الرئيس السنيورة من بكركي: حزب الله يريد الاحتفاظ بورقة الحكومة بيد ايران لكي تفاوض بها اميركا والناس خرجت الى الشارع من الوجع

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 

استقبل البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي قبل ظهر اليوم في الصرح البطريركي في بكركي الرئيس فؤاد السنيورة يرافقه الوزير السابق رشيد درباس وقد تركز البحث في الاجتماع على اخر التطورات في لبنان وفي نهاية الاجتماع سئل الرئيس السنيورة: كيف كانت أجواء اللقاء مع غبطة البطريرك الراعي؟ وكيف ترون الأحداث الأخيرة التي حصلت أمس بطرابلس؟

فاجاب : بداية، أودّ أن أقول، إنّي أكون سعيداً دائماً عندما آتي إلى هذا الصرح وأجتمع مع غبطة البطريرك للتداول معه في الشؤون العامة للبلاد وفي القضايا التي تشغل اللبنانيين.

والحقيقة، إنّ هذا الاجتماع كان اجتماعاً طيباً جداً. كان برفقتي معالي الوزير رشيد درباس. ولقد قمنا خلاله بجولة أفق واسعة حول معظم القضايا التي تشغل اللبنانيين الآن. ولقد تركّز الحديث حول حاجة البلاد الماسّة في أن تتألف حكومة جديدة تستطيع أن تلبي ما يطالب به اللبنانيون ويعتبرونه الطريق الصحيح من أجل البدء بالتقدم على مسار طويل من أجل استعادة ثقة اللبنانيين بالدولة اللبنانية وبرئيس الجمهورية وبالحكومة وأيضاً بمستقبل لبنان. ولاسيما وأنّه قد حصلت- ولا تزال تحصل- انهيارات كبرى في لبنان. إذ انهارت الثقة برئيس الجمهورية وبالدولة اللبنانية، وحتماً بمعظم المنظومة السياسية في لبنان. من جهة ثانية، فإنّ استعادة الثقة لا يمكن أن تتم إلاّ بالبدء بتأليف حكومة من غير الحزبيين من الاختصاصيين الكفؤين المستقلين الذين همهم ليس خدمة تلك الأحزاب، بل خدمة اللبنانيين وخدمة الوطن اللبناني.

وأنا أعتقد أنّ الاقتراح الذي كان قد تقدم به الرئيس ماكرون في زيارته إلى لبنان كان في تأليف حكومة مهمة. وما قام به الرئيس ماكرون في أنه استطاع ان يصوغ ما سمعه من اللبنانيين صياغة صحيحة. وكان ذلك عندما التقى مع مجموعة كبيرة من أولئك الشباب الذين كانوا يتظاهرون بعد تلك الجريمة الكبرى التي تعرّض لها لبنان، وهي جريمة تفجير مرفأ بيروت، وتدمير جزء كبير من عاصمة لبنان بيروت. أولئك الشباب كانوا يطالبون بتفكير جديد وبمقاربات جديدة وبأسلوب جديد في الحكم حتى يمكن إخراج لبنان من المآزق الكبرى التي أصبح في خضمها. لقد صاغ الرئيس ماكرون مبادرته من مطالب أولئك الشباب على أساس أن تكون حكومة إنقاذ حقيقية من غير الحزبيين من غير تلك الوجوه والممارسات السابقة التي لم تؤد إلى نتيجة، بل زادت من حدّة المشكلات التي يعاني منها لبنان، ولاسيما في استتباع دولته لصالح تلك الأحزاب.

في الحقيقة، إنّ ما يراه اللبنانيون الآن، هو أنّ هناك استعصاءً مستمراً وإنكاراً متزايداً من قبل من هم في السلطة، ولاسيما من قبل فخامة الرئيس ومن غير فخامة الرئيس. كما أعتقد أنّ هناك من يقف وراء هذه المواقف، ولاسيما حزب الله، الذي على ما يبدو لا يريد تأليف حكومة الآن. إذ يبدو أنّ ما يريده حزب الله، هو أن تبقى هذه الورقة اللبنانية، وهي ورقة تمسّ حياة اللبنانيين وعيشهم المشترك ومستقبلهم، ورقة يتم التفاوض بها وعليها، وتكون من جملة الأوراق الأخرى التي يجمعها حزب الله ومن ورائه إيران من أجل المفاوضة مع الولايات المتحدة.

في هذا الصدد، فإنّ تجيير الورقة اللبنانية وبالتالي اللبنانيين ومستقبلهم من قبل حزب الله لصالح إيران فيه افتئات واعتداء كبير على اللبنانيين وعلى عيشهم المشترك وعلى وطنهم وعلى مستقبلهم. هذا الأمر لم يعد مقبولاً أن تستمر هذه الأمور على هذا النحو. إذ يصبح عندها الخطر على لبنان واللبنانيين خطراً وجودياً.

خلال الحديث الذي أجريته مع غبطة البطريرك استشهدت بما كنت قد قلته في زيارة أخيرة قمت بها إلى الرئيس نبيه بري، حيث خرجت من عند الرئيس بري، وقلت أنّ رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، وكذلك الرئيس المكلّف سعد الحريري لديهما خياران لا ثالث لهما. إمّا أن تتألف حكومة يتم فيها إرضاء السياسيين ومطالب تلك الأحزاب، أو إرضاء اللبنانيين في المقام الأول، وإرضاء المجتمعين العربي والدولي في المقام الثاني. وهما- أعني رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف- عليهما أن يختارا بينهما. فإذا تمّ الاختيار على أساس المضي في خيار إرضاء السياسيين، وهو مفهوم خاطئ للدستور اللبناني، فإنّ النتيجة، ولربما تتألف حكومة، ولكنها حكومة تولد ميتة، ولا تستطيع أن تقدم أي شيء للبنانيين، وهي لن تكون بمقدورها ولا تستطيع ان تستعيد ثقة اللبنانيين من جهة أولى، ولا تستطيع ان تستعيد ثقة المجتمعين العربي والدولي الذي يعول عليه اللبنانيون للحصول منهما على الدعم الذي يحتاجه لبنان من أجل الإسهام في إخراج لبنان من المآزق الذي هو في أتونها.

أما البديل الآخر، هو أن يصار إلى الالتزام من قبلهما بإرضاء اللبنانيين وإرضاء المجتمعين العربي والدولي، وهو ما يؤدي إلى البدء وإلى التقدم على مسارات إخراج لبنان من مآزقه المتكاثرة.

هذا هو الوضع الذي أصبح عليه اللبنانيون الآن بدون حكومة، فإنه لا يمكن إخراج لبنان من حالة الانهيارات المستمرة. اللبنانيون الآن على مقربة من ما يسمى الارتطام الكبير. وبالتالي، فإنّ هذا الوضع لا يجوز أن يصار إلى التمهل بمعالجته أو الاستمرار إلى التعامل معه بالإنكار وباللامبالاة.

أنا أعتقد أن الخطوة التي قام بها البارحة أصحاب الغبطة والسيادة والسماحة، كان من نتيجتها البيان الذي صدر، وهو البيان الذي يعبّر عن ما يجول بخواطر وضمائر ووجدان الكثرة الكاثرة من اللبنانيين لجهة الحاجة إلى المسارعة في تأليف حكومة. لأنّ الحكومة هي الأداة، التي يمكن أن يجتمع من حولها اللبنانيون، ويصار بعدها إلى البدء بإجراء المعالجات المطلوبة. ومن ذلك، فإنّ الحكومة الجديدة التي تتألف على هذه الأسس تكون هي الأداة التي يمكن أن يصار عبرها إلى البدء بالاكتساب التدريجي للثقة لدى اللبنانيين بالحكومة وبالتالي بمستقبل لبنان، ومن ثم البدء بالاكتساب التدريجي لثقة أشقاء لبنان وأصدقائه حول العالم.

أما فيما خصّ بما جرى البارحة في المظاهرات التي حصلت في طرابلس وغيرها، فإنّ ما جرى في طرابلس هو فعلياً يعبّر عن حالة غضب حقيقي لدى اللبنانيين. غضب حقيقي مما آلت إليه الأمور بنتيجة الانهيارات. الانهيارات السياسية، والانهيارات في الأوضاع الاقتصادية والمالية، والانهيارات في القطاع المصرفي والقطاع التعليمي والوضع الداخلي، والانهيارات في القطاع الطبي والصحي بنتيجة الكورونا، والانهيارات في الأوضاع المعيشية بسبب الانهيار بسعر صرف الليرة اللبنانية. كل هذه الانهيارات وصلت إلى حد أنّه يجري استنزاف واستنفاد مداخيل اللبنانيين التي انخفضت خلال سنة بأكثر من 80% من قيمة هذه المداخيل. وأصبح يتعذّر على شريحة كبرى من اللبنانيين من تلبية حاجاتهم المعيشية وفي الحدّ الأدنى. كذلك أيضاً بما يستحيل حتى على المقتدرين منهم في أن يصلوا إلى أموالهم بسبب ما طال النظام المصرفي من انهيارات. هذه الانهيارات طالت جميع اللبنانيين، ولاسيما من ذوي الدخل المحدود ومن الفقراء الذين ازداد عددهم في لبنان بهذا القدر الكبير الذي نشهده الآن.

ما جرى البارحة من ممارسات عنفية وأيضاً من تدمير وتكسير هو أمر مرفوض. ويبدو أنّ هناك من يحاول أن يندس في صفوف المتظاهرين في تلك المظاهرات. وهو يستغل مطالب اللبنانيين المحقّة عبر استعمال العنف واستعمال التدمير والتكسير. علماً أنّ هذه الممارسات العنفية المرفوضة لا تخدم على الإطلاق مصلحة اللبنانيين، لأنّ كل عمل عنفي بهذا الخصوص لا يقدم رغيف خبز إضافي للبنانيين، ولا يتحصل عنه أي شيء إيجابي. على العكس من ذلك فإنّ النتيجة ليس إلاّ التسبب بضرر إضافي لجميع اللبنانيين.

لقد تناولت مع غبطة البطريرك ضرورة متابعة الخطوات والجهود من أجل تأليف حكومة على هذه القواعد الصحيحة. وأي قواعد أخرى يصار إلى اتباعها في تأليف حكومة، إذا افترضنا انها اتبعت، لا تؤدي إلى أي نتيجة بل إلى إضاعة وتضييع الوقت والجهد للبنانيين. وبالتالي إلى زيادة حجم المعاناة لدى اللبنانيين والأوجاع التي يعانون منها في الحاضر والمستقبل، ولاسيما أنه يجب علينا جميعاً أن ندرك أنّ العالم الآن لديه انشغالاته الكبرى ولا يستطيع اللبنانيون ان ينتظروا حتى يأتي الترياق من هنا والمعونة من هناك. لن يقوم أحد بمساعدة اللبنانيين إذا لم يساعدوا أنفسهم. على اللبنانيين أن يكون لديهم الحافز والعزيمة والإرادة من أجل العمل والتعبير عن تضامنهم من جهة، حتى يتمكنوا من استرجاع الثقة بأنفسهم وبدولتهم وثقة المجتمعين العربي والدولي بالدولة اللبنانية وبمستقبل لبنان. ولكي يدرك أشقاؤنا وأصدقاءنا في العالم بأنّ اللبنانيين قادرون وراغبون في أن يساعدوا أنفسهم. إذ بدون ذلك لا نستطيع ان نتوقع أي مساعدة من أي أحد عربي أو أجنبي ان يساعد لبنان إذا لم يكن للبنانيين الرغبة الحقيقية في أن يساعدوا أنفسهم.

 

 

تاريخ الخبر: 
28/01/2021