الرئيس السنيورة : هل يعقل أن يتخلى أصحاب المواد المتفجرة عنها اوعن السفينة بسبب حجوزات ألقاها دائنون من خارج لبنان بمبلغ لا يتعدى مائتين وخمسين ألف دولار

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 

أجرت قناة الحدث من محطة العربية حواراً مع الرئيس فؤاد السنيورة هذا هو نصه:

س: دولة الرئيس، لماذا لم تستطع الطبقة الحاكمة في لبنان نيل ثقة المسؤولين الغربيين كالدول الكبيرة مثل الولايات المتحدة وفرنسا ولم تستطع كذلك نيل ثقة شعبها؟ ما الذي اوصلها الى هذا الحد؟

ج: أشكركم على هذا اللقاء، وكذلك على هذا التعاطف مع لبنان، ولاسيما في هذا الوقت الصعب الذي يمر به لبنان.

بدايةً، أودّ أن أعلّق على ما استشْهدْتِ به في مقدمة كلامك من حديث أدلى به مساعد وزير الخارجية الأميركي السيد ديفيد هيل لدى انتهاء زيارته السريعة إلى بيروت.

لكم شعرت بالحزن الشديد عندما سمعت كلامه، وهو الكلام الذي أتى نتيجة ما وصل إليه لبنان من تراجع وفشل كبير لدولته بسبب استعصائها المستمر، والمزمن حتى هذه اللحظة، عن القيام بالإصلاح الحقيقي الذي يحتاجه لبنان من اجل أن يُخْرِجَ نفسه من هذه المآزق المتكاثرة عليه. والحقيقة أنّ هذا الاستعصاء ليس وليد هذه السنوات القليلة بل يعود إلى أكثر من عقدين من الزمان. ولكن الأمور تردّت الآن وبشكل كبير، لا بل أنّ الاستعصاء والفساد وانحلال الدولة واهترائها واستتباعها قد تفشى وتفاقم أكثر بكثير مما كان عليه في الماضي. هذا الاستعصاء المزمن على القيام بالإصلاح أخذ أشكالاً جديدة لجهة الإصرار أكثر فأكثر على استتباع الدولة بتهميش دورها وسلطتها لمصلحة الأحزاب الطائفية والمذهبية والمليشياوية. إذ أصبحت الدولة وكأنها تعمل لصالح حزب الله وحلفاؤه وما يفرضونه عليها من إملاءات. ذلك كان نتيجة تبادل المصالح بين حزب الله من جهة وما بين فخامة الرئيس وحزبه التيار الوطني الحر من جهة ثانية. بحيث يحصل حزب الله على الدعم والتغطية على سلاحه وعلى تسلطه على الدولة اللبنانية، وذلك لقاء الدعم الذي يقدمه حزب الله لفخامة الرئيس في الوصول إلى سدّة الرئاسة وفي تمكينه من الاستمرار في الحكم.

هذا الاستعصاء وهذا التعاون وتبادل المصالح بين رئيس الجمهورية وحزب الله انعكس بذلك التردي الكبير في الأوضاع الإدارية الحكومية اللبنانية، وفي الترهل الكبير الذي أصاب الدولة اللبنانية، وفي تفاقم الأوضاع العامة بسبب عدم وجود الحوكمة الصحيحة والكافية والكفوءة في إدارة الدولة، وهو الأمر الذي انعكس بدوره أيضاً وأدى الى هذا الانهيار الكبير بالثقة ما بين اللبنانيين من جهة وما بين الطبقة الحاكمة، والحكومة ورئيس الجمهورية من جهة ثانية. وأيضاً في انهيار الثقة ما بين المجتمعين العربي والدولي وهذه الحكومة وفخامة الرئيس.

هذا الانهيار في الثقة لم تقتصر آثاره على الجوانب السياسية بل انعكس أيضاً على الأوضاع الاقتصادية والمالية والنقدية في لبنان، وبالتالي أدى إلى انهيار خطير في سعر صرف العملة الوطنية، ومن ثم إلى انهيار كبير في الأوضاع المعيشية في لبنان وهو ما انعكس على مستوى ونوعية عيش الغالبية الساحقة من اللبنانيين. وكل ذلك كان يحصل، وقد حصل، عشية ذلك الانفجار أو التفجير الكبير المريب والمليء بالشكوك الذي حصل في مرفأ بيروت في مساء الرابع من آب. وهو الأمر الذي زاد الطين بلة بالنسبة للبنان واللبنانيين وللأوضاع الاقتصادية والمعيشية للبنانيين.

س: دولة الرئيس، ما الذي يجعل رئيس الجمهورية يسكت على هكذا حال إذا كان ذلك مفهوماً في الأيام الماضية وقبل الوصول الى قصر بعبدا إذ أنه كان عليه في حينها أن يجامل حزب الله من اجل الوصول الى الرئاسة. إلاّ أنه والآن ما الذي يدفع برجل بحجم الرئيس ميشال عون لأن يسكت عن مثل هذه التصرفات خاصة مع ورود معلومات انه كان يعلم بوجود كميات كبيرة من هذه المتفجرات في المرفأ؟

ج: كما ذكرت لك فقد كان هناك تبادل للمصالح ما بين حزب الله ورئيس الجمهورية وحزبه، وكلاهما مازالا متقيدان ومستفيدان من هذا التعاون الجاري بينهما. إذ أن حزب الله يعتمد على هذه التغطية لسلاحه المتضخم من أجل تعزيز سلطته وتسلطه على الدولة اللبنانية.

أما بالنسبة لهذه الكميات الهائلة من نترات الأمونيوم الموجودة في المرفأ، فهي موجودة منذ أكثر من ستة سنوات، وهي التي جرى واستمر خزنها في عنابر المرفأ خلال كل تلك السنوات، وذلك بعد أن جرى تحويل وجهة السفينة، وبالتالي مجيئها الى لبنان وإلى مرفأ بيروت بحجة حمل شحنة إضافية نحو مقصدها الأول. الغريب أنه قد تبين مباشرة أن السفينة غير قادرة على حمل حمولة إضافية وليتبين بعد ذلك مباشرة أنها غير قابلة على الإبحار لعطب كبير فيها. وليجري بعدها إلقاء الحجز على السفينة وحمولتها من قبل دائنين غير لبنانيين بمبلغ إجمالي لا يتعدى مائتين وخمسين ألف دولار. وبعدها لتفرغ حمولتها من مواد ممنوع إدخالها إلى لبنان وليتبين بعدها أن السفينة أصبحت مشرفة على الغرق وهي بالفعل غرقت.

سيناريو مثل الأفلام البوليسية دون أن يعرف من يحرك فصول تلك العملية وصولاً إلى غرق تلك السفينة. والأشد غرابة ما رافق هذا الأمر بعد ذلك من تقاذف للمسؤولية بين أولئك المسؤولين ومن جميع الفرقاء في المرفأ. ولقد بدأ يتسرب بعدها كيف أن المسؤول الفلاني من جهاز معين أبلغ مسؤولاً آخر في جهاز آخر، والذي أبلغ مسؤولاً ثالثاً وغيره وغيره. كتب وتبادل رسائل، ولكن دون أن تتحقق أي نتيجة وتحديداً لجهة إخراج تلك الكميات الممنوع دخولها أصلاً إلى لبنان، وتحديداً إخراجها من مرفأ بيروت، ولاسيما وأنه مواد خطرة تستعمل في إنتاج المتفجرات.

الذي يبدو وكأنه كانت هناك يداً خفية كانت تتحكم وباستمرار بمجريات الأمور في الاتصالات والمراسلات الكتابية على مدى تلك السنوات بين مختلف الإدارات والأجهزة. وكانت تلك اليد الخفية كانت على اتصال ومعرفة مما يجري وبالتالي لم يصل العلم بوجود تلك الكميات الى عدد كبير من المسؤولين الكبار في الدولة اللبنانية. وحسب ما سألت، إذ سألت رؤساء الحكومة السابقين وكلهم أكدوا انهم لم يجر اعلامهم بأي شكل من الاشكال ولا بأي طريقة من الطرق بشأن وجود هذه الكميات من المواد الخطرة والمتفجرة في مستوعبات مرفأ بيروت.

س: دولة الرئيس اسمح لي إذا رئيس السلطة التنفيذية في لبنان يعني باعتبارك رئيس وزراء سابق وانت سألت زملاء لك في حكومات سابقة، إذا رئيس السلطة التنفيذية لا يعلم بوجود كل هذه الكمية، المشكلة اين في رئيس الحكومة الحالي او السابق او جهاز يعمل خارج مؤسسات الدولة؟

ج: كما قلت لك، ان هذا النوع من المواد الخطرة والمتفجرة ممنوع إدخاله الى لبنان وممنوع ان يجري انزاله وخزنه في مرفأ بيروت. وبما يعني أنه كان يقتضي ان يصار الى اعلام السلطة التنفيذية في أمر هذه المواد المتفجرة، وهو الأمر الذي وعلى الأرجح لم يحصل، وهو الأمر أيضاً الذي يجب التحقق فيه.

المهم ان فخامة الرئيس ورئيس الحكومة على الأقل، وكلاهما قد أبلغا وكانا على علم بهذه المشكلة الخطيرة على الأقل منذ 20 تموز الماضي. أي أنه كانت هناك مدة زمنية وقدرها 15 يوما بين علمهما بالأمر وتاريخ ذلك التفجير الكبير. وهي بحسب تقديري مدة كافية لتفكيك قنبلة ذرية من الحجم الكبير فكيف بمثل هذه الكميات. وهو الأمر الذي كان يقتضي منهما التأكد من العمل على نقل أو على الأقل التأكيد على استمرار وجود كامل الكمية من جهة، وأنه يتم خزنها بطريقة سليمة وصحيحة وآمنة. ذلك بينما كان ينبغي العمل من أجل أن تتسارع الخطوات والإجراءات لإعادة تصدير تلك الكميات. وهو الأمر الذي لو كان قد تم التنبه اليه فلربما كان من الممكن تجنب هذه الكارثة الكبرى. للأسف لم يقم أحد بذلك، إذ كان يفترض ان يعمل الرئيسان على أن يقيما الدنيا ولا يقعدانها حتى يصار إلى حلّ تلك المشكلة الخطيرة.

المشكلة الآن ليس فقط في معرفة كيف تمت عملية التفجير وسببه ومن قام به وما هو حجمه وغير ذلك من تفاصيل، والذي يجب ان يكشفها التحقيق، وهو الأمر الذي يتطلب التثبت في كيفية وأسلوب وطريقة إجراء التحقيقات بحيث يمكن عندها التأكد من أن هذا التحقيق سوف يجري بشكل شفاف ونزيه وحيادي ومن كل الجوانب. ولكن بالإضافة إلى ذلك، فإنّه يبقى هناك أمر أساسي أيضاً، وهو في معرفة كامل الحقيقة بشأن هذه الشحنة من المواد الخطرة، والتي يبدو من طبيعة الأمور وهل أنها أصلاً كانت متوجهة لإفراغ حمولتها في لبنان، وأن جميع تلك العمليات التضليلية كانت تهدف إلى التعمية على من هو صاحب الشحنة.

السؤال الأساسي: هل من المعقول أن يتخلّى أصحاب تلك المواد وصاحب السفينة عن المطالبة بتلك المواد وبالسفينة لأنّ هناك مبالغ لا تتعدى قيمتها 250 ألف دولار أميركي تعود لطرفين غير لبنانيين القيا الحجر على الباخرة بما أصبح يحول دون ابحارها إلى خارج مرفأ بيروت وان تكون البضاعة على متنها.

الحقيقة، وكما يبدو، أنه بدأت فصول هذه الجريمة تتكشف الآن فيما يتعلق بضرورة معرفة من هو المالك الحقيقي لهذه الشحنة، وكيف أنزلت إلى حرم مرفأ بيروت وكيف جرى خزنها في أحد العنابر؟ ولماذا لم يتم إخراجها بعد ذلك من مرفأ بيروت إلى الخارج؟ وكيف جرى ما جرى، لاسيما وأنه قد تبين مؤخراً أن هناك باباً مفتوحاً في المستودع الذي كانت تلك الكميات مخزنة فيه. بما يعني أن تلك الكميات كان يجري تسربها وإخراجها إلى خارج المرفأ أو ربما بعدها إلى خارجه.

ومما يؤكد على صحة هذه النظرية أي أنّ هناك تهريباً لقسم كبير من تلك الكميات ما قيل مؤخراً بأن هذا التفجير الذي جرى لا يتعدى حجمه كمية 300 طن من هذه الكميات. إذا اين باقي تلك الكميات؟ ولاسيما أنها هي في الأصل كانت بحدود 2750 طناً وماذا جرى لها وكيف سحبت؟

إذاً التحقيق الشفاف والحيادي يجب ان يتطرق إلى كافة جوانب هذه العملية المريبة منذ أن جرى التخطيط لنقلها من جورجيا على البحر الأسود لها لتحط رحالها في مرفأ بيروت وليستمر وجودها أو البعض منها هناك وإلى أن جرى تفجيرها.

س: بالأمس كان هناك خطاب للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله يتحدث بأن أنصاره يعلوهم الغضب وهو طلب منهم ان يضبطوا أنفسهم للحظة قد يحتاج فيها هذا الغضب نريد ان نعرف ما هذه اللحظة؟

ج: انا اعتقد أنه قد مضى على اللبنانيين سنوات طويلة وهم يعيشون تحت تهديد هذا الاصبع لسماحته الذي يلوح به اللبنانيين. وهذه الرسائل التي يجري إرسالها إلى اللبنانيين تحت ستار النصح والتهويل والتهديد. لقد آن للسيد حسن نصر الله ان يدرك اننا جميعا لبنانيون وأنه لا فضل على أحد على الآخر، وأنه لا يجوز ولا يمكن ان يستل أحد سيف التخوين لمحاربة الآخرين. وأننا جميعاً معنيون بمستقبل عيشنا الواحد ولا يمكن لأحد أن يتفرد بتقرير مصير الآخرين. وان هذه الوسائل وهذه الطرق لا تجدي نفعا ولا تؤدي الى نتيجة، بل تؤدي الى مزيد من المآزق ومزيدا من التشنج ومزيداً من التوتر، ولا سمح الله إلى الفتنة التي تضرّ بالجميع. وهو يعلم ان ليس بإمكان أي أحد مهما علت رتبته ومهما كان حجمه ومهما كانت الأسلحة التي لديه ان يفرض رأيه وأسلوب حياته وسلطته أو تسلطه على الآخرين. ولذلك، فإنه إذا لم يجر ما يحقق الوفاق الصحيح والتفاهم الصحيح والعلاقة السوية بين اللبنانيين بين بعضهم بعضا فإن تطور الأمور لا يؤدي الى نجاة السفينة ومن عليها. بل على العكس من ذلك، فإنّها دعوة صارخة إلى إغراق السفينة وما عليها.

س: خلال الايام الماضية هل تمت نقاشات لكم مع الطرف الآخر خاصة ان تيار المستقبل في السابق كان له جلسات حوار مع حزب الله. فيما يخص التحقيق الدولي في مسألة الضحايا لماذا يرفض حسن نصر الله التحقيق الدولي ويقول بأن هذا التحقيق وهذه التحركات الدبلوماسية الغربية تهدف الى اسقاط عهد الرئيس ميشال عون؟

ج: انا اعتقد ان لبنان مرّ بصدمات عديدة وكبيرة ومن أهمها صدمتين هائلتين من الوزن الثقيل خلال هذين العقدين.

الصدمة الأولى، والتي أدت الى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وهي كانت بالفعل محنة كبيرة وكانت لها تداعياتها الهائلة، والتي مازلنا ومازال لبنان واللبنانيون يعانون منها ومن تداعياتها الهائلة.

أما الصدمة الثانية، فهي بالفعل هذه النكبة غير المسبوقة في لبنان ولا لأي بلد آخر في العالم. فالذي جرى كان من حيث الخسائر البشرية وعدد الجرحى والمصابين، وكذلك بحجم المعاناة والخسائر المادية هو شيء يفوق التصور، حيث أن بيروت عاصمة لبنان قد جرى تدمير نصفها. وهذا الامر قد يدفع بالغالبية الساحقة من اللبنانيين إلى الإحساس بالحاجة لإجراء تحقيق شفاف متجرد ونزيه وتتوفر لديه الحرفية الصحيحة والقدرة على إجراء الاتصالات اللازمة في عدم دول العالم لأجل معرفة الحقيقة الكاملة منذ تحويل وجهة تلك السفينة وأسباب ذلك بالتفصيل وصولاً الى ساعة الانفجار.

هناك الكثير والكثير من الاسرار والغموض التي فعليا تكتنف هذه العملية. وهذا الأمر يتطلب الاستعانة بهيئة دولية للتحقيق بكافة جوانب هذه الجريمة التي هي جريمة ضد الإنسانية. الذي لا يريد هذا التحقيق، يعلل موقفه ذلك بأن في ذلك افتئات على السيادة اللبنانية.

كم هو غريب أن يتكلم بعضهم عن السيادة اللبنانية في هذا الصدد ولا يتكلم عن السيادة اللبنانية المخترقة بشكل مستمر بسبب وجود سلاح حزب الله الذي هو ذاته وبتجرؤه على كل ما له علاقة بسيادة الدولة اللبنانية وعن طريق التدخل عسكرياً في الشؤون الداخلية لعدد من الدول العربية. وبالتالي بما يؤدي إلى تخريب علاقة لبنان مع الدولة العربية والاشقاء العرب، هو الافتئات بعينه على السيادة اللبنانية. إذ كيف يتدخل حزب الله في سوريا عسكريا وكذلك في العراق وفي اليمن وفي كل مكان ولا يعتبر ذلك افتئات على السيادة اللبنانية.

كم هو غريب أيضاً عندما يجري النظر إلى ما تكشف عنه التحقيقات عن كميات من هذا النوع من المواد التي جرى القبض عليها في أكثر من بلد وقيل ان هناك علاقة لحزب الله بها.

هذه الأمور تتطلب التحقيق والمسارعة إلى طلب الاستعانة بهكذا هيئة دولية مستقلة لكشف كامل الحقائق.

نحن ارتأينا كرؤساء حكومة سابقين ان يصار الى الاستعانة بهيئة دولية مستقلة او عن طريق الجامعة العربية لكن شرط ان تكون هذه الهيئة مستقلة وأن تكون لديها الحرفية ولديها النزاهة والحيادية. هذا الاعتراض من قبل البعض على الاستعانة بهيئة حيادية يذكرني بمثل لبناني يقول: "اللي فيه مسلة بجنبو بتنعروا" يعني ذلك أنه لا مبرر لهذا الرفض للاستعانة بمثل هذه الهيئة. ذلك البعض يعلل رفضه بأنه كان قد رفض قبل ذلك فكرة الاستعانة بالمحكمة الدولية. ولكن ما نقوله هنا هو طلب الاستعانة بهيئة دولية للتحقيق ولا نقول بطلب محكمة دولية. نحن نقول بهيئة تحقيق خاصة على شكل لجنة تقصي حقائق لكشف جميع الملابسات. هذه الطريقة هي الوحيدة التي تهدئ من غضب الناس الآن، ولاسيما وهم يرون بأعينهم حال التقاذف وشُبْهةَ حرف التحقيقات عن مآلاتها الصحيحة وكأن المقصود منها تهريب الحقيقة من أن تطال المسؤولين الحقيقيين عن كل ما جرى.

س: خلال زيارة المسؤولين الغربيين الى لبنان سواء الرئيس الفرنسي او اتصال وزير الخارجية الأمريكي او المبعوث الأميركي الأخير ماذا تسمعون عن شكل الإصلاح المطلوب في الداخل اللبناني كي يرجع لبنان الى اهله الى حاضنته الى عروبته كيف يمكن؟ ما هو شكل لبنان المستقبلي؟

ج: هناك مسألتين أساسيتين: الأولى، وهي كانت قديمة وتعود إلى الاستعصاء المستمر والتقاعس عن إجراء الإصلاحات في العديد من الأمور، ولاسيما المالية والإدارية والقطاعية والنقدية. وكل قضية من هذه القضايا الأربع لها عناصرها ومقوماتها ويتطلب من أجل ذلك القيام بالإصلاحات في ما خصها بسلسلة من الإجراءات الإصلاحية. والحقيقة أنه كان هناك استعصاءً مستمراً في لبنان على مدى العقد الماضي على الأقل في عدم القيام بالإصلاحات اللازمة للتلاؤم مع المتغيرات والتحولات الجارية. وها هو لبنان واللبنانيون يحصدون نتيجة هذا الاستعصاء على الإصلاح.

الامر الثاني، وهو المتعلق بالدولة ووجودها ودورها وسلطتها وهيبتها. كما تعلم الدولة، وكما هي الحال في أي بلد فإنّ الدولة هي التي فعلياً تنطق باسم كل اللبنانيين وتعمل من اجل صالح كل اللبنانيين، ولكن شروط وجودها ان تكون فعلياً لها دورها وسلطتها وهيبتها ودون أن يجري الانتقاص منها. ودعني أعطى هنا مثالاً عن شروط وجود الدولة. أولها ما يسمى الحق في احتكار حمل السلاح واحتكار استعماله عند الاقتضاء. وثانياً، احتكار فرض الضرائب وجباية الضرائب لصالح الخزينة العامة للدولة اللبنانية. وثالثاً، في حقها في أن تكون إقامة العلاقات الخارجية للدولة اللبنانية. في كل هذه الأمور الثلاث. هناك بالفعل افتئات على الدولة اللبنانية بنتيجة التسلط الذي يمارسه حزب الله على الدولة اللبنانية، فهو يمارس الافتئات على الدولة اللبنانية في سلطتها وعلى صلاحيتها في أن تكون لها الامرة الكاملة على مختلف حدودها ومرافقها. وبالتالي أن لا ينازعها أحد في احتكارها لحمل السلاح أو يمارس عليها الافتئات على حقها الحصري بالنسبة لسياستها الخارجية أو يمارس عليها الافتئات في سلطتها على بعض المرافق. وأعني هنا المرافق الأساسية في الدولة اللبنانية في الحدود والإدارات، وحيث توجد كما هو معلوم للكثيرين سلطة لحزب الله على عدد من المعابر الحدودية للدولة اللبنانية.

طبيعي لا يقتصر الامر أيضا على حزب الله هناك فالحقيقة وكما أشرت إلى ذلك فإنّ هناك تبادل للمنافع بين حزب الله وبعض الأحزاب الطائفية والمذهبية ممن يحاول حزب الله ان يدعمهم لتكون لديهم مواقع في السلطة اللبنانية، وذلك لقاء ما يسمى استمرار تأييدهم له وتأييدهم لاستمرار وجود سلاحه.

هذه هي جوهر المشكلات ولكي تعالج هذه المشكلات يجب ان يكون هناك قرار باستعادة الدولة لسلطتها وهذا ما يريده اللبنانيون ويريده الشباب الذين خرجوا في هذه المظاهرات ليعبروا عن رأيهم في هذا الخصوص.

مما لا شكّ فيه أن مباشرة الإصلاح الحقيقي يشكل المدخل الصحيح، وهي الأمور التي من الواجب ان يواكبها العمل على إعادة الاعتبار لاتفاق الطائف وللدستور ولسلطة الدولة اللبنانية دون ان تنازعها في ذلك اي سلطة حزبية داخلية أو خارجية. وكذلك للتأكيد على احترامها للشرعيتين العربية والدولية ولاحترامها لمبدأ فصل السلطات، ولاسيما فصل السياسة عن القضاء ولإعادة الاعتبار للكفاءة والجدارة والاستحقاق وبشكل تنافسي بما يحقق إيلاء المسؤوليات العامة في الدولة اللبنانية إلى أكْفائها

تاريخ الخبر: 
18/08/2020