الرئيس السنيورة لسعودي 24 : خطر وجودي على لبنان والوقائع المريبة تتطلب تحقيقا نزيها وشفافا من لجنة دولية لتقصي الحقائق

-A A +A
Print Friendly and PDF

أجرت القناة التلفزيونية السعودية سعودي 24 وفي برناأجرت القناة التلفزيونية السعودية سعودي 24 وفي برنامج ما وراء الحدث حواراً مطولاً مع الرئيس فؤاد السنيورة تناول آخر التطورات ورؤيته لمسار الأوضاع في لبنان وفي ما يلي نص الحديث:

س: المشاهدين الكرام: في هذه الحلقة من "ما وراء الحدث" وهي خاصة واستثنائية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. نسعد ونتشرف باستضافة دولة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق الرئيس فؤاد السنيورة.

دولة الرئيس، أهلاً وسهلاً بك معنا على السعودية 24 في برنامج "ما وراء الحدث". أولا شكرا لك لقبول الدعوة ولظهورك معنا في برنامج "ما وراء الحدث".

ج: بداية، أودّ أن أشكرك أخ ممدوح على هذه الاستضافة في هذا البرنامج، وأشكرك على هذا الاهتمام والتعاطف مع لبنان.

لقد استمعت إليك وإلى ما قلته في مقدمة حديثك حول الدور الاخوي الذي لطالما لعبته المملكة العربية السعودية في علاقاتها مع لبنان. فالسعودية كانت من ضمن الدول السبع المؤسّسة للجامعة العربية. وكان لبنان أحدها. وهي قد حرصت في صياغة مشروع انشاء جامعة الدول العربية على احترام استقلال وسيادة لبنان. ولطالما كانت المملكة العربية السعودية، بعد ذلك، وخلال كل السنوات الماضية، والى جانبها مصر تلعبان دوراً هاماً في الحفاظ على استقلال وسيادة وحرية لبنان. ولقد تجلى هذا الدور بالدعم الذي كانت تقدمه المملكة إلى لبنان على مدى جميع تلك السنوات الماضية. كما تجلى ذلك في الدور الذي لعبته السعودية بعد ذلك في التوصل إلى اتفاق الطائف والذي حظي بدعم لبناني، وكذلك بدعم عربي ودولي على مختلف الأصعدة. وهو الاتفاق الذي أدّى إلى انتهاء الحرب الاهلية استناداً إلى الصيغة المستندة إلى فضيلة وسموّ فكرة العيش المشترك في لبنان المتنوع والمنفتح، وبما أسهم في تحقيق ما يصبو إليه اللبنانيون من مشاركة حقيقة في استعادة النهوض اللبناني وأيضا المشاركة في تعزيز الأنشطة التي يقوم بها لبنان لما فيها صالحه وصالح علاقاته الأخوية مع الدول العربية الشقيقة ومع أصدقائه في العالم. ولقد تجلّى هذا الامر أيضاً في الموقف الوطني والقومي الكبير الذي لعبته المملكة في الوقوف الى جانب لبنان في العام 2006 عندما تعرض لبنان للاجتياح الإسرائيلي. وهكذا وعلى هذه الأسس، فقد كانت دائما المملكة تقف الى جانب لبنان، ونحن نشكرها ونقدر لها هذا التعاطف مع لبنان من اجل ان ينهض لبنان بدوره الطبيعي إلى جانب أشقائه العرب فيما كل ما يكون فيه الخير لمواطنيه ولأشقائه وللعالم العربي.

س: دولة الرئيس عندما نتحدث عن تفجيرات بيروت أولا نعزي أنفسنا ونعزيكم بالضحايا الأبرياء الذين سقطوا جراء هذا التفجير الآثم في مرفأ بيروت. كذلك نبتهل وندعو الله سبحانه وتعالى ان يمن بالشفاء العاجل على كل المصابين وهم مع الأسف بالآلاف. هذه التفجيرات كشفت المستور عند بعض المراقبين والمحللين في لبنان. لكن اود قبل ان نخوض في تفاصيلها ان استمع واسمع ويسمع المشاهد وجهة نظرك وتعليقك على هذه التفجيرات. إذ أنه وإلى هذه اللحظة لا زالت الأمور غامضة ولم يعرف المتسبب في هذه الجريمة، وهي جريمة بكل ما تعنيه الكلمة، أيا كان السبب وأياً كان المتسبب. من المستفيد ومن المتضرر في هذه الجريمة النكراء التي حصلت جراء انفجار مرفأ بيروت؟

ج: كما ذكرت أخ ممدوح، فهي جريمة جرى ارتكابها من خلال عملية نقل مواد متفجرة بشكل مريب، وجرى إلباسها مظاهر وكأنها عملية نقل عادية. وتتمثل هذه العملية بحمولة سفينة كانت متوجهة كما قيل آنذاك إلى الموزمبيق، وآتية من جورجيا على البحر الأسود. وبالتالي طلب من قبطان السفينة أن تحوّل وجهتها الى لبنان وذلك كان في العام 2013. وعلى أساس انه كان مطلوباً من السفينة ان تحمِّل حمولة إضافية من لبنان. ولكن عندما وصلت الى لبنان تبين بأن السفينة غير قادرة على أن تحمل حمولة إضافية، وأنها لم تستطع ان تسدد الرسوم المرفئية اللازمة، وبالتالي جرى ايقافها، ومن ثم تبين انها غير قادرة على الإبحار نظرا لتسرب الماء من قعرها، ولذلك جرى تفريغ الحمولة وكل ذلك بتركيبات وتبريرات يقصد منها ان تأخذ الطابع القانوني من اجل ان يصار الى افراغ تلك الحمولة من كميات نترات الامونيوم ذات التركيز العالي 34.7%، وهي المواد المحظور ادخالها الى لبنان نظرا لان هذا التركيز (concentration) في هذه المادة يجعلها قابلة للاستعمال لإنتاج المتفجرات، وليس من اجل إنتاج الأسمدة الكيمياوية للزراعة.

ومن ثم ضاعت اخبار هذه الكمية الموجودة في المستودع لفترة سبع سنوات، وبالتالي فجأة جرى الانفجار في الرابع في آب 2020، وحيث بدأت تظهر بوجود مراسلات داخلية بين الأجهزة وإدارة المرفأ والقضاء. مراسلات من هنا ومن هناك، ولكن دون ان تؤدي تلك المراسلات بين مختلف الأجهزة والادارات المعنية في المرفأ من جيش ومن امن دولة ومن امن عام وقوى جمركية وإدارات قضائية إلى أي نتيجة. اتصالات ومكاتبات ورسائل دون ان يتمخض عنها أي شيء يؤدي إلى إبعاد ونقل تلك الكميات بعيداً عن لبنان أو إعادتها الى صاحبها والذي تبين بعد ذلك انه ليس هناك من صاحب لها معروف. فصاحب تلك المواد شبح، طبيعي هناك صاحب حقيقي ولكنه مكتوم.

والذي تبين بعد ذلك ان هناك ثغرات في هذا المستودع تسمح لبعضهم بالدخول إلى ذلك العنبر، وبالتالي ما يتيح لمن يريد سحب كميات من تلك المواد المتفجرة تدريجياً لاستعمالها من قبل صاحب تلك الكميات والمكتوم في الداخل اللبناني أو ربما إلى خارج لبنان. وذلك يعني أنّ قسماً كبيراً من تلك الكميات جرى إخراجها بنتيجة قول الخبراء أنّ هذا التفجير لم يكن ليزيد عن كميات بحدود ثلاثمائة طن من أصل الكمية الأساسية وهي 2750 طناً.

ومن ثم بدأت تتبين المعلومات بأن الذي استورد هذه الكميات هو الذي كان يشرف بشكل كامل على الاستعمال التدريجي لهذه الكميات.

وهذه الوقائع المريبة تتطلب ان يصار الى ان يكون ذلك محط تحقيق صحيح وكامل نزيه وشفاف بداية من قبل لجنة دولية لتقصي الحقائق بشكل يبين كل الحقائق، ولاسيما وان هذا التفجير قد أودى بحياة أكثر من 170 مواطن لبناني، وهذا حتى الآن، وذلك غير المفقودين. وأدى الى إصابة عدد كبير من الجرحى أكثر من 6000، ومنهم مازال في حالة الخطر، وتدمير جزء كبير من بيروت وأبنيتها، وهذه الخسائر بمليارات الدولارات.

الآن من يتحمل مسؤولية هذه الكارثة؟

المشكلة الآن هو ان رئيس الجمهورية والحكومة اللبنانية تحاول ان تحصر التحقيق في هذه العملية بالأجهزة وبالإدارات التي كانت هي الموجودة والمسؤولة في المرفأ. وبالتالي، فإنّ الأجهزة وهذه الإدارات هي التي كانت مطلعة بكل ما يجري من شاردة وواردة في المرفأ بما فيها تلك الشحنة وتلك المواد، وان الموقف الذي اتخذه السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله في هذا الصدد، كان حاسماً بأنّه يجب الاكتفاء بالتحقيق الذي يجريه الجيش او تجريه تلك الأجهزة، وأنّ رئيس الجمهورية، وكذلك حزب الله وآخرون ممن يلوذون بهما ضد أي تحقيق تجريه هيئة خاصة، وهي التي يجب أن تؤلف عن طريق الأمم المتحدة او عن طريق الجامعة العربية. وبالتالي، وجدنا أيضاً أن فخامة الرئيس يصر على حصر هذا التحقيق بجهة معينة بذاتها، وهي أساساً التي كانت المسؤولة في المرفأ، والتي يفترض بها أن تكون على علم تام بكل ما يجري في المرفأ وتحديداً وبما يختص بهذه الشحنة التي كان يجري بكل ما يتعلق بها تحت ناظريها وبمعرفتها.

فكيف والحال هكذا يمكن ان تتولى هذه الجهات هذه التحقيقات من قبل من كان موجوداً ويعرف بكل تفاصيل هذه الكميات وكل ما طرأ بشأنها. لذلك اعتقد أنّه ومن أجل معالجة وامتصاص هذا الغضب العارم الذي يتفاقم لدى اللبنانيين الذين أصيبوا بصدمة هائلة بنتيجة هذا القصور والتقصير وعدم التنبه والتبصر في مآلات هذه الشحنة المتفجرة، والتي وضعت وجرى تخزينها على بعد أمتار من المنطقة السكنية في مدينة بيروت. هذا الامر هو ما جعلنا نحن رؤساء الوزراء السابقين يوم الأربعاء الماضي أن نطالب بتأليف هيئة دولية للتحقيق وبشكل منفصل ونزيه في جميع تفاصيل هذه العملية المريبة والتي تثير الشكوك.

س: دولة الرئيس عندما نتحدث عن ان هذه المتفجرات تم تخزينها في مرفأ بيروت منذ عام 2014 أي خلال الفترة التي تعاقب منذ ذلك الحين على لبنان 4 حكومات. كل هذه الحكومات الأربعة وكل هذا الكم الكبير جدا والهائل من المتفجرات التي رأينا نتائجها على بيروت بأكملها ولم تلفت الانتباه لم يتم التحقيق بها؟ ولم تؤخذ بعين الاعتبار؟ يعني انت تلمح ولم توضح حتى هذه اللحظة من المسؤول عن تخزين هذه المتفجرات. من الذي منع وسائل الأجهزة الأمنية اللبنانية من ان تتخذ الإجراءات الرسمية الصحيحة ضد هذه المتفجرات؟

ج: حتى نكون موضوعيين لا يظهر الآن وبشكل واضح من كان ومن هو وراء هذه العملية. هو يبدو وكأنه شبح. كان يواكب هذه الأجهزة والإدارات وبدون ان يظهر من هو. وبالتالي كان هناك العديد من المراسلات التي بدأت تتكشف الآن. فلان يرسل رسالة أو يحيل الى الجهاز الفلاني وآخر يرسل الى القضاء والقضاء يرد ويعود إلى وزارة الأشغال ومن الوزارة تعاد المراسلات إلى الجمارك وغيرها. وجميعها مراسلات ولكن لا ينتج عنها أي شيء وكأن هذا الشبح، الذي هو صاحب هذه المواد، كان يتحكم بحركة سير كل هذه الاتصالات دون ان تخرج في المحصلة أي نتيجة إلى العلن. وبالتالي إن سأل أحدهم ليعرف حقيقة ما حصل، لا يحصل على شيء.

في هذا الأمر بالتحديد، سألت الرؤساء نجيب ميقاتي وتمام سلام وأيضا الرئيس سعد الحريري وهم جميعا لم يكونوا على علم ولا جرى اطلاعهم على هذا الامر على الإطلاق.

في المحصلة ما أقوله ان هذا الامر الخطير، والذي هو بمثابة جريمة ضد الإنسانية، وليس حادث سيارة ذهب ضحيته عدد من القتلى. فهذا امر أدى الى تدمير عاصمة لبنان وأدى الى هذه الخسارات الإنسانية وهذه الضحايا البشرية وهذه الخسارات المادية، وهو امر يقتضي ان يصار الى التحقيق فيه بداية من قبل لجنة مستقلة لتقصي الحقائق تؤلفها الأمم المتحدة. وبالتالي من قبل هيئة تحقيق دولية او هيئة تحقيق عربية حتى يصار الى كشف الحقيقة كاملة، وتحديد المسؤوليات. لأنّ الذي حصل حتى الآن لا يوحي بالثقة ولن يرضي اللبنانيين الذين نالهم ما نالهم نتيجة هذه التفجيرات. وبالتالي، فإنه لا يمكن لهم أن يسكتوا عن هذا التعتيم الجاري عن حقيقة هذه التفجيرات ولا يرضون بإجراء تحقيقات شكلية تؤدي إلى التعمية على ما جرى. وهم لذلك يرغبون بجهة تحظى بالصدقية التي يمكن ان يطمئنوا لها ويطمئنوا لنتائجها. لاسيما ان لبنان تعرض خلال السنوات الماضية الى عدد كبير من عمليات التفجير والاغتيال والعمليات الإرهابية ودائماً كانت تلك الجرائم تحوّل الى القضاء والى الأجهزة المعنية. وفي المحصلة تضيع المسؤولية وبالنهاية يتبين ان ليس هنالك من إمكانية لتحديد المسؤوليات.

هذا الامر الذي حصل الأسبوع الماضي هو امر في غاية الأهمية والخطورة نظراً لما يشكّله هذا التهديد على حياة اللبنانيين ولمستقبلهم ولقدرتهم على ان يعيشوا في وطن يستطيعوا فيه ان يحترموا أنفسهم ويحترموا أيضا حقوق عائلاتهم وأولادهم. لذلك كان الطلب بأن ينبغي ان يصار الى تأليف لجنة مستقلة. هناك من يقول ويحاول ان يعطي تبريرات ان تأليف هيئة دولية مستقلة للتحقيق في حقيقة ما جرى بداية بلجنة دولية لتقصي الحقائق.

لقد عبّر البعض عن رفضهم على أساس ان ذلك فيه افتئات على السيادة اللبنانية. هل الاستعانة بفريق من الخبراء مؤلف من قضاة وخبراء في هذه الحقول فيه افتئات على السيادة. إنّ الذي يتباكى على السيادة الوطنية أليس من الأجدر به أن يتباكى على خرق هذه السيادة من قبل حزب الله، ومن خلال السلاح الذي يحمله الحزب والذي كان في الأصل، وهو يفترض به أن يكون سلاحا موجها ضد إسرائيل، وإذا بنا نجده قد تحول، وهو قد أصبح بالفعل موجهاً إلى صدور اللبنانيين وبعد ذلك وأكثر من ذلك إلى صدور السوريين والعراقيين واليمنيين.

قل لي يا سيدي، أليس في ذلك افتئات على السيادة اللبنانية وعلى السيادة العربية. كيف يمكن لنا ان نبرر هذا العمل، وان ليس في ذلك خرق للسيادة ونقول في المقابل ان الاستعانة بفريق من اجل التحقيق هو امر فيه افتئات على السيادة. ألا يكون التدخل في شؤون الدول العربية مخالفة لعلاقة لبنان مع هذه الدول العربية؟ بالتالي أليس في هذا افتئات على السيادة اللبنانية. هذا هو ما يسمى الكيل بمكيالين أو ما يسمى double standard.

س: دولة الرئيس هذا التفجير له سياقات وله أيضاً تداعيات. حقيقة هناك أمور تترتب على لبنان بعد تفجير مرفأ بيروت. التداعيات على المستوى المحلي. فلبنان ليس ناقصاً لكي تنهال عليه المزيد من الازمات. فهو يعاني من ازمة اقتصادية وامنية خانقة. وعلى المستوى العربي والإقليمي يعاني من ازمة وعزلة عربية وإقليمية نتيجة تدخل حزب الله في الشؤون الداخلية للدول العربية، وكما ذكرت حضرتك في سوريا والعراق واليمن، وأيضاً في الدول الخليجية. وبالتالي في خضم مثل هذه التداعيات كيف يمكن ان تكون تأثيرات ذلك كلّه على لبنان. وأيضاً على المستوى الإقليمي والعربي كيف سيكون التعامل مع الوضع في لبنان بعد تفجيرات بيروت. وخاصة بعد ان انكشفت الغطاء تماماً، واليوم قد أصبحت الأمور واضحة بشكل كامل. من يتحمل مسؤولية ما وصل اليه لبنان اليوم؟

ج: كما ذكرت يا أخ ممدوح، انّ لبنان، وعلى مدى سنوات طويلة، وعلى الأقل منذ حوالي عشرة سنوات، يعاني من مشكلات كبيرة جدا اقتصادية وإدارية ومالية، وهي كانت تتفاقم باستمرار، وبالتالي حتى وصلنا الى ما أصبحت عليه الأحوال في لبنان عشية يوم الرابع من آب أي يوم الثلاثاء الماضي. ولقد كان الوضع قد بلغ درجة بالغة من الخطورة وتتمثل في انهيار كبير في الثقة ما بين اللبنانيين من جهة وما بين الحكومة اللبنانية ورئيس الجمهورية اللبنانية وقسم كبير من الناشطين في العمل السياسي في لبنان. وهذا الانهيار الكبير في الثقة أدى الى انهيار هائل أيضاً في الاقتصاد والتراجع في النمو الاقتصادي وفي جميع الأوضاع الاقتصادية والمالية والنقدية والمعيشية كما تبينه مختلف المؤشرات الاقتصادية والمالية. ومن ذلك ما تبيّنه أرقام الدين العام، وفي نسبة الدين العام الى الناتج المحلي، وأيضاً الى تدهور كبير في ميزان المدفوعات، وكل ذلك حصل قبل عشية الرابع من آب. ولقد وصلنا آنذاك إلى وضع شبيه بما يقوله المتنبي في وصف حاله عندما أصيب بالحمى في قصيدته الشهيرة: "أبنت الدهر عندي كل بنت فكيف وصلتِ أنتِ من الزحام". كل هذه المشكلات المتزاحمة والمتلاطمة التي كانت لدينا في لبنان. ولكن وفوق ذلك كله جاءت تلك التفجيرات التي زادت من حدة المشكلات تفاقما واستعصاء على لبنان.

س: اليوم نحن لسنا بصدد الحديث فقط عن الازمات التي يعاني منها لبنان فهي موجودة من الأساس. نحن نتحدث عن قضية وجود لبنان. وجود لبنان أصبح مهدداً اليوم؟

ج: هذا صحيح. فإنّ هذا الوضع في لبنان الآن قد أصبح يشكل خطرا وجوديا على لبنان نتيجة استمرار استيلاء الدويلة على الدولة اللبنانية، وأعني بذلك سلطة حزب الله على الدولة اللبنانية. وهذه الدويلة تعمد إلى مصادرة سلطة الدولة اللبنانية، وذلك بالتعاون مع الأحزاب اللبنانية التي تشكل غطاء لحزب الله. أي أنه وبالفعل، فإنّ هناك نوعاً من تبادل المنافع والخدمات بين حزب الله وتلك الأحزاب. حزب الله يؤمن لها المنافع من خلال وجودها في مواقع في بعض السلطات والوزارات والإدارات، وهي تقدم له التغطية لسلاحه غير الشرعي. ولقاء ذلك هو يحتفظ بقدرته على تسيير الأمور في لبنان، وفي معظم الإدارات والأجهزة، ويكون وضعه كمن يلعب بالدمى. هذا هو الوضع الذي وصلنا اليه، وهو ما يمكّن حزب الله من السيطرة الكاملة على الأوضاع السياسية والأوضاع العامة بما فيها الاقتصاد والمال والنقد والاجتماع ومستوى المعيشة. وكل ذلك نتيجة استيلاء تلك الدويلة على الدولة. وانت تعلم أنّ الله سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم: "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا". فمن المعروف أنّ الدولة هي التي يجب ان تحتكر حمل السلاح واستعماله عند الاقتضاء. وهذا الأمر ليس حاصلاً في لبنان. والدولة في المبدأ هي التي يجب أن تحتكر السياسة الخارجية وهذا ليس حاصلا في لبنان. وهذه بالتالي هي أبسط القواعد وابسط الشروط لوجود الدولة في الأساس. وهي أن تحتكر حمل السلاح واستعماله عند الاقتضاء، واحتكارها أيضاً للسياسة الخارجية، وهذا غير متوفر. ناهيك عن ذلك، فإنّ الدولة هي التي يجب أن تسيطر على المرافق الأساسية للدولة اللبنانية والتي تشكل المصادر الأساسية لجباية المال والضرائب والجمارك في لبنان لصالح الخزينة اللبنانية. وكذلك هذه صفة من الصفات التي عادة تحتكرها الدولة، وهي الصفات التي أصبحت غير متوفرة في لبنان بسبب هذا التسلط على الدولة اللبنانية من قبل حزب الله. هذا الامر الذي قلت لك انه يؤدي الى خطر وجودي على لبنان.

س: ما الذي جعل حزب الله يسيطر ويهيمن ويتحكم على كل مفاصل الدولة اللبنانية بهذه السهولة. يعني عندما نتحدث عن ميليشيا ضمن دولة كيف استطاعت هذه الميليشيات أن تسيطر على دولة كاملة بكل مؤسساتها ومقدراتها وخيراتها؟

ج: هناك أمران يجب التركيز عليهما: الامر الأول، وهو الامر الأساس الذي تعود اليه معظم المشكلات التي يعاني منها لبنان، وهو الاحتلال الإسرائيلي واستمرار جزء من لبنان محتل من قبل إسرائيل. فحزب الله عندما تأسس في مطلع الثمانينات وكان ذلك بعد الاجتياح الإسرائيلي وبعد قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كان المنطق والتبرير لوجود حزب الله ولسلاحه هو العمل على طرد إسرائيل وإخراجها من لبنان. وهذا الامر استمر ومنذ العام 1982 الى عام 2000 عندما انسحبت إسرائيل من لبنان. وبالتالي انتفى المبرر لاستمرار هذا السلاح بعد انسحاب إسرائيل. لكنّ الذي جرى بعد ذلك هو التآزر بين حزب الله والنظام السوري، وبالترتيب بينهما، بأن يصار الى عدم مساعدة لبنان على اثبات ملكيته لمنطقة مزارع شبعا. وبالتالي، وقع لبنان في ازمة ومفارقة خطيرة وكبيرة والقصد منها ليس الا تبرير استمرار وجود السلاح في يد حزب الله خارجاً عن سلطة الدولة. وبالتالي وبما يعني أن تكون هناك ثنائية في السلطة في لبنان.

مزارع شبعا هي مزارع لبنانية لكن سوريا تدّعي أن هذه المزارع هي ملكها وتابعة لسيادتها. حزب الله يقول في المقابل أنّ هذه المزارع لبنانية وانا أقول انها لبنانية، وفي ذلك اختلفنا مع سوريا. وبالتالي هذا الامر استغلته اسرائيل لاستمرار احتلالها للبنان. فهي عندما تقول ان لسوريا فإنها تدعي عندها أن احتلالهما لتلك المزارع يعود للمشكلة ما بينها وبين سوريا وهي لا تنسحب من تلك الأراضي، بينما لبنان، وحسب القرار الدولي 425، وكذلك حسب القرار الدولي 1701، فإنّه يفترض بإسرائيل أن تنسحب من جميع الأراضي اللبنانية. ولكن سوريا من جهتها لا تقبل بترسيم الحدود بينها وبين لبنان، ولا بتحديد الحدود ولا تأبه أيضاً لإعطاء هذه التأكيدات لا للدولة اللبنانية ولا للعالم بأن مزارع شبعا لبنانية. وبالتالي هذا الامر وضعنا بمشكلة مقصود منها ان يظل التبرير قائماً لاستمرار وجود السلاح في يد حزب الله وخارجاً عن سلطة الدولة اللبنانية.

من جهة أخرى، كانت هناك مصالح. حزب الله يرد ان يحتفظ بسلاحه وعون يريد ان يصبح رئيس جمهورية. وبالتالي، فإنّ هناك حاجة لتبادل المصالح. وهذا الامر ما دفع حزب الله الى ان يستفيد من رغبة الجنرال عون في ان يصبح رئيسا للجمهورية وبالتالي لعب الحزب على هذا الموضوع وعمل على توقيع الاتفاق في كنيسة مار مخايل في العام 2006 من اجل تمكين الرئيس العون بأن يصبح رئيسا للجمهورية وتمكين حزب الله من الاستمرار في الاحتفاظ بسلاحه. ومن ثم كانت هذه العلاقة المبنية على مصلحة للجنرال عون ان يصبح رئيساً لجمهورية وهذا ما مكَّنه من ان يصبح بعد ذلك رئيسا للجمهورية، وذلك بعد أن أصرّ على تعطيل سدّة الرئاسة لمدة سنتين ونصف. وبالتالي أن تستمر هذه العلاقة غير الصحيحة وغير الدستورية. وبالتالي، إعطاء الحزب هذه الصلاحية عندما يقول الرئيس عون ان الجيش اللبناني هو غير قادر على حماية لبنان وأننا بحاجة الى سلاح حزب الله وبالتالي بحاجة الى هذه الازدواجية التي ذكرتها لك. إنّه بذلك يفتئت حزب الله على الدولة اللبنانية وعلى سيادتها. وبالتالي ينتقص من ما يسمى الاستقلال والسيادة اللبنانية بوجود هذا السلاح.

س: دولة الرئيس ماذا عن إيران في لبنان. يعني عندما نتحدث عن حزب الله وكما يصفه البعض بأنه ذراع إيران في لبنان وحسن نصر الله بنفسه قال في أحد خطاباته ان معاشاته ورواتبه ومصاريفه كلها تأتي من إيران، وبالتالي هو يريد تحميل لبنان جزءاً من عبء الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهي جزء من ولاية الفقيه؟

ج: انت ذكرت أن رواتب ومعاشات الحزب، وكذلك أوامره أيضا تأتي من إيران. وبالتالي تظهر وجوه الاستغراب والتناقضات. إذ انه من المستغرب ان أولئك الذين يدافعون عن هذا السلاح لا يلفتهم النظر بأن في ذلك افتئات على الدولة اللبنانية وعلى السيادة اللبنانية. ان هذا الامر قاله السيد حسن نصر الله وكرره مراراً وتكراراً. وهو كان يقول ذلك وما زال يقوله. المشكلة ليس فقط أنّ هناك افتئات على الدولة اللبنانية وعلى السيادة اللبنانية. بل أكثر من ذلك، فإنّ ما يجري هو أيضاً افتئات على علاقات لبنان مع العالم والعالم العربي. وبالتالي هناك خطيئة ترتكب في حق لبنان، إذ أنّ لبنان أصبح يستعمل منصة للتهجم على عدد من الدول العربية وبالتالي التهجم على علاقات لبنان مع العالم، وأدى بلبنان الى الوقوع في هذه العزلة التي أصبح يعاني منها لبنان.

بعبارة أخرى هناك من يضع لبنان ويحمِّله ما لا يُحْتمل بل ويضعه على ممرات الافيال الإقليمية والدولية وبالتالي يصبح لبنان أشبه ما يكون بكرة تتقاذفها تلك الافيال، وهو لا يستطيع ان يتحملها بسبب ظروفه ومن ناحية تكوينه، ولا يتحملها أيضاً بسبب طبيعته وتنوعه وأيضاً بسبب أنّ مصادر رزق أبنائه هي في قسم كبير منها مع الأشقاء العرب. فلبنان لا يتحمل ان يكون في مثل هذا الوضع. ولذلك كان دائما هناك هذا الاختلاف في المقاربات، والتي كان الحزب يحاول ان يستفيد من تلك الخلافات ويستفيد من وهج السلاح الذي ما تورع في مرات عديدة عن استعماله كأداة للتهويل والتهديد في الداخل اللبناني وهو عندما قام بتلك الهجمة على اللبنانيين في السابع من أيار عام 2008، والتي قال عنها يوم ذاك السيد حسن نصر الله بأنه يوم مجيد، تصور أن يُقال هكذا!!!

س: سآتي على هذه الحادثة، وهي محاولة احتلال بيروت من قبل حزب الله في السابع من أيار عام 2008. لكن يا دولة الرئيس، وبعد تلك التفجيرات التي حدثت في مرفأ بيروت، كانت ردة الشارع اللبناني غاضبة جدا وهي على حق ومحقة لان هناك أرواح بريئة أزهقت في تلك التفجيرات. لكن هناك امران لافتان بعد ذلك التفجير، الامر الأول هو تعليق مشانق رمزية لحسن نصر الله ونحن نتابعها الآن على الشاشة لأول مرة وهذه سابقة وحدث يجب التوقف عنده، وهي بالفعل تكسر هيبة ورمزية وقدسية حسن نصر الله في لبنان. الا تعتبر نقطة تحول إيجابية جدا في الشارع اللبناني؟

ج: هذه الظاهرة هي نقطة تحول بدون أي شك وهي تكسر هيبة السيد حسن هناك تغيير أيضاً ليس فقط بالنسبة للسيد حسن نصر الله بل وكذلك للتيار الوطني الحر ولفخامة رئيس الجمهورية. هناك غضب عارم لدى اللبنانيين. لم يعد يستطيع اللبنانيون ان يتحملوا هذا العسف والاجرام في حقهم وحق أبنائهم وبالتالي حتى بالنسبة لقطاع كبير من المسيحيين في لبنان الذين كانوا يؤيدون التيار الوطني الحر، وكانوا يؤيدون الجنرال عون. فقد شعروا الآن بأنهم قد أهينوا بهذه العملية. وانه يجري فعليا امتهان كراماتهم وكرامة أبنائهم وحياتهم. ليس ذلك فقط حتى ضمن الطائفة الشيعية. بل هناك شعور بالخوف لدى الكثير من اللبنانيين الشيعة مما يجري من تطورات، وتؤدي في المحصلة إلى الإطاحة بلبنان كوطن للعيش المشترك وكقيمة أساسية في المنطقة العربية وفي العالم الذي يتعايش فيه هذا التنوع اللبناني المنتمي الى هذه الديانات السماوية. وبالتالي، فإنّ ما يجري، يعطي صورة عن الحال الذي وصل إليه تدهور الأمور، والى المزيد من التوترات ليس فقط في لبنان، وإنما وفي العالم العربي وفي الخارج. هذه الامور من الطبيعي وبالتالي فإنّ الحاجة تصبح ماسة من أجل المحافظة على لبنان. وهذا أمر بالفعل أمر خطير وليس أمراً بسيطاً.

هذه التحولات جديرة وإلى حدّ بعيد بالمتابعة والتنبه إلى أهميتها.

س: ما الذي يجعل لبنان بلد الصحافة والثقافة والعلم والسياحة والسلم والتعايش ان يكون مسرحا وساحة لتصفية الحسابات الداخلية والإقليمية وكذلك الدولية. في الستينات حاول جمال عبد الناصر ان يهيمن على لبنان ولكن بعد ان رفض الرئيس كميل شمعون قطع العلاقات مع الغرب بعد ازمة السويس كان هناك أمر إنزال، وبأمر من الرئيس الأمريكي آنذاك لـ14 ألف جندي في بيروت، وأحبط تلك المحاولة الناصرية أيضا في السبعينيات، حيث تحولت المقاومة الفلسطينية من الأردن الى لبنان. وبالتالي كانت هناك محاولة لإيجاد ساحة صراع في لبنان. ولقد شنّت إسرائيل حرباً على لبنان في عام 1982، وجرى إخراج منظمة التحرير الفلسطينية. وبعد ذلك، جرى اقتحام إسرائيل للبنان في العام 2005.

اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري كان بعدها، ونحن نعرف ان حزب الله متورط في هذه العملية ومحكمة الجنائية الدولية كانت على وشك ما بين قوسين او أدني من أن تعلن النتائج. في العام 2008 كان اقتحام بيروت. ما الذي يجعل لبنان ساحة لكل هذه الصراعات رغم انه بلد صغير جغرافيا كبير في ثقافته في علمه في تعايشه السلمي بين كل الطوائف؟

ج: لا شك ان لبنان مر خلال هذه المئة عام أو لنقول منذ الاستقلال والى الآن تعرض لبنان إلى خضات كبيرة وتعرض لصدمات هائلة وكبيرة، والتي كان من ضمنها تعرض لبنان الى اجتياحات إسرائيلية عديدة. دلني على أي بلد عربي تعرض لهذه القدر من الاجتياحات الإسرائيلية على مدى السنوات الـ40 الماضية. فقد تعرض لبنان في تلك السنوات لستة اجتياحات إسرائيلية من الحجم الكبير. لا شك ان لبنان وفي العام 2005، وبعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وهي التي كانت الشرارة لإظهار الوجه الحقيقي للبنان. لبنان العيش المشترك، لبنان هذا التآلف بين جميع أبنائه، والتي ظهرت هذه الصورة الفريدة في العالم والعالم العربي عندما خرج مليون متظاهر لبناني في الرابع عشر من آذار 2005 مطالبين بسيادة لبنان واستقلاله وحريته وبهذا العيش المشترك. ولكن بعد ذلك، كانت الأعمال التخريبية التي سعت إليها جماعات وأحزاب للتلاعب بهذا التنوع اللبناني الذي هو بمثابة ميزة أساسية للبنان. هذا التنوع هو الذي يجعل لبنان مثله مثل لوحة الفسيفساء الفريدة بجمالها وتنوعها وبثرائها ولكن عندما يصار الى فرط هذه اللوحة الفسيفسائية فإنها تصبح فعليا مجموعة من الأحجار المختلفة الألوان والاتجاهات.

والذي جرى انه وبعد الرابع عشر من آذار 2005، حصل تلاعب مستمر من اجل اثارة التناقضات داخل هذا التنوع اللبناني، ومن ثم تفرقت مجموعة 14 آذار بناء لذلك.

عندما جرت الانتفاضة في 17 من اكتوبر الماضي عام 2019 دعني أقول لك ما سمعته على لسان طالبة في إحدى الجامعات اللبنانية، والتي هي جامعة الكسليك، عندما كانت تتحدث امام التلفزيون وتقول بشكل واضح وصريح: "انا لا اريد حقوقي كمسيحية ولا حقوقي كمسلمة انا اريد حقوقي كمواطنة". وبالتالي هذه الانتفاضة هي التي خرجت لتحاول ان تستنهض اللبنانيين مرة جديدة، تستنهضهم كلبنانيين لديهم حقوقا واحدة وعليهم التزامات واحدة وهذا ما يسمى بالعدلنة لدى اللبنانيين. بحيث يكون الجميع متساوين أمام القانون في حقوقهم وواجباتهم. الذي جرى انه مقابل ذلك الموقف الموحّد بين اللبنانيين الشباب المطالبين باستقلال وسيادة وحرية اللبنانيين وأيضاً بحقوقهم المشروعة كمواطنين انه جرى الاندساس فيما بينهم من أجل اثارة النعرات الطائفية والمذهبية فيما بينهم وبهدف إعادة كل فريق منهم إلى مربعه الطائفي والمذهبي. تلك هي القاعدة القديمة التي كان يقول بها الاستعمار اكان الاستعمار الفرنسي او الإنكليزي او غيره من أنواع الاستعمار على قاعدة "فرّق تَسُد". وهذا الامر هو الذي جرى العمل عليه من اجل بث النعرات لدى اللبنانيين وبث الخلافات والتشنجات الطائفية والمذهبية فيما بينهم، وهو ما تحاول تلك الأحزاب ان تستفيد منه، وان تقوم بالتفريق بين اللبنانيين. وهذه المجموعات نجحت قبل ذلك في صياغة مشروع قانون انتخاب مبني على تقسيمات تؤدي الى ان تجري هذه الانتخابات على أساس مذهبي وليس فقط طائفي.

في المقابل، لما وضع اتفاق الطائف والذي أنهى الحرب اللبنانية وجمع اللبنانيين. فإنّ اتفاق الطائف انبنى على عدة مبادئ أساسية، فلبنان عندما أنشئ، وحصل على استقلاله في العام 1943. فهو أنشئ على سلبيتين كما قيل آنذاك. أي انه لا بقاء للانتداب الفرنسي ولا الوحدة مع سوريا. وعندما أقرّ الطائف. فقد انبنى على هذه الصيغة وهذا الميثاق الجديد للبنان، وهي تقوم على ايجابيتين: عروبة لبنان ونهائية الكيان اللبناني، واتفاق الطائف ينص على إنشاء مجلس شيوخ في لبنان. والنظرية هنا تقوم على احترام حقوق للمواطن اللبناني، كمواطن بغض النظر عن انتماءاته الطائفية. وبذلك فإنّ هناك اعتراف به كمواطن. كذلك، فقد كان هناك اعتراف بوجود الجماعات التي يتكون منها الاجتماع اللبناني فبالتالي كان يفترض ان يكون هناك مجلس شيوخ الذي هو ليس مجلسا اشتراعيا ولكنه ينظر في القوانين التي يمكن ان يكون فيها مساس بهذه المكونات للحفاظ عليها حتى لا يصار الى الافتئات عليها.

غير ذلك والدستور اللبناني كان واضحا بأنه حدد الرئاسات الثلاث، أي أن تكون رئاسة الجمهورية لماروني، ورئاسة المجلس لمسلم شيعي، ورئاسة الوزراء لمسلم سني. وكلك قال الدستور في المادة 95. وفي تلك المرحلة الانتقالية، فإنّ مناصب الفئة الأولى فقط تقسَّم، وفي هذه المرحلة بالتساوي. وذلك على أساس أن جميع المناصب الأخرى في الدولة اللبنانية هي مناصب تعتمد على أساس الكفاءة والجدارة وليس على أساس الولاء ولا الانتماء ولا المذهب ولا غيره. وهذا يشكل ميزة هذا النظام اللبناني لكنه بعد ذلك جرى تشويه هذا الاتفاق، وجرى التنكر لحقيقة تلك المادة الدستورية.

فعلياً عندما وضع الدستور بصيغته الجديدة، فقد أوكل امر ما يسمى الاشراف على تنفيذه مثلما يوكل امر اليتيم من امه الى امرأة ابيه لتربيه ونحن في هذا الموضوع كان النظام السوري هو الذي يشرف على تنفيذ اتفاق الطائف.

واللوم هنا لا يقتصر على رغبة السوريين العسكريين في استمرار نفوذهم ووجودهم في لبنان، بل ولنعترف أيضاَ أنّ بعض اللبنانيين، ولاسيما السياسيون منهم أسهم في تشويه تنفيذ اتفاق الطائف من أجل استمرار نفوذهم وإحكام قبضتهم على ناخبيهم.

س: نعم دولة الرئيس لكي نستفيد من هذا الوقت أكثر وأكثر عندما نتحدث عن تداعيات انفجار بيروت ومنها كانت استقالة حكومة حسان دياب وبالتالي انا اود ان اسمع منك تعليقك عن استقالة هذا الحكومة وما بعد هذه الاستقالة ما يمكن ان يحدث في لبنان؟

ج: بنظري الحكومة فعلياً حكومة الرئيس حسان دياب كانت قد وصلت الى نهاية عمرها الحقيقي قبل فترة من الزمن، وهي بالفعل كانت تعيش على التنفس الاصطناعي. المهم انها الآن قدمت استقالتها.

الآن حسب ما ينص الدستور اللبناني فان الحكومة تصبح حكومة تصريف الاعمال. وتصريف الاعمال في الحد الأدنى يفترض وحسب الدستور ان يبادر فوراً رئيس الجمهورية الى إجراء الاستشارات النيابية الملزمة. وبالتالي ينبغي على الرئيس أن يبادر إلى دعوة النواب الى الاستشارات النيابية الملزمة فوراً.

فخامة الرئيس، وفي ما خصّ هذه الحكومة التي ترأسها دياب قام بالتلكؤ والتأخير في إجراء هذه الاستشارات الملزمة 50 يوماً لإجرائها. وهذا مخالف للدستور وليست هذه المرة الاولى التي يخرق فيها رئيس الجمهورية الدستور، ولاسيما أنّ الدستور اللبناني يضع رئيس الجمهورية في الوضع المميز إذ يجعله الساهر على حماية الدستور اللبناني واحترامه. وهذا ما يعطيه دوره المميز، وذلك ما أخفق فيه رئيس الجمهورية في القيام به، وبالتالي هو وآنذاك بادر الى ما يسمى بإجراء مشاورات التأليف قبل التكليف والذي ايضاً يظهر الان ان فخامته سوف يأخذ وقته في عمليات المشاورات قبل التكليف، وهذا أمر مخالف للدستور. وهذا الأمر يجري في الوقت الذي يفتقر لبنان إلى ذلك الترف في التأخير، فأوضاعه الوطنية والاقتصادية والمالية والنقدية لا تسمح له بهذا التكليف.

س: لو سمحت الى دولة الرئيس هل الحكومة هي المشكلة واستقالتها الحل ام المشكلة أكبر وأعمق من ذلك ومن استقالة الحكومة والحل ليس باستقالة هذه الحكومة؟

ج: لا، المشكلة ليست فقط بالحكومة، والحكومة أمر زائل، وهي قد استقالت الآن. المشكلة ليست فعلاً بالحكومة المشكلة هي في من هم وراء الحكومة اكان ذلك بالنسبة لفخامة الرئيس، والمشكلة هي في أسلوبه ومقاربته ونهجه وأدائه في العمل، والذي هو كلّه مخالف للدستور. فالسلطة التنفيذية والصلاحية الحقيقية حسب الدستور اللبناني هي للحكومة وهي صاحبة القرار لكن هذه الحكومة التي تألفت كانت بالفعل جاءت نتيجة انصياعها إلى معاندة رئيس الجمهورية والى تعليماته. وكذلك فإنّ رئيس الحكومة ومن هم وراء هذه الحكومة الذين اختاروا أولئك الأعضاء ليكونوا اتباعهم، وهي أشبه ما تكون حكومة الماريونيت او الدمى التي يجري تحريكها من الخارج من قبل تلك الاحزاب الطائفية والمذهبية. ولذلك، فإنه إن جرى تغيير هذه الحكومة بما معناه أن يجري فقط تغيير الأشخاص واستند إليهم بالإتيان بأشخاص يتبعون ذات التعليمات، فإنّ الأمور لن تتغير. وهذا الوضع لا يتغير ولا يؤدي الى أي جديد ان لم يتغير الاسلوب والنهج والمقاربات وبالتالي التصرفات من قبل رئيس الجمهورية وحزب الله حتى تستطيع الحكومة ان تمارس دورها في الحكم في لبنان.

س: واضح دولة الرئيس وبما أنك ذكرت ايضاً وتطرقت الى موضوع مجلس النواب ولأول مرة في التاريخ هل من المعقول أن يكون رئيس مجلس النواب او يعمر كل هذا العمر ويستمر رئيساً لمجلس النواب منذ العام 1992 الى يومنا هذا، هذه اطول فترة رئيس مجلس نواب في العالم ما مشكلة مجلس النواب في لبنان يا دولة الرئيس؟

ج: هذا الموضوع نتيجة أنه لا يترشح أي شخص آخر بديلاً عن الرئيس بري من الطائفة الشيعية. وبالتالي ينجح الرئيس بري في كل مجلس نواب يصار الى إعادة انتخابه التالي. هذا الامر هو نتيجة اللعبة الديمقراطية والبرلمانية هذا ليس امر طبيعياً ابداً ان يبقى المسؤول في ذات الموقع لمدة 28 سنة لرئيس مجلس نواب ولكن هذا حق النواب في ممارسة ما يريدونه في انتخاب من يريدون كرئيس للمجلس.

س: ولكن ايضاً يا دولة الرئيس من الامور اللافتة التي حدثت بعد انفجار مرفأ بيروت وهو الحضور. الفرنسي وزيارة الرئيس ماكرون الى بيروت ولقائه مع الناس في شوارع بيروت وتحديداً في المناطق المنكوبة. هناك من يتساءل لماذا حضر الرئيس ماكرون الى بيروت؟ ولماذا خاضت الحكومة بهذه الطريقة المهينة للسياسة اللبنانية والسياسيين اللبنانيين، وحيث يتكلّم معهم بهذه الطريقة من رئيس الجمهورية الى أصغر مسؤول في الحكومة اللبنانية ويؤنبهم لا تعليق عليها اترك التعليق لك دولة الرئيس على هذا الموضوع؟

ج: هناك قول في لبنان يقول ما الذي احوجك الى المرّ قال الذي هو أمر منه. وهناك ايضاً حديث للرسول صلى الله عليه وسلم ولا يسبن الرجل اباه قال وكيف يا رسول الله قال ان يسب المرء آباء الاخرين فيسبوا أباه. ما معنى هذا؟ معنى هذا الكلام أنه لو أنّ لبنان واللبنانيين والمنظومة السياسية في لبنان قامت بدورها لما كانت هناك حاجة الى ان يأتي رئيس الجمهورية الفرنسية الى لبنان ويوبخ اللبنانيين والسياسيين في لبنان ورئيس الجمهورية ورئيس المجلس ورئيس الحكومة والسياسيين وغيره.

لا أقول هذا الأمر دفاعاً عن الرئيس الفرنسي وقبله عن وزير الخارجية الفرنسي، ولكن يحزنني أن أولئك السياسيين لم يقوموا بما عليهم أن يقوموا مما استدعى الطرف الأجنبي أن يكون لاذعاً في التعليق على تصرفاتهم.

س: ولكن دوله الرئيس السؤال هل حضر ماكرون من اجل تهدئة الشارع او من اجل الحفاظ على حزب الله او من اجل اهداف سياسية اخرى او من اجل لبنان بشكل عام والشعب اللبناني أيضاً؟

ج: الان الواقع الذي رأيناه هو كما يقولون ليس رمانه بل قلوب مليانة وهو ناتج عن تراكمات. الحقيقة أنّ هناك استعصاء مزمن على الإصلاح في لبنان. كما جرى انقلاب كبير في توازن القوى الذي حصل في المنطقة وفي دور إيران. وهذه بمجموعها أدّت إلى تدهور كبير في الأوضاع اللبنانية والوطنية والداخلية وايضاً جرى التلاعب بالتوازنات الداخلية والتوازنات الخارجية، وفي علاقة لبنان بالعالم الخارجي والعربي والاخرين، وهذا ما أدّى إلى ما يسمى بالابتعاد عما هي عليه مصالح لبنان في علاقته مع العالم العربي. وبالتالي أدّى الى هذا التدهور بالثقة. ولقد فاقم تلك الأمور التدهور الكبير الحاصل على الأوضاع الاقتصادية والمالية والنقدية، وبالتالي أدّى إلى الانهيار في الثقة، وإلى انهيار في العملة اللبنانية، وإلى تدهور الأوضاع في لبنان. لبنان اليوم يطلب مساعدات من صندوق النقد الدولي، ولكنه يستمر في الاستعصاء على القيام بالإصلاحات التي طال انتظارها. بعد ذلك أتى وزير الخارجية الفرنسي بزيارة لبنان ليقول للبنانيين: "ان عليكم ان تساعدوا انفسكم حتى نستطيع ان نساعدكم".

من جهة أخرى، أنت تعلم أيضاً أنّ هناك علاقة تاريخية بين لبنان وبين فرنسا. ولكن، وعندما حصل هذا الانفجار في المرفأ اضطر الرئيس الفرنسي ان يأتي الى لبنان، وهو فعليا اول ما قام به بعد هبوط طائرته في لبنان انه نزل الى الاماكن التي تعرضت إلى الانفجار. وبالتالي اجتمع إلى الناس واستمع إليهم وتجاوب معهم وهم كانوا ايضا جدا صريحين معه، وبالتالي كان لقاؤه بعد ذلك مع الرؤساء والسياسيين في جو اللقاء المحتدم الذي نقل لهم ما عبّر عنه اللبنانيون الذين قابلوا الرئيس ماكرون. وبناء على هذا الواقع، فهو قد طلب منهم، وقال لأولئك المسؤولين أيضاً انه يحب لبنان ولكن أنتم لا تمارسون هذه المسؤولية كما ينبغي وانا سآتي مرة ثانية في الاول من ايلول لكي اشهد على ما قمتم به من إصلاحات من أجل تصويب الأمور في لبنان. نعم اعطاهم مهلة شهر تقريباً بعدها استقالت الحكومة. وهو اختار الاول من أيلول، أي بعد عشرين يوماً، وهو التاريخ الذي يصادف يوم الإعلان عن لبنان الكبير الذي جرى في العام 1920.

س: نعم دوله الرئيس وانت خلال فترة رئاسة الوزراء في لبنان شهدت ثلاثة احداث مفصليه مهمه جدا في تاريخ لبنان وهو اغتيال دولة الرئيس الشهيد رفيق الحريري في العام 2005 واجتياح بيروت في 7 ايار العام 2008 وايضا اتفاق الدوحة الذي حدث في سنه 2008، هذه الاحداث كيف تعلق عليها دولة الرئيس لو سمحت وانا حقيقة عندما انت تتحدث عن تفجيرات بيروت. أذكر وأشعر ما فعلته أنت دولة الرئيس والحرقة التي تحدثت عنها بعد اجتياح هو حرب يونيو 2006 التي افتعلها حزب الله مع اسرائيل انت يومها بكيت يا دوله الرئيس في اجتماع وزراء خارجيه الدول العربية وبكيت بحرقة على ما آلت اليه الامور في لبنان في ذلك اليوم وكأن المشهد يتكرر يا دولة الرئيس؟

ج: شكراً على ملاحظتك وأنا تأثرت كثيراً آنذاك بسبب ذلك العدد الكبير من القتلى والجرحى. أنت قلت إنني تعرضت لعدة احداث خلال الفترة التي توليت فيها المسؤولية الحكومية. أنا تعرضت للكثير وليس فقط في 7 أيار 2008. الحادثة الخطيرة المتمثلة باغتيال دولة الرئيس الحريري وأيضاً كان هناك العدوان الاسرائيلي في العام 2006، وايضاً في تلك المحاولة الإرهابية التي تعرض لها لبنان في العام 2007 في مخيم نهر البارد على يد مجموعة فتح الإسلام. والحقيقة أنها كانت مرحلة مليئة بالتحديات الكبرى ومنها ايضا الاعتصام الذي ادى الى اغلاق مجلس النواب بالرغم من ان فريق 14 اذار كان له الأغلبية النيابية، وجرى اغلاق مجلس النواب قسراً، وجرى الاعتصام في وسط مدينه بيروت لمده سنه ونصف وهي كلّها مجموعة كبيرة من الاحداث الهائلة وبالنهاية وصلنا الى اتفاق الدوحة وفي اتفاق الدوحة تمّ الاتفاق. لكن التنفيذ لم يكن كلّه حسب ذلك الاتفاق. فلقد حصلت أحداث كثيرة تخالف اتفاق الطائف. وكذلك كانت هناك مخالفات في التنفيذ، وهي كانت تخالف ما اتفق عليه في اتفاق الدوحة. في حينها تألفت بناء على ذلك ما يسمى حكومة الوحدة الوطنية، ولكن جرى اعتمادها لكي تصبح أمراً دائماً وليس حدثاً عابراً.

حكومات الوحدة الوطنية في الانظمة الديمقراطية أمر يحصل عادة عندما تحدث احداث معينة هامة وخطيرة تتطلب جمع جميع القوى السياسية في حكومة وحدة وطنية. مع نهاية تلك الاحداث ينتهي هذا النمط من الحكومات. وهذا النمط من الحكومات أدى بالنهاية في لبنان إلى أن يكون هناك أسلوب غريب يؤدي بالفعل الى حال من تبادل الفيتوات ما بين المكونات لتلك الحكومات. وبالتالي أصبح من العسير ان يصار الى اتخاذ القرارات. وبالتالي كان نتيجة ذلك صعوبة التوصل إلى توافق دائم وفي كل امر كان هناك مشكلة. بينما في النظام الديمقراطي حيث تحكم الأكثرية دون الغاء الاقلية او تهميشها تكون اللعبة الديمقراطية صحيحة ويسهل ذلك في عملية اتخاذ القرارات الصحيحة.

ما زاد الأمور تعقيداً أنه وفي العام 2018 جرت الانتخابات النيابية في ظل نظام اتفاق الدوحة، وهو ما أدّى فعلياً إلى زيادة حدة الانقسامات والخلافات النيابية والتشنجات الطائفية والمذهبية. ليس ذلك فقط، فقد جرت في أحيان عديدة مخالفة اتفاق الدوحة وجرى تحقيق الغلبة لصالح فريق على الفريق الآخر.

س: دولة الرئيس انت كنت ايضا شاهد كنت رئيسا للوزراء اثناء اقتحام حزب الله لبيروت واقتحامها وحصار السرايا الحكومي وبالتحديد اصحاب القمصان السود الذين يتبعون حزب الله وكانت محاوله لإجبارك على الاستقالة وانسحب الكثير من وزراء حزب الله آنذاك من الحكومة في تلك الفترة فكيف انت تعلق على هذه الحادثة يا دولة الرئيس؟

ج: الاعتصام حصل خلال حكومتي الأولى، حين قام حزب الله وحركة أمل بتقديم استقالاتهم بعد ان جرى اغتيال الوزير بيار الجميل. دعني هنا أوضح لك إني وفي كل المراحل التي مررت بها في تلك الفترة كنت حريصاً جداً على احترام الدستور اللبناني. وبالتالي عندما استقال بعض الوزراء وكان ذلك عقب اغتيال الوزير المرحوم بيار جميل. وبالتالي مطالبة الأكثرية بأن تشمل سلطة المحكمة الدولية التي كانت قد تمت الموافقة عليها في جلسة الحوار الاولى التي جرت في اذار من العام 2006 وبحضور السيد حسن نصر الله بالذات، وأيضاً في حضور الرئيس بري وغيرهم وجميعهم فقد تمّ التوافق على إقرار المحكمة الدولية لكنهم لجأوا الى الاستقالة لتعطيل عملية إنشاء المحكمة الدولية، والتي أقرّت بعد ذلك على أساس الفصل السابع، وإن لم تشمل محاكمة قتلة الوزير السابق الشهيد بيار الجميل.

في شأن استقالتهم فإنّ الدستور واضح بشأن كيفية تأليف الحكومة، والتي يجب ان تكون محترمه لكل المكونات التي يتألف منها لبنان. اما عندما نأتي الى موضوع الاستقالة، فإنّ الدستور واضح بانه يشترط لكي تستقيل هذه الحكومة عده شروط وأحد هذه الشروط هو ان يستقيل ثلث اعضاء الحكومة. والذين استقالوا آنذاك كانوا اقل من ثلث اعضاء الحكومة وبالتالي انا الذي سعيت آنذاك ان لا اقبل تلك الاستقالة وبذلت المستحيل لأن يعودوا إلى الحكومة. وسعيت إلى أن تجري محاسبة الحكومة في المجلس وهو المكان الصحيح لمحاسبة الحكومة، ولكنهم عطلوا المجلس لأنه لم تكن لديهم الأكثرية. وهم بذلك عطلوا النظام الديمقراطي. والحقيقة اقولها مرات ومرات انه خلال فترة الاعتكاف وخلال فترة الاعتصام الذي مارسوه في تلك الفترة، فقد كان هناك بعض من الوزراء يحضرون ويمارسون الاعمال الوزارية وهم مستقيلون وكانت استقالتهم لم تقبل. وبالتالي انا الذي اقوله انني حريص على احترام الدستور ولذلك انا اعتبر ان الحكومة التي ترأستها وفي فترة اعتصامهم كانت حكومة دستوريه بكل ما للكلمة من معنى. وبالتالي هذا الامر هم لجؤوا الى استعمال القوة آنذاك وعندها حصل ما حصل في السابع من ايار من العام 2008 وقاموا باحتلال بيروت ولجأوا إلى استعمال القوة.

س: ولكن يا دوله الرئيس بعد تفجيرات بيروت قبل يومين بالتحديد ظهر الامين العام السابق لحزب الله صبحي الطفيلي في خطاب جريء ووجه الاتهام مباشره الى حزب الله والى زعيمه حسن نصر الله وقال هو من يتحمل المسؤولية الاولى عن تفجير بيروت ويجب ان يحاسب ويحاكم وان سلاح حزب الله لم يعد سلاحا للمقاومة بعد العام 2000. ومثل هذه الاصوات اللبنانية ومن هذا الهرم ومن هذه الارقام الكبيرة تخرج الان في هذا التوقيت على ماذا يدل وما هي الأهمية دوله الرئيس في ما يقوله وهل ممكن ان تحدث تغييرا في لبنان؟

ج: انا اسمع الشيخ صبحي الطفيلي من وقت لآخر، ولكن هذا الخطاب لم اسمعه. ولكن عندما يهاجم الشيخ صبحي الطفيلي حزب الله، فإنّ هناك الكثير ممن يؤيدونه في كلامه. فهو قد قام وبشكل مباشر وعبر عن رأيه دائماً وهو عادة يهاجم الحزب ويتهمه بالمسؤولية عما جرى. أنا لا أستطيع الآن ان أوجه أي اتهام مباشر لحزب الله في ما خص التفجير الذي جرى. انا ما أقوله إن ما جرى يؤكد على وجود ريبة وشكوكاً كثيرة بشأن تلك المواد المتفجرة. وهذا الأمر يستدعي المبادرة فوراً إلى الاستعانة بهيئة مستقله نزيهة وحيادية وبدءاً بلجنة دولية لاستقصاء الحقائق ولتجري التحقيقات وعليها ان تتمتع بالنزاهة والحرفية من اجل تحديد المسؤوليات ومعرفه كامل ما جرى. ليس لدي الآن ولا أستطيع ان اقول ولا بإمكاني ان اوجه التهم ولكن هناك ما يسمى بمعطيات خطيرة يجب التحقق منها وهي تستند إلى وقائع بشكل او اخر لكن هذا الامر ليس كافياً وصالحاً من اجل توجيه التهم بشكل كامل ولكن انا احترم موقف الشيخ صبحي طفيلي وانا أدرك لماذا هو يتكلم بهذا الاسلوب.

س: يا دولة الرئيس الا يمكن ان يعول على مثل هذه الشخصيات وهذه الاصوات خاصة بعد أن تعالت وزادت حدة الغضب الشعبي وفقدان الحاضنة الشعبية لحزب الله وكسر هيبته ورمزيتة من خلال مشاهد تعليق المشانق الرمزية له في شوارع بيروت وبالتالي يمكن ان تأخذ هذه الشخصيات الوطنية اللبنانية دورها ومكانها الطبيعي في لبنان بدل هذه الشخصيات التي وتأخذ لبنان الى الهاوية؟

ج: بدون شك ان هذه المواقف هي مواقف سياسية جريئة في الشارع اللبناني من قبل المواطنين ولكن انا ما اقوله الان لا يتعلق بالمواقف غير التصاريح السياسية. نحن نريد الحقيقة كل الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة ولكن انا أقول في هذه اللحظات ان ما ينبغي ان يصار الى اعتماده هو الاستعانة بالهيئة الدولية المستقلة للتحقيق. وهناك مواقف لدى البعض برفض الاستعانة بهيئة تحقيق دولية. وهذا البعض، اسمح لي أن أقول أنّ موقفه هذا يضعه في موضع شك. وكأنّه وكما يقولون: "الذي لديه مسلّة في جنبه تنعره". انا اعتقد ان هذا الامر يجب ان يكون واضحاً أنه لا شيء غير هذا الطريق يمكن ان يؤدي إلى نتيجة واضحة وبالتالي كل المحاولات التي يقوم بها البعض للتعمية وابتداع وسائل من اجل حرف انتباه اللبنانيين هذا يزيد من غضب، لا بل واحتدام غضب المواطنين الذين يتظاهرون لأنهم يريدون الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة.

س: نعم دولة الرئيس هناك من يحاول جاهدا وبكل الوسائل المتاحة والممكنة وحتى ايضا غير الممكنة هو ان يبعد لبنان عن محيطه العربي وبالتحديد عن والمملكة العربية السعودية، والمملكة العربية السعودية كانت دائماً وإلى يومنا هذا وهي تمد يد العون الى لبنان وتفجيرات بيروت كانت اول دوله من تفاعل وارسل المساعدات الإغاثية والإنسانية لمساعده الشعب اللبناني هي والمملكة العربية السعودية وهي لا تذكر ذلك ابدا وهي تقف مع الشعب اللبناني من منطلق مبادئها ومنطلقة من موقفها المبدئي مع الشعب اللبناني وروابطها الأخوية مع الشعب اللبناني. ماذا تقول الى من يحاول ابعاد لبنان عن المملكة العربية السعودية وماذا تقول في العلاقات السعودية اللبنانية اليوم وخاصه ان وزير الخارجية وزير الخارجية الامير فيصل بن فرحان ذكر في النص انه هناك سيطرة وهيمنة من قبل حزب الله وحزب الله لديه سوابق كبيره جدا في لبنان وخارج لبنان وخاصه في الدول الخليجية في السيطرة في التدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدول العربية؟

ج: كما كنت قد ذكرت لك في بداية حديثي ان العلاقات الأخوية التي بين المملكة العربية السعودية ولبنان هي علاقات تعود الى عقود سابقة، وهي كانت ما بين اللبنانيين قبل نشوء دولة لبنان بسبب الروابط العربية والروابط الدينية التي تجمع لبنان والمملكة. وكذلك بعد إنشاء دولة لبنان وأيضاً بعد إنشاء المملكة العربية السعودية التي عزّزت هذه الروابط، والتي اتخذت اشكالا مختلفة وكانت دائماً وثيقة في كل المفاصل وأكبر من كل الاحداث التي حصلت. فقد كانت المملكة العربية السعودية دائماً الى جانب لبنان لتساعده واول من يقف الى جانبه ودائما لم يكن لديها أية مصالح ولا رغبات ولا حب في السيطرة على لبنان. كانت تريد دائما ان يقف اللبنانيون مع بعضهم بعضاً بما فيه مصلحتهم وهي دائماً كانت تقول انهم عندما ان يكون اللبنانيون متعاونون سوية مع بعضهم بعضاً فهذا ما يسعد المملكة العربية السعودية ويعزز سعيها. وفي هذا الامر، كانت المملكة تثبت في كل مشكله وجهها الحقيقي ومحبتها للبنان. وكانت المملكة دائما تقف الى جانب لبنان وفي ايام الحروب، ومنذ العام 75 وما تلاه كانت دائما السعودية تلعب دوراً هاماً واساسياً في هذا الشأن الى ان جرى اتفاق الطائف وهي التي رعته. وبعد ذلك في كل المراحل الصعبة. والان هذه العلاقة بين لبنان والمملكة العربية السعودية هي علاقة أساسية وهناك مصالح عربيه مشتركة. لذلك فالذي يحاول ان يقطع او ان يحرف او ان يتلاعب بهذه العلاقة بين لبنان وبين المملكة العربية السعودية فإنه كمن يقطع الهواء عن لبنان، والذي يحاول ان يدمر هذه العلاقة بين لبنان وبين المملكة أو بين لبنان وأيضاً مع دول الخليج العربي وبين لبنان وباقي الدول العربية فإنه كمن يقطع الهواء عن لبنان العربي المنتمي لمحيطه العربي وهذا ما أكّد عليه اتفاق الطائف عندما قلت ان لبنان انبنى على مبدأين نهائية الدولة اللبنانية وعلى عروبة لبنان وانتمائه الى العالم العربي وفي مقدمها علاقته مع المملكة العربية السعودية.

س: دولة الرئيس في ختام هذه الحلقة لبنان الى اين؟

ج: انا لا أنكر الان اننا نواجه تحديات ولكن دائماً ثقتي بالله اولا وثقتي ايضاً بلبنان وباللبنانيين لان هذه الغمة لابد وان تنتهي. ومن الطبيعي ان تنتهين وكما تعلم فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. والتحدي الكبير الان امام اللبنانيين هو في الحفاظ على وحدتهم والشروع في إنقاذ بلدهم. إني أرى أنه على المسؤولين في لبنان الان ان يدركوا عظم المخاطر التي يعرضون فيها لبنان واللبنانيين في هذه المرحلة بالذات. وهي مرحله وجودية ومخاطر وجودية على لبنان. ومخاطر على هذا التنوع الفريد الذي يتميز به لبنان. هناك كلام سمعناه وهو أنه لا يجوز ان يقوم به مسؤول أجنبي أن يحاور اللبنانيين بهذا الشكل ولكن بعض هؤلاء السياسيين الذين امتهنوا عمليه تفسيخ الدولة اللبنانية وأيضا التسبب بالمزيد من التشنجات داخل الشعب اللبناني وايضاً محاولة تدمير هذه الميزة التي يقوم عليها لبنان وصيغة العيش المشترك والتسبب بالكثير من المآسي للبنانيين وهم تسببوا حتى الآن بالكثير من المشكلات، وبما يدفع البعض إلى المناداة بالتقسيم أو تمزيق المجتمع اللبناني. هذا أمر خطير جداً.

أنا لديّ ثقة بأنّ هؤلاء الشباب الذين يرفضون هذه الممارسات والذين يستمرون في مظاهراتهم كل ليلة يؤكدون ويقولون اننا نريد التحقيق النزيه، ويريدون لبنان كاملاً دون انتقاص ودون اي تمزيق. هؤلاء الشباب هم مستقبل لبنان وهم الذين ينادون ويدافعون عن لبنان. في المقابل بعض أولئك السياسيين الذين مازالوا مهتمين او متربعين على كراسيهم ويحاولون تقسيم لبنان وتقسيم اللبنانيين. الفرق أن أولئك السياسيين اللبنانيين هم الى زوال وان أولئك الشباب هم الذين سيتولون نهوض لبنان، والتأكيد على قيامته من جديد. وعلى أيديهم إن شاء الله سيعود لبنان الى جميع اللبنانيين، لبنان العربي المستقل والسيد والحر نعم بإذن الله تعالى.

 

المذيع: انا اشكرك جزيل الشكر دوله الرئيس فؤاد السنيورة على حضورك معنا في برنامج ما وراء الحدث على قناة سعودي 24 وشكرا لرحابة صدرك على الاجابة على كل هذه الاسئلة والاجابة عن كل الاسئلة.

الرئيس: وانا اشكركم ايضا على هذه الاستضافة.

المذيع: انا الذي اشكرك يا دولة الرئيس على هذا الحديث وانت شرفتنا ونتشرف بك دائماً ونسأل الله ان يحفظ لبنان واللبنانيين وان يعود لبنان الى محيطه العربي عربياً خالصاً بعيداً عن الانتماءات الفارسية التي تريد الميليشيات التي تتحكم به ان تأخذه اليها وشكرا دولة الرئيس.

اذاً المشاهدين الكرام كنا نحن مع ضيفنا الكبير دولة رئيس الوزراء اللبناني الاسبق فؤاد السنيورة الذي تحدث بكل صراحة عن تداعيات تفجيرات بيروت وعن الوضع بشكل عام في لبنان وله الشكر ولكم ايضاً مشاهدين أنتم الشكر على طيب المتابعة ودائماً بإذن الله تعالى ان نلقاكم على سعودي 24 في برنامج ما وراء الحدث وبرامجنا المتنوعة والمختلفة في أمان الله.مج ما وراء الحدث حواراً مطولاً مع الرئيس فؤاد السنيورة تناول آخر التطورات ورؤيته لمسار الأوضاع في لبنان وفي ما يلي نص الحديث:

س: المشاهدين الكرام: في هذه الحلقة من "ما وراء الحدث" وهي خاصة واستثنائية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. نسعد ونتشرف باستضافة دولة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق الرئيس فؤاد السنيورة.

دولة الرئيس، أهلاً وسهلاً بك معنا على السعودية 24 في برنامج "ما وراء الحدث". أولا شكرا لك لقبول الدعوة ولظهورك معنا في برنامج "ما وراء الحدث".

ج: بداية، أودّ أن أشكرك أخ ممدوح على هذه الاستضافة في هذا البرنامج، وأشكرك على هذا الاهتمام والتعاطف مع لبنان.

لقد استمعت إليك وإلى ما قلته في مقدمة حديثك حول الدور الاخوي الذي لطالما لعبته المملكة العربية السعودية في علاقاتها مع لبنان. فالسعودية كانت من ضمن الدول السبع المؤسّسة للجامعة العربية. وكان لبنان أحدها. وهي قد حرصت في صياغة مشروع انشاء جامعة الدول العربية على احترام استقلال وسيادة لبنان. ولطالما كانت المملكة العربية السعودية، بعد ذلك، وخلال كل السنوات الماضية، والى جانبها مصر تلعبان دوراً هاماً في الحفاظ على استقلال وسيادة وحرية لبنان. ولقد تجلى هذا الدور بالدعم الذي كانت تقدمه المملكة إلى لبنان على مدى جميع تلك السنوات الماضية. كما تجلى ذلك في الدور الذي لعبته السعودية بعد ذلك في التوصل إلى اتفاق الطائف والذي حظي بدعم لبناني، وكذلك بدعم عربي ودولي على مختلف الأصعدة. وهو الاتفاق الذي أدّى إلى انتهاء الحرب الاهلية استناداً إلى الصيغة المستندة إلى فضيلة وسموّ فكرة العيش المشترك في لبنان المتنوع والمنفتح، وبما أسهم في تحقيق ما يصبو إليه اللبنانيون من مشاركة حقيقة في استعادة النهوض اللبناني وأيضا المشاركة في تعزيز الأنشطة التي يقوم بها لبنان لما فيها صالحه وصالح علاقاته الأخوية مع الدول العربية الشقيقة ومع أصدقائه في العالم. ولقد تجلّى هذا الامر أيضاً في الموقف الوطني والقومي الكبير الذي لعبته المملكة في الوقوف الى جانب لبنان في العام 2006 عندما تعرض لبنان للاجتياح الإسرائيلي. وهكذا وعلى هذه الأسس، فقد كانت دائما المملكة تقف الى جانب لبنان، ونحن نشكرها ونقدر لها هذا التعاطف مع لبنان من اجل ان ينهض لبنان بدوره الطبيعي إلى جانب أشقائه العرب فيما كل ما يكون فيه الخير لمواطنيه ولأشقائه وللعالم العربي.

س: دولة الرئيس عندما نتحدث عن تفجيرات بيروت أولا نعزي أنفسنا ونعزيكم بالضحايا الأبرياء الذين سقطوا جراء هذا التفجير الآثم في مرفأ بيروت. كذلك نبتهل وندعو الله سبحانه وتعالى ان يمن بالشفاء العاجل على كل المصابين وهم مع الأسف بالآلاف. هذه التفجيرات كشفت المستور عند بعض المراقبين والمحللين في لبنان. لكن اود قبل ان نخوض في تفاصيلها ان استمع واسمع ويسمع المشاهد وجهة نظرك وتعليقك على هذه التفجيرات. إذ أنه وإلى هذه اللحظة لا زالت الأمور غامضة ولم يعرف المتسبب في هذه الجريمة، وهي جريمة بكل ما تعنيه الكلمة، أيا كان السبب وأياً كان المتسبب. من المستفيد ومن المتضرر في هذه الجريمة النكراء التي حصلت جراء انفجار مرفأ بيروت؟

ج: كما ذكرت أخ ممدوح، فهي جريمة جرى ارتكابها من خلال عملية نقل مواد متفجرة بشكل مريب، وجرى إلباسها مظاهر وكأنها عملية نقل عادية. وتتمثل هذه العملية بحمولة سفينة كانت متوجهة كما قيل آنذاك إلى الموزمبيق، وآتية من جورجيا على البحر الأسود. وبالتالي طلب من قبطان السفينة أن تحوّل وجهتها الى لبنان وذلك كان في العام 2013. وعلى أساس انه كان مطلوباً من السفينة ان تحمِّل حمولة إضافية من لبنان. ولكن عندما وصلت الى لبنان تبين بأن السفينة غير قادرة على أن تحمل حمولة إضافية، وأنها لم تستطع ان تسدد الرسوم المرفئية اللازمة، وبالتالي جرى ايقافها، ومن ثم تبين انها غير قادرة على الإبحار نظرا لتسرب الماء من قعرها، ولذلك جرى تفريغ الحمولة وكل ذلك بتركيبات وتبريرات يقصد منها ان تأخذ الطابع القانوني من اجل ان يصار الى افراغ تلك الحمولة من كميات نترات الامونيوم ذات التركيز العالي 34.7%، وهي المواد المحظور ادخالها الى لبنان نظرا لان هذا التركيز (concentration) في هذه المادة يجعلها قابلة للاستعمال لإنتاج المتفجرات، وليس من اجل إنتاج الأسمدة الكيمياوية للزراعة.

ومن ثم ضاعت اخبار هذه الكمية الموجودة في المستودع لفترة سبع سنوات، وبالتالي فجأة جرى الانفجار في الرابع في آب 2020، وحيث بدأت تظهر بوجود مراسلات داخلية بين الأجهزة وإدارة المرفأ والقضاء. مراسلات من هنا ومن هناك، ولكن دون ان تؤدي تلك المراسلات بين مختلف الأجهزة والادارات المعنية في المرفأ من جيش ومن امن دولة ومن امن عام وقوى جمركية وإدارات قضائية إلى أي نتيجة. اتصالات ومكاتبات ورسائل دون ان يتمخض عنها أي شيء يؤدي إلى إبعاد ونقل تلك الكميات بعيداً عن لبنان أو إعادتها الى صاحبها والذي تبين بعد ذلك انه ليس هناك من صاحب لها معروف. فصاحب تلك المواد شبح، طبيعي هناك صاحب حقيقي ولكنه مكتوم.

والذي تبين بعد ذلك ان هناك ثغرات في هذا المستودع تسمح لبعضهم بالدخول إلى ذلك العنبر، وبالتالي ما يتيح لمن يريد سحب كميات من تلك المواد المتفجرة تدريجياً لاستعمالها من قبل صاحب تلك الكميات والمكتوم في الداخل اللبناني أو ربما إلى خارج لبنان. وذلك يعني أنّ قسماً كبيراً من تلك الكميات جرى إخراجها بنتيجة قول الخبراء أنّ هذا التفجير لم يكن ليزيد عن كميات بحدود ثلاثمائة طن من أصل الكمية الأساسية وهي 2750 طناً.

ومن ثم بدأت تتبين المعلومات بأن الذي استورد هذه الكميات هو الذي كان يشرف بشكل كامل على الاستعمال التدريجي لهذه الكميات.

وهذه الوقائع المريبة تتطلب ان يصار الى ان يكون ذلك محط تحقيق صحيح وكامل نزيه وشفاف بداية من قبل لجنة دولية لتقصي الحقائق بشكل يبين كل الحقائق، ولاسيما وان هذا التفجير قد أودى بحياة أكثر من 170 مواطن لبناني، وهذا حتى الآن، وذلك غير المفقودين. وأدى الى إصابة عدد كبير من الجرحى أكثر من 6000، ومنهم مازال في حالة الخطر، وتدمير جزء كبير من بيروت وأبنيتها، وهذه الخسائر بمليارات الدولارات.

الآن من يتحمل مسؤولية هذه الكارثة؟

المشكلة الآن هو ان رئيس الجمهورية والحكومة اللبنانية تحاول ان تحصر التحقيق في هذه العملية بالأجهزة وبالإدارات التي كانت هي الموجودة والمسؤولة في المرفأ. وبالتالي، فإنّ الأجهزة وهذه الإدارات هي التي كانت مطلعة بكل ما يجري من شاردة وواردة في المرفأ بما فيها تلك الشحنة وتلك المواد، وان الموقف الذي اتخذه السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله في هذا الصدد، كان حاسماً بأنّه يجب الاكتفاء بالتحقيق الذي يجريه الجيش او تجريه تلك الأجهزة، وأنّ رئيس الجمهورية، وكذلك حزب الله وآخرون ممن يلوذون بهما ضد أي تحقيق تجريه هيئة خاصة، وهي التي يجب أن تؤلف عن طريق الأمم المتحدة او عن طريق الجامعة العربية. وبالتالي، وجدنا أيضاً أن فخامة الرئيس يصر على حصر هذا التحقيق بجهة معينة بذاتها، وهي أساساً التي كانت المسؤولة في المرفأ، والتي يفترض بها أن تكون على علم تام بكل ما يجري في المرفأ وتحديداً وبما يختص بهذه الشحنة التي كان يجري بكل ما يتعلق بها تحت ناظريها وبمعرفتها.

فكيف والحال هكذا يمكن ان تتولى هذه الجهات هذه التحقيقات من قبل من كان موجوداً ويعرف بكل تفاصيل هذه الكميات وكل ما طرأ بشأنها. لذلك اعتقد أنّه ومن أجل معالجة وامتصاص هذا الغضب العارم الذي يتفاقم لدى اللبنانيين الذين أصيبوا بصدمة هائلة بنتيجة هذا القصور والتقصير وعدم التنبه والتبصر في مآلات هذه الشحنة المتفجرة، والتي وضعت وجرى تخزينها على بعد أمتار من المنطقة السكنية في مدينة بيروت. هذا الامر هو ما جعلنا نحن رؤساء الوزراء السابقين يوم الأربعاء الماضي أن نطالب بتأليف هيئة دولية للتحقيق وبشكل منفصل ونزيه في جميع تفاصيل هذه العملية المريبة والتي تثير الشكوك.

س: دولة الرئيس عندما نتحدث عن ان هذه المتفجرات تم تخزينها في مرفأ بيروت منذ عام 2014 أي خلال الفترة التي تعاقب منذ ذلك الحين على لبنان 4 حكومات. كل هذه الحكومات الأربعة وكل هذا الكم الكبير جدا والهائل من المتفجرات التي رأينا نتائجها على بيروت بأكملها ولم تلفت الانتباه لم يتم التحقيق بها؟ ولم تؤخذ بعين الاعتبار؟ يعني انت تلمح ولم توضح حتى هذه اللحظة من المسؤول عن تخزين هذه المتفجرات. من الذي منع وسائل الأجهزة الأمنية اللبنانية من ان تتخذ الإجراءات الرسمية الصحيحة ضد هذه المتفجرات؟

ج: حتى نكون موضوعيين لا يظهر الآن وبشكل واضح من كان ومن هو وراء هذه العملية. هو يبدو وكأنه شبح. كان يواكب هذه الأجهزة والإدارات وبدون ان يظهر من هو. وبالتالي كان هناك العديد من المراسلات التي بدأت تتكشف الآن. فلان يرسل رسالة أو يحيل الى الجهاز الفلاني وآخر يرسل الى القضاء والقضاء يرد ويعود إلى وزارة الأشغال ومن الوزارة تعاد المراسلات إلى الجمارك وغيرها. وجميعها مراسلات ولكن لا ينتج عنها أي شيء وكأن هذا الشبح، الذي هو صاحب هذه المواد، كان يتحكم بحركة سير كل هذه الاتصالات دون ان تخرج في المحصلة أي نتيجة إلى العلن. وبالتالي إن سأل أحدهم ليعرف حقيقة ما حصل، لا يحصل على شيء.

في هذا الأمر بالتحديد، سألت الرؤساء نجيب ميقاتي وتمام سلام وأيضا الرئيس سعد الحريري وهم جميعا لم يكونوا على علم ولا جرى اطلاعهم على هذا الامر على الإطلاق.

في المحصلة ما أقوله ان هذا الامر الخطير، والذي هو بمثابة جريمة ضد الإنسانية، وليس حادث سيارة ذهب ضحيته عدد من القتلى. فهذا امر أدى الى تدمير عاصمة لبنان وأدى الى هذه الخسارات الإنسانية وهذه الضحايا البشرية وهذه الخسارات المادية، وهو امر يقتضي ان يصار الى التحقيق فيه بداية من قبل لجنة مستقلة لتقصي الحقائق تؤلفها الأمم المتحدة. وبالتالي من قبل هيئة تحقيق دولية او هيئة تحقيق عربية حتى يصار الى كشف الحقيقة كاملة، وتحديد المسؤوليات. لأنّ الذي حصل حتى الآن لا يوحي بالثقة ولن يرضي اللبنانيين الذين نالهم ما نالهم نتيجة هذه التفجيرات. وبالتالي، فإنه لا يمكن لهم أن يسكتوا عن هذا التعتيم الجاري عن حقيقة هذه التفجيرات ولا يرضون بإجراء تحقيقات شكلية تؤدي إلى التعمية على ما جرى. وهم لذلك يرغبون بجهة تحظى بالصدقية التي يمكن ان يطمئنوا لها ويطمئنوا لنتائجها. لاسيما ان لبنان تعرض خلال السنوات الماضية الى عدد كبير من عمليات التفجير والاغتيال والعمليات الإرهابية ودائماً كانت تلك الجرائم تحوّل الى القضاء والى الأجهزة المعنية. وفي المحصلة تضيع المسؤولية وبالنهاية يتبين ان ليس هنالك من إمكانية لتحديد المسؤوليات.

هذا الامر الذي حصل الأسبوع الماضي هو امر في غاية الأهمية والخطورة نظراً لما يشكّله هذا التهديد على حياة اللبنانيين ولمستقبلهم ولقدرتهم على ان يعيشوا في وطن يستطيعوا فيه ان يحترموا أنفسهم ويحترموا أيضا حقوق عائلاتهم وأولادهم. لذلك كان الطلب بأن ينبغي ان يصار الى تأليف لجنة مستقلة. هناك من يقول ويحاول ان يعطي تبريرات ان تأليف هيئة دولية مستقلة للتحقيق في حقيقة ما جرى بداية بلجنة دولية لتقصي الحقائق.

لقد عبّر البعض عن رفضهم على أساس ان ذلك فيه افتئات على السيادة اللبنانية. هل الاستعانة بفريق من الخبراء مؤلف من قضاة وخبراء في هذه الحقول فيه افتئات على السيادة. إنّ الذي يتباكى على السيادة الوطنية أليس من الأجدر به أن يتباكى على خرق هذه السيادة من قبل حزب الله، ومن خلال السلاح الذي يحمله الحزب والذي كان في الأصل، وهو يفترض به أن يكون سلاحا موجها ضد إسرائيل، وإذا بنا نجده قد تحول، وهو قد أصبح بالفعل موجهاً إلى صدور اللبنانيين وبعد ذلك وأكثر من ذلك إلى صدور السوريين والعراقيين واليمنيين.

قل لي يا سيدي، أليس في ذلك افتئات على السيادة اللبنانية وعلى السيادة العربية. كيف يمكن لنا ان نبرر هذا العمل، وان ليس في ذلك خرق للسيادة ونقول في المقابل ان الاستعانة بفريق من اجل التحقيق هو امر فيه افتئات على السيادة. ألا يكون التدخل في شؤون الدول العربية مخالفة لعلاقة لبنان مع هذه الدول العربية؟ بالتالي أليس في هذا افتئات على السيادة اللبنانية. هذا هو ما يسمى الكيل بمكيالين أو ما يسمى double standard.

س: دولة الرئيس هذا التفجير له سياقات وله أيضاً تداعيات. حقيقة هناك أمور تترتب على لبنان بعد تفجير مرفأ بيروت. التداعيات على المستوى المحلي. فلبنان ليس ناقصاً لكي تنهال عليه المزيد من الازمات. فهو يعاني من ازمة اقتصادية وامنية خانقة. وعلى المستوى العربي والإقليمي يعاني من ازمة وعزلة عربية وإقليمية نتيجة تدخل حزب الله في الشؤون الداخلية للدول العربية، وكما ذكرت حضرتك في سوريا والعراق واليمن، وأيضاً في الدول الخليجية. وبالتالي في خضم مثل هذه التداعيات كيف يمكن ان تكون تأثيرات ذلك كلّه على لبنان. وأيضاً على المستوى الإقليمي والعربي كيف سيكون التعامل مع الوضع في لبنان بعد تفجيرات بيروت. وخاصة بعد ان انكشفت الغطاء تماماً، واليوم قد أصبحت الأمور واضحة بشكل كامل. من يتحمل مسؤولية ما وصل اليه لبنان اليوم؟

ج: كما ذكرت يا أخ ممدوح، انّ لبنان، وعلى مدى سنوات طويلة، وعلى الأقل منذ حوالي عشرة سنوات، يعاني من مشكلات كبيرة جدا اقتصادية وإدارية ومالية، وهي كانت تتفاقم باستمرار، وبالتالي حتى وصلنا الى ما أصبحت عليه الأحوال في لبنان عشية يوم الرابع من آب أي يوم الثلاثاء الماضي. ولقد كان الوضع قد بلغ درجة بالغة من الخطورة وتتمثل في انهيار كبير في الثقة ما بين اللبنانيين من جهة وما بين الحكومة اللبنانية ورئيس الجمهورية اللبنانية وقسم كبير من الناشطين في العمل السياسي في لبنان. وهذا الانهيار الكبير في الثقة أدى الى انهيار هائل أيضاً في الاقتصاد والتراجع في النمو الاقتصادي وفي جميع الأوضاع الاقتصادية والمالية والنقدية والمعيشية كما تبينه مختلف المؤشرات الاقتصادية والمالية. ومن ذلك ما تبيّنه أرقام الدين العام، وفي نسبة الدين العام الى الناتج المحلي، وأيضاً الى تدهور كبير في ميزان المدفوعات، وكل ذلك حصل قبل عشية الرابع من آب. ولقد وصلنا آنذاك إلى وضع شبيه بما يقوله المتنبي في وصف حاله عندما أصيب بالحمى في قصيدته الشهيرة: "أبنت الدهر عندي كل بنت فكيف وصلتِ أنتِ من الزحام". كل هذه المشكلات المتزاحمة والمتلاطمة التي كانت لدينا في لبنان. ولكن وفوق ذلك كله جاءت تلك التفجيرات التي زادت من حدة المشكلات تفاقما واستعصاء على لبنان.

س: اليوم نحن لسنا بصدد الحديث فقط عن الازمات التي يعاني منها لبنان فهي موجودة من الأساس. نحن نتحدث عن قضية وجود لبنان. وجود لبنان أصبح مهدداً اليوم؟

ج: هذا صحيح. فإنّ هذا الوضع في لبنان الآن قد أصبح يشكل خطرا وجوديا على لبنان نتيجة استمرار استيلاء الدويلة على الدولة اللبنانية، وأعني بذلك سلطة حزب الله على الدولة اللبنانية. وهذه الدويلة تعمد إلى مصادرة سلطة الدولة اللبنانية، وذلك بالتعاون مع الأحزاب اللبنانية التي تشكل غطاء لحزب الله. أي أنه وبالفعل، فإنّ هناك نوعاً من تبادل المنافع والخدمات بين حزب الله وتلك الأحزاب. حزب الله يؤمن لها المنافع من خلال وجودها في مواقع في بعض السلطات والوزارات والإدارات، وهي تقدم له التغطية لسلاحه غير الشرعي. ولقاء ذلك هو يحتفظ بقدرته على تسيير الأمور في لبنان، وفي معظم الإدارات والأجهزة، ويكون وضعه كمن يلعب بالدمى. هذا هو الوضع الذي وصلنا اليه، وهو ما يمكّن حزب الله من السيطرة الكاملة على الأوضاع السياسية والأوضاع العامة بما فيها الاقتصاد والمال والنقد والاجتماع ومستوى المعيشة. وكل ذلك نتيجة استيلاء تلك الدويلة على الدولة. وانت تعلم أنّ الله سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم: "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا". فمن المعروف أنّ الدولة هي التي يجب ان تحتكر حمل السلاح واستعماله عند الاقتضاء. وهذا الأمر ليس حاصلاً في لبنان. والدولة في المبدأ هي التي يجب أن تحتكر السياسة الخارجية وهذا ليس حاصلا في لبنان. وهذه بالتالي هي أبسط القواعد وابسط الشروط لوجود الدولة في الأساس. وهي أن تحتكر حمل السلاح واستعماله عند الاقتضاء، واحتكارها أيضاً للسياسة الخارجية، وهذا غير متوفر. ناهيك عن ذلك، فإنّ الدولة هي التي يجب أن تسيطر على المرافق الأساسية للدولة اللبنانية والتي تشكل المصادر الأساسية لجباية المال والضرائب والجمارك في لبنان لصالح الخزينة اللبنانية. وكذلك هذه صفة من الصفات التي عادة تحتكرها الدولة، وهي الصفات التي أصبحت غير متوفرة في لبنان بسبب هذا التسلط على الدولة اللبنانية من قبل حزب الله. هذا الامر الذي قلت لك انه يؤدي الى خطر وجودي على لبنان.

س: ما الذي جعل حزب الله يسيطر ويهيمن ويتحكم على كل مفاصل الدولة اللبنانية بهذه السهولة. يعني عندما نتحدث عن ميليشيا ضمن دولة كيف استطاعت هذه الميليشيات أن تسيطر على دولة كاملة بكل مؤسساتها ومقدراتها وخيراتها؟

ج: هناك أمران يجب التركيز عليهما: الامر الأول، وهو الامر الأساس الذي تعود اليه معظم المشكلات التي يعاني منها لبنان، وهو الاحتلال الإسرائيلي واستمرار جزء من لبنان محتل من قبل إسرائيل. فحزب الله عندما تأسس في مطلع الثمانينات وكان ذلك بعد الاجتياح الإسرائيلي وبعد قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كان المنطق والتبرير لوجود حزب الله ولسلاحه هو العمل على طرد إسرائيل وإخراجها من لبنان. وهذا الامر استمر ومنذ العام 1982 الى عام 2000 عندما انسحبت إسرائيل من لبنان. وبالتالي انتفى المبرر لاستمرار هذا السلاح بعد انسحاب إسرائيل. لكنّ الذي جرى بعد ذلك هو التآزر بين حزب الله والنظام السوري، وبالترتيب بينهما، بأن يصار الى عدم مساعدة لبنان على اثبات ملكيته لمنطقة مزارع شبعا. وبالتالي، وقع لبنان في ازمة ومفارقة خطيرة وكبيرة والقصد منها ليس الا تبرير استمرار وجود السلاح في يد حزب الله خارجاً عن سلطة الدولة. وبالتالي وبما يعني أن تكون هناك ثنائية في السلطة في لبنان.

مزارع شبعا هي مزارع لبنانية لكن سوريا تدّعي أن هذه المزارع هي ملكها وتابعة لسيادتها. حزب الله يقول في المقابل أنّ هذه المزارع لبنانية وانا أقول انها لبنانية، وفي ذلك اختلفنا مع سوريا. وبالتالي هذا الامر استغلته اسرائيل لاستمرار احتلالها للبنان. فهي عندما تقول ان لسوريا فإنها تدعي عندها أن احتلالهما لتلك المزارع يعود للمشكلة ما بينها وبين سوريا وهي لا تنسحب من تلك الأراضي، بينما لبنان، وحسب القرار الدولي 425، وكذلك حسب القرار الدولي 1701، فإنّه يفترض بإسرائيل أن تنسحب من جميع الأراضي اللبنانية. ولكن سوريا من جهتها لا تقبل بترسيم الحدود بينها وبين لبنان، ولا بتحديد الحدود ولا تأبه أيضاً لإعطاء هذه التأكيدات لا للدولة اللبنانية ولا للعالم بأن مزارع شبعا لبنانية. وبالتالي هذا الامر وضعنا بمشكلة مقصود منها ان يظل التبرير قائماً لاستمرار وجود السلاح في يد حزب الله وخارجاً عن سلطة الدولة اللبنانية.

من جهة أخرى، كانت هناك مصالح. حزب الله يرد ان يحتفظ بسلاحه وعون يريد ان يصبح رئيس جمهورية. وبالتالي، فإنّ هناك حاجة لتبادل المصالح. وهذا الامر ما دفع حزب الله الى ان يستفيد من رغبة الجنرال عون في ان يصبح رئيسا للجمهورية وبالتالي لعب الحزب على هذا الموضوع وعمل على توقيع الاتفاق في كنيسة مار مخايل في العام 2006 من اجل تمكين الرئيس العون بأن يصبح رئيسا للجمهورية وتمكين حزب الله من الاستمرار في الاحتفاظ بسلاحه. ومن ثم كانت هذه العلاقة المبنية على مصلحة للجنرال عون ان يصبح رئيساً لجمهورية وهذا ما مكَّنه من ان يصبح بعد ذلك رئيسا للجمهورية، وذلك بعد أن أصرّ على تعطيل سدّة الرئاسة لمدة سنتين ونصف. وبالتالي أن تستمر هذه العلاقة غير الصحيحة وغير الدستورية. وبالتالي، إعطاء الحزب هذه الصلاحية عندما يقول الرئيس عون ان الجيش اللبناني هو غير قادر على حماية لبنان وأننا بحاجة الى سلاح حزب الله وبالتالي بحاجة الى هذه الازدواجية التي ذكرتها لك. إنّه بذلك يفتئت حزب الله على الدولة اللبنانية وعلى سيادتها. وبالتالي ينتقص من ما يسمى الاستقلال والسيادة اللبنانية بوجود هذا السلاح.

س: دولة الرئيس ماذا عن إيران في لبنان. يعني عندما نتحدث عن حزب الله وكما يصفه البعض بأنه ذراع إيران في لبنان وحسن نصر الله بنفسه قال في أحد خطاباته ان معاشاته ورواتبه ومصاريفه كلها تأتي من إيران، وبالتالي هو يريد تحميل لبنان جزءاً من عبء الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهي جزء من ولاية الفقيه؟

ج: انت ذكرت أن رواتب ومعاشات الحزب، وكذلك أوامره أيضا تأتي من إيران. وبالتالي تظهر وجوه الاستغراب والتناقضات. إذ انه من المستغرب ان أولئك الذين يدافعون عن هذا السلاح لا يلفتهم النظر بأن في ذلك افتئات على الدولة اللبنانية وعلى السيادة اللبنانية. ان هذا الامر قاله السيد حسن نصر الله وكرره مراراً وتكراراً. وهو كان يقول ذلك وما زال يقوله. المشكلة ليس فقط أنّ هناك افتئات على الدولة اللبنانية وعلى السيادة اللبنانية. بل أكثر من ذلك، فإنّ ما يجري هو أيضاً افتئات على علاقات لبنان مع العالم والعالم العربي. وبالتالي هناك خطيئة ترتكب في حق لبنان، إذ أنّ لبنان أصبح يستعمل منصة للتهجم على عدد من الدول العربية وبالتالي التهجم على علاقات لبنان مع العالم، وأدى بلبنان الى الوقوع في هذه العزلة التي أصبح يعاني منها لبنان.

بعبارة أخرى هناك من يضع لبنان ويحمِّله ما لا يُحْتمل بل ويضعه على ممرات الافيال الإقليمية والدولية وبالتالي يصبح لبنان أشبه ما يكون بكرة تتقاذفها تلك الافيال، وهو لا يستطيع ان يتحملها بسبب ظروفه ومن ناحية تكوينه، ولا يتحملها أيضاً بسبب طبيعته وتنوعه وأيضاً بسبب أنّ مصادر رزق أبنائه هي في قسم كبير منها مع الأشقاء العرب. فلبنان لا يتحمل ان يكون في مثل هذا الوضع. ولذلك كان دائما هناك هذا الاختلاف في المقاربات، والتي كان الحزب يحاول ان يستفيد من تلك الخلافات ويستفيد من وهج السلاح الذي ما تورع في مرات عديدة عن استعماله كأداة للتهويل والتهديد في الداخل اللبناني وهو عندما قام بتلك الهجمة على اللبنانيين في السابع من أيار عام 2008، والتي قال عنها يوم ذاك السيد حسن نصر الله بأنه يوم مجيد، تصور أن يُقال هكذا!!!

س: سآتي على هذه الحادثة، وهي محاولة احتلال بيروت من قبل حزب الله في السابع من أيار عام 2008. لكن يا دولة الرئيس، وبعد تلك التفجيرات التي حدثت في مرفأ بيروت، كانت ردة الشارع اللبناني غاضبة جدا وهي على حق ومحقة لان هناك أرواح بريئة أزهقت في تلك التفجيرات. لكن هناك امران لافتان بعد ذلك التفجير، الامر الأول هو تعليق مشانق رمزية لحسن نصر الله ونحن نتابعها الآن على الشاشة لأول مرة وهذه سابقة وحدث يجب التوقف عنده، وهي بالفعل تكسر هيبة ورمزية وقدسية حسن نصر الله في لبنان. الا تعتبر نقطة تحول إيجابية جدا في الشارع اللبناني؟

ج: هذه الظاهرة هي نقطة تحول بدون أي شك وهي تكسر هيبة السيد حسن هناك تغيير أيضاً ليس فقط بالنسبة للسيد حسن نصر الله بل وكذلك للتيار الوطني الحر ولفخامة رئيس الجمهورية. هناك غضب عارم لدى اللبنانيين. لم يعد يستطيع اللبنانيون ان يتحملوا هذا العسف والاجرام في حقهم وحق أبنائهم وبالتالي حتى بالنسبة لقطاع كبير من المسيحيين في لبنان الذين كانوا يؤيدون التيار الوطني الحر، وكانوا يؤيدون الجنرال عون. فقد شعروا الآن بأنهم قد أهينوا بهذه العملية. وانه يجري فعليا امتهان كراماتهم وكرامة أبنائهم وحياتهم. ليس ذلك فقط حتى ضمن الطائفة الشيعية. بل هناك شعور بالخوف لدى الكثير من اللبنانيين الشيعة مما يجري من تطورات، وتؤدي في المحصلة إلى الإطاحة بلبنان كوطن للعيش المشترك وكقيمة أساسية في المنطقة العربية وفي العالم الذي يتعايش فيه هذا التنوع اللبناني المنتمي الى هذه الديانات السماوية. وبالتالي، فإنّ ما يجري، يعطي صورة عن الحال الذي وصل إليه تدهور الأمور، والى المزيد من التوترات ليس فقط في لبنان، وإنما وفي العالم العربي وفي الخارج. هذه الامور من الطبيعي وبالتالي فإنّ الحاجة تصبح ماسة من أجل المحافظة على لبنان. وهذا أمر بالفعل أمر خطير وليس أمراً بسيطاً.

هذه التحولات جديرة وإلى حدّ بعيد بالمتابعة والتنبه إلى أهميتها.

س: ما الذي يجعل لبنان بلد الصحافة والثقافة والعلم والسياحة والسلم والتعايش ان يكون مسرحا وساحة لتصفية الحسابات الداخلية والإقليمية وكذلك الدولية. في الستينات حاول جمال عبد الناصر ان يهيمن على لبنان ولكن بعد ان رفض الرئيس كميل شمعون قطع العلاقات مع الغرب بعد ازمة السويس كان هناك أمر إنزال، وبأمر من الرئيس الأمريكي آنذاك لـ14 ألف جندي في بيروت، وأحبط تلك المحاولة الناصرية أيضا في السبعينيات، حيث تحولت المقاومة الفلسطينية من الأردن الى لبنان. وبالتالي كانت هناك محاولة لإيجاد ساحة صراع في لبنان. ولقد شنّت إسرائيل حرباً على لبنان في عام 1982، وجرى إخراج منظمة التحرير الفلسطينية. وبعد ذلك، جرى اقتحام إسرائيل للبنان في العام 2005.

اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري كان بعدها، ونحن نعرف ان حزب الله متورط في هذه العملية ومحكمة الجنائية الدولية كانت على وشك ما بين قوسين او أدني من أن تعلن النتائج. في العام 2008 كان اقتحام بيروت. ما الذي يجعل لبنان ساحة لكل هذه الصراعات رغم انه بلد صغير جغرافيا كبير في ثقافته في علمه في تعايشه السلمي بين كل الطوائف؟

ج: لا شك ان لبنان مر خلال هذه المئة عام أو لنقول منذ الاستقلال والى الآن تعرض لبنان إلى خضات كبيرة وتعرض لصدمات هائلة وكبيرة، والتي كان من ضمنها تعرض لبنان الى اجتياحات إسرائيلية عديدة. دلني على أي بلد عربي تعرض لهذه القدر من الاجتياحات الإسرائيلية على مدى السنوات الـ40 الماضية. فقد تعرض لبنان في تلك السنوات لستة اجتياحات إسرائيلية من الحجم الكبير. لا شك ان لبنان وفي العام 2005، وبعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وهي التي كانت الشرارة لإظهار الوجه الحقيقي للبنان. لبنان العيش المشترك، لبنان هذا التآلف بين جميع أبنائه، والتي ظهرت هذه الصورة الفريدة في العالم والعالم العربي عندما خرج مليون متظاهر لبناني في الرابع عشر من آذار 2005 مطالبين بسيادة لبنان واستقلاله وحريته وبهذا العيش المشترك. ولكن بعد ذلك، كانت الأعمال التخريبية التي سعت إليها جماعات وأحزاب للتلاعب بهذا التنوع اللبناني الذي هو بمثابة ميزة أساسية للبنان. هذا التنوع هو الذي يجعل لبنان مثله مثل لوحة الفسيفساء الفريدة بجمالها وتنوعها وبثرائها ولكن عندما يصار الى فرط هذه اللوحة الفسيفسائية فإنها تصبح فعليا مجموعة من الأحجار المختلفة الألوان والاتجاهات.

والذي جرى انه وبعد الرابع عشر من آذار 2005، حصل تلاعب مستمر من اجل اثارة التناقضات داخل هذا التنوع اللبناني، ومن ثم تفرقت مجموعة 14 آذار بناء لذلك.

عندما جرت الانتفاضة في 17 من اكتوبر الماضي عام 2019 دعني أقول لك ما سمعته على لسان طالبة في إحدى الجامعات اللبنانية، والتي هي جامعة الكسليك، عندما كانت تتحدث امام التلفزيون وتقول بشكل واضح وصريح: "انا لا اريد حقوقي كمسيحية ولا حقوقي كمسلمة انا اريد حقوقي كمواطنة". وبالتالي هذه الانتفاضة هي التي خرجت لتحاول ان تستنهض اللبنانيين مرة جديدة، تستنهضهم كلبنانيين لديهم حقوقا واحدة وعليهم التزامات واحدة وهذا ما يسمى بالعدلنة لدى اللبنانيين. بحيث يكون الجميع متساوين أمام القانون في حقوقهم وواجباتهم. الذي جرى انه مقابل ذلك الموقف الموحّد بين اللبنانيين الشباب المطالبين باستقلال وسيادة وحرية اللبنانيين وأيضاً بحقوقهم المشروعة كمواطنين انه جرى الاندساس فيما بينهم من أجل اثارة النعرات الطائفية والمذهبية فيما بينهم وبهدف إعادة كل فريق منهم إلى مربعه الطائفي والمذهبي. تلك هي القاعدة القديمة التي كان يقول بها الاستعمار اكان الاستعمار الفرنسي او الإنكليزي او غيره من أنواع الاستعمار على قاعدة "فرّق تَسُد". وهذا الامر هو الذي جرى العمل عليه من اجل بث النعرات لدى اللبنانيين وبث الخلافات والتشنجات الطائفية والمذهبية فيما بينهم، وهو ما تحاول تلك الأحزاب ان تستفيد منه، وان تقوم بالتفريق بين اللبنانيين. وهذه المجموعات نجحت قبل ذلك في صياغة مشروع قانون انتخاب مبني على تقسيمات تؤدي الى ان تجري هذه الانتخابات على أساس مذهبي وليس فقط طائفي.

في المقابل، لما وضع اتفاق الطائف والذي أنهى الحرب اللبنانية وجمع اللبنانيين. فإنّ اتفاق الطائف انبنى على عدة مبادئ أساسية، فلبنان عندما أنشئ، وحصل على استقلاله في العام 1943. فهو أنشئ على سلبيتين كما قيل آنذاك. أي انه لا بقاء للانتداب الفرنسي ولا الوحدة مع سوريا. وعندما أقرّ الطائف. فقد انبنى على هذه الصيغة وهذا الميثاق الجديد للبنان، وهي تقوم على ايجابيتين: عروبة لبنان ونهائية الكيان اللبناني، واتفاق الطائف ينص على إنشاء مجلس شيوخ في لبنان. والنظرية هنا تقوم على احترام حقوق للمواطن اللبناني، كمواطن بغض النظر عن انتماءاته الطائفية. وبذلك فإنّ هناك اعتراف به كمواطن. كذلك، فقد كان هناك اعتراف بوجود الجماعات التي يتكون منها الاجتماع اللبناني فبالتالي كان يفترض ان يكون هناك مجلس شيوخ الذي هو ليس مجلسا اشتراعيا ولكنه ينظر في القوانين التي يمكن ان يكون فيها مساس بهذه المكونات للحفاظ عليها حتى لا يصار الى الافتئات عليها.

غير ذلك والدستور اللبناني كان واضحا بأنه حدد الرئاسات الثلاث، أي أن تكون رئاسة الجمهورية لماروني، ورئاسة المجلس لمسلم شيعي، ورئاسة الوزراء لمسلم سني. وكلك قال الدستور في المادة 95. وفي تلك المرحلة الانتقالية، فإنّ مناصب الفئة الأولى فقط تقسَّم، وفي هذه المرحلة بالتساوي. وذلك على أساس أن جميع المناصب الأخرى في الدولة اللبنانية هي مناصب تعتمد على أساس الكفاءة والجدارة وليس على أساس الولاء ولا الانتماء ولا المذهب ولا غيره. وهذا يشكل ميزة هذا النظام اللبناني لكنه بعد ذلك جرى تشويه هذا الاتفاق، وجرى التنكر لحقيقة تلك المادة الدستورية.

فعلياً عندما وضع الدستور بصيغته الجديدة، فقد أوكل امر ما يسمى الاشراف على تنفيذه مثلما يوكل امر اليتيم من امه الى امرأة ابيه لتربيه ونحن في هذا الموضوع كان النظام السوري هو الذي يشرف على تنفيذ اتفاق الطائف.

واللوم هنا لا يقتصر على رغبة السوريين العسكريين في استمرار نفوذهم ووجودهم في لبنان، بل ولنعترف أيضاَ أنّ بعض اللبنانيين، ولاسيما السياسيون منهم أسهم في تشويه تنفيذ اتفاق الطائف من أجل استمرار نفوذهم وإحكام قبضتهم على ناخبيهم.

س: نعم دولة الرئيس لكي نستفيد من هذا الوقت أكثر وأكثر عندما نتحدث عن تداعيات انفجار بيروت ومنها كانت استقالة حكومة حسان دياب وبالتالي انا اود ان اسمع منك تعليقك عن استقالة هذا الحكومة وما بعد هذه الاستقالة ما يمكن ان يحدث في لبنان؟

ج: بنظري الحكومة فعلياً حكومة الرئيس حسان دياب كانت قد وصلت الى نهاية عمرها الحقيقي قبل فترة من الزمن، وهي بالفعل كانت تعيش على التنفس الاصطناعي. المهم انها الآن قدمت استقالتها.

الآن حسب ما ينص الدستور اللبناني فان الحكومة تصبح حكومة تصريف الاعمال. وتصريف الاعمال في الحد الأدنى يفترض وحسب الدستور ان يبادر فوراً رئيس الجمهورية الى إجراء الاستشارات النيابية الملزمة. وبالتالي ينبغي على الرئيس أن يبادر إلى دعوة النواب الى الاستشارات النيابية الملزمة فوراً.

فخامة الرئيس، وفي ما خصّ هذه الحكومة التي ترأسها دياب قام بالتلكؤ والتأخير في إجراء هذه الاستشارات الملزمة 50 يوماً لإجرائها. وهذا مخالف للدستور وليست هذه المرة الاولى التي يخرق فيها رئيس الجمهورية الدستور، ولاسيما أنّ الدستور اللبناني يضع رئيس الجمهورية في الوضع المميز إذ يجعله الساهر على حماية الدستور اللبناني واحترامه. وهذا ما يعطيه دوره المميز، وذلك ما أخفق فيه رئيس الجمهورية في القيام به، وبالتالي هو وآنذاك بادر الى ما يسمى بإجراء مشاورات التأليف قبل التكليف والذي ايضاً يظهر الان ان فخامته سوف يأخذ وقته في عمليات المشاورات قبل التكليف، وهذا أمر مخالف للدستور. وهذا الأمر يجري في الوقت الذي يفتقر لبنان إلى ذلك الترف في التأخير، فأوضاعه الوطنية والاقتصادية والمالية والنقدية لا تسمح له بهذا التكليف.

س: لو سمحت الى دولة الرئيس هل الحكومة هي المشكلة واستقالتها الحل ام المشكلة أكبر وأعمق من ذلك ومن استقالة الحكومة والحل ليس باستقالة هذه الحكومة؟

ج: لا، المشكلة ليست فقط بالحكومة، والحكومة أمر زائل، وهي قد استقالت الآن. المشكلة ليست فعلاً بالحكومة المشكلة هي في من هم وراء الحكومة اكان ذلك بالنسبة لفخامة الرئيس، والمشكلة هي في أسلوبه ومقاربته ونهجه وأدائه في العمل، والذي هو كلّه مخالف للدستور. فالسلطة التنفيذية والصلاحية الحقيقية حسب الدستور اللبناني هي للحكومة وهي صاحبة القرار لكن هذه الحكومة التي تألفت كانت بالفعل جاءت نتيجة انصياعها إلى معاندة رئيس الجمهورية والى تعليماته. وكذلك فإنّ رئيس الحكومة ومن هم وراء هذه الحكومة الذين اختاروا أولئك الأعضاء ليكونوا اتباعهم، وهي أشبه ما تكون حكومة الماريونيت او الدمى التي يجري تحريكها من الخارج من قبل تلك الاحزاب الطائفية والمذهبية. ولذلك، فإنه إن جرى تغيير هذه الحكومة بما معناه أن يجري فقط تغيير الأشخاص واستند إليهم بالإتيان بأشخاص يتبعون ذات التعليمات، فإنّ الأمور لن تتغير. وهذا الوضع لا يتغير ولا يؤدي الى أي جديد ان لم يتغير الاسلوب والنهج والمقاربات وبالتالي التصرفات من قبل رئيس الجمهورية وحزب الله حتى تستطيع الحكومة ان تمارس دورها في الحكم في لبنان.

س: واضح دولة الرئيس وبما أنك ذكرت ايضاً وتطرقت الى موضوع مجلس النواب ولأول مرة في التاريخ هل من المعقول أن يكون رئيس مجلس النواب او يعمر كل هذا العمر ويستمر رئيساً لمجلس النواب منذ العام 1992 الى يومنا هذا، هذه اطول فترة رئيس مجلس نواب في العالم ما مشكلة مجلس النواب في لبنان يا دولة الرئيس؟

ج: هذا الموضوع نتيجة أنه لا يترشح أي شخص آخر بديلاً عن الرئيس بري من الطائفة الشيعية. وبالتالي ينجح الرئيس بري في كل مجلس نواب يصار الى إعادة انتخابه التالي. هذا الامر هو نتيجة اللعبة الديمقراطية والبرلمانية هذا ليس امر طبيعياً ابداً ان يبقى المسؤول في ذات الموقع لمدة 28 سنة لرئيس مجلس نواب ولكن هذا حق النواب في ممارسة ما يريدونه في انتخاب من يريدون كرئيس للمجلس.

س: ولكن ايضاً يا دولة الرئيس من الامور اللافتة التي حدثت بعد انفجار مرفأ بيروت وهو الحضور. الفرنسي وزيارة الرئيس ماكرون الى بيروت ولقائه مع الناس في شوارع بيروت وتحديداً في المناطق المنكوبة. هناك من يتساءل لماذا حضر الرئيس ماكرون الى بيروت؟ ولماذا خاضت الحكومة بهذه الطريقة المهينة للسياسة اللبنانية والسياسيين اللبنانيين، وحيث يتكلّم معهم بهذه الطريقة من رئيس الجمهورية الى أصغر مسؤول في الحكومة اللبنانية ويؤنبهم لا تعليق عليها اترك التعليق لك دولة الرئيس على هذا الموضوع؟

ج: هناك قول في لبنان يقول ما الذي احوجك الى المرّ قال الذي هو أمر منه. وهناك ايضاً حديث للرسول صلى الله عليه وسلم ولا يسبن الرجل اباه قال وكيف يا رسول الله قال ان يسب المرء آباء الاخرين فيسبوا أباه. ما معنى هذا؟ معنى هذا الكلام أنه لو أنّ لبنان واللبنانيين والمنظومة السياسية في لبنان قامت بدورها لما كانت هناك حاجة الى ان يأتي رئيس الجمهورية الفرنسية الى لبنان ويوبخ اللبنانيين والسياسيين في لبنان ورئيس الجمهورية ورئيس المجلس ورئيس الحكومة والسياسيين وغيره.

لا أقول هذا الأمر دفاعاً عن الرئيس الفرنسي وقبله عن وزير الخارجية الفرنسي، ولكن يحزنني أن أولئك السياسيين لم يقوموا بما عليهم أن يقوموا مما استدعى الطرف الأجنبي أن يكون لاذعاً في التعليق على تصرفاتهم.

س: ولكن دوله الرئيس السؤال هل حضر ماكرون من اجل تهدئة الشارع او من اجل الحفاظ على حزب الله او من اجل اهداف سياسية اخرى او من اجل لبنان بشكل عام والشعب اللبناني أيضاً؟

ج: الان الواقع الذي رأيناه هو كما يقولون ليس رمانه بل قلوب مليانة وهو ناتج عن تراكمات. الحقيقة أنّ هناك استعصاء مزمن على الإصلاح في لبنان. كما جرى انقلاب كبير في توازن القوى الذي حصل في المنطقة وفي دور إيران. وهذه بمجموعها أدّت إلى تدهور كبير في الأوضاع اللبنانية والوطنية والداخلية وايضاً جرى التلاعب بالتوازنات الداخلية والتوازنات الخارجية، وفي علاقة لبنان بالعالم الخارجي والعربي والاخرين، وهذا ما أدّى إلى ما يسمى بالابتعاد عما هي عليه مصالح لبنان في علاقته مع العالم العربي. وبالتالي أدّى الى هذا التدهور بالثقة. ولقد فاقم تلك الأمور التدهور الكبير الحاصل على الأوضاع الاقتصادية والمالية والنقدية، وبالتالي أدّى إلى الانهيار في الثقة، وإلى انهيار في العملة اللبنانية، وإلى تدهور الأوضاع في لبنان. لبنان اليوم يطلب مساعدات من صندوق النقد الدولي، ولكنه يستمر في الاستعصاء على القيام بالإصلاحات التي طال انتظارها. بعد ذلك أتى وزير الخارجية الفرنسي بزيارة لبنان ليقول للبنانيين: "ان عليكم ان تساعدوا انفسكم حتى نستطيع ان نساعدكم".

من جهة أخرى، أنت تعلم أيضاً أنّ هناك علاقة تاريخية بين لبنان وبين فرنسا. ولكن، وعندما حصل هذا الانفجار في المرفأ اضطر الرئيس الفرنسي ان يأتي الى لبنان، وهو فعليا اول ما قام به بعد هبوط طائرته في لبنان انه نزل الى الاماكن التي تعرضت إلى الانفجار. وبالتالي اجتمع إلى الناس واستمع إليهم وتجاوب معهم وهم كانوا ايضا جدا صريحين معه، وبالتالي كان لقاؤه بعد ذلك مع الرؤساء والسياسيين في جو اللقاء المحتدم الذي نقل لهم ما عبّر عنه اللبنانيون الذين قابلوا الرئيس ماكرون. وبناء على هذا الواقع، فهو قد طلب منهم، وقال لأولئك المسؤولين أيضاً انه يحب لبنان ولكن أنتم لا تمارسون هذه المسؤولية كما ينبغي وانا سآتي مرة ثانية في الاول من ايلول لكي اشهد على ما قمتم به من إصلاحات من أجل تصويب الأمور في لبنان. نعم اعطاهم مهلة شهر تقريباً بعدها استقالت الحكومة. وهو اختار الاول من أيلول، أي بعد عشرين يوماً، وهو التاريخ الذي يصادف يوم الإعلان عن لبنان الكبير الذي جرى في العام 1920.

س: نعم دوله الرئيس وانت خلال فترة رئاسة الوزراء في لبنان شهدت ثلاثة احداث مفصليه مهمه جدا في تاريخ لبنان وهو اغتيال دولة الرئيس الشهيد رفيق الحريري في العام 2005 واجتياح بيروت في 7 ايار العام 2008 وايضا اتفاق الدوحة الذي حدث في سنه 2008، هذه الاحداث كيف تعلق عليها دولة الرئيس لو سمحت وانا حقيقة عندما انت تتحدث عن تفجيرات بيروت. أذكر وأشعر ما فعلته أنت دولة الرئيس والحرقة التي تحدثت عنها بعد اجتياح هو حرب يونيو 2006 التي افتعلها حزب الله مع اسرائيل انت يومها بكيت يا دوله الرئيس في اجتماع وزراء خارجيه الدول العربية وبكيت بحرقة على ما آلت اليه الامور في لبنان في ذلك اليوم وكأن المشهد يتكرر يا دولة الرئيس؟

ج: شكراً على ملاحظتك وأنا تأثرت كثيراً آنذاك بسبب ذلك العدد الكبير من القتلى والجرحى. أنت قلت إنني تعرضت لعدة احداث خلال الفترة التي توليت فيها المسؤولية الحكومية. أنا تعرضت للكثير وليس فقط في 7 أيار 2008. الحادثة الخطيرة المتمثلة باغتيال دولة الرئيس الحريري وأيضاً كان هناك العدوان الاسرائيلي في العام 2006، وايضاً في تلك المحاولة الإرهابية التي تعرض لها لبنان في العام 2007 في مخيم نهر البارد على يد مجموعة فتح الإسلام. والحقيقة أنها كانت مرحلة مليئة بالتحديات الكبرى ومنها ايضا الاعتصام الذي ادى الى اغلاق مجلس النواب بالرغم من ان فريق 14 اذار كان له الأغلبية النيابية، وجرى اغلاق مجلس النواب قسراً، وجرى الاعتصام في وسط مدينه بيروت لمده سنه ونصف وهي كلّها مجموعة كبيرة من الاحداث الهائلة وبالنهاية وصلنا الى اتفاق الدوحة وفي اتفاق الدوحة تمّ الاتفاق. لكن التنفيذ لم يكن كلّه حسب ذلك الاتفاق. فلقد حصلت أحداث كثيرة تخالف اتفاق الطائف. وكذلك كانت هناك مخالفات في التنفيذ، وهي كانت تخالف ما اتفق عليه في اتفاق الدوحة. في حينها تألفت بناء على ذلك ما يسمى حكومة الوحدة الوطنية، ولكن جرى اعتمادها لكي تصبح أمراً دائماً وليس حدثاً عابراً.

حكومات الوحدة الوطنية في الانظمة الديمقراطية أمر يحصل عادة عندما تحدث احداث معينة هامة وخطيرة تتطلب جمع جميع القوى السياسية في حكومة وحدة وطنية. مع نهاية تلك الاحداث ينتهي هذا النمط من الحكومات. وهذا النمط من الحكومات أدى بالنهاية في لبنان إلى أن يكون هناك أسلوب غريب يؤدي بالفعل الى حال من تبادل الفيتوات ما بين المكونات لتلك الحكومات. وبالتالي أصبح من العسير ان يصار الى اتخاذ القرارات. وبالتالي كان نتيجة ذلك صعوبة التوصل إلى توافق دائم وفي كل امر كان هناك مشكلة. بينما في النظام الديمقراطي حيث تحكم الأكثرية دون الغاء الاقلية او تهميشها تكون اللعبة الديمقراطية صحيحة ويسهل ذلك في عملية اتخاذ القرارات الصحيحة.

ما زاد الأمور تعقيداً أنه وفي العام 2018 جرت الانتخابات النيابية في ظل نظام اتفاق الدوحة، وهو ما أدّى فعلياً إلى زيادة حدة الانقسامات والخلافات النيابية والتشنجات الطائفية والمذهبية. ليس ذلك فقط، فقد جرت في أحيان عديدة مخالفة اتفاق الدوحة وجرى تحقيق الغلبة لصالح فريق على الفريق الآخر.

س: دولة الرئيس انت كنت ايضا شاهد كنت رئيسا للوزراء اثناء اقتحام حزب الله لبيروت واقتحامها وحصار السرايا الحكومي وبالتحديد اصحاب القمصان السود الذين يتبعون حزب الله وكانت محاوله لإجبارك على الاستقالة وانسحب الكثير من وزراء حزب الله آنذاك من الحكومة في تلك الفترة فكيف انت تعلق على هذه الحادثة يا دولة الرئيس؟

ج: الاعتصام حصل خلال حكومتي الأولى، حين قام حزب الله وحركة أمل بتقديم استقالاتهم بعد ان جرى اغتيال الوزير بيار الجميل. دعني هنا أوضح لك إني وفي كل المراحل التي مررت بها في تلك الفترة كنت حريصاً جداً على احترام الدستور اللبناني. وبالتالي عندما استقال بعض الوزراء وكان ذلك عقب اغتيال الوزير المرحوم بيار جميل. وبالتالي مطالبة الأكثرية بأن تشمل سلطة المحكمة الدولية التي كانت قد تمت الموافقة عليها في جلسة الحوار الاولى التي جرت في اذار من العام 2006 وبحضور السيد حسن نصر الله بالذات، وأيضاً في حضور الرئيس بري وغيرهم وجميعهم فقد تمّ التوافق على إقرار المحكمة الدولية لكنهم لجأوا الى الاستقالة لتعطيل عملية إنشاء المحكمة الدولية، والتي أقرّت بعد ذلك على أساس الفصل السابع، وإن لم تشمل محاكمة قتلة الوزير السابق الشهيد بيار الجميل.

في شأن استقالتهم فإنّ الدستور واضح بشأن كيفية تأليف الحكومة، والتي يجب ان تكون محترمه لكل المكونات التي يتألف منها لبنان. اما عندما نأتي الى موضوع الاستقالة، فإنّ الدستور واضح بانه يشترط لكي تستقيل هذه الحكومة عده شروط وأحد هذه الشروط هو ان يستقيل ثلث اعضاء الحكومة. والذين استقالوا آنذاك كانوا اقل من ثلث اعضاء الحكومة وبالتالي انا الذي سعيت آنذاك ان لا اقبل تلك الاستقالة وبذلت المستحيل لأن يعودوا إلى الحكومة. وسعيت إلى أن تجري محاسبة الحكومة في المجلس وهو المكان الصحيح لمحاسبة الحكومة، ولكنهم عطلوا المجلس لأنه لم تكن لديهم الأكثرية. وهم بذلك عطلوا النظام الديمقراطي. والحقيقة اقولها مرات ومرات انه خلال فترة الاعتكاف وخلال فترة الاعتصام الذي مارسوه في تلك الفترة، فقد كان هناك بعض من الوزراء يحضرون ويمارسون الاعمال الوزارية وهم مستقيلون وكانت استقالتهم لم تقبل. وبالتالي انا الذي اقوله انني حريص على احترام الدستور ولذلك انا اعتبر ان الحكومة التي ترأستها وفي فترة اعتصامهم كانت حكومة دستوريه بكل ما للكلمة من معنى. وبالتالي هذا الامر هم لجؤوا الى استعمال القوة آنذاك وعندها حصل ما حصل في السابع من ايار من العام 2008 وقاموا باحتلال بيروت ولجأوا إلى استعمال القوة.

س: ولكن يا دوله الرئيس بعد تفجيرات بيروت قبل يومين بالتحديد ظهر الامين العام السابق لحزب الله صبحي الطفيلي في خطاب جريء ووجه الاتهام مباشره الى حزب الله والى زعيمه حسن نصر الله وقال هو من يتحمل المسؤولية الاولى عن تفجير بيروت ويجب ان يحاسب ويحاكم وان سلاح حزب الله لم يعد سلاحا للمقاومة بعد العام 2000. ومثل هذه الاصوات اللبنانية ومن هذا الهرم ومن هذه الارقام الكبيرة تخرج الان في هذا التوقيت على ماذا يدل وما هي الأهمية دوله الرئيس في ما يقوله وهل ممكن ان تحدث تغييرا في لبنان؟

ج: انا اسمع الشيخ صبحي الطفيلي من وقت لآخر، ولكن هذا الخطاب لم اسمعه. ولكن عندما يهاجم الشيخ صبحي الطفيلي حزب الله، فإنّ هناك الكثير ممن يؤيدونه في كلامه. فهو قد قام وبشكل مباشر وعبر عن رأيه دائماً وهو عادة يهاجم الحزب ويتهمه بالمسؤولية عما جرى. أنا لا أستطيع الآن ان أوجه أي اتهام مباشر لحزب الله في ما خص التفجير الذي جرى. انا ما أقوله إن ما جرى يؤكد على وجود ريبة وشكوكاً كثيرة بشأن تلك المواد المتفجرة. وهذا الأمر يستدعي المبادرة فوراً إلى الاستعانة بهيئة مستقله نزيهة وحيادية وبدءاً بلجنة دولية لاستقصاء الحقائق ولتجري التحقيقات وعليها ان تتمتع بالنزاهة والحرفية من اجل تحديد المسؤوليات ومعرفه كامل ما جرى. ليس لدي الآن ولا أستطيع ان اقول ولا بإمكاني ان اوجه التهم ولكن هناك ما يسمى بمعطيات خطيرة يجب التحقق منها وهي تستند إلى وقائع بشكل او اخر لكن هذا الامر ليس كافياً وصالحاً من اجل توجيه التهم بشكل كامل ولكن انا احترم موقف الشيخ صبحي طفيلي وانا أدرك لماذا هو يتكلم بهذا الاسلوب.

س: يا دولة الرئيس الا يمكن ان يعول على مثل هذه الشخصيات وهذه الاصوات خاصة بعد أن تعالت وزادت حدة الغضب الشعبي وفقدان الحاضنة الشعبية لحزب الله وكسر هيبته ورمزيتة من خلال مشاهد تعليق المشانق الرمزية له في شوارع بيروت وبالتالي يمكن ان تأخذ هذه الشخصيات الوطنية اللبنانية دورها ومكانها الطبيعي في لبنان بدل هذه الشخصيات التي وتأخذ لبنان الى الهاوية؟

ج: بدون شك ان هذه المواقف هي مواقف سياسية جريئة في الشارع اللبناني من قبل المواطنين ولكن انا ما اقوله الان لا يتعلق بالمواقف غير التصاريح السياسية. نحن نريد الحقيقة كل الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة ولكن انا أقول في هذه اللحظات ان ما ينبغي ان يصار الى اعتماده هو الاستعانة بالهيئة الدولية المستقلة للتحقيق. وهناك مواقف لدى البعض برفض الاستعانة بهيئة تحقيق دولية. وهذا البعض، اسمح لي أن أقول أنّ موقفه هذا يضعه في موضع شك. وكأنّه وكما يقولون: "الذي لديه مسلّة في جنبه تنعره". انا اعتقد ان هذا الامر يجب ان يكون واضحاً أنه لا شيء غير هذا الطريق يمكن ان يؤدي إلى نتيجة واضحة وبالتالي كل المحاولات التي يقوم بها البعض للتعمية وابتداع وسائل من اجل حرف انتباه اللبنانيين هذا يزيد من غضب، لا بل واحتدام غضب المواطنين الذين يتظاهرون لأنهم يريدون الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة.

س: نعم دولة الرئيس هناك من يحاول جاهدا وبكل الوسائل المتاحة والممكنة وحتى ايضا غير الممكنة هو ان يبعد لبنان عن محيطه العربي وبالتحديد عن والمملكة العربية السعودية، والمملكة العربية السعودية كانت دائماً وإلى يومنا هذا وهي تمد يد العون الى لبنان وتفجيرات بيروت كانت اول دوله من تفاعل وارسل المساعدات الإغاثية والإنسانية لمساعده الشعب اللبناني هي والمملكة العربية السعودية وهي لا تذكر ذلك ابدا وهي تقف مع الشعب اللبناني من منطلق مبادئها ومنطلقة من موقفها المبدئي مع الشعب اللبناني وروابطها الأخوية مع الشعب اللبناني. ماذا تقول الى من يحاول ابعاد لبنان عن المملكة العربية السعودية وماذا تقول في العلاقات السعودية اللبنانية اليوم وخاصه ان وزير الخارجية وزير الخارجية الامير فيصل بن فرحان ذكر في النص انه هناك سيطرة وهيمنة من قبل حزب الله وحزب الله لديه سوابق كبيره جدا في لبنان وخارج لبنان وخاصه في الدول الخليجية في السيطرة في التدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدول العربية؟

ج: كما كنت قد ذكرت لك في بداية حديثي ان العلاقات الأخوية التي بين المملكة العربية السعودية ولبنان هي علاقات تعود الى عقود سابقة، وهي كانت ما بين اللبنانيين قبل نشوء دولة لبنان بسبب الروابط العربية والروابط الدينية التي تجمع لبنان والمملكة. وكذلك بعد إنشاء دولة لبنان وأيضاً بعد إنشاء المملكة العربية السعودية التي عزّزت هذه الروابط، والتي اتخذت اشكالا مختلفة وكانت دائماً وثيقة في كل المفاصل وأكبر من كل الاحداث التي حصلت. فقد كانت المملكة العربية السعودية دائماً الى جانب لبنان لتساعده واول من يقف الى جانبه ودائما لم يكن لديها أية مصالح ولا رغبات ولا حب في السيطرة على لبنان. كانت تريد دائما ان يقف اللبنانيون مع بعضهم بعضاً بما فيه مصلحتهم وهي دائماً كانت تقول انهم عندما ان يكون اللبنانيون متعاونون سوية مع بعضهم بعضاً فهذا ما يسعد المملكة العربية السعودية ويعزز سعيها. وفي هذا الامر، كانت المملكة تثبت في كل مشكله وجهها الحقيقي ومحبتها للبنان. وكانت المملكة دائما تقف الى جانب لبنان وفي ايام الحروب، ومنذ العام 75 وما تلاه كانت دائما السعودية تلعب دوراً هاماً واساسياً في هذا الشأن الى ان جرى اتفاق الطائف وهي التي رعته. وبعد ذلك في كل المراحل الصعبة. والان هذه العلاقة بين لبنان والمملكة العربية السعودية هي علاقة أساسية وهناك مصالح عربيه مشتركة. لذلك فالذي يحاول ان يقطع او ان يحرف او ان يتلاعب بهذه العلاقة بين لبنان وبين المملكة العربية السعودية فإنه كمن يقطع الهواء عن لبنان، والذي يحاول ان يدمر هذه العلاقة بين لبنان وبين المملكة أو بين لبنان وأيضاً مع دول الخليج العربي وبين لبنان وباقي الدول العربية فإنه كمن يقطع الهواء عن لبنان العربي المنتمي لمحيطه العربي وهذا ما أكّد عليه اتفاق الطائف عندما قلت ان لبنان انبنى على مبدأين نهائية الدولة اللبنانية وعلى عروبة لبنان وانتمائه الى العالم العربي وفي مقدمها علاقته مع المملكة العربية السعودية.

س: دولة الرئيس في ختام هذه الحلقة لبنان الى اين؟

ج: انا لا أنكر الان اننا نواجه تحديات ولكن دائماً ثقتي بالله اولا وثقتي ايضاً بلبنان وباللبنانيين لان هذه الغمة لابد وان تنتهي. ومن الطبيعي ان تنتهين وكما تعلم فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. والتحدي الكبير الان امام اللبنانيين هو في الحفاظ على وحدتهم والشروع في إنقاذ بلدهم. إني أرى أنه على المسؤولين في لبنان الان ان يدركوا عظم المخاطر التي يعرضون فيها لبنان واللبنانيين في هذه المرحلة بالذات. وهي مرحله وجودية ومخاطر وجودية على لبنان. ومخاطر على هذا التنوع الفريد الذي يتميز به لبنان. هناك كلام سمعناه وهو أنه لا يجوز ان يقوم به مسؤول أجنبي أن يحاور اللبنانيين بهذا الشكل ولكن بعض هؤلاء السياسيين الذين امتهنوا عمليه تفسيخ الدولة اللبنانية وأيضا التسبب بالمزيد من التشنجات داخل الشعب اللبناني وايضاً محاولة تدمير هذه الميزة التي يقوم عليها لبنان وصيغة العيش المشترك والتسبب بالكثير من المآسي للبنانيين وهم تسببوا حتى الآن بالكثير من المشكلات، وبما يدفع البعض إلى المناداة بالتقسيم أو تمزيق المجتمع اللبناني. هذا أمر خطير جداً.

أنا لديّ ثقة بأنّ هؤلاء الشباب الذين يرفضون هذه الممارسات والذين يستمرون في مظاهراتهم كل ليلة يؤكدون ويقولون اننا نريد التحقيق النزيه، ويريدون لبنان كاملاً دون انتقاص ودون اي تمزيق. هؤلاء الشباب هم مستقبل لبنان وهم الذين ينادون ويدافعون عن لبنان. في المقابل بعض أولئك السياسيين الذين مازالوا مهتمين او متربعين على كراسيهم ويحاولون تقسيم لبنان وتقسيم اللبنانيين. الفرق أن أولئك السياسيين اللبنانيين هم الى زوال وان أولئك الشباب هم الذين سيتولون نهوض لبنان، والتأكيد على قيامته من جديد. وعلى أيديهم إن شاء الله سيعود لبنان الى جميع اللبنانيين، لبنان العربي المستقل والسيد والحر نعم بإذن الله تعالى.

 

المذيع: انا اشكرك جزيل الشكر دوله الرئيس فؤاد السنيورة على حضورك معنا في برنامج ما وراء الحدث على قناة سعودي 24 وشكرا لرحابة صدرك على الاجابة على كل هذه الاسئلة والاجابة عن كل الاسئلة.

الرئيس: وانا اشكركم ايضا على هذه الاستضافة.

المذيع: انا الذي اشكرك يا دولة الرئيس على هذا الحديث وانت شرفتنا ونتشرف بك دائماً ونسأل الله ان يحفظ لبنان واللبنانيين وان يعود لبنان الى محيطه العربي عربياً خالصاً بعيداً عن الانتماءات الفارسية التي تريد الميليشيات التي تتحكم به ان تأخذه اليها وشكرا دولة الرئيس.

اذاً المشاهدين الكرام كنا نحن مع ضيفنا الكبير دولة رئيس الوزراء اللبناني الاسبق فؤاد السنيورة الذي تحدث بكل صراحة عن تداعيات تفجيرات بيروت وعن الوضع بشكل عام في لبنان وله الشكر ولكم ايضاً مشاهدين أنتم الشكر على طيب المتابعة ودائماً بإذن الله تعالى ان نلقاكم على سعودي 24 في برنامج ما وراء الحدث وبرامجنا المتنوعة والمختلفة في أمان الله.

تاريخ الخبر: 
17/08/2020