الجزيرة نحاور الرئيس السنيورة: زيارة الرئيس الفرنسي شكّلت عامل ضغط على رئيس الجمهورية للمبادرة فوراً لإجراء الاستشارات النيابية الملزمة

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 

اجرت محطة الجزيرة حوارا مع الرئيس فؤاد السنيورة حول اخر الاوضاع واحتمالات تشكيل الحكومة في ما يلي نصه:

س: كلّف الرئيس اللبناني ميشال عون مصطفى أديب بتشكيل الحكومة الجديدة. ولقد اجمعت كتل المستقبل وحزب الله، والتيار الوطني الحر، والحزب التقدمي الاشتراكي، وحركة أمل، وتيار المردة، وعدد من النواب المستقلين على تسمية مصطفى أديب لتولي رئاسة الحكومة وتشكيلها. هذا فيما أحجمت القوات اللبنانية عن تسميته. وفور تكليفه جال مصطفى أديب في الأحياء السكنية التي تضرّرت بانفجار مرفأ بيروت. هذا وسيبدأ الرئيس المكلف استشاراته لتشكيل الحكومة اعتباراً من يوم الاربعاء المقبل. وفي كلمة له يعد التكليف قال أديب أنّه يأمل بتشكيل حكومة في أسرع وقت ممكن من اصحاب الاختصاص والكفاءة من اجل الانطلاق في اجراءات الاصلاح الاساسية بالتعاون مع مجلس النواب.

للنقاش حول هذا الموضوع أحاول مع ضيفي عبر skype في هذا الموضوع رئيس الوزراء اللبناني الاسبق دولة الرئيس فؤاد السنيورة. أحييك دولة الرئيس على شاشة الجزيرة. ولقد ورد منذ قليل أنّ الرئيس الفرنسي ماكرون قد وصل إلى بيروت بزيارة ثانية بعد تلك الزيارة التي قام بها قبل عدة أسابيع. هل لوصول ماكرون علاقة بتسريع اختيار مصطفى اديب رئيساً لوزراء لبنان ام لا؟

ج: ما من شك أنّ الرئيس ماكرون كان قد حدّد تاريخ زيارته الثانية إلى لبنان منذ أن كان هنا في بيروت قبل ثلاث أسابيع، وذلك أيضاً ليصادف موعد زيارته مع مناسبة ذكرى مرور المئوية الأولى لإعلان دولة لبنان الكبير. ما من شك أن تحديد موعد زيارته الثانية وإصرار الرئيس ماكرون على القيام بهذه الزيارة، عجَّل بقيام رئيس الجمهورية في الإعلان عن إجراء الاستشارات النيابية الملزمة. والحقيقة أنّ رئيس الجمهورية ميشال عون كان يتلكأ في ذلك، وهو كانت له سابقة في الماضي عندما تلكأ في إجراء الاستشارات النيابية الملزمة لتأليف حكومة الرئيس حسان دياب، وذلك لمدة خمسين يوماً. هذه المرة أيضاً أخرّ رئيس الجمهورية قيامه بالدعوة لتلك الاستشارات النيابية الملزمة نحو ما يزيد قليلاً عن عشرين يوماً.

لذلك، فإني أعتقد أن زيارة الرئيس الفرنسي اليوم قد شكّلت عامل ضغط على رئيس الجمهورية، ولاسيما أنّ الرئيس ماكرون وعد اللبنانيين بأنه سيأتي ويعمل ما بوسعه ليقدم كل مساعدة ممكنة للبنان. وذلك أيضاً ما أدى إلى مبادرة معظم الفرقاء السياسيين اللبنانيين، ومنعاً للإحراج، في محاولة إظهار الرغبة في التعاون. هذا ما ظهر في تسهيل عملية التكليف التي حصل بموجبها مصطفى أديب على تسعين صوتاً، وأصبح بموجبها الرئيس المكلف.

الآن، وبعد الذي حصل، فإنّ كل ما نأمله الآن ان يستمر هذا التعاون الموعود، وليس أن يقتصر التعاون فقط على عملية اجراء الاستشارات، وبالتالي على تمرير عملية التكليف. ولكن بأن يسري هذا التعاون أيضاً على عملية التأليف، وذلك للحاجة الماسة التي لدى لبنان الآن في ضرورة إنجاز تأليف الحكومة العتيدة حتى يكون للبنان وفي أقرب وقت حكومة قادرة على ان تتخذ القرارات اللازمة من اجل الشروع بالعمليات الإصلاحية التي يحتاجها لبنان. وأيضاً من أجل المسارعة لإجراء المعالجات الصحيحة لهذا الكمّ الكبير من المشكلات المتراكمة في لبنان، وأن تتمكّن هذه الحكومة ومن خلال دقة مقارباتها وصوابية بوصلتها وحسن أدائها من البدء باستعادة ثقة المواطنين التي انهارت بالدولة والحكومة اللبنانية وبالمسؤولين في هذا العهد.

س: لماذا مصطفى اديب تحديداً وانت من الشخصيات الذي قمت بترشيحه وتسميته كرئيس مكلف للوزراء في هذه المرحلة الخطيرة بتاريخ لبنان؟

ج: الواقع أن هناك انطباع عام أصبح سائداً لدى غالبية اللبنانيين بالحاجة إلى الخروج من سلسلة لا تنتهي حلقاتها من الضغوط والضغوط المقابلة التي يمارسها السياسيون اللبنانيون ضد بعضهم بعضاً. ولاسيما أنّه قد جرى بنتيجة تلك الممارسات استتباع الدولة اللبنانية وطغيان وسيطرة الدويلات الطائفية والمذهبية والمليشياوية على الدولة اللبنانية. وبالتالي، فقد أصبح كل فريق سياسي يصر على الاحتفاظ لفريقه أو لحزبه بإدارة معينة أو وزارة محددة. ذلك مما أسهم وإلى حدٍّ بعيد بفقدان الحدود الدنيا اللازمة من الحوكمة في الإدارة اللبنانية، وأدّى بالتالي إلى تفشي الفساد السياسي في لبنان على نطاق واسع. في المقابل، فقد ازداد الإدراك لدى الكثير من الشباب اللبنانيين بالحاجة لأن تكون هناك حكومة وإدارة لبنانية مستقلة بعيدة عن التأثيرات السلبية للسياسيين وبعيدة عن طغيان تلك الأحزاب، وبالتالي أن تكون الحكومة العتيدة مؤلفة من مجموعة مستقلة ومتجانسة من أصحاب الكفاءات التي يمكن لها أن تتولى هذه المسؤوليات الجسام.

وهنا أودّ أن أوضح أمراً ينبغي التنبه إليه وهو ما دفعنا نحن كرؤساء الحكومة السابقين لاقتراح اسم مصطفى أديب لتأليف الحكومة كشخص من خارج المجموعات السياسية القائمة حالياً في لبنان. ذلك أنه إذا ما جرى اعتماد الحل القاضي باقتراح اسم شخصية سياسية أو شخصية لها امتداداتها السياسية، فإنّ ذلك سوف يعني بالتالي دعوة صريحة إلى بقية الأحزاب السياسية لكي تطالب أيضاً بحصتها. وهذا هو الامر الذي لا يحتاجه لبنان، بل عليه أن يتجنبه في هذا الظرف بالذات، إذ أنّ الحاجة قد أصبحت ماسة في لبنان لوجود حكومة انقاذ بالمعني الحرفي للكلمة. لذلك كان الاقتراح بوجوب الاستعانة بشخص يتمتع بهذه الصفات والمواصفات، وبالتالي وأيضاً المطالبة بأعضاء للحكومة يتمتعون بالكفاءة والمعرفة في حقول معينة ولديهم الحد الأدنى من الحس ومن المعرفة السياسية لكي يصار إلى تأليف فريق عمل متجانس يتولى هذه المهمة الصعبة.

س: لكن اسمح لي دولة الرئيس وعفواً للمقاطعة مصطفى أديب جاء بنفس الطريقة ونفس الأسلوب الذي اتى به جميع رؤساء الوزارات خلال هذه الحقبة او الفترة الماضية، وبالتالي كما يقولون ان المقدمات لهذه النتائج وحتى اللبنانيين يقولوا ان لا جديد وهذه مسألة المحاصصة والطائفية وهذا الوعاء لن يخرج نتائج مختلفة عن الماضي هل هذا صحيح؟

ج: أنا أقدر مواقف واعتراضات الكثيرين الذين يعبرون عن هذه الخشية. ولكن اعتقد ان هذا الامر يحتاج بداية إلى وضوح في التوجهات والمنطلقات، وكذلك إلى بعض الصبر والتبصر. حاجة لبنان كبيرة وملحة وإلى حد كبير في وجود فريق عمل على رأس السلطة في لبنان يكون مختلفاً عن طبيعة الحكومات الماضية، ولاسيما بسبب ذلك الانهيار الكبير في الثقة الذي أصبح لدى المواطنين اللبنانيين بالغالبية الساحقة من السياسيين اللبنانيين. ولذلك كان الاقتراح الذي قدمناه في تكوين فريق عمل من أصحاب الكفاءات لتولي هذه المهمة.

المطلوب الآن الالتزام بهذه المنطلقات وهذه القواعد، وبالتالي فإنّ هناك حاجة ماسة لممارسة بعض الصبر لنرى كيف ستكون عليه نتيجة عملية التأليف للحكومة العتيدة. وبالتالي وعندما تظهر النتيجة يمكن الحكم كيف ستكون ردات الفعل. فإذا انجلى عن عملية التأليف تشكيلة حكومية تمثل هذه الأحزاب الطائفية والمذهبية أو بدا أنها ستكون منصاعة لهم كما جرى مع حكومة الرئيس دياب، فذلك يعني ان هذه العملية قد فشلت وبالتالي نكون قد عدنا إلى المربع الأول مع ما سيعنيه ذلك من مآسي واضطرابات لا حد لها ولا حصر.

أنا اعتقد، وكما لمست من الموقف والاستعداد الذي عبّر عنه اليوم الدكتور مصطفى أديب، بأنه راغب في ان يؤلف حكومة مصغرة وتكون مؤلفة من أصحاب كفاءات وان لا تكون لأي عضو منهم امتدادات سياسية مباشرة مع مختلف الاحزاب والفرق السياسية الموجودة في لبنان. هذا مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ جميع اللبنانيين مسيسون، ولكن هناك فرق بين أن يكون أعضاء الحكومة يفهمون بالسياسة أو بأنهم يلتزمون بخط سياسي معين وهذان شيئان مختلفان.

س: ولكن لماذا لا يأتي سعد الحريري لاسيما وأنّ الكل كان يرى ان سعد الحريري هو الاجدر في القيادة في لبنان خصوصاً في هذه المرحلة؟

ج: لكن لا شك أنّ التجربة التي اكتسبها الرئيس سعد الحريري تؤهله لان يكون رئيساً لهذه الحكومة. ولكنه أبدى عن عدم رغبته الان في تولي هذه المسؤولية الحكومية. وهو قد أبدى حرصة في المقابل أن تكون لهذه الحكومة الجديدة نكهة جديدة وفي أن تكون لدى أعضائها الرغبة والاندفاعة للتعاون في تأليف فريق عمل متجانس وقادر على اتخاذ القرارات، ويكون كل همه خدمة الصالح العام من خلال خطة إنقاذية، وعلى ان يتولى رئيس الوزارة قيادة هذا الفريق لإجراء الإصلاحات المطلوبة التي يحتاجها لبنان.

انطلاقاً من ذلك، أنا اعتقد انه يجب على جميع المعنيين أن يتفهموا هذا القلق وتلك الخشية التي لدى العديدين من اللبنانيين بشأن الحكومة الجديدة. لكن المعالجة الصحيحة لهذا القلق ولتلك الخشية لا تكون بإطلاق التأكيدات الكلامية. ولكن يكون وبالفعل عن طريق تأليف هذه الحكومة الجديدة، وبجميع أعضائها من الذيم يتمتعون بهذه الصفات والمواصفات التي يجب ان يتم تأليفها بأسرع وقت ممكن لتهدئة القلق الكبير الذي يساور اللبنانيين. لأنّه وعندما تطول فترة إنجاز عملية التأليف فان ذلك سوف يستدعي مختلف الفرقاء السياسيين إلى أن يضع كل منهم شروطه. وعندها سنفاجأ بأنّ بكل فريق يضع شروطاً من هنا وشروطاً من هناك ومطالب من هذا الفريق ومطالب من الفريق الاخر وبالتالي سوف نقع في ذات المشكلات التي يشكو منها اللبنانيون الآن، ونعود إلى المهاترات السياسية والتدمير الذاتي ويضيع على لبنان من جديد فرصة محتملة لإنقاذ لبنان وإنقاذ اللبنانيين.

س: دولة الرئيس فؤاد السنيورة، بالحقيقة في هذه النقطة، والتي تتعلق بانعدام الثقة بين جزء من الطبقة السياسية والشعب اللبناني وان هذا هو جوهر المشكلة التي لاتزال تلازم لبنان حالياً وكما كانت في الماضي. وأخشى أن أقول أيضاً في المستقبل. في النهاية هذه الطبقة وهي التي اخرجت مصطفى اديب وغير مصطفى أديب في المراحل السابقة. لكن دولة الرئيس ما رأيك وكيف تفسر هذه الفجوة بين انعدام الثقة بين الطبقة السياسية والشارع اللبناني بشكل عام؟

ج: نعم، هناك فجوة كبيرة تتمثل بانعدام الثقة بين المواطنين من جهة، والطبقة السياسية في لبنان من جهة أخرى. وأنا اعتقد ان السبب الاساس في هذا الوضع هو التردي المستمر في مستويات الحوكمة. إذ إنّ الفساد في لبنان هو في أساسه فساد سياسي، وهو ينتج عن تلك العلاقة الزبائنية التي أرادتها وتصرّ عليها معظم الفرق والأحزاب السياسية في لبنان، والذين يحرصون على أسر المواطنين لكي يستمروا ويكونوا فعلياً ودائماً ملتزمين بآراء زعمائهم السياسيين، وبالتالي خاضعين لابتزازاتهم ومستسلمين لهم. ويكون ذلك مبنياً على سلسلة من المصالح التي يتوقعونها من مساعدات أو خدمات يسديها إليهم أولئك الزعماء السياسيون، والتي هي في الأصل وفي معظمها حق لهم ويفترض أن يحصلوا عليها من الدولة، وليس بالضرورة عن طريق أولئك السياسيين. لكن أولئك الزعماء والأحزاب السياسية تصرّ أن يحصل المواطنون على ما هو حق لهم عبر أولئك الزعماء السياسيين. وبالتالي يصبح وقد أصبحت العلاقة بين أولئك السياسيين وناخبيهم هي علاقة زبائنية، أكان من أجل الحصول على حقوقهم أو ما حق لهم أو في الحصول على ما هو ليس حقاً لهم. وبالتالي هو مخالف للقوانين السارية. ولذلك شهدنا وباستمرار حرصاً من قبل الاحزاب السياسية على أن تُحْكِمَ قبضتها على الدولة اللبنانية وعلى الوزارات والادارات بحيث أصبحت تلك الوزارات والإدارات المختلفة مزارع او مستعمرات للأحزاب السياسية والطائفية والميليشياوية لا تسمح بحصول المواطنين على قسم كبير من المنافع والخدمات التي هي حق لهم إلاّ عبر أولئك الزعماء والأحزاب وتمنينهم بها.

هذا الواقع لم يعد قابلاً للاستمرار. ولقد لمست لدى الرئيس المكلف إيماناً في أنه يريد أن يخرج من فخ وطوق تلك العلاقة الزبائنية التي ماتزال تستعصي على الإصلاح. هذا الضغط الذي تمارسه تلك الأحزاب يجب ان يتوقف واعتقد أن هذا هو المطلب الإصلاحي الكبير الذي إذا نجح فيه الرئيس المكلف بتحقيقه فإنه بذلك يمهد لتحقيق ثورة إصلاحية حقيقية على الفساد السياسي في لبنان.

س: دعني أذهب الى مسألة الطائفية رئيس الجمهورية يطالب بدولة مدنية، والكثيرين يقولون انه المستفيد الأساسي من الدولة الطائفية وهو يطالب بدولة مدنية علمانية. متى ستنتهي دولة المحاصصات الطائفية في لبنان؟

ج: دعني أبيّن لك أمراً يا سيدي بأنّ هناك مشكلة مستمرة في لبنان ناتجة عن أنّ هناك فجوة كبيرة في ما يقوله بعض السياسيين وبين ما يفعلونه. فتراهم يطالبون بدولة مدنية، ولكنهم بالفعل يمارسون الطائفية ويثيرون العصبيات ويحضون على الكراهية الطائفية بأسوأ صورها. وهم لذلك يوغلون في إثارة الحساسيات والتشنجات الطائفية والمذهبية. ويؤسفني القول إن أكثر من مارس الضغوط الطائفية وأثار النعرات المذهبية ومارس السياسات الشعبوية بأسوأ صورها خلال السنوات الماضية كان حزب التيار الوطني الحر. وهو الحزب الذي ينتمي اليه فخامة الرئيس، وذلك من خلال رئيسه جبران باسيل. وبالتالي، كانت ممارسة هذا الحزب وممارسة مختلف قياداته قائمة على الشحن الطائفي والمذهبي، وهو شكّل بأدائه أعظم وأكبر نموذج على إثارة العصبيات الطائفية والمذهبية بما كان يستثيره من شحن وتوتير وضغوط طائفية على مدى كل هذه السنوات الماضية وفي كل شيء او في كل أمر. وهو لم يترك صغيرة ولا كبيرة لكي يستثير النعرات الطائفية بكونه يصر على أن يطالب بتلك الحصص حتى وصولاً إلى أدنى درجات العاملين في الدولة اللبنانية مع أنّ في ذلك مخالفة صريحة للدستور اللبناني، ولاسيما للمادة 95 من الدستور التي تؤكد على اعتماد قواعد الجدارة والكفاءة في جميع المراكز في إدارات الدولة اللبنانية باستثناء أولئك الذين في المرتبة الأولى. وهو كان يتصرف على هذه القواعد التي كان يؤكد على الالتزام بها في التعيينات بدلاً من الارتقاء بأدائه، والارتفاع الى مستوى اعتماد المبادئ الأساسية التي قام عليها لبنان منذ استقلاله وأصرّ الدستور اللبناني على ضرورة اعتمادها، ألا وهي احترام قواعد الكفاءة والجدارة في إيلاء المراكز في الدولة اللبنانية لأكْفائها.

وبالتالي، ونتيجة لهذا الإداء المتردي، فقد أصبح ولاء معظم العاملين في الدولة اللبنانية ومؤسساتها للأحزاب الطائفية والمذهبية الذين يؤمّنون لهم الحصول على المراكز في الدولة اللبنانية ويضمنون لهم فرص الترقي ويقدمون لهم الحماية المستمرة. وبالتالي لم يعد همُّ أولئك العاملين خدمة الدولة والمواطنين بل إرضاء أولئك الزعماء. لذا، فإني أرى أنه قد آن الأوان للعودة إلى الأصول الدستورية والقانونية، وبالتالي العمل بجد من أجل الخروج من تلك الادعاءات والشعارات الفارغة التي لا تعني شيئاً غير تحقيق هدف واحد وهو كسب التعاطف الجماهيري والتعاطف الشعبوي بغض النظر عن صوابية هذه الممارسات.

أنا اعتقد ان اتفاق الطائف الذي أقره لبنان وتمت صياغة الدستور اللبناني على أساس منه الا وهو احترام ما تمّ الاتفاق عليه في الطائف، والذي- وياللأسف- لم يستكمل تطبيقه حتى الآن.

لقد نصّ اتفاق الطائف على أن يكون للبنان مجلسان منتخبان. الأول، وهو المجلس النيابي الذي يلبّي طموحات ومطالب الفرد المواطن في الحصول على الخدمات التي تقدمها له الدولة وفي تنظيم علاقته بالدولة، وفي كل ما من شأنه أن يسير أمور المواطن وعلاقاته مع الدولة ومع سائر المواطنين.

أما المجلس الآخر الذي نص عليه اتفاق الطائف، والذي استمرّ التلكؤ في إنشائه وفي تطبيقه، وحتى الآن عن القيام به، الا وهو إنشاء مجلس للشيوخ. فمجلس الشيوخ يلبي ما تتوقعه وتريده الجماعات التي يتكون منها لبنان. ولبنان مؤلف من 18 جماعة دينية في لبنان. لذلك، فإنه بإمكاني القول أنّ النظام اللبناني هو نظام مدني بكل ما للكلمة من معنى. من جانب آخر، فإن مجلس الشيوخ حين إنشائه، همّه أن ينظم علاقات الجماعات الطائفية التي يتكون منها لبنان لكي يتم التأكد من أنه يستمر احترام ووجود تلك الجماعات وعدم تهميشها او عدم المساس بها. ويكون ذلك عبر احترام تمثيلها عن طريق مجلس الشيوخ. لقد كان ينبغي ان يصار الى إنشاء هذا المجلس. ولكن- وياللأسف- جرى التعتيم عليه، واستمرت محاولة التهرّب من إنشائه على مدى السنوات منذ العام 1989 وحتى الان. ففي الفترة التي كان فيها للنظام السوري سلطة مؤثرة في لبنان أو كان مسيطراً فيها في لبنان، كان هناك تمنع عن إنشاء هذا المجلس. كما أنه وفي الفترة التي تلت، أي منذ العام 2005 وحتى الان، فقد حصلت فيها أموراً وتطوراتٍ كثيرة أدّت في المحصلة إلى استمرار الاستعصاء على إنشاء هذا المجلس خلال السنوات الخمس عشر الماضية. وهي الفترة التي أسهمت في توتير وزيادة حدّة التشنجات الطائفية، والتي وكما أسلفت، كان النموذج الأكبر لزيادة حدّة تلك التشنجات الطائفية واثارة النعرات المذهبية هو التيار الوطني الحر. هذا لا يعني أن باقي الأحزاب الطائفية بريئة من اللجوء إلى استعمال ذات الأساليب المؤدية إلى زيادة حدّة التوترات والعصبيات.

س: لكن اسمح لي دولة الرئيس، هل حزب رئيس الجمهورية أو حزب جبران باسيل وحزب الله أيضاً سيدعمون تكليف السيد مصطفى أديب؟ هل هذا يعني انه ببساطة شديدة ان هذه الحكومة ستكون أيضاً حكومة محاصصة ويجب ان يرضى عنها حزب الله والتيار الوطني الحر ورئيس الجمهورية وبقية الطوائف اللبنانية ام لا؟

ج: بدون أدنى شك، أنا أضع يدي على قلبي لأني أخشى أن لا يتحقق هذا الإصلاح الأساسي الذي نحلم به، ولأنّ كل ما نسمعه اليوم عن استعدادات طيبة ورغبة في التعاون يحصل انطلاقاً من إدراك متنام لدى بعض السياسيين في لبنان في أنّ لبنان قد وصل الى نقطة خطرة جداً. إذ أصبح قاب قوسين او أدنى من ذلك الارتطام الكبير بسبب هذا التردي الهائل في الاوضاع الاقتصادية والمالية والنقدية والمعيشية والأمنية في لبنان. ولقد وصل الانهيار في الثقة بالدولة والحكومة والمسؤولين في هذا العهد إلى مستويات خطرة جداً. لذلك، فإني أتمنى أن يكون هذا الادراك صحيحاً وأن يؤدي ذلك بالتالي الى التزام كامل من قبل أولئك السياسيين بمصلحه الدولة اللبنانية وما تمليه عليهم المصلحة الدائمة للبنانيين من ضرورة المسارعة إلى التسهيل وبالتالي لتبني الإصلاحات الموعودة.

لذلك، فإني ومع ابداء أملي وتمنياتي بذلك الا ان هناك خشية كبيرة لدي، وهي تساورني في انه ربما لا يأتي "حساب البيدر مطابقاً لحساب الحقل". أي ان ما نسمعه من نوايا طيبة الآن بشأن التكليف قد لا نسمعه عند البدء بالتأليف. لهذا كلّه، فإني أرى أنّ هناك أمراً يجب ان يدركه الجميع من أنه لم يعد لدى لبنان على الاطلاق: "لا ترف الانتظار ولا حتى ترف الاختيار". أنا أعني هذه الكلمات لا ترف الانتظار ولا ترف الاختيار ذلك أنّ المشكلات قد أصبحت أكبر بكثير من لبنان ومن اللبنانيين. وما لم تتوفر تلك الإرادة الحاسمة لدى اللبنانيين ولدى السياسيين اللبنانيين، ولدى هذه الحكومة العتيدة بحتمية سلوك طريق الإصلاح الحقيقي، فإنه من الصعب لا بل من المستحيل على لبنان الخروج من هذه المآزق التي أصبح في خضمها.

س: دولة الرئيس فؤاد السنيورة انت تحدثت عن فكرة الطائفية وفكرة الاعتماد على القوى الاقليمية والدولية. ويقولون ان جميع القوى السياسية لديها انعكاسات وارتباطات مع قوى إقليمية مثل المستقبل مع السعودية وحزب الله مع إيران او غير إيران وممكن ان نسمي كل طائفة بهذا الشكل هل هذا حقيقي او هذا فعلا هو ما يؤثر على الساحة السياسية في لبنان بشكل عام؟

ج: بصراحة، لقد مرّ لبنان خلال العقود الماضية بتجارب كثيرة وهي قاسية جداً. وكانت هناك مراهنات مستمرة لدى مجموعات سياسية مختلفة في لبنان على الخارج. وهي كانت ولاتزال تعتمدها للاستقواء على الداخل. فلقد تميزت ممارسات الكثير من الاحزاب الطائفية والمذهبية في أنها كانت تراهن في أحيان ليست بالقليلة على دعم من الخارج اكان ذلك ضمن الإطار الاقليمي او حتى خارج الإطار الإقليمي. وانا الان اعتقد ان هذا الامر الخطير قد أصبح جديراً بأن يصار إلى مراجعته ومراجعة هذه الممارسات مراجعة صادقة وواعية ومتبصرة ومن قبل الجميع.

دعني أقول لك ما أعتقده بشأن طريقة حكم لبنان، وذلك فإنه ينبغي ان يتحلى الجميع بالحكمة والتبصر والاستيعاب، ولكن على أساس احترام قاعدة أساسية وهي أن لبنان يحكم بقوة التوازن وليس بتوازن القوى.

مبدأ قوة التوازن الذي يعترف ويحتضن جميع المكونات وعلى أساس ان كل مواطن له ذات الحقوق وعليه ذات الواجبات وان انتمائه لطائفة معينة لا يعرضه لأي نوع من انواع التهميش. ودعني أقول لك في هذا الشأن، وعلى سبيل المثال، فإنّ تاريخ لبنان السياسي حافل بهذا التسامح والقبول بالآخر. فقبل اتفاق الطائف كان بإمكان كل مواطن لبناني بغض النظر عن أي طائفة انتمى إليها باستطاعته ان يكون وزيراً في أي وزارة في لبنان بغض النظر عن حجم طائفته، ولاسيما في ما يقال عنه الحقائب الوزارية السيادية. إلاّ أنه، وفي فترة لاحقة سادت ممارسات استجدت بحيث أصبح هناك وزارات معينة لا يحصل عليها الا من ينتمي الى الطوائف الاساسية الاربعة في لبنان اي الموارنة والارثودوكس والسنة والشيعة. هذا بينما تاريخ لبنان يدل على أنّ وزراء ينتمون إلى طائفتي الكاثوليك والدروز، وعلى سبيل المثال، كانوا يحصلون عادة على أن يكون أحداً منهم وزيراً في أهم الحقائب الوزارية وأعني بذلك وزارات المالية والدفاع والداخلية والخارجية بغض النظر عن انهم لا ينتمون الى الطوائف الكبرى في لبنان. كان النظام هكذا في لبنان. المؤسف أنه وفي العقود الأخيرة، زادت حدّة الانغلاق وزادة حدّة التطرف، وبدأت تتزايد حدّة المراهنات على الشرق والغرب في المنطقة وخارجها. وأنا اعتقد ان هذه المشكلات لم تعد قابلة للاستمرار إذ لم يجر العمل على التصدي لها ومحاولة إيجاد حلول لها. وباعتقادي أن الآن قد استحق الحق وكما يقول القرآن الكريم: "الآن حصحص الحق"، وأصبح على الجميع ان يدرك ان النتيجة سوف تكون وخيمة جداً على لبنان واللبنانيين إذا استمرت هذه الممارسات. وسيكون عندها الجميع في خطر كبير.

كذلك إذا استمرت تلك الممارسات المبنية على المراهنة على تغير موازين القوى، فإنها دعوة مستمرة إلى زيادة حدّة الخلافات والتخاصم المستمر وإشعال الحروب، إذ أنه وعندها تحاول كل طائفة أن تستقوي بالآخرين بالخارج على الداخل، فإنّ ذلك يستدعي بالآخرين ان يعملوا جهدهم من أجل السعي للاستقواء أيضاً بالخارج لرد الصاع صاعين. وهذا يعني في محصلة الامر استمرار حدّة الصراعات والمواجهات الداخلية. لذلك، فإنّي أعتقد أنّ لبنان لا يحكم الا بقوة التوازن، وحتماً ليس في استمرار المراهنة على الاستقواء بالخارج على الداخل. ذلك بما يعني إقرار جميع اللبنانيين باستيعاب هذه الحقيقة التي كلفتهم غالياً والتصرف على أساس منها، وكما قلت لك الان "لقد حصحص الحق".

س: وفي ما يخص زيارة ماكرون في بيروت البعض رأى في الزيارة الأولى التي حصلت قبل عدة اسابيع وكأنها عودة للانتداب الفرنسي على لبنان. فالرئيس ماكرون يسير في شوارع بيروت، ويلقى تأييداً كبيراً من قبل اللبنانيين أفضل مما يلقاه أي مسؤول لبناني في لبنان إذا حاول هذا المسؤول أن يلتقي بمواطنيه في الشوارع اللبنانية. وكذلك فإنّ البعض يطالب بعودة الوصاية الفرنسية مرة اخرى هل هذا بسبب ضعف وتراجع النخبة السياسية ام ان هناك فعلا اطماع سياسية فرنسية في لبنان؟

ج: دعني أكون واضحاً هناك انهيار كامل في الثقة لدى اللبنانيين في الدولة اللبنانية وفي الحكومات اللبنانية وبالعهد وبرئيس الجمهورية وبمعظم الطبقة السياسية. وهذا ناتج عن هذا الانهيار الكبير الذي نشهده في كافة الأوضاع الاقتصادية والمالية والنقدية والإدارية. وكما يقولون: "المصائب لا تأتي فرادى" بل بالإضافة إلى المصائب الاقتصادية والنقدية والمالية والسياسية والوطنية التي يعاني منها لبنان منذ فترة طويلة فإنّ حدّة تفاقمها تزداد لأنها أصبحت تتفاقم أيضاً بسبب جائحة الكورونا. وكذلك أيضاً وبالتالي، بدأ تفاقمها يزداد بعد ذلك التفجير الكبير الذي حصل في مرفأ بيروت. وهذا ما أحدث غضباً ونقمةً ورفضاً كبيراً لدى اللبنانيين. واللبنانيون محقون بغضبهم ونقمتهم. ولذلك فقد بادر بعضهم إلى توقيع تلك العريضة، مطالبين بعودة الانتداب الفرنسي. برأيي هذه ليست إلاّ ردّة فعل. لكن المعالجات لمثل هذه المشكلات ولتلك النقمة لا تكون بالذهاب الى استعادة الانتداب الفرنسي أو أي انتداب من أي طرف أو دولة أخرى. فاللبنانيون جربوا وعانوا من الانتداب في الماضي، وهم لذلك بحاجة للعودة إلى ذواتهم وبالتالي للتفتيش عن الحلول الصحيحة وفي المكان الصحيح لمعالجة المشكلات، وليس باستمرار التفتيش عن حلول لمشكلاتهم في المكان الخطأ.

لقد تفاقمت مشكلات اللبنانيين بسبب الفساد السياسي، وبسبب الاستعصاء المزمن على الاصلاح في لبنان، وكذلك بسبب انكشاف لبنان على مشكلات الخارج، وبسبب تدخلات بعض الأحزاب اللبنانية، وتحديداً حزب الله بالصراعات الجارية في المنطقة لحساب إيران بما انعكس وبالاً على لبنان واللبنانيين. وبالتالي، فقد أصبحت الدولة اللبنانية مسيطراً عليها من قبل الدويلات الطائفية والمذهبية والميليشياوية وفاقمتها التدخلات الأجنبية الإقليمية وغير الإقليمية وبسبب استدعاءات الداخل للخارج.

واللبنانيون اللذين شاهدوا هذه الانعطافة من قبل الرئيس ماكرون ورغبته في مد يد المساعدة للبنان وللبنانيين، ولاسيما بعد التفجير المريب الذي حصل في لبنان فقد طالب البعض بتدخل فرنسا لمساعدتهم، ولكن ليس عن طريق طلب الانتداب الفرنسي. أولئك الشباب توسموا الخير من هذه الزيارة التي يقوم بها الرئيس ماكرون، وهو قد عبّر عن رغبته بتلبية الحاجات الاغاثية للبنان لكنه كان ومازال واضحاً. ومثل ما قال وزير خارجيته ومثل ما عبر عنه أيضاً الاشقاء العرب والاصدقاء في العالم ان على اللبنانيين أن يساعدوا أنفسهم وعليهم أن يساعدوا أنفسهم ويساعدوا أشقائهم وأصدقائهم حتى يبادر أولئك الأشقاء والأصدقاء إلى مساعدة اللبنانيين.

لقد قالها الرئيس ماكرون قوية وصريحة. لا يمكن ان نساعدكم الا إذا قمتم بما يتوجب عليكم من اصلاحات وهذه الإصلاحات لا يجري فرضها من قبل الفرنسيين على اللبنانيين وليست مفروضة من قبل البنك الدولي أو صندوق المقد الدولي على الدولة اللبنانية. على النقيض من ذلك، هذه الإصلاحات هي موجودة ومعروفة ويعرفها القاصي والداني في لبنان، وهي موثقة في مجلس النواب ولدى الحكومات المتعاقبة منذ أكثر منذ 15 عاماً ويرددها اللبنانيون وينادي بها السياسيون ولكن- وياللأسف- إرادة الإصلاح الحقيقي مازالت غير متوفرة وتقاذف الكرة بين اللبنانيين مازال سائداً وفي المحصلة يستمر الاستعصاء على الإصلاح.

دعني أقول لك أني في إحدى المرات وفي مجلس النواب، وعندما كنت نائباً في مجلس النواب في العام 2017، وعند اقرار الموازنة العامة للعام 2017، فقد قلت في كلمتي أمام الهيئة العامة لمجلس النواب انه عقد مؤتمر في تموز من العام 1997، وصدر في حينها توصيات بشأن الإصلاحات الواجب إدخالها واعتمادها في لبنان. ولقد قلت في حينها للسادة النواب: "لو اطلعتم على تلك التوصيات الصادرة في العام 1997 لتساءلتم بينكم وبين أنفسكم. هل هذه التوصيات كتبت في العام 1997 ام انها كتبت البارحة في العام 2017؟ أي بعد مرور 20 عاماً". الحقيقة انّ هذا الاستعصاء المزمن على الإصلاح قد استطال واستمر على مدى هذه الفترة وبالتالي لم تتوفر حتى الآن النية والإرادة من أجل تبني تلك الإصلاحات. فهي ستتوفر اليوم؟

بمعنى آخر، لن يكون بإمكان أحد ان يساعد لبنان الا إذا ساعد لبنان نفسه وكما تقول الآية الكريمة: "ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

تاريخ الخبر: 
01/09/2020