الرئيس السنيورة لقناة الحدث: ما نراه اليوم هو محاولة من قبل الثنائي أمل وحزب الله فرض امر مخالف للدستور على جميع اللبنانيين

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 

أجرت قناة الحدث حواراً مع الرئيس فؤاد السنيورة في ما يلي نصه:

س: من بيروت معنا رئيس الوزراء اللبناني الأسبق فؤاد السنيورة. أهلا وسهلاً بك في ستديو الحدث ودائماً نتشرف بحضورك معنا. تقديرك الآن حول هذا الخلاف الحاصل بين الرئيس عون وحليفه حزب الله فيما يتعلق بتسمية وزير لوزارة للمالية؟

ج: بداية شكرا على الاستضافة وشكرا على اهتمامكم الدائم بقضايا لبنان.

الحقيقة أنّ ما نراه اليوم هو محاولة من قبل الثنائي أمل وحزب الله فرض امر مخالف للدستور على جميع اللبنانيين. وبداية سأوضّح هذا الامر، ولكي أعود بعدها إلى توضيح ابعاد الصورة الشاملة لبعض المشكلات التي يعاني منها لبنان.

الدستور اللبناني شديد الوضوح بأنه ليس هناك من أي حقيبة وزارية، ومنها حقيبة وزارة المالية، تعتبر حكراً أو حقاً مكتسباً لأي شخص ينتمي الى طائفة او مذهب معين في لبنان. كما انه، وفي ذات الوقت، لا شيء يحول دون ان يتسلم أي شخص ينتمي الى أي طائفة او مذهب، كبر او صغر، أي حقيبة وزارية في لبنان ومن ضمنها وزارة المالية. أي أن الحقائب الوزارية في لبنان لا تتبع أي منها لأي طائفة أو مذهب. وبالتالي، فإنّ الذي يأتي بهذه البدعة الجديدة محاولا ان يوحي بأن طائفية حقيبة وزارة المالية قد أقرت في الطائف أو أنه بحثت في الطائف. فهذا أمر غير صحيح.

صحيح أنه قد جرت مداولات في هذا الشأن بين بعض النواب خارج اجتماعات مؤتمر الطائف مثل التداول الذي جرى في بعض المسائل الأخرى التي تقرر في حينها عدم وضعها على جدول أعمال المؤتمر لما قد تتسبب به من خلافات قد تحول دون الوصول إلى إقرار اتفاق الطائف.

كذلك، فإنه ليس هناك من عرف مستمر وثابت ومستقر أن حقيبة وزارة المالية هي حكر على من ينتمي الى الطائفة الشيعية. وبالتالي، ليس هناك ما يمكن الارتكاز إليه لا بالدستور ولا بالعرف الثابت والمستقر بشأن طائفية حقيبة وزارة المالية.

الامر الذي أود ان أوضحه في شأن صورة الأوضاع لما يجري الآن في لبنان. في هذا الصدد، فإنني أرى اليوم أن هناك ما يشبه وجود مسرحين تجري أحداثهما في آن معاً. الأول في الخارج وهو يتعلق بالصراع المستمر والمحتدم ما بين إيران والولايات المتحدة الأميركية والمجتمعات الغربية. والثاني المسرح الداخلي الذي هو قائم في لبنان.

في المسرح الخارجي ليس للبنان أي دور فيه ولا يجوز ولا مصلحة في تحميل لبنان انعكاسات وتداعيات ما يجري على هذا المسرح من تعقيدات ومشكلات وتبعات، وهو ما تحاول بعض الأطراف جر لبنان إليه وإقحام لبنان في متاهاته وإرغاماته.

أما المسرح الآخر، وهو الداخلي أي ما يجري في لبنان: على هذا المسرح تجري محاولات من أجل طرح مجموعة من المسائل والمشكلات من أجل خدمة مصلحة فريق من هذين الفريقين الذين يصطدمان في الخارج. أي لمصلحة الدولة الإيرانية، ومن يأتمر بأوامرها وهو حزب الله. وبالتالي، فقد جرى اختراع قضايا ومسائل جديدة لتطرح وكأنها مسلمات ينبغي التقيد والالتزام بها، وذلك من أجل حرف الانتباه عما يجري في الخارج. ليس ذلك فقط، وكذلك من أجل حرف الانتباه لدى اللبنانيين عما يحصل في لبنان من احتقانات وتشنجات بسبب سيطرة وإطباق حزب الله على الدولة اللبنانية، وكذلك أيضاً لحرف انتباع للبنانيين عن ملابسات ذلك التفجير المريب والمليء بالشكوك الذي حصل في بيروت في مطلع الشهر الماضي. المؤسف أنّ الذي يجري في موضوع التحقيق بهذا التفجير يبدو وكأن هناك محاولة للطمس وللتعمية عليه. ومن أجل الإسهام في تحقيق هدف الطمس والتعمية نرى تلك المحاولات في ابتداع واختراع قضايا ليس لها علاقة لا بالدستور ولا بالأعراف ولا بمصلحة لبنان. والذي يقوم بذلك يحاول حرف انتباه اللبنانيين وكل المعنيين في لبنان عن الانهيارات الحاصلة في لبنان بسبب جملة من المآزق والصدمات التي تعصف بلبنان على مختلف الصعد الاقتصادية والمالية والنقدية والمعيشية، وكذلك للتعمية عن الاثار والنتائج الكارثية لتفجير المرفأ.

الحلّ الطبيعي لقسم مهم من تلك المشكلات، هو في العودة الى الدستور والالتزام بأحكامه، وكذلك العودة إلى الالتزام بما تمّ الاتفاق عليه في الطائف، وذلك يسهم في استعادة الثقة بلبنان ودولته من قبل اللبنانيين والمجتمعين العربي والدولي. هذا برأيي هو الطريق الذي يمكن ان ينقذ لبنان.

لا شك أنّ لبنان يعاني اليوم من مشكلات خطيرة جدا ومن ذلك الانهيار بالثقة ما بين اللبنانيين وما بين حكومتهم وايضا ما بين اللبنانيين والطبقة السياسية بمعظمها. هذا من جهة، وكذلك ومن جهة ثانية، فإنّ هذا الانهيار في الثقة أدى الى هذا الانهيار الكبير في القضايا والأوضاع الاقتصادية والمالية والنقدية. وبالتالي، فقد أصبح لبنان في حال شديدة السوء ولا يمكن ان يتم إنقاذه إلاّ من خلال العودة الى الأصول والى المبادئ والالتزام بها بما يؤدي الى البدء بالإصلاحات الحقيقية التي افتقدها لبنان منذ سنوات طويلة. إذ أنه لا يزال هناك استعصاء مستمر ومزمن من قبل الأحزاب الطائفية والمذهبية عن السير بهذا المسار الإصلاحي الكبير. وهذا هو الطريق الذي يمكن للبنان من خلاله البدء باستعادة الثقة به انطلاقاً من قبل اللبنانيين ويواكبها في ذلك استعادة ثقة المجتمعين العربي والدولي والمؤسسات الدولية بلبنان واقتصاده ومستقبله.

س: ما تفسيرك للسر وراء التشبث بوزارة المالية دون غيرها. هل من المعقول أن يُضَحّى بلبنان وشعبه من اجل وزارة؟

ج: لا طبيعي لا. دعني أقول لك عن امرين حصلا خلال الأيام القليلة الماضية. الامر الأول هو ما قام به فخامة الرئيس من استشارات مستجدة بعد ان جرى تكليف الدكتور أديب لتكليف الحكومة. وهذه الاستشارات النيابية الجديدة التي أجراها فخامة الرئيس هي مخالفة للدستور. ولكن، وعلى أي حال، فإنها تعبّر بطريقة او بأخرى عن حقيقة مهمة، وهي أن جميع النواب اللبنانيين، وباستثناء النواب المنتمين للثنائي أمل وحزب الله قالوا بوجوب اعتماد المداورة في الحقائب الوزارية في تأليف الحكومة الجديدة. ذلك بما يعني ان هناك إجماعاً لبنانياً ضد استفراد أو احتكار الثنائي أمل وحزب الله لحقيبة وزارة المالية.

هذا ما عبر عنه أيضاً البارحة البطريرك الراعي الذي أكد انه لا يجوز لفريق من اللبنانيين ان يلزم الآخرين ويحتكر حقائب وزارية بعينها خلافاً للدستور، وخلافاً للأعراف المعمول بها في لبنان. وبالتالي، فإنّ هذا يعني وبشكل واضح، ولا يقبل الجدل أو المعاندة أنّ هناك اجماعاً متزايداً لدى اللبنانيين برفض هذا الاملاء الذي يقوم به الثنائي أمل وحزب الله على اللبنانيين جميعا لما فيه مصلحة إيران ولما فيه حرف الانتباه عما يجري في الخارج، ورفضاً للإملاءات التي تمارسها إيران على لبنان من خلال حزب الله.

س: الآن رئيس الوزراء المكلف يدعو لإنجاح المبادرة الفرنسية وواضح ان فرنسا بدأت تتلمس خيبة الامل الآن. في حال لم تترجم هذه المبادرة كما ارتأتها فرنسا. ماذا يمكن ان نتخيل التعامل الفرنسي مع لبنان خاصة في ظل خيبة الامل التي ستصاب بها؟

ج: لا شكّ ان لبنان يعاني من هذا الاستعصاء ومن انصراف المجتمعين العربي والدولي عن لبنان بسبب ذلك الانحياز الكبير الذي أصبحت تتّسم به سياسة لبنان الخارجية. ذلك مما أصبح يؤدي الى ان يكون لبنان في عزلة عن المجتمعين العربي والدولي، وذلك بسبب الأداء غير المقبول الذي تميّز به أداء هذه الحكومة، وبعض الحكومات السابقة، ومنذ عدة سنوات. وكذلك الاضرار التي أصبح يحصدها لبنان بسبب هذا الاطباق الذي يمارسه حزب الله على الدولة اللبنانية. وأنت تعلم أن الإيرانيين لم يتورعوا عن التباهي بأن لإيران ما يسمى وجوداً قائماً ومسيطراً في لبنان وفي العراق وفي سوريا وفي اليمن. وبالتالي نحن الآن نعاني من هذه المشكلة ويعاني لبنان من انصراف المجتمعين العربي والدولي عن لبنان.

إنّ هذا ما يتطلب من اجل الإنقاذ ان يصار الى تصويب البوصلة الداخلية والبوصلة الخارجية للبنان حتى يعود لبنان جزءا من العالم العربي وجزءً من العالم، لا ان يبقى ويستمر أسير تلك الاملاءات والاطباق الذي تمارسه ايران على لبنان. إذ أنه وفي حال عدم القيام بذلك فإن لبنان، سوف يتعرض لمشكلات خطيرة جدا ليس فقط على الصعد الاقتصادية والمالية والنقدية بل أيضا على الصعد الأمنية. لانّ لاستمرار حال الانهيار نتائج وبيلة وخطيرة جدا على جميع اللبنانيين. وذلك إذا لم يعمد لبنان وفوراً لتصويب بوصلته الداخلية وبوصلته الخارجية، والمبادرة فوراً أيضاً إلى سلوك طريق الإصلاح الذي استعصى عليه الكثير من السياسيين والأحزاب الطائفية والمذهبية والميلشياوية على مدى العقدين الماضيين وامتنعوا عن سلوك هذا الطريق الصحيح، ليس لعدم قدرة بل لعدم توفر الرغبة أو الإرادة للقيام بذلك. وهذا هو المسار الوحيد الذي فيه انقاذ للبنان.

لذلك، فقد كان مجيء الدكتور أديب كرئيس مكلف من اجل ان يتولى حكومة مصغرة للإنقاذ، ومن غير الحزبيين المنتمين إلى الأحزاب العاملة في لبنان، وأن يكون التأليف على أساس التداول والمداورة في الحقائب الوزارية لماذا؟ لأنه وخلال السنوات الماضية أصبح لبنان يعاني ويشكو من ممارسة ممجوجة ومرفوضة من قبل السياسيين اللبنانيين في ان كل حزب طائفي ومذهبي ومليشياوي أصبح يصر ويحتفظ لنفسه بحقائب وزارية وبإدارات معينة. وهذا هو السبب الأساسي للفساد والافساد الحقيقي الذي يتعرض له لبنان، والذي هو في أساسه فساد سياسي. إذا مسألة التداول في الحقائب الوزارية هي الطريق الواجب سلوكه إلى ما يسمى الرجوع إلى الالتزام بقواعد الحوكمة الصحيحة في إدارة الشؤون العامة في لبنان.

تاريخ الخبر: 
22/09/2020