الرئيس السنيورة لقناة الحدث : لبنان يعول على دور مصر لتعزيز سيادته واستقراره وزيارة شكري جاءت بعد التشاور مع فرنسا والسعودية والكرسي البابوي

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 

اجرت قناة الحدث من محطة العربية حوارا مع الرئيس فؤاد السنيورة حول اخر التطورات في لبنان وابعاد زيارة وزير خارجية مصر سامح شكري وفي ما يلي نصها:

س: هل تعوّلون الآن بصفتكم لبنانيين سياسيين حزبيين وحتى مواطنين على دور مصري وعربي لإخراج أو مساعدة لبنان للخروج من الأزمة؟

ج: صباح الخير لك ولجميع المشاهدين. فعلياً هناك تعويل كبير في لبنان على دور مصر الذي لطاما لعبته على مدى عقود طويلة ماضية في لبنان وللبنان من أجل تعزيز استقلاله وسيادته واستقراره. وكذلك للتأكيد على دعمه في مواجهة الملمات العديدة التي تعرض لها لبنان على مدى سنوات عديدة. وها هي مصر لاتزال تقف إلى جانبه من أجل تعزيز استقلاله والحفاظ على تنوعه واستمرار حمله لهذه الصفة والميزة الأساسية التي يتمتع بها لبنان، ولاسيما فضيلة العيش المشترك فيه، وكذلك لدور لبنان في صيغته الفريدة في الانفتاح والحرية في المنطقة والعالم.

وبتوجيه من الرئيس السيسي تتم اليوم هذه الزيارة للوزير سامح شكري تأتي لتؤكد على مدى اهتمام مصر وحرصها على إخراج لبنان من هذه الازمات المتلاحقة التي يمر بها، والتي تتفاقم بسبب استمرار الاستعصاء على تأليف الحكومة حسب ما كان متفقاً عليه بناءً للمبادرة الفرنسية. وهي المبادرة التي كان الرئيس ماكرون قد صاغها وعرضها على اللبنانيين استناداً الى ما سمعه من أولئك اللبنانيين الشباب الذين التقاهم عند مجيئه للبنان بعد الرابع من آب الماضي إثر التفجير المريب الذي حصل في مرفأ بيروت.

اللبنانيون الذين التقاهم الرئيس ماكرون كانوا يؤكدون على ضرورة ان تتألف حكومة من الاختصاصيين الكفوءين المستقلين غير الحزبيين بما يعني ان تكون هناك ممارسة جديدة مختلفة عن الممارسات السابقة، في تأليف الحكومات اللبنانية. وهي الممارسات التي أدّت الى هذا التردي للإدارة الحكومية اللبنانية في كونها أصبحت مجالاً لتقاسم الأحزاب الطائفية والمذهبية للدولة اللبنانية، وإخضاعها لسلطة دويلات تلك الأحزاب، ولاسيما لدويلة حزب الله الذي أوصل لبنان إلى هذا المستوى من التدهور في أوضاعه العامة بسبب عدم قدرة الآليات الديمقراطية على تحقيق ما يريده اللبنانيون من حكم رشيد بسبب استمرار هذا الاطباق الذي يمارسه حزب الله ومن ورائه ايران على الدولة اللبنانية، وعلى قرارها الحر بحيث أصبح لا يتم أي قرار في لبنان إذا لم يحظَ بموافقة حزب الله. وهذا بالفعل ما يمارسه أيضاً رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر من استعصاء في عملية تأليف الحكومة بما أصبح يحول دون الالتزام بتطبيق الدستور اللبناني، ويحول أيضاً دون أن تسهم الآليات الديمقراطية المتبعة في لبنان من أداء دورها في المسائل المتعلقة باتخاذ القرارات وفي عملية المساءلة والمحاسبة. ولذلك كانت هذه المبادرة التي تقدم بها الرئيس ماكرون بعد تفجير مرفأ بيروت، والتي يتنكر لها الآن رئيس الجمهورية وحزب الله.

تأتي هذه الزيارة لوزير الخارجية المصرية من أجل أن يؤكد على أهمية الالتزام بالفكرة التي تقوم عليها المبادرة الفرنسية، والتي تلتزم أيضاً بوثيقة الوفاق الوطني وباحترام الدستور اللبناني وأيضاً باحترام الشرعيتين العربية والدولية.

إنّ مصر عندما تقوم بهذا العمل، فإنها تقوم بهذا الدور بعد ان تشاورت مع الشقيقة المملكة العربية السعودية ومع الدولة الفرنسية، وأيضاً هي كانت على تواصل مع الكرسي البابوي الذي كان لديه الفضل الكبير في وقت مضى في دعم لبنان واستقلاله وسيادته، وكذلك في إقداره على التوصل إلى اتفاق الطائف الذي تمّ برعاية واضحة وصريحة من قبل الكرسي البابوي، وأيضاً اليوم من خلال هذا الدور الذي تقوم به مصر في العالم العربي والعالم بما يؤدي الى ما يسمى التقدم على المسارات الصحيحة لإخراج لبنان من هذه الاستعصاءات التي يمر بها، والتي أصبحت تحول دون تأليف الحكومة العتيدة.

س: سؤال ربما طرح قبلاً وهو ما فائدة هذه المساعدات الدولية والحراك السياسي لمساعدة لبنان إن لم يساعد اللبنانيون أنفسهم بأنفسهم بداية؟

ج: صحيح هذا الكلام وهو دقيق جداً. هناك قول يقول: "إنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". المشكلة الآن هي في استمرار ذلك الاستعصاء الذي يمارسه فخامة الرئيس ميشال عون والتيار الوطني الحر برئاسة جبران باسيل في أنهما يضعان عراقيل في وجه تأليف الحكومة وعملياً يرفضان فكرة حكومة الاختصاصيين المستقلين من غير الحزبيين ويريدان أن تتمثل الأحزاب في هذه الحكومة. وهما بالتالي يصران على فكرة الثلث المعطل في هذه الحكومة العتيدة لأنهما يريدان الإمساك بالوضع اللبناني، ولكي يحتفظا بقدرتهما على التحكم بالانتخابات الرئاسية القادمة، والتي يحرص رئيس الجمهورية فيما خصها على ان يكون لصهره القدرة على ان يصبح رئيسا للجمهورية بعد انتهاء ولاية الرئيس عون.

من جانب آخر، فإنّ حزب الله يتلطى وراء رئيس الجمهورية من اجل ان يصار الى تمكينه من الاستمرار في إطباقه على القرار الحر للدولة اللبنانية. الحقيقة أنّ هذا التوجه وهذه الممارسة في تأليف الحكومات اللبنانية، وفي الممارسة الحكومية قد أثبتت فشلها، إذ أنه لم يعد بالإمكان ان يصار الى تأليف حكومة لبنانية تستطيع أن تحظى بثقة اللبنانيين وتنفذ الإصلاحات وتستعيد ثقة المجتمعين العربي والدولي إذا لم تتغير هذه العقلية السائدة في استمرار التحاصص وتقاسم المناصب والمكتسبات من قبل الأحزاب على حساب الدولة اللبنانية وعلى حساب اللبنانيين.

هناك فكرة واضحة تقدم بها الرئيس ماكرون وهي حكومة من الاختصاصيين المستقلين غير الحزبيين. للأسف لايزال هناك عدد من الأحزاب الطائفية والمذهبية تصر على ان تتقاسم الحصص في هذه الحكومة، وهذا التقاسم للحصص فعلياً يتناقض مع الفكرة الأساسية في تأليف الحكومة العتيدة. هناك حاجة لكي تكون حكومة مؤلفة من اختصاصيين من أصحاب الخبرة من الأشخاص الكفوءين المستقلين الذين باستطاعتهم أن يقودوا لبنان الى بر الأمان، وذلك بتنفيذ الإصلاحات المطلوبة، والتي لطالما تلكأ واستعصى السياسيون والمسؤولون اللبنانيون في الحكومات التي مرت على لبنان على مدى أكثر من عشر سنوات عن القيام بالإصلاح المنشود. الآن تستحق هذه الإصلاحات التي تمنّع أولئك السياسيون عن القيام بتثبيتها ورفضوا تنفيذها. وهذا ما أصبح يطالب به اللبنانيون بداية، الذين هم بحاجة ماسة إليها إلى هذه الإصلاحات، والتي يطالب بها ويصرّ عليها الاشقاء العرب والأصدقاء في العالم من أجل تمكينهم من تقديم المساعدات التي يحتاجها لبنان.

دعني أقول لك أمراً أن هناك خياران أمام رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف تأليف الحكومة لا ثالث لهما. فإما ان تتألف الحكومة بشكل يجري فيها التنبه إلى هذه الحقيقة الملزمة للبنان، وبالتالي يتم تأليف الحكومة بأعضائها وأهدافها يرضى عنها ويثق فيها اللبنانيون، وكذلك يثق فيها المجتمعان العربي والدولي، ويستطيعون على أساس منها أن يقدموا المساعدة للبنان. أو أن يكون الهدف هو إرضاء السياسيين الذين يطالبون بأن يتقاسموا الحصص الوزارية من هنا وهناك، وبالتالي المطلوب أن ينصاع رئيس الحكومة المكلف لما يطالب به رئيس الجمهورية ويطالب بها عدد من ممثلي الأحزاب، فإنه عندها- وإن تألفت الحكومة- فإنها سوف تولد الحكومة ميتة وبالتالي لن تستطيع ان تقدم شيئا للبنانيين، وسوف لا تستطيع ان تقدم أي وسيلة لإخراج لبنان من مآزقه المتكاثرة. لقد أصبح الوضع واضحاً ولا نتيجة في الاستمرار في تضييع الوقت، وتضييع الفرص وزيادة عذابات اللبنانيين.

س: ألا يُخشى أن يكون الحل بوضع يد إيران بمعنى جعل لبنان جزءاً من صفقة شاملة كاملة مع إيران، هل هذه المخاوف تنتابكم أحياناً؟

ج: بدون أدنى شك أن هناك رغبة لدى إيران في أن تستمر وتحتفظ بسلطتها واطباقها على الدولة اللبنانية من خلال الدور الذي ينفذه حزب الله. إيران تريد من ذلك أن تحتفظ بلبنان وحكومته كرهينة من أجل ان تستعملها لتعزيز شروطها وامكاناتها التفاوضية مع الولايات المتحدة الأميركية. هناك تخوف لدى كثيرين من أن يصار الى وضع لبنان على طاولة المفاوضات، بحيث يكون مادة للتجاذب وللتسويات ولتقاسم المنافع والمصالح، بحيث تجري تلك المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة على حساب لبنان. هناك مخاوف من هذا الامر.

لذلك، فإنّ الاهتمام الذي تبديه جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية لدعم لبنان، وذلك استناداً الى المبادرة الفرنسية، وأيضاً استناداً إلى ما يريده ويطالب به الكثرة الكاثرة من اللبنانيين. هذا الاهتمام هو بالفعل من اجل التأكيد على ان هناك حاجة لإنقاذ لبنان ولإخراجه من هذا الاطباق الذي يمارسه عليه حزب الله بدعم من الجمهورية الإسلامية الإيرانية. لذلك، وإذا استمرت هذه المعاندة والاستعصاء، فإنّ الأمر سوف لا يؤدي إلى أي نتيجة. على العكس، سوف يؤدي ذلك إلى المزيد من الانهيار الذي أصبح اللبنانيون في خضمه، وهو الناتج عن هذا الانهيار بالثقة من قبل اللبنانيين والمجتمعين العربي والدولي بالدولة اللبنانية وبالمنظومة السياسية اللبنانية، وما ينجم عن ذلك من انهيار في الأوضاع الاقتصادية والمالية والنقدية في لبنان، وهو مما سيؤدي بدوره إلى انهيار كبير في المستويات المعيشية. وهذا ما يحصل الآن، ولاسيما بعد الانخفاض الهائل في سعر صرف الليرة اللبنانية بقرابة 90% من قيمتها.

س: يبدو أن الشارع كلَّ وتعب على ما يبدو. أتذكر قبل ثلاثة أسابيع مثلاً، كانت هناك دعوات لمسيرات كبيرة من أجل الذهاب إلى القصر الجمهوري، وكان هناك حتى تحذيرات أمنية من إمكانية وصول المتظاهرين إلى بيوت الوزراء والمسؤولين. فلماذا الآن حتى الشارع بدأنا نراه وكأنه تعب ولا مجال للخروج بأي احتجاجات أخرى؟

ج: صحيح ان الناس تعبت، ولكن يجب ان لا ننسى تأثير وباء الكورونا على الجميع والتخوف لدى اللبنانيين من أي تجمعات قد تؤدي الى مزيد من نقل العدوى من هذا الوباء. ولكن أيضاً هناك إحساس لدى اللبنانيين بأن هذه المظاهرات بالشكل الذي كانت تتم فيه سوف لا تؤدي الى النتيجة المطلوبة. هناك موقف واضح عبَّر عنه اللبنانيون وكان أكثر ممن عبّر عنه غبطة البطريرك الراعي الذي دعا بشكل أساسي الى ان يصار الى الالتزام بالمبادرة الفرنسية بما تعنيه أيضا الالتزام باستقلال لبنان وسيادته وباستعادة الدولة اللبنانية لقرارها الحر، ومن ذلك قدرتها على معالجة المشكلات التي يعاني منها لبنان. وهذا الامر قد أصبح واضحا لدى الجميع. هناك استعصاء مستمر من قبل فخامة الرئيس ومن قبل التيار الوطني الحر وبعض الأحزاب الموالية للنظام السوري، وهي المدعومة من حزب الله وإيران، ومن جهة ثانية، هناك المبادرة الفرنسية بما تعنيه من دعم حصلت عليه من قبل مصر ومن قبل المملكة العربية السعودية ومن قبل المجتمعين العربي والدولي. وما هذه الزيارة التي اتى بها وزير الخارجية المصري إلى لبنان، والذي يحمل رسالة من الرئيس السيسي إلى رئيس الجمهورية اللبنانية من أجل توضيح الصورة، ولتكون الأمور واضحة لدى الجميع أن ليس هناك من حل الا من خلال العودة الى احترام الدستور والعودة الى احترام وثيقة الوفاق الوطني والعمل على استكمال تطبيقها، وأيضا التأكيد على احترام الدولة اللبنانية لدورها ولصلاحيتها واستعادتها لسلطتها الكاملة على كامل الأراضي اللبنانية والتأكيد على احترام الشرعيتين العربية والدولية واحترام استقلالية القضاء. هذه هي المحدِّدات السياسية التي ينبغي ان يتم الالتزام بها في عملية تأليف الحكومة العتيدة لكي يتمكن لبنان من الخروج من هذه المآزق والمخاطر. فالاستمرار في الاستعصاء ليس فيه سوى المزيد من مضيعة للوقت والمزيد من الحاق الضرر بلبنان واللبنانيين، والإصرار بهذه الصيغة الفريدة التي يتمسك لبنان واللبنانيون بها، وهي صيغة العيش المشترك.

تاريخ الخبر: 
07/04/2021