الرئيس السنيورة : إسرائيل هي التي بالفعل تستمر في قصف غزة وتستمر في استفزازها لحزب الله الذي يضبط نفسه حتى لا ينجر إلى خوض معركة

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 

اجرت محطة الجزيرة حوارا مع الرئيس فؤاد السنيورة تناول اخر التطورات الراهنة وفي ما يلي نصه:

س: من بيروت الرئيس فؤاد السنيورة أحييك على الجزيرة مباشر. والحقيقة دعني أبدأ معك بما قامت به إسرائيل خلال الأيام القليلة الماضية من اغتيال لصالح العاروري على الأراضي اللبنانية. كيف تابعت دولة الرئيس هذا المشهد؟

ج: ‏بدايةً، ‏لا بدّ لي من أن أستنكر وأعبّر عن إدانتي لهذه الجريمة، وكذلك للجرائم التي ترتكبها إسرائيل على مدى التسعين يوماً. وهي لاتزال مستمرة في القصف والتدمير والقتل والاغتيال والتجويع والتعطيش والتعذيب لأهالي غزّة، والتي كانت آخر فصولها الاغتيال لصالح العاروري، وأيضاً لعدد من قيادة حركة حماس، وكذلك في الاستمرار في تهديد لبنان وانتهاك سيادته. هذا الوضع الخطير يوجب علينا أن نفكر به كثيراً، ونستخلص منه الخلاصات الصحيحة. أولاً بسبب حالة التخبّط والهياج، وإذا استعملت كلمة الجنون الذي يسيطر على الحكومة الإسرائيلية ورئيسها نتنياهو، والذي يأخذ المعركة وكأنها معركته الشخصية، ويؤيده في ذلك عدد من المسؤولين اليمينيين المتطرفين في حكومته، ولدى الأحزاب الإسرائيلية اليمينية المتطرفة.

هؤلاء المسؤولون يعتبرون هذه القضية بالنسبة لهم وكأنها مسألة حياة أو موت سياسي، وبالتالي هم يدفعون الأمور إلى النهاية، بحيث أصبحوا يمارسون الكثير من الاستفزاز للبنان ولحزب الله، وأنا لا أقول هذا الكلام من أجل أن اضع اللوم كله على إسرائيل، ولكن لأنّ إسرائيل- هي التي بالفعل تستمر في قصف غزة وتستمر في استفزازها- لحزب الله- الذي يضبط نفسه حتى لا ينجر إلى خوض معركة ضد إسرائيل، ويعلم أنه لا يستطيع أن يتحكّم بنتائجها. وعلى ما يبدو من التصريح الأخير الذي أعرب فيه السيد حسن نصر الله عن فتح باب لما يسمى التوصل إلى تسوية سياسية عبر القنوات الدبلوماسية بقوله انّ هناك فرصة للبنان في أن يحقق تقدماً على مسار استرجاع أراضيه المحتلة. ولكن الخوف مما نحن فيه الآن يكمن في أنَّ إسرائيل تحاول أن تستدرج حزب الله لخوض حرب تريد إسرائيل أن تزجه فيها.

هنا عليّ أن أوضح هذا الأمر، أي مسألة الانجرار إلى هذه الحرب مع إسرائيل. فعلياً، هناك موقف لبناني اكان ذلك لدى الحكومة اللبنانية أو كان ذلك أيضا لدى القسم الأكبر من اللبنانيين الذين لا يريدون، وعلى الإطلاق، أن يُزَجَّ بلبنان في هذه المعركة العسكرية، والتي أعتقد ان ليس هناك أي مصلحة لبنانية او مصلحة عربية في أن يُستدرجَ لبنان لخوض هذه المعركة لأنه لا يستطيع أن يتحمل أي من نتائجها المدمرة والوخيمة على أكثر من صعيد.

اسمح لي أن أقول لك أنني عبّرت عن موقفي الرافض لهذا الاستدراج في الثامن من أكتوبر الماضي، أي في اليوم التالي لشنّ معركة طوفان الأقصى. يومذاك أشدتُ بهذه العملية التي قامت بها حركة حماس، والتي أعادت للفلسطينيين وللعرب ثقتهم بقضيتهم وعدالتها، وكذلك أعادت وضع القضية الفلسطينية على الطاولة بكونها القضية الأساس في المنطقة العربية، وذلك على الرغم من أكلافها البشرية والمادية الهائلة. ولكني عبرت يومها وبوضوح عن تخوفي ‏لأنها من الممكن أن تشكّل عملية استدراج للبنان إلى أن ينخرط في هذه المعركة العسكرية، وهو البلد الذي ما يزال يعاني من أزمات خطيرة عديدة ولا يستطيع أن يتحمل المزيد.

أضف إلى ذلك، فإني اعتقد أن هذا الأمر خطير جداً على لبنان. وأنا أرى في هذه المرحلة أن هناك حكومة إسرائيلية مأزومة وضعيفة، وهي تفتش عن تحقيق انتصار بعد الفشل التي مُنيت به حتى الآن في تحقيق أي من الأهداف الاستراتيجية التي وضعتها للعملية العسكرية البرية التي قامت بها ضد حركة حماس عبر فتح جبهة جديدة ضد لبنان وبشكل واسع. هذا علماً أن الحصيلة البشرية التي أوقعت إسرائيل فيها خسائر هائلة في الجانب الفلسطيني حتى الآن بلغ عددهم أكثر من 80,000 منهم حوالي 23,000 شهيد والباقي جرحى ومصابين ومعاقين. ما تقوم به إسرائيل الآن هو بالفعل عملية ابادة جماعية في غزة.

س: على ما يبدو أن نتنياهو حريص على توسيع هذه المعركة البرية العسكرية، وهو حريص بشكل أو بآخر على الزج بلبنان، واستدراجه للتورط في هذه الحرب رغم ما يعبّر عنه الحزب والسيد حسن نصر الله من ضبط نفس كبير في هذا الصدد ماذا يريد نتنياهو من لبنان؟

ج: ‏أعتقد أنّ ما يشغل نتنياهو الآن هو أنّه يدرك أنّه وعند انتهاء المعركة العسكرية في غزة وفي الضفة الغربية، فإن هناك الكثيرون من الإسرائيليين ممن يتربصون به ليأخذوه إلى المحاكمة وبعدها ربما الى السجن وتكون بذلك نهايته السياسية. ولذلك، فإنّه يسعى لإطالة أمد الحرب لكي يطيل عمره السياسي على حساب عشرات الآلاف من الضحايا الجديدة، وإلى التسبب بالمزيد من المخاطر الكبرى التي سوف تتعرّض لها الضفة الغربية لفلسطين وغزة، ويتعرض لها لبنان، وتتعرّض لها أيضاً إسرائيل والمنطقة ككل، والتسبب بجملة من المخاطر التي سوف تصيب الجميع. ولذلك، فإنّي أعتقد أن الزيارة التي قام بها، ويقوم بها الآن السيد بلينكن إلى المنطقة، وكذلك ما صرّحت به وزيرة خارجية فرنسا وما جاء به أيضا السيد جوزف بوريل اليوم إلى لبنان واجتماعه بالمسؤولين اللبنانيين، وهو بجميعه يرمي إلى التأكيد على أهمية وضرورة أن يصار إلى سلوك الطريق الذي يؤدي إلى وقف إطلاق النار، وبالتالي أن يصار بنتيجتها إلى فتح المجال من أجل التداول في أمر واحد أساسي، وهو كيف يمكن أن يصار إلى أن يستعيد الفلسطينيون حقهم في أن تكون لهم دولة ويكون لهم وطن. أقول هذا مع معرفتي أن الخيارات المتاحة أمام إسرائيل قليلة جداً، وهي إما في توسيع نطاق الحرب أو في استمرارها وزيادة حدتها، وكل ذلك دون طائل، أو في سلوك الطريق الصحيح عبر اعتماد الحلول العادلة والصحيحة للقضية الأساس. فهل ستقدم إسرائيل على سلوك هذا الطريق الصحيح وعلى أية قواعد؟!

س: السيد سنيورة، هناك شكوك حول الدور الأميركي. يعني الحقيقة هم لم يقوموا بإدانة ما قامت به إسرائيل ‏من انتهاكات لسيادة لبنان، حيث قامت باغتيال صالح العاروري والاغتيالات الأخرى. طبعاً هناك جانب معروف أنّ الولايات المتحدة نفسها لم تُعلمْ رسمياً بما كانت تنوي إسرائيل القيام به بشأن هذا الاغتيال. ولكن، ومن جهة أخرى، فإنّ الولايات المتحدة لاتزال تعطي إسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها بكل الأشكال. وهذا ما استمعنا إليه منذ قليل ما قاله المعلّق الصحفي. هل تعتقد أن على الغرب إبلاغ إسرائيل بالتوقف عن انتهاك السيادة اللبنانية، وبالتالي أن تتوقف إسرائيل عن القيام باستهدافات أخرى داخل لبنان لقادة المقاومة بشكل عام؟

ج: في الحقيقة، إنّ الولايات المتحدة، ومنذ اليوم الأول، وهي تصر وتشدّد على ضرورة إعطاء إسرائيل الترخيص بالقتل، وبالتالي السماح لها بالدفاع عن نفسها حسب ما تقول. ولذلك، فإنَّ إسرائيل ومستندة إلى الدعم الأميركي اللامحدود تستمر في عملية التدمير الجماعي والقتل الجماعي تحت ذريعة حق إسرائيل في الدفاع عن النفس. ألا يكفي ما جرى حتى الآن. ففي مقابل 1200 ضحية سقطوا في عملية طوفان الأقصى في اليوم الأول، ها قد دمرت إسرائيل غزة بالكامل، وهي تتابع إجرامها في الضفة الغربية والنتيجة حتى الآن 23,000 ضحية فلسطينية. هل هذا يعني أنّ قيمة الدم الإسرائيلي أكثر بكثير من الدم العربي.

على أي حال. أما آن الأوان للولايات المتحدة ان تتوقف عما تقوم به، وبالتالي أن تسعى، حقيقة، من أجل التوصل إلى حل حقيقي عادل ودائم. إنَّ ما جرى خلال هذه الثلاثين سنة منذ مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو كان على أساس أن يصار إلى التوصل إلى حل الدولتين وأن تكون للفلسطينيين دولة ووطن. ما الذي جرى حتى الآن؟ للأسف لا شيء؟! إذْ لم يقم المجتمع الدولي بما ينبغي عليه من جهود من أجل الحؤول دون ارتكاب إسرائيل لانتهاكاتها. وها هي الولايات المتحدة تسكت عما لاتزال إسرائيل ترتكبه في الضفة الغربية من زرع للمستوطنات، ومن تمييز عنصري وتضييق على الفلسطينيين من أجل جعل قضية إيجاد دولة فلسطينية مؤلفة من غزة والضفة الغربية عملية مستحيلة.

في الحقيقة، أما آن للولايات المتحدة أن تدرك أنها بعملها هذا تدفع الأمور في المنطقة إلى حافة الهاوية، وإلى التسبب بالكثير من المخاطر التي يمكن أن لا تقتصر فقط لتكون إقليمية، ولكي لتصبح ربما مشكلة أو حرباً دولية أيضاً. أما آن الأوان لكي يصار إلى إيجاد حل لهذه المشكلة المستعصية منذ ثمانية عقود.

هذه الزيارات التي يقوم بها مسؤولون أميركيون ودوليون نقدرها، ولكن كيف يمكن ترجمتها عملياً؟ هذا يعني انه من واجب المجتمع الدولي أن يقف بالمرصاد لما يجري من تهديد للأمن والسلم الدولي.

أنا أدرك أنه هناك شخص غير عاقل يجلس في مقعد القيادة في القدس التي تحتلها إسرائيل، وبالتالي هو لايزال يعبر عن رأيه ومصمم على استمرار الحرب وبتوسيعها، ويؤيده في ذلك مجموعة من الأشخاص الموتورين الذين يدفعون إلى المزيد من التردي من أجل تهجير سكان غزة والضفة الغربية. وان هناك أيضاً بعض القيادات العسكرية الإسرائيلية التي لا تدرك أن بعملها هذا لا تفسح المجال من أجل التوصل إلى حلول على المدى الطويل في المنطقة. على العكس من ذلك، فإسرائيل الآن تعبث بمستقبلها على المدى الطويل. استمرار الأمور على هذا المنوال لا يؤدي إلاّ إلى استمرار هذه الحرب العبثية التي تشنها إسرائيل، والتي أثبتت فترة الثلاثة أشهر الماضية من القتال أنّ لا أمكانية لتحقيق أي من الأهداف الاستراتيجية التي تتحدث عنها إسرائيل. في المقابل، هناك يد عربية ممدودة عبر عنها المجتمع العربي والدول العربية في المبادرة العربية للسلام في العام 2002، وهم لايزالون مصممين على متابعة مسار السلام العادل والشامل والدائم. ولكن- وياللأسف- ليس هناك من طرف إسرائيلي يتجاوب مع هذا العرض العربي. أليس هناك من رجل رشيد في المجتمع الدولي يقف ويقول أوقفوا هذه المجزرة وهذا التدمير وتعالوا إلى أن نغتنم هذه الفرصة من أجل التوصل إلى حلٍّ عادل ودائم وقابل للحياة على أساس المبادرة العربية للسلام.

أنا أعتقد انّ هناك خطوة يجب أن نتابعها على الصعيد العربي. في هذا الصدد، أنا أقدّر كثيراً المؤتمر الذي عقد في الرياض، وهو المؤتمر العربي الإسلامي، والذي دعن إليه المملكة العربية السعودة، وشاركت فيه 57 دولة وأكدت على تأييدها للمبادرة العربية للسلام. وأنا أعبر عن تثميني لما نجم عن هذا المؤتمر حتى الآن، وهو الذي عمد إلى تأليف لجنة من ثمانية وزراء خارجية، خمسة عرب وثلاثة من دول إسلامية، والذين اجتمعوا بممثلي المجموعة الخمسة الكبار الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن. ولكن أعتقد أن هناك مبادرة إضافية يجب أن يصار إلى بدئها فوراً، وتتمثل بحملة إعلامية دولية كبرى، وذلك بأن تنقسم مجموعة الثمانية من وزراء الخارجية، بحيث يؤلفون أربعة وفود كل اثنين في طائرة، ويدورون على مختلف دول العالم لأجل أن تتعزز الضغوط على الدول الغربية، وتحديداً على الولايات المتحدة الأميركية.

أنا أدرك أن هذا الأمر لا يؤدي إلى وقف العدوان الإسرائيلي ولا يمكن ربما أن يحول دون ذلك، ولكن هذا ضروري من أجل تجييش رأي عام دولي أكبر وبشكل أكثر إلحاحاً، بحيث تبقى المشكلة حية وقوية في ضمائر ووجدان العالم، وذلك كلّه يسهم في زيادة الضغوط على إسرائيل وعلى الولايات المتحدة الأميركية.

إنني- وللأسف- أخاف أن يصار إلى التعود لدى الرأي العام الدولي على أن هناك كل يوم 150 ضحية بشرية جديدة في غزة والضفة الغربية، وبالتالي يتعود المجتمع الدولي على هذا العدد من الضحايا البشرية، وبالتالي قد أصبح عدد الضحايا خبراً يومياً وعادياً يتكرر، وبالتالي يتمّ التعود عليه. لذلك، أرى أنه يجب أن يصار إلى دعم هذه المواقف بهذه الزيارات التي يزور فيها وزراء الخارجية جميع دول العالم ويجتمعوا بالمسؤولين، وكذلك بالمجتمعات المدنية في تلك الدول، بحيث تسهم هذه الاجتماعات في تحقيق المزيد من الاندفاع لدى العالم للضغط على الولايات المتحدة.

أنا أدرك أن الولايات المتحدة الآن تمر بمرحلة انتخابات رئاسية، وبالتالي من الضروري أن ننتهز فرصة هذا الشهر، لأنّه وبعد هذا الشهر، ربما الولايات المتحدة ستدخل في سبات انتخابي عميق، وسوف لن تجد هناك من يستمع إلينا ولمطالبنا كعرب، لأنّ كل هم الولايات المتحدة بعد ذلك ستكون الانتخابات الرئاسية القادمة. لذلك، فإنّه من الضروري أن ننتهز كعرب هذه الفرصة، وبالتالي الضغط على الولايات المتحدة عبر هذا الجهد الدولي.

فضلاً عن ذلك، فإنّي أدرك أهمية الدعوى إلى التي أقامتها دولة جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية. إنَّ هذا الأمر ضروري ويجب دعمه، وهناك وسائل عديدة من أجل أن ندفع بالرأي العام الدولي لكي يساند قضيتنا المحقة والإنسانية والوطنية. نحن نراهن على الوقت وعلى الرأي العام الدولي، ولكن علينا أن نستعمل هذين العنصرين خير استعمال.

س: لماذا لا تراهن الأنظمة العربية على عامل المصالح وانت أدرى مني بأن الولايات المتحدة أو أي من الدول الغربية لا تعرف إلا لغة المصالح والقوه وحتى هذه اللحظة لا نرى الولايات المتحدة الأميركية تتأثر نتيجة ممارسة الدول العربية والإسلامية ضغوطاً على الولايات المتحدة وغيرها من أجل أن تمارس بدورها للضغط على إسرائيل- لردع إسرائيل- أو أن تمارس موقفاً حيادياً لجهة عدم الانحياز لها بهذا الشكل لصالح إسرائيل حتى الآن يعني أنا آسف في الطرح لكن هذا ما يقال لماذا لا نرى وقفا حقيقياً للتعامل مع الولايات المتحدة الأميركية او باتخاذ مبادرة من اجل طرد للسفارة إسرائيل كما قامت بعض الدول في أميركا اللاتينية. في هذا السياق، الذهاب إلى المحكمة الجنائية الدولية او محكمة العدل الدولية، كما ذهبت جنوب أفريقيا لماذا لم نرى لهذه الخطوات من الأنظمة العربية في رأيك؟

ج: ‏بدون أدنى شك، فإنّي أعتقد أن هذه الأدوات يجب أن تكون من ضمن اللائحة التي يجب أن يصار إلى استعمالها للضغط على إسرائيل شرط أن يصار إلى استعمالها بشكلٍ متعقل وهادف، ولا أن يكون من نتيجتها الإضرار بمصالح أصدقائنا وحلفائنا في العالم.

في الحقيقة، نحن لدينا مهلة أسبوع أو 10 أيام، حيث يجب أن يصار إلى استعمال كل هذه الأدوات للضغط على الولايات المتحدة بكافة الوسائل. الوسائل السياسية، الوسائل الإعلامية، الوسائل الدبلوماسية كلها مهمة وضرورية، وكذلك أيضاً التهديد باتخاذ الإجراءات بشأن المصالح المشتركة للعرب مع هذه الدول. نعم يجب أن تكون هناك خطوات جدية وفعالة للضغط على الدول العربية والإسلامية التي لازالت لديها بعثات دبلوماسية إسرائيلية، بحيث يجب أن يصار إلى الطلب منها سحبها، وأيضاً الضغط على كل الدول للإدراك بأن هناك ما يمكن أن يؤدي إلى التأثير على المصالح المشتركة حتى تفهم بقية دول العالم ضرورة الالتفات إلى أهمية الحرص على المصالح المشتركة مع دولنا العربية.

أنا أعرف أنّ العالم الآن يفهم لغة المصالح وأعتقد أن هذا الأمر يجب أن يُلوَّح به وربما استعماله. إلاّ أنَّ هذا الأمر لا يمكن أن يستعمل هكذا ويؤدي ذلك إلى الإطاحة ليس فقط بالسلم الإقليمي، بل بالسلم الدولي. هذا الأمر يتطلب جهداً كبيراً من الجميع ليس فقط انتظار الزيارات الدبلوماسية، بل أن يكون لدينا مجموعة من الأمور التي يجب أو يمكن اللجوء إليها للتأثير على تلك الدول الصديقة.

هناك أرواح تزهق كل يوم وهناك تدمير يتم، وهناك إذلال وانتهاك لأبسط حقوق الإنسان من تجويع وتعطيش وتعريض السكان المدنيين للأمراض والأوبئة. إنّ كل ما يجري هناك هو ضد الإنسانية، وضد قواعد حقوق الإنسان. هذا الأمر يجب أن يكون بمقدمه الأولويات لدى جميع المسؤولين في الدول العربية من أجل أن يصار إلى اعتماد كل الوسائل التي تؤدي إلى ممارسة المزيد من الضغوط على الولايات المتحدة وعلى المجتمع الدولي في هذا الشكل.

س: السؤال الأخير دولة الرئيس. أريد أن أقول لك مرة أخرى ماذا لو قامت إسرائيل مرة أخرى انتهاك السيادة اللبنانية الانتهاكات المتعلقة بالطيران، وهي انتهاكات تحدث يومياً لكن استهداف قادة المقاومة على الأرض أو حتى استهداف أحد القيادات الكبار لحزب الله. هل يمكن أن يتسبّب هذا بحرب جديدة بين لبنان وإسرائيل في هذه الحال كيف سيكون الوضع في هذه اللحظة سيدي؟

ج: بدون شك، وحتى نكون واقعيين، فإنَّ القرار اللبناني هو مخطوف من قبل حزب الله. وبالتالي، وكما هو معروف، فإنّ حزب الله لديه اعتبارات تتخطى المصالح اللبنانية وهي تصب أيضا في مصلحة الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ولذلك ما نخافه الآن هو أن يصار إلى استدراج لبنان، وبالتالي دفع لبنان إلى السقوط من حافة الهاوية إلى هاوية الحرب العميقة. هذا الأمر يجب أن يكون هناك تبصر بعد كل ما جرى من أخطاء وتوريط للبنان. في هذا الشأن، فقد قال السيد حسن نصر الله البارحة في تصريح أدلى به وفتح الباب بانه من الواجب أن نلتقط هذه الفرصة. ولكن الأمر يتطلب بل يوجب أن تكون هناك خطوات أكثر- وأكبر بكثير- من قبل حزب الله الذي أصبح يحتفظ بالقرار اللبناني هذا القرار بالحرب أو عدم الدخول بالحرب، وهو الذي بالفعل هو حق سيادي أساسي وحصري من حقوق الحكومة اللبنانية والشعب اللبناني، وليس من حق فريق معيّن من اللبنانيين، بل هذا القرار يجب أن يكون حصراً بيد الدولة اللبنانية، ولا أن يستمر اختطافه من قبل حزب الله.

س: اسمح لي دولة الرئيس حزب الله يوما ما هو من ادار المعركة وحرر أراض لبنان من إسرائيل، والتي أفضت لخروج إسرائيل من جزء كبير من لبنان من الأرض اللبنانية عندما كانت محتلة. حزب الله حتى الآن هل لديه تبصر؟ هل لديه ضبط كبير للنفس؟ بالمناسبة هو ينطبق عليه فكرة انتقاد حزب الله وما يقوم به بانتهاك السيادة اليومية للبنان لعله يراه البعض غير منطقي. الآن يجب أن يدافع لبنان عن نفسه، وإذا لم يدافع عن نفسه من خلال جيشه فهناك حزب الله يدافع عنه هذا هو الواقع؟

‏ج: بدايةً، لا بدّ من الإجابة على ما ذكرته عما حصل في العام 2006، حيث لا ننكر تضحيات المقاومين وبسالتهم، ولكن يجب أن لا ننكر الدور الاستثنائي والكبير الذي قامت به الحكومة اللبنانية، وفي انتزاعها للقرار 1701، ولا نتنكر لدور اللبنانيين في الحفاظ على وحدتهم واحتضانهم لبعضهم بعضاً، بحيث أن تلك العناصر مضافاً إليها الدعم العربي الذي أمَّن للبنان القدرة على الصمود وعلى إعادة الإعمار، وتخطّي النتائج السلبية التي تسبب به العدوان الإسرائيلي.

بالعودة إلى الواقع الآن، وهو أنّ هناك من يحاول أن يستدرج لبنان والزج به في أتون المعركة العسكرية، وبالتالي من المفهوم بأن هذا الاستدراج يحرج حزب الله وبالتالي قد يدفع حزب الله إلى أن يتورط في هذه المعركة العسكرية الواسعة، وبالتالي يصبح خاسراً ومدمراً، ولاسيما للبنان واللبنانيين، وهو ما يجب علنيا أن نواجهه. وبالتالي، فإنّ المطلوب من حزب الله والسيد حسن نصر الله أن يستمرا في اعتماد التصرف المنضبط على مدى هذه الفترة. الخوف أن يصار إلى الانزلاق نحو الحرب الشاملة، والخوف عندما يقول السيد حسن أن الأمر اليوم للميدان. وهذا يعني أنّ الميدان أصبح هو الذي يتخذ القرار الذي هو في الساحة في ساحة المعركة- وهذا أمر خطير- وبالتالي، وفي هذا الأمر، كلنا نعلم أن الأمور العسكرية من الأهمية بمكان، بحيث يجب أن لا تعطى للعسكري التقرير فيها. ذلك ما كان يقوله أحد القادة العسكريين الفرنسيين الكبار، وما يقوله في هذا الشأن هو صحيح. هذا الأمر يجب أن لا يكون بيد العسكريين لكي يقرروا، وبالتالي أن يورطوا لبنان.

لبنان لايزال يعاني من آثار الحرب التي شنّتها إسرائيل عليه في العام 2006، وهو بالإضافة إلى ذلك يُعاني من أزمة سياسية وطنية ومن أزمة اقتصادية ومن أزمة النازحين السوريين وبالتالي لا يمكن أن تضاف إلى ذلك كلّه أزمة من نوع جديد من المؤكد أنها تطيح بلبنان. إسرائيل تقتل وتدمر، وهي مستمرة في ذلك. كما أن هناك حدود للصبر.

إلاّ أنّه، وبالرغم من ذلك، فإنّه يجب أن نجهد بهذا الأمر، وبالتالي أن نستمر بالامتناع عن الوقوع في فخ الاستدراج الذي تريدنا إسرائيل أن نقع فيه. هذا الأمر الآن هو من مسؤولية حزب الله. إذْ لا يستطيع حزب الله أن يتصرف بطريقة غير مسؤولة. لذلك، عليه أن يتنبه ويدعم استمرار هذا الموقف الحكيم والدعوة إلى الانضباط، وبالتالي ممارسة كل الضغوط الممكنة في كل مكان، وفي كل وقت، من أجل لا ينزلق لبنان. إذْ أنّ في ذلك تدمير للبنان، وهو يطيح بلبنان كدولة. هذا الأمر ليس بالأمر القليل. وهنا ينطبق علينا في خضم هذه المعاناة الشديدة قول الشاعر: "فكم من يوم بكيت منهم فلما صرت في غيره بكيت عليه".

لا نريد أن نصبح في هذا الوضع المستجد الذي لا نستطيع في خضمه أن نلملم لبنان بعد ذلك.

تاريخ الخبر: 
07/01/2024