الرئيس السنيورة : المحكمة جاءت بتسوية بين اعضاء مجلس الامن والتحدي الكبير هل سيدرك نصرالله أن المصلحة هي في المشاركة بإنقاذ لبنان؟

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 

أجرت الإخبارية السعودية حديثاً مع الرئيس فؤاد السنيورة حول تداعيات حكم المحكمة الخاصة بلبنان وفي ما يلي نصه:

سؤال: أنت كنت شاهداً في المحكمة الدولية برأيك هل هذا الحكم يرقى الى المأمول في قضية اغتيال الرئيس الحريري؟

ج: شكراً أولاً على هذه الاستضافة، وشكراً على الاهتمام الذي تبدونه بأمور لبنان وقضاياه.

أنا، نعم كنت قد دُعيت كشاهد في هذه المحكمة الدولية. وهي المحكمة التي طالب اللبنانيون بإنشائها لمعرفة الحقيقة، وتحقيقاً للعدالة. وها قد صدر الحكم اليوم الذي أصبح الآن ملك الشعب اللبناني.

دعني بداية أن أبين لك أمراً ربما يكون قد سهى عن بال الكثيرين، وهو أن هذه المحكمة التي طالب بها اللبنانيون حتى لا يستمر لبنان مرتعاً للمجرمين الذين يرتكبون العمليات الارهابية وعمليات الاغتيال السياسي ويفلتون من العقاب. وهي الاغتيالات العديدة التي تعرض لها عدد من اللبنانيين على مدى عدة عقود: رئيسين من رؤساء الجمهورية وثلاثة من رؤساء الحكومة وعدد من الوزراء والنواب والقضاة ورجال الفكر والصحافة ورجال الدين والعسكريين.

لقد طالب اللبنانيون بإنشاء هذه المحكمة الدولية الخاصة من أجل لبنان، وهي التي أقرت بموجب القرار الدولي 1757 الصادر عن مجلس الأمن الدولي. وهي قد جاءت بالفعل نتيجة تسوية بين الاعضاء الدائمين في مجلس الامن، وتحديداً بين الاتحاد الروسي من جهة، وباقي الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن من جهة أخرى. وبالتالي، فقد نصّ قانون هذه المحكمة على أنه ليس من مهمتها أن تتهم او تحاكم أنظمة أو منظمات.

يتضح من هذه القواعد السقف التي عملت بموجبه هذه المحكمة.

بدأت المحكمة أعمالها بعد انتهاك مسرح الجريمة، والذي كان قد جرى العبث به مباشرة بعد حادث التفجير.

والحقيقة أن المحكمة قد استندت في تحقيقاتها على الاختراق النوعي الذي حققه ضابط في قوى الأمن الداخلي في تحليله لداتا الاتصالات الهاتفية. وهو الشهيد وسام عيد، الذي تمّ اغتياله بسبب ذلك. ولقد تمكّن هذا الضابط من كشف العلاقة الجهنمية التي تربط بين أعضاء تلك الشبكة.

وعلى أي حال، فقد كان لدى المحكمة خمسة متهمين. وهي قد أصدرت الحكم على أحدهم وهو سليم عياش. إذ أنّ هناك ثلاثة آخرون من الذين لم تتوفر الادلة بشكل كافٍ لإدانتهم، وهناك شخص رابع لو كان مازال حياً لربما كان نصيبه مثل سليم عياش.

في حيثيات القرار الذي أصدرته المحكمة، أكّدت على أنّ هذه الجريمة هي جريمة اغتيال سياسي وأنها نُفِّذت من أجل تحقيق هدف سياسي أراد مرتكبوه إزاحة رفيق الحريري من الوجود لكي يحققوا ذلك الهدف السياسي. وهذا الهدف هو بالفعل إبقاء جيش النظام السوري مسيطراً في لبنان ومتسلطاً على لبنان. هذا الجيش اضطر إلى الانسحاب من لبنان بعد اغتيال الحريري. وذلك كلّه كان في أوج مشكلة تتعلق بموضوع التمديد للرئيس لحود الذي حدث بشأنه خلاف بين الرئيس الحريري والرئيس الأسد. وكان الرئيس الأسد في حينها قد هدّد الرئيس الحريري بأنه: "سيُكسِّر لبنان على رأسه ومن معه".

المهم أنّ الدافع الأساسي لاغتيال الحريري كان من النظام السوري، وذلك كما أشار إليه رئيس المحكمة، وذلك ضمن القيود التي تعمل المحكمة على أساس منها. وهو قد أشار أيضاً إلى أنّ القرار قد اتخذ باغتيال الرئيس الحريري بعد زيارة سريعة قام بها الوزير السوري وليد المعلم إلى لبنان، وعقب أن أكّد الرئيس الحريري على أنه يؤيد انسحاب جيش النظام السوري من لبنان.

الامر الثاني، ويتعلق بأداة التنفيذ. ليس مصادفة ان يجتمع خمسة من القياديين في حزب الله متهمون بتنفيذ هذه الجريمة الإرهابية أو بالتدخل بها. وان يصار إلى إدانة أحدهم وهو سليم عياش القيادي في حزب الله، والحكم بإدانته أصبحت واضحة وثابتة.

من جهة أخرى، فإنّ هذا العمل الإرهابي لا يمكن أن يكون قد تم بفعل رجل واحد. وكما تعلم، فإنّه ليس بين جميع أولئك الأشخاص الخمسة وبين الشهيد رفيق الحريري ثأراً أرادوا بسببه أن يقتصوا منه. على العكس من ذلك، فإنّ هذا العمل هو عمل سياسي بحت وتمّ بقرار سياسي. ولذلك، فإنّ الإشارة تصبح واضحة على مسؤولية حزب الله.

سؤال: هل دفع رفيق الحريري ثمناً من أجل لبنان؟

ج: نعم، لقد دفع رفيق الحريري حياته ثمناً من أجل الدفاع عن سيادة لبنان وحرياته واستقلاله. وفي قراءة متأنية لهذا الحكم، يتبيّن وبوضوح أنّه يؤشر وبشكل غير مباشر إلى ما لا يستطيع الحكم القضائي ان يوجهه كاتهام مباشر بسبب تلك القيود الموضوعة على المحكمة بموجب تأسيسها من قبل مجلس الامن الدولي.

سؤال: يا دولة الرئيس، هل سيتعاون حزب الله في تسليم عياش أو أنه سيرفض ليعمق الإدانة للحزب مجدداً؟

ج: قبل ان أجيب على هذا السؤال أريد ان أذكر لك أمراً، وهو أن لعنة اغتيال الحريري قد طالت على الأقل وحتى الآن ثمانية أشخاص، وهم الذين جرى اغتيالهم بظروف مريبة. بعضهم ينتمي إلى حزب الله، والبعض الآخر ينتمي إلى النظام السوري، وهم جميعاً قتلوا بظروف مريبة، والذي يبدو أنهم ربما كانوا الى حد ما، بشكل او آخر، كانت لهم علاقة او معرفة بجريمة الاغتيال التي تعرض لها رفيق الحريري.

الآن صدر القرار وحق الدفاع محفوظ للشخص الذي أدين. أي أن سليم عياش بإمكانه ان يستأنف القرار وهذا من حقه، علماً ان السيد حسن نصر الله قال أكثر من مرة أن هذه المحكمة لا تعنينا، ونحن ليس لنا اي علاقة بها، وأنّ أي حكم يمكن أن يصدر على اي من هؤلاء الأشخاص المنتمين إلى حزب الله، فنحن نعتبرهم قديسين ولا يمكن لأحد أن يطالهم ولا حتى بعد 300 سنة.

برأيي الآن، إنّ التحدي الكبير هو لدى السيد حسن نصر الله. هل سيتبصر ويدرك أن المصلحة هي في المشاركة في انقاذ لبنان، وفي ذات الوقت إنقاذ حزب الله وبما يؤدي إلى تعزيز اللحمة التي تجمع بين اللبنانيين في عيشهم المشترك. وبالتالي أن يقوم بما يجنب لبنان الفتنة. هذا هو التحدي الكبير أمامه. هل سيقرر السيد حسن نصر الله ان من الصالح العام أن يعود إلى لبنان بشروط الدستور اللبناني؟ هل سيتبصر السيد حسن نصر الله ويجيب بحكمة وروية على هذه الأسئلة الكبيرة؟ ماذا سيقوم به؟ لا أدري. حتى الآن ليس هناك من إشارات من أنه سيتجاوب مع هذه الدعوة.

سؤال: باختصار ما بين آب 2006 وآب 2020 بين الآبين لبنان الى أين؟

ج: في آب 2006 صدر القرار الدولي 1701 بوقف الأعمال العدوانية بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان. وفي آب 2020 كانت هذه الجريمة التي ارتكبت بحق مدينة بيروت ولبنان وبحق اللبنانيين.

أنا اعتقد انه وبعد هذه الجريمة الهائلة التي يمكن اعتبارها جريمة القرن وجريمة ضد الإنسانية، فإنّ هناك عطفاً عربياً ودولياً على لبنان وعلى اللبنانيين. وذلك لأن لبنان قد أصيب بكارثة رهيبة، وهو بالتالي يتحمل ما لا تستطيع أي دولة تحمله. لذلك كان هذا العطف، والذي تجري ترجمته بتقديم المساعدات الاغاثية العاجلة للبنان، وجميع الأشقاء والأصدقاء مشكورون على ذلك.

لكن المشكلة الأساس أنّ لبنان كان وما يزال يعاني من مشكلات كبيرة جداً، ولقد أصبح واضحاً أنه لا يمكن إخراج لبنان من أزماته الا بأن يقرر لبنان ويسلك طريق الإصلاح ويعمد إلى تصويب البوصلة لديه. وهذا الكلام قيل للبنانيين وللسياسيين اللبنانيين مرات عديدة وقيل لهم من قبل العديد من الأشقاء العرب والأصدقاء في العالم وبكل صراحة، وذلك بأن الطريقة التي يعتمدها السياسيون اللبنانيون في إدارة شؤونهم العامة لم تعد قابلة للاستمرار. يعني بعبارة أخرى أن ليس هناك من طريقة بديلة لاستعادة نهوض لبنان، إلاّ بأن يصوب لبنان بوصلته المالية والنقدية والقطاعية والإدارية. كذلك أيضاً في أن يصوب لبنان بوصلته السياسية التي اختلّت، ولاسيما خلال العقدين الماضيين. فلقد حصل اختلال كبير في التوازنات الداخلية في لبنان، كما حصل أيضاً اختلال كبير في التوازنات الخارجية، ولاسيما في علاقات لبنان مع محيطه العربي ومع العالم. بحيث أن لبنان قد أصبح في عزلة عن أشقائه وأصدقائه. وهذا كان نتيجة لتراكم استعصاء كبير وطويل ومزمن في الامتناع عن مباشرة الاصلاح الذي كان يحتاجه لبنان على مدى جميع السنوات الماضية من أجل ان تتلاءم أوضاعه السياسية والاقتصادية والمالية والنقدية والادارية مع المتغيرات والتحولات الجارية في العالم.

لذلك، ولكي نكون واضحين وحتى لا يكون هناك المزيد من الانكار والبعد عن الحقيقة من قبل فخامة رئيس الجمهورية ومن قبل حزب الله ومن قبل العديد من السياسيين اللبنانيين، فإن العطف الحالي يتم ترجمته بمساعدات إغاثية. ولكن هذا الدعم، وكما عبّر عنه أولئك الأشقاء والأصدقاء، لا يمكن ان يتحول الى تقديم المساعدات الضخمة التي يحتاجها لبنان ليتمكن من استعادة نهوضه، وبالتالي للتغلب على مآزقه المتكاثرة من حوله، ما لم يحصل تغيير وتصويب في الأداء الحكومي للبنان وفي الأداء من قبل فخامة الرئيس ومن قبل حزب الله، وذلك بما يتيح للبنان أن يستعيد احترامه لاتفاق الطائف وللدستور ولتعزيز سلطة الدولة اللبنانية التي يجب ان لا ينازعها في سلطتها أحد في لبنان. كما وأن يبادر لبنان إلى القيام بإجراء الإصلاحات التي لم تعد خافية على أحد، وهي الإصلاحات التي طال انتظارها بعد أن استعصى لبنان وتمنع عن القيام بها.

دعني أوضح هنا أنّ هذه الإصلاحات ليست مفروضة على لبنان من قبل صندوق النقد الدولي او من قبل أصدقائه في العالم او من قبل أشقائه. بل هي الإصلاحات التي بالفعل التي يحتاجها لبنان، ولاسيما بعد أن تأخّر وتقاعس لبنان عن القيام بها منذ سنوات طويلة.

أقول هذا لأنّ هناك من يحاول أن يصور تلك الإصلاحات وكأنها إملاءات على لبنان وهي بالفعل كانت مطلوبة وملحوظة في كل الخطط الإصلاحية التي تعهد لبنان بالقيام بها منذ عشرين عاماً وهي استمرت مطلوبة ومازالت حتى الآن.

سؤال: دولة الرئيس مازال دقيقة، هل ما زلت مصراً وتطالب بهيئة دولية للتحقيق في انفجار بيروت خاصة بعد نتائج المحكمة الدولية والحديث عن طمس الادلة من موقع جريمة اغتيال رفيق الحريري من قبل الأمن اللبناني؟

ج: لو لم تُنشأ المحكمة الدولية للتحقيق والحكم في اغتيال رفيق الحريري لربما حصلت في لبنان فتنة كبيرة بين اللبنانيين. وهنا أودّ أن أؤكد أن تحقيق العدالة وفي المحصلة هي التي ترضى جميع المواطنين على اختلاف فئاتهم.

من جانب آخر، فإنه يكفي النظر إلى ملفات جميع عمليات الاغتيال التي حصلت في لبنان فإن المفاجأة في ذلك أنّ ليس فيها شيء يبين عن حصول أي تقدم حقيقي أدى أو قد يؤدي إلى تحديد من ارتكب تلك الجرائم. وذلك بسبب أنّ الأجهزة الأمنية والأجهزة القضائية في لبنان لم تستطع أن تحقق في هذه الاغتيالات.

الآن لدينا هذه الجريمة النكراء الذي تعرض لها لبنان، والتي أدّت إلى تدمير مرفأ بيروت وجزء كبر من مدينة بيروت. المذهل إنه وفي كل يوم تظهر معلومات تبين بشكل كبير خطورة تلك الملابسات والشكوك التي تحيط بهذه العملية منذ أن جرى تحويل وجهة تلك السفينة الى لبنان، وكذلك في ما حصل بعدها حتى يوم الانفجار. ويبدو ان الجهة صاحبة هذه الكميات من المواد الخطرة وكأنها كانت، وعلى مدى تلك السنوات الستة، على بيّنة كاملة من مجريات الأمور فيما يتعلق بإدارة هذه الامور وكأنها مطّلعة على كل ما يتعلق بتلك المراسلات بين الجهات الإدارية والقضائية والأجهزة العسكرية والأمنية المعنية في المرفأ، بحيث أنه وفي المحصلة بقيت تلك الكميات في مرفأ بيروت. ولا ندري إذا كان قد جرى إخراج قسم كبير من تلك الكميات بطريقة او بأخرى، إذ يقال وحسب الخبراء ان الانفجار الحاصل لا يتعدى كميته 300 طن فقط. فأين ذهبت باقي الكميات؟

باختصار، فإنّ الحاجة ماسة للاتفاق بين اللبنانيين لاعتماد لجنة لتقصي الحقائق في هذه الجريمة الكبرى التي تعرّض لها لبنان.

تاريخ الخبر: 
19/08/2020