الرئيس السنيورة للعربية الحدث: التحدّي الكبير هو في توافق المسؤولين اللبنانيين على تأليف الحكومة العتيدة من مستقلين من أصحاب الكفاءة ومن غير السياسيين

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 

أجرت قناة الحدث في محطة العربية حواراً مع الرئيس فؤاد السنيورة حول آفاق زيارة الرئيس ماكرون وتكليف الدكتور مصطفى أديب تشكيل الحكومة وفي ما يلي نص الحوار:

س: من بيروت رئيس الوزراء اللبناني الأسبق فؤاد السنيورة. اهلاً بك معنا من استديو الحدث، ولنبدأ من زيارة الرئيس الفرنسي قبل أن اتطرق الى الحكومة الجديدة. إذا كانت الزيارة الأولى حملت عنوان زيارة تضامنياً ما هو عنوان هذه الزيارة وبماذا يحمل الى لبنان الرئيس ماكرون؟

ج: شكراً على هذه الاستضافة وشكرا على هذا الاهتمام الدائم في قضايا لبنان وأيضا بمعاناته المستمرة.

لا شكّ أنّ الزيارة الثانية للرئيس ماكرون هامة جداً، ولاسيما أنه يقوم بها بعد إنجاز الاستشارات النيابية الملزمة التي أجراها الرئيس ميشال عون بعد تأخير أكثر من عشرين يوماً. وما أعتقده أن زيارة الرئيس ماكرون المرتقبة قد ضغطت على الرئيس عون للمسارعة في اجراء الاستشارات النيابية الملزمة، وبعد أن تلكأ وللمرة الثانية في إجراء تلك الاستشارات. على أي حال، فقد نجم عنها حصول الدكتور مصطفى أديب على 90 صوتاً من مجلس النواب الذين أيَّدوا تكليفه.

اعتقد أن التحدّي الكبير الذي يدركه الرئيس ماكرون عند مجيئه الى لبنان، وفي هذا الظرف بالذات، هو أن يتمكن من دفع المسؤولين السياسيين اللبنانيين، ولاسيما النواب والكتل النيابية، وأيضاً القوى المدنية في الشارع اللبناني من أجل التوصل الى توافق على تأليف الحكومة العتيدة من غير السياسيين. وعلى أن تتكون هذه الحكومة من شخصيات مستقلة لها كفاءتها وسمعتها الحسنة وأيضاً تتمتع بالقدرة على التعاون كفريق عمل متجانس من أجل التوصل إلى صيغة لحكومة مصغرة يكون همّها الأول أن تنجح في البدء باستعادة ثقة اللبنانيين والمجتمعين العربي والدولي بالدولة والحكومة اللبنانية عبر مباشرة تنفيذ برامج الإصلاح وبما يمكّن الحكومة العتيدة من معالجة هذا الكم الكبير من المشكلات التي تراكمت على لبنان على مدى عدة عقود. وهي المشكلات التي كانت تتفاقم خلال السنوات القليلة الماضية، بما أوصل لبنان الى حافة الانهيار الكامل في ثقة اللبنانيين بحكومتهم وبدولتهم وبالعهد وأيضا بالطبقة السياسية. وكذلك في التسبب بالانهيار الاقتصادي والمالي والنقدي والمعيشي.

الأمل في أن يستمر الاستعداد لدى أولئك السياسيين من أجل تسهيل عملية تأليف الحكومة. صحيح أنه وعند التكليف كانت هناك وجهات نظر متباينة، حيث أن لكل فريق في لبنان له رأيه، وكل شخص يحاول ان يفسر الأمور والأسباب والظواهر حسب وجهة نظره. وأنا احترم كل هذه الأفكار ولكن وعلى الأرجح هناك ما يجمع معظم اللبنانيين، وهو أن هناك حرصاً لديهم من أجل أن يصار إلى تأليف حكومة مستقلة من غير السياسيين نظراً لأنّ اللبنانيين فقدوا الثقة بمعظم أولئك السياسيين.

هذا ما دفع رؤساء الحكومة السابقين إلى اقتراح اسم سفير لبنان في ألمانيا مصطفى أديب لتكليفه بتأليف الحكومة من خارج نوادي السياسيين ليؤلف حكومة من المستقلين من أصحاب الكفاءة والجدارة. لأنه لو جرى تكليف أحد السياسيين ليتولى تأليف الحكومة لشكّل ذلك دافعاً لجميع الكتل للإصرار على أن تتمثّل بنواب أو أشخاص يمثلونها في الحكومة. وهذا باعتقادي هو الأمر الذي على لبنان أن يتجنبه في الوقت الحاضر.

الأمل كل الأمل أن يتمكن الرئيس المكلّف من تأليف حكومة من هذا النوع خاصة وان وجود ماكرون في لبنان ولقاءاته مع رئيس الجمهورية وأيضاً مع الكتل النيابية وأيضاً مع أشخاص من الشارع اللبناني لربما يشكّل عاملاً مساعداً في تذليل العقبات التي قد يطرحها بعض السياسيين المحترفين. أقول لربما أن هناك إمكانية والتي يجب علينا جميعاً أن لا نفوِّتها. ولكن أقول، وبذات الوقت أيضاً وبكل صراحة أنه يساورني القلق الشديد من جهة، مع أنه يغمر قلبي الامل فلربما تكون هناك فرصة بسبب هذا الدفع الكبير الذي يمارسه الرئيس ماكرون، وأيضاً لما تحمله زيارته إلى لبنان من تمنيات ونصائح كثير من الدول الصديقة والشقيقة للبنان واللبنانيين في التعجيل وتسهيل عملية التأليف.

من الضروري أن يدرك اللبنانيون، ولاسيما السياسيون المسؤولون وفي مقدمهم رئيس الجمهورية، انه لم يعد لدى لبنان لا ترف الانتظار ولا ترف الاختيار. فلبنان الذي ينهار أشبه ما تكون حالته قد أصبحت وكأنه ثواني قبل الارتطام الكبير وهذا ما يجب تجنبه لما يحمله ذلك من انعكاسات وتداعيات خطيرة على أكثر من صعيد وجودي ووطني وسياسي وأمني ومعيشي.

س: يعني كما القلق يعتمرك أيضاً هناك لبنانيين يعتمرهم هذا القلق وهم غير متحمسين لزيارة ماكرون على غرار اللبنانيين الاخرين ومنهم من يقول مثلاً إذا كان الرئيس ماكرون جاداً في مسألة الضغط للإصلاحات في لبنان فعلى الأقل أن يكون تصرفه وتعاونه مع إيران بشكل أكثر جدية وأكثر قسوة من أجل الضغط على حزب الله لتسهيل عملية التأليف؟

ج: من دون شك. فرنسا صديقة للبنان وهي تريد المساعدة، ولكن علينا أن ندرك أيضاً أن فرنسا دولة كبرى لها أيضا مصالحها ولديها اهتماماتها. وصحيح أننا كلبنانيين نريد من فرنسا أن تقف معنا بشكل كامل وأساسي، وأن تدعم لبنان واللبنانيين وان تضغط على إيران من أجل الضغط على حزب الله وذلك حتى لا يتفاقم الضرر الذي يوقعه حزب الله، الذي ينفذ سياسة وتوجهات إيران بلبنان بسبب تورطه في عدد من الدول العربية وبسبب إطباقه على الدولة اللبنانية. الأمر الذي يتسبب بأن يصبح لبنان في عزلة عن أصدقائه واشقائه في العالم. نحن أيضاً ندرك أن لفرنسا علاقات وثيقة مع إيران، وان علينا ان نتفهم أننا لا نستطيع ان نتوقع من أصدقائنا ان يتصرفوا فقط حسب ما تقتضيه مصالحنا. لذلك علينا أن نتفهم أوضاع الجانب الفرنسي وظروفهم واهتماماتهم، وعلينا نحن في لبنان أن نبادر إلى مساعدة أنفسنا وبالتالي أن نساعد أشقائنا وأصدقائنا ومنهم فرنسا لكن يثابروا على دعم لبنان.

س: فيما يتعلق بالملفين المرتبطين بين زيارة الرئيس الفرنسي وتشكيل الحكومة، الحراك سيبدأ ايضاً احتجاجات ضد مصطفى اديب، فالسؤال المطروح دائماً لماذا أصبحت مسألة معارضة الحكومة واي شخص يترأسها مسالة كيدية اختيار رئيس الوزراء. لماذا لا يمهل ويعطى الفرصة لإثبات ما يمكن ان يصلحه ويقدمه للمواطن اللبناني؟

ج: السياسة كما تعلم، هي فن الممكن وليس فن المستحيل. وهذا يقتضي منا أن نحدد الخيارات المتاحة وتلك الممكنة. انا كنت من أوائل السياسيين الذين رشحوا نواف سلام لكي يتولى قيادة هذه المرحلة كرئيس مكلف. ونعلم أيضاً ان حزب الله قد وضع فيتو على الأستاذ نواف سلام. كذلك، فأنا اعتقد أنه من الضروري أن يكون رئيس الحكومة المكلّف سياسياً ولديه الخبرة في العمل الحكومي، إذ كنت ولا أزال أقول أنّ قائد الطائرة يجب ان تكون لديه الخبرة والتجربة في قيادة الطائرات ولا مانع عندها أن يكون باقي أعضاء الطاقم ممن ليست لديهم الخبرة في العمل الحكومي.

مع إدراكي لأهمية وصحة هذه الحقائق، لكن الأوضاع الدقيقة التي أصبح عليها لبنان وبكونه وصل إلى مرحلة في غاية الصعوبة والتعقيد فإنّه قد أصبح لزاماً على الجميع أن يبادر من أجل تحديد ما هو الممكن عمله من أجل إنقاذ لبنان وليس بهدف إنقاذ المجموعة الحاكمة.

في هذا الصدد، علينا أن ندرك الوضع الصعب والمحرج الذي أصبحنا فيه أنه بمجرد أن يأتي شخص سياسي لترؤس الحكومة العتيدة فإنّ ذلك سيشكل دعوة صريحة وثابتة وغير قابلة للنقاش لكل كتلة من الكتل السياسية أن تصر على انتداب ممثلين عنها ليكونوا أعضاء في الحكومة العتيدة. وبالتالي، فإنّ هذا يعني أن نعود بلبنان مرة جديدة الى نقطة البداية أو نقطة الصفر، وهو الوضع الذي عانينا منه كثيراً حتى الآن. وهذا ما لا يخرج لبنان من مآزقه.

لقد اشتهدنا بما قمنا به نحن كرؤساء حكومة سابقين بأننا اقترحنا، وليس في ذلك أي إلزام، اسم الدكتور مصطفى اديب وهو ديبلوماسي مضى عليه في منصبه الدبلوماسي حوالي 7 سنوات في عاصمة مهمة، وهي برلين وكانت له تجربته الدبلوماسية والأكاديمية التي نحترمها. طبيعي مهمة رئيس الحكومة مختلفة عن تجربة ديبلوماسي سابق، ومتطلباتها ومقتضياتها وتحدياتها أكبر بكثير. إلاّ أنّ هذا كلّه لا يعفينا من أن ندرك أيضاً تسارع التطورات السلبية التي يعاني منها لبنان. لذا، فقد أصبح واجباً علينا أن نحسم أمرنا ولا نظل متمسكين بهذه المواقف على أهميتها وضرورتها بينما يتسارع التدهور الرهيب في أوضاع لبنان. والذي لكل ذلك له تداعياته على أكثر من صعيد اقتصادي ومالي ومعيشي وأمني. كما أنّ علينا أن ندرك أنّ هناك من يسعى أيضاً إلى زعزعة الاستقرار وتخريب الأمور في لبنان، وبالتالي لأن يجر البلاد الى مزيد من المصاعب والتحديات وإلى مزيد من الدمار والتدمير الذاتي. وهنا كان علينا كرؤساء حكومة سابقين بأن نتصرف وان نختار أفضل الممكن على صعوباته وتحدياته. ولذا فقد اقترحنا اسم الدكتور مصطفى أديب، وهو شخص يتمتع بخلق عال وبخبرة دبلوماسية جيدة.

الآن التحدي الكبير الملقى على كاهل الدكتور أديب هو في أن يتمكن من اجتذاب فريق عمل متجانس وغير منحاز لأي من السياسيين او الأحزاب الموجودة، وان يكون همَّ هذا الفريق انقاذ لبنان من هذا الوضع المأساوي الذي أصبح عليه. إذ أنه وفي حال الفشل، فإني أعتقد عندها أنها ستشكل وصفة سريعة لاستجلاب المزيد من الشرور للبنان والمزيد من التدمير الداخلي، وربما ما يشكّل عندها خطراً وجودياً على لبنان.

اعتقد أن أمامنا الآن ربما فترة عشرة أيام او أسبوعين بحيث إما ان تتألف الحكومة أو أن الوضع سيصبح خطراً للغاية.

أنا اريد ان استشهد هنا بعبارة يؤسفني ان استشهد بها وهي عبارة قالها أحد السياسيين الفرنسيين السيد تاليران في بدايات القرن التاسع عشر وعند عودة الملكية لفرنسا عندما قال: "الفرنسيون لم يتعلموا شيئاً، ولم ينسوا أياً من ممارساتهم السابقة". بمعنى آخر أنهم لم يعتبروا ويستخلصوا الدروس من تجاربهم السابقة. ما أخشاه أن يكون السياسيون والمسؤولون اللبنانيون لم يعتبروا أي لم يتعلموا شيئاً من تجاربهم ولا نسوا شيئاً من ممارساتهم.

إني أتمنى على المسؤولين الحكوميين والمسؤولين السياسيين ان يدركوا عظم المخاطر والمشكلات والتحديات التي أصبحنا عليها نحن في لبنان، ولاسيما بعد تلك الجريمة النكراء الذي تعرض لها لبنان والمتمثلة بالتفجير المزلزل الذي حصل في مرفأ بيروت، والذي يحمل معه كل أنواع الشكوك والريبة حول أسباب وصول تلك الكميات المتفجرة إلى لبنان، ومن هم وراءها وبعد ذلك انفجار ما تبقى منها وبهذا الشكل.

هذه الجريمة تستدعي من الحكومة أن تكون أكثر وعياً وتبصراً وتنبهاً للمخاطر الكبرى التي يتعرض لها لبنان. وبالتالي يجب أن يكون الأداء لها مترفعاً عن الكيد وعن الانزلاق نحو الزواريب والأزقة الضيقة، وأن يكون المسؤولون اللبنانيون على مستوى التحديات التي يواجهها لبنان.

تاريخ الخبر: 
02/09/2020