الرئيس السنيورة لراديو سوا: خيار واحد من اثنين لا ثالث لهما حكومة ترضي السياسيين او حكومة ترضي الناس

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 

أجرت إذاعة سوا حواراً مع الرئيس فؤاد السنيورة حول الاوضاع الراهنة في البلاد وفي ما يلي نصه:

س: دولة رئيس مجلس الوزراء الأسبق في لبنان السيد فؤاد السنيورة اهلا بك في راديو سوا. تحدث الرئيس الحريري عن وجود تعقيدات واضحة في المشهد اللبناني طبعا دون التطرق عن تفاصيل هذه التعقيدات، وذلك عقب لقائه الرئيس ميشال عون. ونحن نعلم ان الأجواء التي بثها قبل هذه الكلمة كانت إيجابية فعلا. ما الذي حدث مع الحريري خلال لقائه رئيس الجمهورية ميشال عون؟

ج: يبدو ان هذا الامر قد تكرر حتى الآن أكثر من مرة. إذ أنّ الرئيس المكلف يجتمع مع الرئيس عون، وبعد أن يصار الى التفاهم المبدئي على شكل الحكومة بشأن عددها وتوزيع الحقائب فيها، وبالتالي على المبادئ الأساسية التي ينطلق منها التأليف، والتي هي انعكاس لما يطالب به اللبنانيون بأن تكون الحكومة مؤلفة من غير الحزبيين، أي من مستقلين ومحايدين وأيضا غير مستفزين لأحد. وذلك حتى تكون الحكومة العتيدة قادرة على ان تؤلف فريق عمل متجانس يستطيع ان يتصدى لحجم المشكلات الخطيرة التي تتوالى وتتراكم على لبنان. ولكن- وياللأسف- وفي كل مرة كان يجتمع فيها الرئيس المكلف مع رئيس الجمهورية كان يأتي بعد ذلك صهر الرئيس الوزير جبران باسيل ويخرب على تلك التفاهمات. وذلك كان يؤدي، وفي كل مرة، إلى تغيير رأي رئيس الجمهورية، وبالتالي نرى أنفسنا نعود من جديد إلى المربع الأول. هذا ما يبدو أنّه جرى ما بين اجتماع الرئيسين في يوم الثلاثاء وبعدها في اجتماع يوم الأربعاء. في اجتماع يوم الثلاثاء كان هناك ترحيباً واستعدادات طيبة من قبل رئيس الجمهورية، بحيث أدّى ذلك بالرئيس المكلف إلى أن يقول ان هناك إمكانية أن يصار الى تأليف الحكومة قبل عيد الميلاد الذي يصادف يوم الجمعة أي بعد يومين. وإذ بنا نرى يوم الأربعاء كيف تتغير الأجواء وتنقلب الأمور، وبالتالي أصبح تأليف الحكومة متعذراً.

س: هنالك انباء ان العقدة كانت بمطالبة الرئيس ميشال عون بوزارة العدل والداخلية والدفاع هل ذلك كان متفق عليه قبل يوم من هذا اللقاء ام ان الرئيس عون تفاجأ بأسماء جديدة؟

ج: بدايةً، دعيني أوضح لك أمراً، وهو أن المبدأ الأساسي الذي انطلقت منه عملية التأليف، وهو أن تكون حكومة من غير الحزبيين، أي من المستقلين غير التابعين للفرقاء السياسيين وغير مستفزين لأحد. وإذ بنا نرى ان رئيس الجمهورية يعود من جديد ليطالب بأن تكون هذه المجموعة الوزارية من الأشخاص الذين تقترحهم تلك الأحزاب، أي بعبارة أخرى من الأشخاص الذين ينقادون وتسيِّرهم تلك الأحزاب. وكذلك بأنّه يريد حقيبتي الداخلية والعدل، وذلك قد يؤدي إلى تحويل لبنان إلى دولة بوليسية مقنّعة بقناع القضاء. إذا جرى الأمر على هذه القاعدة فستكون الحكومة العتيدة تكراراً لحكومة الرئيس حسان دياب، وبالتالي لا يؤدي الأمر إلى أي نتيجة إيجابية.

الرئيس المكلف واعٍ لهذه الحقيقة الأساسية وهي أن عليه وعلى رئيس الجمهورية أن يتصرفا على أساس أن لديهما خيار واحد من اثنين لا ثالث لهما في تأليف الحكومة.

الأول، أن تؤلف حكومة يجري فيها إرضاء السياسيين والحزبيين. والثاني، أن يصار الى إرضاء اللبنانيين والحصول على ثقتهم من جهة أولى، وثقة المجتمعين العربي والدولي من جهة ثانية.

إذا جرى تغليب الخيار الأول أي إذا جرى إرضاء السياسيين عندها تولد الحكومة ميتة، ولا تستطيع بالتالي أن تحقق أي أمر مما يريده اللبنانيون ومما يطالب به المجتمعان العربي والدولي يدفعهما لمساعدة ودعم لبنان.

س: هنالك انباء قالت بأن الرئيس الحريري تفرد بتسمية وزراء معينين خصوصا من الطائفة المسيحية دون الاتفاق مع رئاسة الجمهورية. ما صحة هذا الكلام؟

ج: دعيني مرة ثانية أوضح لك أمراً. كما هو مبين في الدستور، فإنّ تأليف الحكومة امر يقوم به الرئيس المكلف والرئيس المكلف ليس ملزماً عند تأليفه للحكومة بتلبية طلبات النواب. هذا هو النظام الديمقراطي الذي اعتمده لبنان منذ سنوات طويلة ومنذ اتفاق الطائف. إذ أنّ رئيس الحكومة المكلف ليس ملزماً أن يلبي طلب أي حزب. فرئيس الحكومة عليه أن يؤلف حكومة ويتشاور بشأنها مع رئيس الجمهورية. ورئيس الحكومة بالتالي هو الذي يتحمل المسؤولية الناتجة عن نجاح أو فشل تلك الحكومة. إذ أنه إذا فشل فعليه عندها أن يستقيل. بعد ذلك، تعرض التشكيلة على النواب الذين يعطوا رأيهم بمنح أو حجب الثقة عن الحكومة. إذا فإنّ امتحان رئيس الحكومة ليس لدى رئيس الجمهورية، إذ أنّ امتحانه الحقيقي هو أن يقدم تشكيلة يتفاهم فيها مع رئيس الجمهورية ولكن الامر الفصل بعد ذلك هو لمجلس النواب. إما أن يعطي المجلس الثقة او لا يعطيها، وبالتالي فإنّ رئيس الحكومة المكلف يتحمل مسؤولة عدم حصول حكومته على الثقة من مجلس النواب.

أنا اعتقد ان رئيس الحكومة المكلف من حقه وواجبه ان يختار جميع الوزراء من كافة الأديان كما أنه من حق رئيس الجمهورية أن يتدخل في تسمية كل الوزراء وليس رأيه محصوراً في إبدائه لرأيه حصراً فيما خصّ أسماء الوزراء المسيحيين بل في أسماء أعضاء الوزارة كلها. وهنا تكمن المسألة.

رئيس الجمهورية هو فوق الكل وفوق جميع المؤسسات وهو المولج بمهمة الحرص والحفاظ على الدستور. وهو بذلك لجميع اللبنانيين وهو يفترض به أن يكون الحاضن لجميع المواطنين على اختلاف انتماءاتهم، وليس في أن يكون ممثلاً لفريق منهم دون الآخرين. عندما يتصرف رئيس الجمهورية على انه رئيس حزب وليس رئيس جمهورية عند ذلك فإنّ المعادلة الديمقراطية اللبنانية لا تستقيم. المؤسف أنّ رئيس الجمهورية يتصرف وكأنه رئيس حزب أو رئيس فريق، وليس رئيس كل اللبنانيين وهنا تكمن المشكلة.

س: الى أي مدى ترى ان هنالك تدخلا من قبل إيران عن طريق حزب الله في موضوع تشكيل الحكومة؟

ج: حزب الله هو الاستعصاء الثاني. إذ أنّ الاستعصاء الأول هو الذي يمارسه رئيس الجمهورية والوزير جبران باسيل ولكن من وراء هذا الاستعصاء الأول الذي يمارسه رئيس الجمهورية وجبران باسيل نجد الاستعصاء الذي يمارسه حزب الله. وحزب الله بذلك يتلطّى وراء رئيس الجمهورية.

بالنسبة لحزب الله هناك امران يشغلانه: 1- يريد ان يحتفظ بهذه الورقة اللبنانية من أجل أن تستعملها الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الوقت الذي تراه مناسباً لها من أجل مساعدتها في المفاوضات التي من الممكن أن تجري بينها وبين الولايات المتحدة، وهي بذلك تضم ورقة لبنان إلى الأوراق الأخرى التي جمعتها الجمهورية الإيرانية في عدة مسائل لها علاقة بالعراق ولها أيضاً علاقة بسوريا واليمن والمنطقة ككل ولها علاقة بالمفاعلات النووية التي تتفاوض بشأنها مع الولايات المتحدة الأميركية. وهي بذلك تريد ان تستعمل الورقة اللبنانية للضغط. وبالتالي، هي تستعمل لبنان كرهينة بين يديها.

والأمر الآخر، ان حزب الله أيضا يريد ان يستعمل هذه الورقة من اجل الضغط بعدها على باقي المكونات اللبنانية لتغيير المعادلات الداخلية اللبنانية مستفيداً بذلك من قوة ووهج سلاحه الذي تقبله اللبنانيون لفترة محددة من أجل إخراج إسرائيل من لبنان وليس من أجل التلاعب بالتوازنات الداخلية.

س: إذا استمر الوضع هكذا ما الذي يمكن ان يبذل الحريري أكثر من ذلك للوصول الى حكومة جديدة.

ج: كما ذكرت لك، فإني اعتقد أن هناك خيار من اثنين لا ثالث لهما. وبالتالي فإنه ينبغي على الرئيس الحريري الآن أن يصمد ويستمر في التمسك بالموقف الوطني الذي يحظى بدعم من اللبنانيين، وتحديداً بدعم من مئات الألوف من الشباب الذين يريدون ويطالبون أن يكون هناك تغييراً في النمط، وفي الأسلوب والمقاربة في حل المشكلات. إذ لم يعد بالإمكان الاستمرار على هذه الطريقة في إدارة لبنان المبنية على التحاصص والتقاسم للنفوذ وللحقائب. يريد اللبنانيون إصلاحاً حقيقياً، ويريدون من الحكومة العتيدة أن تعمل من أجل أن يكون لبنان منسجماً مع صيغته القائمة على العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين، كما جاء في وثيقة الوفاق الوطني والدستور، وذلك كما أكّده من جديد اليوم غبطة البطرك الراعي.

س: الا ترى سيدي بأن اللبنانيين هم أنفسهم طالبوا باستقالة الرئيس سعد الحريري قبل ذلك واستقال، والآن هو يعود لهم. كيف لهم اليوم ان يثقون بهم مجدداً؟

ج: لقد كنت أقول هذا الكلام بأنه لا يمكن ان يكون رئيس الحكومة المكلف من لم تكن له خبرة حكومية سابقة. ومع ذلك، جرى التوافق على غير هذا الأمر، أي أنّه كانت هناك محاولة لتكليف رئيس مكلف يتولى تأليفها ولم تكن له خبرة حكومية سابقة. ولذلك، فقد جرى اقتراح اسم الدكتور مصطفى أديب وتمت تسميته وهي المحاولة التي جرى افشالها، وبالتالي لم تنجح تلك المحاولة إذ جرى تعطيلها.

في المبدأ، أنا أقول أنّه من المستحيل ان يصار الى قيادة طائرة من اشخاص لم يسبق لأي أحد منهم ان دخل الى مقصورة القيادة، على الأقل يجب ان يكون أحدهم وهو رئيس الحكومة المكلّف ممن تكون له خبرة حكومية سابقة. فتأليف الحكومة ليست أمراً يتعلق بقيادة فريق رياضي. ومع ذلك، حتى الفريق الرياضي لا يمكن ان تأتي بمدرب رياضي له دون أن يكون له تجربة سابقة بالملعب كلاعب.

دعيني أقول لك ان هذا الامر يجب ان ننظر اليه من وجهة نظر عملية. هناك رئيس حكومة مكلف دستورياً وهو يواجه عراقيل. الآن هناك استعصاء يمارسه رئيس الجمهورية واستعصاء يمارسه حزب الله لأسباب أخرى.

المشكلة تبدو وكأنها تتعلق فقط في تأليف الحكومة. بينما الحقيقة هي أكبر من ذلك وأكثر تعقيداً. إنّها تتعلق بجملة من الأمور بعد ذلك. هناك سباق الحواجز التي على هذه الحكومة العتيدة أن تقوم به وتنجح فيه. الحاجز الأول ان تحصل على ثقة المجلس النيابي ثم هناك سلسلة لا تنتهي من الإصلاحات والقرارات الشجاعة التي ينبغي ان تقوم بها هذه الحكومة. وهذه الإصلاحات لا تستطيع أي حكومة ان تقوم بها إذا لم تكن لديها الاستقلالية والعزيمة والرأي الواضح والحيادية والإرادة وأيضاً أن تكون غير مستفزة، وأن يكون لديها الدعم في مجلس النواب.

نحن نرى أنّ لا مصلحة في أن تكون حكومة تستفز بأعضائها الاطراف السياسية، بل على العكس من ذلك، ليس هناك من مصلحة في ذلك. ولكن أن تكون الحكومة غير مستفزة شيء، وان تكون منقادة لتلك الاحزاب شيء آخر. أن تكون تلك الأحزاب هي التي تسير المجموعة الوزارية شيء آخر. أي أن تصبح الأحزاب الطائفية والمذهبية والمليشياوية هي التي تملي على الحكومة ما تريد، فإنّ ذلك أمر مختلف. وفي هذه الحالة التي نحن فيها لا تستطيع الحكومة عندها أن تحقق أي نتيجة إذا أصبحت منقادة لتلك الاحزاب.

 

 

تاريخ الخبر: 
26/12/2020