان يحترم القانون، ويحترم استقلالية القضاء. وهذه هي واحدة من الأمور التي يؤكّد على أهميتها اللبنانيون وبشكل أساس. كما يؤكد عليها المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية وهي من الأمور التي تعبّر عن حقيقة لبنان الذي يريده اللبنانيون أن يظلّ بلد العدالة والحريات وليس بلداً فاشلاً.

س: ولكن دولة الرئيس بصراحة نتحدث هنا ولاحظنا ان هناك حراكا كبيرا لكم خلال الفترة الماضية، دولتك والسيد سعد الحريري والسيد نجيب ميقاتي وتمام سلام وهذا الحراك كان واضحا، هل تريدون اسقاط حكومة حسان دياب؟ وتعتبرونها حكومة العهد أيضا؟ هناك أيضا دولة الرئيس ربما كان لكم تصريحات وصفت بالنارية والتصعيدية تجاه هذه الحكومة؟

ج: في حقيقة الأمر، إنّ من يتسبب بهذا القصور والتقصير من قبل الحكومة هي الحكومة بذاتها. ودعني أروي لك مثلاً عن هذا. إنّ هذه الحكومة ولدت وأتت من أجل أن تعالج بالأساس مشكلات اقتصادية مالية ونقدية صعبة، وان هذه المشكلات قد أصبحت ككرة النار التي كان على الحكومة أن تبادر فوراً إلى البدء باعتماد المعالجات الصحيحة والشجاعة وهو ما لم يحصل بل وعلى العكس من ذلك، فإنّ الأمور الآن تزداد تدهوراً.

لا بد لي من القول هنا أن الوضع الذي أمست عليه البلاد عشية 17 أكتوبر 2019، قد أصبح صعباً جداً، وليس من أحد يمكن له أن ينكر ذلك. ولكن هذه هي الحقيقة التي لا بد أن يقرها ويتصرف على أساس منها من أراد أن يتحمّل هذه المسؤولية الجسيمة. أي أنه لا يستطيع من يريد أن يتحمل المسؤولية أن يستمر بالشكوى وبإطلاق التهم جزافاً، وبالتالي أن يبرر تقصيره بالتفتيش عن الأعذار. على من يتحمل المسؤولية أن يقبض على زمام المسؤوليات ويتصرف على أساس انه يريد ان يجد حلولاً لتلك المشكلات المستعيصة ويقدم تلك الحلول الممكنة للمواطنين.

لذلك، وبدلاً من أن يبادر رئيس الحكومة مباشرة الى جمع كل من هم في الحكومة وفي مؤسساتها أكان وزير المالية، ام كان وزير الاقتصاد، ام حاكم مصرف لبنان، ام المصارف، ام القطاع الاقتصادي في لبنان، من اجل تكوين موقف واحد موحّد للبنان تستطيع ان تحمله الحكومة، وتكون الحكومة في ذلك مؤيَّدة من الجميع وحاظية بذلك على تأييدهم وتبنيهم من أجل أن تتوصل إلى توافق واتفاق مع صندوق النقد الدولي. وبالتالي إلى توافق مع المجتمعين العربي والدولي. الذي حصل كان خلاف ذلك. وبدلاً من أن يبادر رئيس الحكومة إلى تكوين فريق عمل مؤلف من أولئك الأشخاص وعدد من المستشارين ليكوِّنوا بذلك المطبخ الصالح الذي ينتج خطة واحدة تكون مقنعة للبنانيين وللمؤسسات الدولية، إذ بنا نجد كل واحد من أولئك الفرقاء والمستشارين يتصرف على هواه. وبالتالي فقد أعدّت الحكومة مشروع خطة، وجمعية المصارف أعدت مشروع خطة أخرى، ومصرف لبنان أعدّ مشروع خطة ثالثة، والقطاعات الاقتصادية، أعدت أفكاراً واقتراحات. وفي النهاية، وكما يقولون شاطت الطبخة وأصحبت الأرقام تلقى هكذا على عواهنها. وبالتالي اشتعلت معارك الأرقام المتفاوتة المقدمة من مختلف الفرقاء، ولم يعد بإمكان أحد ان يصدق أحد وتهاوت صدقية الأرقام وصدقية الخطط.

دعني أقول لك أنه في لبنان كانت لدينا تجربة في الماضي مع صندوق النقد الدولي. وأنا كنت في حينها وزيراً للمالية. وبالتالي ذهبنا في حينها مع الرئيس رفيق الحريري، واجتمعنا بصندوق النقد الدولي الذي هو الطرف الذي يعطي ختم الصدقية للمواقف الذي تتخذها الدول. طبيعي بعض الدول يمكن ان تكون ساعية لطلب تسهيلات ائتمانية من صندوق النقد الدولي لفترة معينة أو تكون غير ساعية لطلب تسهيلات ائتمانية منه. ولكن في قسم كبير من الاتصالات والعمل مع صندوق النقد الدولي فإنها تطلب منه مباركة وتأييداً ودعماً لعملها ولأرقامها ولخطتها المستقبلية. لماذا؟ هذا هو حالنا اليوم في لبنان. لأنّ الدول الشقيقة والأصدقاء في العالم يريدون ان يعتمدوا على جهة تؤكد لهم صدقية الأرقام والتوجهات والخطط المستقبلية وقدرة لبنان على تنفيذها والالتزام بها. وليس من الممكن على الإطلاق أن يتحقق أي تقدم في علاقات لبنان مع المجتمعين العربي والدولي من دون التعاون مع الصندوق الذي يفترض به أن يقدم ختم الصدقية.

س: دعني أسألك دولة الرئيس عن الدور الذي تقومون به في هذه اللحظات ما الهدف منه؟ يعني موضوع صندوق النقد الدولي والمفاوضات سنتحدث عن ذلك الجانب بنوع من التفصيل؟

ج: نحن فعلياً، وتحسساً منا بالأوضاع الشديدة الصعوبة التي يمر بها لبنان. ونحن وياللأسف على مدى مسافة صغيرة قبل الارتطام الكبير نحن فعليا نتمنى ان تنجح هذه الحكومة ونحن كنا نريد أن نقف الى جانبها. لكن هذه الحكومة وبأدائها، وبدلاً من أن تعمل على جمع اللبنانيين سوية، وأن تحاول وبالتعاون مع الجهات المعنية، من أجل أن تبني واياهم موقفاً واحداً موحداً يمكّنها من التخاطب بداية مع الصندوق النقد الدولي، وكذلك بعدها مع الاشقاء والأصدقاء. وأن تقوم وبالتلازم مع تقديم خطتها أن تعبر عن جدّيتها والتزامها وذلك من خلال اتخاذها لعدد من الخطوات الإصلاحية التي تستعيد بها صدقيتها في التعامل مع الأشقاء والأصدقاء.

لكن الحكومة اللبنانية لم تقم بهذا العمل ولم تعمد بداية لبناء جسور الاتصال والتواصل بينها وبين مختلف شرائح المجتمع اللبناني، ولاسيما أولئك الذين هم مختصون في الموضوع الاقتصادي والمالي. وهي بالتالي لم تقم بخطوة جدّية واحدة تسهم في إنجاح الحوار مع صندوق النقد الدولي. كما أنها لم تقم بأي خطوة تمكّنها من الحديث مع الاشقاء والأصدقاء العرب. على العكس من ذلك الرئيس دياب ذهب بعيداً فيما يسمى Witch Hunting. ولقد صار همّه اليومي هو القاء التهم واللوم على الثلاثين عاماً الماضية.

أولاً هذا غير صحيح. فالعديد من الذين تولوا المسؤولية في هذه الثلاثين سنة الماضية كانت لهم الكثير من الإنجازات الباهرة. لكنه ومن جهة أخرى، فإنّ العديد من الأحزاب التي تتألف منها هذه الحكومة هم المسؤولين عن ثلثي مدة الثلاثين سنة الماضية. وهم الذين كانوا موجودين في تلك الحكومات الماضية، وهم كانوا المسؤولين عن الاستعصاء الذي يسم مرحلة تلك الحكومات، وذلك لجهة عدم القيام بالإصلاح المنشود.

وعلى أي حال، فقد كان على الرئيس حسان دياب، وبدلاً من ان يُضيِّعَ وقته في المزيد من إشعال نار الخلافات الداخلية، وبدلاً من ملاحقة الأشباح، فقد كان بإمكانه ان يجمع اللبنانيين ويحاول ان يبني واياهم توافقاً يسهم في النهاية بتحقيق نتائج إيجابية من خلال إعادة مدّ الجسور الصحيحة والمبنية على استعادة الثقة في علاقة لبنان مع الاشقاء العرب وأيضا مع المجتمع العربي.

س: رئيس الوزراء حسان دياب يتحدث عن تركة حكومية ثقيلة وحمل الحكومات المتعاقبة مسؤولية الانهيار. انت كنت رئيس للوزراء أكثر من مرة والرد كيف يمكن ان يكون على الرئيس حسان دياب وانت قلت واشرت قبل قليل هم كانوا جزءا من هذه الحكومات في السابق؟

ج: نحن وبرئاسة الرئيس رفيق الحريري تولينا المسؤولية في العام 1992، وعلى مدى خمس حكومات ترأسها الرئيس رفيق الحريري. وهي شكّلت وكانت بالفعل مهمات صعبة للغاية. إذ كان لبنان آنذاك خارجاً من حرب مديدة دمرّت لبنان، ولم يكن هناك إمكانات مادية متوفرة تذكر على الاطلاق. وكان هناك تضخم هائل يعاني منه لبنان ودين كبير متوجب على ماليته العامة. وكان هناك تراخياً في استعداد الدول الشقيقة والصديقة من أجل تقديم العون للبنان. ماذا فعلنا؟ لم نُضيِّعْ وقتنا أو نشغلْ أنفسنا بإلقاء التهم يميناً ويساراً وأن ندّعي أنّ هذه تركة كبيرة وثقيلة وقصص من هذا النوع. لقد تجنّبنا الدخول في صراعات بيننا وبين مختلف الفرقاء اللبنانيين، وحاولنا التركيز على النظر إلى الأمام من خلال رؤية واضحة ومصممة وعمل إصلاحي وجهد مثابر.

في المقابل، دعني أقول لك أنّ الرئيس دياب كان يعلم تمام العلم أنه آت لمواجهة أوضاع شديدة الصعوبة، وأنا لا أنكر ذلك على الاطلاق. وهي بالفعل كرة ملتهبة. ولكن، وبدلاً من أن يتلهى الرئيس دياب ويضيّع وقته في توجيه التهم هكذا، وبدلاً من محاولة رمي كرة النار هنا وهناك، فقد كان عليه ان يبادر إلى استنهاض الجميع والسير باتجاه اجتراح الحلول الصحيحة.

أودّ أن أستشهد هنا بقاعدة أساسية في أصول الحكم في أي بلد، أكان ذلك في لبنان، أو في أي بلد ديمقراطي، وهي أنّ المسؤولين عندما يتولون المسؤولية يكون الدرس الأساس لهم، وهو أن الحكم استمرار وان هناك ما يسمى قضايا وأولويات يفترض بالمسؤولين ان يركزوا جهدهم على معالجتها.

السؤال هنا: هل جرى تكليف الرئيس دياب بترؤس الحكومة من أجل أن يطالع اللبنانيين كل صباح بالكلام عن التركة الثقيلة، أو أنه اختير لترؤس الحكومة من أجل العمل على اجتراح الأفكار الرؤيوية والنيّرة لمعالجة هذا الكمّ الكبير من المشكلات. لذلك فإن السؤال هو لماذا قبل الرئيس دياب بترؤس هذه الحكومة؟! أليس من أجل إيجاد حلول لتلك المشكلات.

ما أقوله لك الآن هو ذات الكلام الذي قلته للرئيس دياب في الزيارة اليتيمة التي زارني فيها عندما كُلِّف بتشكيل الحكومة وانا بحكم كوني انه كانت لي خبرة سابقة كرئيس للحكومة وبالعمل النيابي كما كانت لي خبرة طويلة بأنني تولّيت وزارة المالية اللبنانية كوزير للمالية لمدة عشر سنوات. وبالتالي فإني ازعم انني على دراية بالأوضاع الاقتصادية والمالية وفي كيفية معالجتها شريطة أن لا يستمر الاستعصاء على الإصلاح.

ولقد قلت للرئيس دياب هذا الكلام بكل صدق، وقلت له إني على استعداد أن أساعده في كل أمر يجد هو أنه من المفيد استشارتي به. وتمنّيت له التوفيق. وانا ما زلت أتمنى له التوفيق. ليس من أجله بشكل أساسي، ولكن من أجل مساعدة لبنان واللبنانيين على الخروج من هذا الوضع الكارثي. ولكن إذا لم يقم الرئيس دياب هو شخصياً بدور رؤيوي وقيادي ويعمل من أجل مساعدة نفسه ومساعدة لبنان فلا يستطيع أحد عندها أن يساعده.

عندما نقول ان المجتمع العربي والمجتمع الدولي لم يبد أي شجاعة او أي مبادرة للتعاون مع رئيس الجمهورية ولا أيضا مع رئيس الحكومة حسان دياب فهذا ناتج عن ان هناك مشكلة. الحقيقة أنّ هذا المجتمع يرى بأم العين الاستعصاءات المستمرة والعناد والإصرار على الاستمرار بتوجهات تتناقض مع مصلحة لبنان واللبنانيين ومصلحة العرب، وان الرئيس ورئيس الحكومة لا يقومان بأي جهد حقيقي من أجل التقدم على مسار القيام بالإصلاحات المطلوبة. فكيف لهؤلاء الأشقاء والأصدقاء أن يقدموا على مساعدتهما.

س: دولة الرئيس انت تريد ان تقول ان من يتحمل الازمة الحالية الخانقة الآن وهذا السقوط المدوي امام سعر صرف الليرة اللبنانية اما الدولار الأميركي فقط حكومة حسان دياب. طيب ان حكومة حسان دياب تقول ان المسؤول هو مصرف لبنان المركزي والمصارف الأخرى أيضا؟

ج: أنا لا أحمِّل هذه الحكومة منفردة هذه المسؤولية، ومن الظلم ان احمل هذه الحكومة كل هذه الأعباء. أنا أقول ان هذه الحكومة هي الآن الحكومة المسؤولة وهي التي عليها ان تعالج هذه الأمور، وهي التي يقع عليها التقدم بالحلول للمشكلات المتفاقمة.

أنا لا ينفعني انا كمواطن ان اسمع كل يوم هذه المعزوفة المتمثلة بتركة 30 سنة. لا ينفعني ذلك على الإطلاق. وهو كلام لا يفيد ولا يأخذ لبنان خطوة ولو صغيرة إلى الأمام. أنا وكمواطن لبناني أريد أن يأتي المسؤول ويقول لي انني فعلت كذا وكذا وهذه الطريق هي التي نريد ان نذهب على مساراتها سوية نحو معالجة مشكلاتنا الوطنية والاقتصادية والمعيشية ونحو المستقبل. كذلك، وأن يقول إنه يريد أن يتعاون مع المواطنين من اجل ان نستطيع سوية ان نعالج هذه المشكلات. لا ينفع اللبنانيين ان يأتي رئيس الحكومة والوزراء وان يقولوا لهم أنّ هناك تركة ثقيلة عمرها 30 سنة.

هذا لا يمنع على الاطلاق ان يقول الرئيس دياب أيضاً أننا نريد ان نفتش ونبحث عما جرى في الـ30 سنة، وهذا حقه. وليكن هذا الأمر واضحاً وصريحاً أنه ليس هناك ولا يجوز أن تكون هناك من خيمة على أحد، أو مانعاً من أحد، من أجل إجراء فحص أو تفتيش بالنسبة للماضي. على أن يكون ذلك بطريقة مؤسساتية بعيدة عن الغرضية والافتئات على الآخرين أو تلفيق التهم لهم. ولكن وحتماً دون التلهي، وبالتالي عدم البدء بإجراء المعالجات الصحيحة.

دعني أقول لك أنه وفي العام 2006، وفي حكومة مكتملة في أيار/مايو في العام 2006، بادرت وأقنعت حكومتي آنذاك التي اعدّت مشروع قانون إحالته الى مجلس النواب من اجل اخضاع جميع حسابات الدولة اللبنانية في جميع إداراتها ومؤسساتها من تاريخ اتفاق الطائف وحتى العام 2006، وإلى ما بعد ذلك. ومشروع القانون هذا مازال قابعا في ادراج المجلس النيابي. وها هم الآن يتناقشون في هذا الأمر وفي كيفية اعتماد مسألة التفتيش في الحسابات الماضية بعد أربعة عشر عاماً على إقرار ذلك المشروع الذي وكما ذكرت مازال قابعاً في أدراج مجلس النواب.

أنا أروي هذه الحادثة لماذا؟ لأشير بأن المسؤولية هي في الأساس على عاتق رئيس الحكومة والحكومة الحالية. والحكومة بحسب القانون وبحسب الدستور هي المسؤولة الحالية. تريد ان تحاسب عما حصل في الفترات الماضية. هذا من حقها وبدون أي مشارعة بالأمر. ولكن على أن يتم ذلك من خلال اعتماد الطرق القانونية والمؤسساتية، وبعيداً عن استعمال الأساليب الفضائحية والشعبوية وأسلوب المحاكمات الميدانية التي لا تؤدي إلا إلى المزيد من المشكلات.

المهم الآن هو في وجوب تركيز جميع الجهود وجميع الموارد المتاحة من اجل معالجة المشكلات الخانقة التي يعاني منها اللبنانيون اليوم. أمّا أن يصار إلى تضييع الوقت وصرف النظر عن الاهتمام بمشكلات الحاضر من أجل حرف الانتباه بافتعال مشكلات جانبية، فذلك خطأ جسيم.

 دعني أستشهد بطرفة عندما يريد الانسان أن يقود سيارته، فإنه يجلس في المقعد الأمامي ويغلق الباب ويشغل محرك السيارة وينظر قليلاً في المرآة ومن ثم ينطلق ويقود السيارة إلى الأمام. أما إذا كان يريد أن يقود السيارة وهو ينظر وباستمرار إلى المرآة التي تريه خلفه وليس أمامه ماذا يحدث؟ يؤدي ذلك إلى اصطدامات ولا سمح الله تحصل حوادث خطيرة.

س: ولكن هل هذا التشبيه الآن ملائم للحالة اللبنانية، اليس من الواجب الاخذ بعين الاعتبار السنوات الماضية من فترة الحكم المتلاحقة والمتعاقبة لقيادة لبنان دون أخطاء وتجاوز أخطاء الفترة الماضية ان وجدت والمواطن اللبناني اليوم يقول ان هناك ازمة وصلت حد الخنق؟

ج: يا سيدي. لقد قلت لك أنّ هذا الوضع السائد هو بسبب هذا الانهيار بالثقة، وبسبب هذا التراكم والاستعصاء المستمر. وهذا ليس ناتجاً فقط عن هذه الحكومة. هذا الانهيار بالثقة هو نتيجة التراكم على مدى سنوات وبسبب الاستعصاء المستمر. وكذلك أيضاً بسبب التورط الذي مازال يمارسه حزب الله باستعمال سلاحه في الساحة الداخلية للبنان، وأكثر من ذلك أيضاً في ذلك التورط الخطير الذي قام فيه الحزب في سوريا وفي عدد من الدول العربية، ولاسيما على مدى السنوات من العام 2011 الى الآن، والتي كانت لها انعكاسات وتداعيات خطيرة جداً على لبنان واللبنانيين.

س: دولة الرئيس عذرا للمقاطعة سوف نتحدث في هذه الجزئية في السؤال الأخير معنا في هذه المقابلة حول علاقة لبنان الآن مع المحيط العربي، اشرت الى حزب الله والجميع الآن مدرك في لبنان حجم الخطر الذي يشكله حزب الله مع مستقبل علاقة لبنان مع الدول العربية. بداية هل يمكن العودة مع الدول العربية بالعلاقة الى سابق عهدها فلطالما وقفت الدول العربية لمساندة لبنان هذا من جهة ومن جهة أخرى لماذا رئيس الوزراء حتى الآن لم يزر أحدا ولم يستقبل أحدا في مكتبه؟

ج: من السفراء العرب؟ اجل فعليا هناك تراكم لما يسمى فقدان الثقة. وفعلياً هذا ما حصل مع فخامة الرئيس وبعد انتخابه. فهو قد ذهب في زيارة الى المملكة العربية السعودية بعد انتخابه في العام 2016. وعلى أساس انه سيلتزم بسياسة النأي بالنفس التي أعلن عنها لبنان، وللأسف لم يلتزمها منذ العام 2011. إلاّ أنّ الرئيس عون وبعد أن رجع من تلك الزيارة عاد مرة جديدة ليمارس ذات الممارسات مما اثار الحفيظة والشكوك بسياساته، ليس فقط لدى المملكة العربية السعودية فقط وأيضاً لدى العديد من الدول العربية، وها هو الرئيس حسان دياب يماثله في ذلك.

وهنا اريد ان أكون واضحا ان لبنان مرّ خلال العقود الأربعة الماضية بكثير من المشكلات، وهو قد تعرّض لستة اجتياحات إسرائيلية منذ العام 1978. وهذه المشكلات تتراكم على مدى سنوات طويلة. ولم يقتصر الامر على ما يجري الآن، بل هو استمرّ على مدى فترة طويلة سابقة. فمثلاً في العام 2006 تعرض لبنان لاجتياح إسرائيلي مدمّر ولو لم يقف أشقاؤنا العرب معنا وكذلك أصدقاؤنا في العالم، وفي مقدمها المملكة العربية السعودية والامارات والكويت وقطر وسلطنة عمان ومصر هذا إلى جانب أصدقاء كثر في العالم، لو لم يقفوا هؤلاء معنا ما كان بإمكان لبنان ان يخرج من تلك المآزق المتكاثرة عليه، ولم يكن بإمكان لبنان ان يصل الى القرار 1701 القرار الاممي ولا أن يعيد بناء ما هدّمته إسرائيل في العام 2006.

انا أقول انه وخلال فترة هذا العقد الماضي، كان هناك ترديا مستمرا في مستويات الثقة في علاقات لبنان مع العالم العربي وكلنا نعرف ان مصلحة لبنان ومصلحة اللبنانيين والاقتصاد اللبناني قائم على علاقة لبنان مع العالم العربي. فكيف يمكن لمواطن او لإنسان ان يضع قدمه في صحن أكله. هل هذا معقول أو مقبول. ليس بإمكان لبنان ان يستمر في هذه العلاقة غير المتوازنة. المطلوب الآن ان يصار الى المبادرة فوراً إلى بناء علاقة متوازنة في الداخل وفي الخارج. وذلك يكون بتصحيح الخلل الحاصل على التوازنات الداخلية في لبنان، كما وأن يبادر لبنان فوراً إلى إعادة بناء التوازنات الدقيقة في علاقة لبنان مع الاشقاء العرب والأصدقاء في العالم. هذا الامر لم يستطع رئيس الجمهورية ان يقوم به حتى الآن بسبب هذا الحلف الذي بينه وبين حزب الله. وحزب الله وكما تعلم مرتبط بأجندة إقليمية وهي إيران، وبالتالي فإنّ إيران تملي على الحزب ما تريده، وحسب ما يناسب مصالحها وطموحاتها الإقليمية. وبالتالي يملي الحزب على لبنان واللبنانيين ما لا يستطيعون تحمله.

هذا الوضع البائس الذي أصبحنا عليه يتطلب المبادرة فوراً إلى القيام بإصلاحات أساسية في لبنان، إصلاحات مالية وإصلاحات نقدية وإصلاحات قطاعية وإصلاحات إدارية ولكن كل هذه الإصلاحات لم تعد كافية على الاطلاق لسبب ان هناك أمورا تتعلق بالسياسة، والتي يجب ان يصار الى معالجتها داخلياً وخارجياً. داخلياً في إعادة الاعتبار للطائف والدستور ولسلطة الدولة اللبنانية. لقد أصبح لزاماً على لبنان ان يثبت للجميع انه يحترم اتفاق الطائف ويعمل على استكمال تطبيقه، وهو الاتفاق الذي جمع بين اللبنانيين، وأكّد على مسألة العيش المشترك، وان لبنان يحترم أيضاً الدستور اللبناني وانه يحترم مصلحة الدولة اللبنانية ومصلحة اللبنانيين. وأن يثبت أيضاً على سلامة علاقاته مع الأشقاء العرب ومع العالم. كما أنّ على لبنان أن يحرص على فكرة أساسية لطالما كانت إحدى مرتكزات لبنان الا وهي العودة إلى احترام معايير الكفاءة والجدارة في تحمل المسؤوليات في إدارة الدولة.

المشكلة أنّ هذه الحكومة قد أصبحت مستتبعة لحزب الله، ومستتبعة من قبل الأحزاب الطائفية والمذهبية ولذلك وصلنا الآن الى الحدّ الذي تراكمت وتفاقمت فيه المشكلات، بحيث يجري كما ذكرت تحميل لبنان ما لا يستطيع حمله ولا يستطيع ان يستمر به.

تاريخ الخبر: 
06/07/2020