23 تشرين الثاني 2002

العنوان الرئيسي: 
مؤتمر باريس -2

مؤتمر باريس -2

23 تشرين الثاني 2002

Conference Paris - 2

November 23 , 2002

 

المحتويات

 

الفصل الأول : الإعداد لمؤتمر باريس-2

 

الفصل الثاني : انعقاد المؤتمر

 

الفصل الثالث: ماذا تحقق بعد باريس - 2

 

الفصل الرابع: ملحق "ما بعد الإعمار والتعافي...نحو النمو المستدام " – الجمهورية اللبنانية

 

 

 

 

 

الفصل الأول

 الإعداد لمؤتمر "باريس – 2"

 

 

 

      لم يكن لمؤتمر "باريس – 2" أن يعقد وأن ينجح ويعطي النتائج المتوخاة منه، لولا تضافر الجهود اللبنانية – الفرنسية المشتركة، في سبيل تحقيق عمل كبير يتجلى فيه الدعم الدولي والالتزام القوي تجاه لبنان.

 

      وقد حصل ذلك بالعمل الدؤوب، أولاً، الذي انصرفت إليه الحكومة اللبنانية منذ تأليفها في تشرين الثاني عام 2000، كما جاء في بيانها الوزاري متعهدة "بالإصلاحات السياسية والإدارية والاقتصادية والمالية والاجتماعية الضرورية لإحياء الدورة الاقتصادية…" والتي بدأ العمل فيها منذ  نهاية عام 2000.

 

      وعندما عقد مؤتمر "باريس- 1" في 27 شباط عام 2001، كان برنامج الإصلاحات والإجراءَات المطلوبة قيد التنفيذ أو الإعداد، وهو ما تمت متابعته بمثابرة وإصرار بالرغم من وجود أجواء سياسية غير مريحة في أحيان كثيرة كان من شأنها، لولا التمسك بالالتزام الوطني الأساسي والتصميم على بلوغ الهدف المنشود بمعالجة مشكلة الدين العام وتحقيق الإصلاحات المطلوبة، أن تقود لبنان إلى الكثير من المخاطر.

 

      كان عقد مؤتمر "باريس - 1" الإشارة الأولى الإيجابية والمشجعة من قِبَل المجتمع الدولي في العزم على دعم لبنان. إذ ترأس الرئيس جاك شيراك في قصر الإليزيه، قبل ظهر يوم 27 شباط 2001 كما جاء في البيان الصادر عن الرئاسة الفرنسية والسفارة اللبنانية بباريس، اجتماعاً ضم إلى الرئيس رفيق الحريري وأعضاء الوفد اللبناني، رئيس البنك الدولي جايمس ولفنسون، نائب رئيس البنك الأوروبي للاستثمار فرنسيس ماير، رئيس المفوضية الأوروبية رومانو برودي ووزير المال والاقتصاد والصناعة لوران فابيوس. وقد أتاح هذا الاجتماع للرئيس الحريري إجراء عرض مفصل للسياسة الاقتصادية والمالية لحكومته، والتي تمنى قيادتها بإصرار.

 

      وإذ أشادت المجموعة الدولية المالية بإرادة الحكومة اللبنانية "على مواصلة تنفيذ برنامجها الهادف إلى السماح للاقتصاد باستعادة ديناميته"، أبدت استعدادها لدعم الاستراتيجية الاقتصادية الجديدة للحكومة اللبنانية بالدعوة إلى عقد اجتماع جديد موسع بمشاركة المفوضية الأوروبية والمؤسسات المالية الدولية وأهم الدول الشريكة للبنان، بحيث ستضطلع فرنسا بدور فاعل ضمن هذه المجموعة. إنه الاجتماع الذي عُقد في 23 تشرين الثاني 2002 في باريس، وعُرف بمؤتمر "باريس -2".

 

      ما كان مؤتمر "باريس -2" ليحقق النجاح بالصورة الذي جاء عليها لولا سلسلة الإجراءات التحضيرية والإصلاحية التي اتخذتها الحكومة منذ تأليفها، والتي شكلت الركيزة الأساسية لحشد الدعم الدولي للبنان. فبين كانون الأول عام 2000 وشباط عام 2001 (تاريخ انعقاد مؤتمر "باريس – 1")، أُنجز عدد من الإصلاحات الهيكلية، مثل: إصلاح قطاع الإعلام الرسمي، إصلاح الخدمة المدنية (إحالة فائض الموظفين إلى مجلس الخدمة لإلحاقهم بوظائف شاغرة في الإدارات العامة)، خفضالمعدل العام للتعرفة الجمركية (من نسبة 12 إلى 6 %) وهو ما أدى إلى تحرير التجارة وخفض مستوى الأسعار، إقرار القانون الجمركي في تبسيط الإجراءَات الجمركية وتوحيدها وتسهيل التجارة، إقرار قانون الاستثمار من خلال إنشاء شباك موحد one stop shopللمستثمرين وإعطاء حوافز ضريبية ومالية للمشاريع وإنشاء مناطق استثمار، إقرار سياسة الأجواء المفتوحة، إقرار قانون تملك الأجانب وقانون تبييض الأموال الذي يتماشى مع المعايير والقوانين الدولية لمكافحة تبييض الأموال.

 

     أما في الفترة التي تلت "باريس -1" ولغاية انعقاد مؤتمر "باريس -2"(تشرين الثاني2002)،  فقد أُقر قانون الضريبة على القيمة المضافة (كانون الأول 2001) الذي دخل حيز التنفيذ في مطلع شباط 2002. ومن جهة أخرى، أُنجزت عملية إعادة هيكلة شركة طيران الشرق الاوسط عبر ترشيق الإدارة وتخفيض المصاريف، كما صدرت النصوص المتعلقة بخصخصة الهاتف الخلوي وبقطاع الاتصالات ككل، وكذلك النصوص المتعلقة بخصخصة قسم من كهرباء لبنان والمياه، كما انصرف مجلس النواب الى درس قانون المحاسبة العامة وقانون إصلاح نظام تعويضات الجيش، وإصلاح الضمان الاجتماعي. وفي شهر حزيران 2002 وقِّع اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي. وكان قانون برنامج ضمانات قروض المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وقانون دعم معدلات الفائدة المتعلقة بهذه المؤسسات قد أُقرّ، وكذلك برنامج Export Plus، وقانون أسهم المصارف، وقانون التسوية الضريبية، إلى جانب قانون إنشاء جهاز خاص لإدارة الدين العام، والذي يسمح للحكومة بفتح حسابات خاصة لعائدات الخصخصة، واستعمال الواردات الناتجة عن ذلك لتسديد القروض في سبيل خفض الدين ، والذي من المتوقع أن يقر قريباً.

     وعندما حان موعد عقد مؤتمر "باريس -2"، كانت الحكومة اللبنانية قد أنجزت أو قطعت الأشواط الضرورية في سبيل وضع الإجراءَات المطلوبة موضع التنفيذ. وهو ما أكده الرئيس رفيق الحريري في كلمته أمام مؤتمر "باريس – 2" عندما قال: "انطلاقاًمن وعي الحكومة، باشرت بدءاً من  نهاية عام 2000 في تنفيذ برنامج  للإصلاحات الاقتصادية يهدف إلى عكس مسار المديونية العامة وتصحيح الوضع المالي واستعادة نمو الاقتصاد اللبناني. هذا البرنامج طرحت خطوطه العريضة في مؤتمر "باريس – 1"الذي عقد هنا في شباط 2001، ومنذ ذلك الحين أُنجز عدد كبير من أهدافه".

 

      وعندما تحدث الرئيس رفيق الحريري أمام مؤتمر باريس ‹‹2››, كان بوسعه القول أمام المؤتمرين:       "إننا نقف أمامكم اليوم, وقد طبقنا جميع الإجراءَات التي كانت بمتناول قدراتنا الذاتية, لنقول لكم إن لبنان لن يتمكن من الحد من تنامي الدين العام وخفض كلفة خدمته إلا إذا قرر المجتمع الدولي, الذي يلتئم ممثلوه الأرفع حول هذه الطاولة, أن يدعم إجراءَاته بمنحه تسهيلات تمويلية ذات فوائد معتدلة وآجال طويلة, تحل حصيلتها محل جزء من المديونية القائمة ذات الآجال القصيرة والفوائد المرتفعة".

 

      وفي ما يتجاوز هذه الإجراءَات المحددة التي تم إقرارها أو الإعداد لها منذ  نهاية عام 2000 وحتى موعد انعقاد مؤتمر "باريس – 2"، فإن لبنان كان أنجز خطته لناحية إعادة الإعمار التي تحققت في وقت زمني قياسي، ووسط ظروف إقليمية غير مؤاتية تمثلت في استمرار التهديد الإسرائيلي، وفي الاعتداءَات المتكررة، خصوصاً في عامي 1993 و 1996. وكذلك وسط كل اللغط السياسي الذي تولِّده عادة مشاريع إعادة الإعمار وما تحدثه من إرباكات معروفة.

 

      فالجهد الجبّار هذا، الذي قلما عرفته بلدان أخرى بعد دمار الحروب، اجتذب حكماً أنظار الجميع، ودلّ على أن قدرة النهوض والانبعاث لدى اللبنانيين وحيويتهم الفريدة في تحقيق التجدد وتجاوز الصعوبات على أنواعها، كانت المدخل الضروري لاستعادة الثقة بعد خمسة عشر عاماً من الحروب والدمار.

 

      ومع إعادة بناء المؤسسات، معنوياً ومادياً، واستعادة الحياة الديمقراطية بمختلف أوجهها السياسية والاجتماعية، وإعادة بناء البنى التحتية والمرافق الحيوية والمطار والمرفأ والمنشآت السياحية والثقافية والرياضية، جاءت بيروت بالشكل الذي انتهى إليه وسطها الجديد، لتشهد على روعة الحلم المنجز ولتستعيد مركزها كواحدة من أكثر مدن العالم تألقاً وإشعاعاً وعطاءً.

 

      هذا الوجه النبيل المطل من جديد للعاصمة، جعل السياح والزائرين يقفون بإعجاب صريح أمام ما أُنجز، وهو ما حمل الرئيس الفرنسي جاك شيراك أثناء انعقاد مؤتمر الفرانكوفونية في شهر تشرين الأول 2002، على زيارة  وسط بيروت مرتين برفقة الرئيس رفيق الحريري، والاختلاط بحشود الرواد فيه. وهو ما دفع بمساعد وزير الخارجية الأميركي وليم بيرنز إلى القول، في كلمته أمام مؤتمر "باريس - 2": "في كل مرة أعود فيها إلى بيروت أشعر بالانبهار، وكذلك يشعر جميع زائريها بكل تأكيد، أمام إعادة ولادة تلك المدينة العظيمة. إنها شهادة على حيوية الحكومة اللبنانية ورؤيتها، وحيوية المواطنين والقطاع الخاص ورؤيتهم …".

 

      إن مؤتمر "باريس 2" ما كان لينعقد لو لم يكن لبنان قد قدم البراهين الملموسة على قدراته الذاتية قبل أن يبدي أشقاؤه وأصدقاؤه التجاوب المطلوب. وقد سبق للأشقاء والأصدقاء أن أعطوا إشارات واضحة في الثقة والدعم، من خلال القمتين العربية والفرانكوفونية اللتين عقدتا في بيروت.

 

      إلا أن هناك عنصراً آخر لا بد من أخذه بالاعتبار في مجال الاهتمام الفرنسي والدور الذي تؤديه فرنسا اوروبياً ودولياً من أجل مساعدة لبنان، وهو علاقة الصداقة الشخصية بين الرئيسين جاك شيراك ورفيق الحريري. فهذه العلاقة التي تعود إلى آخر الثمانينات، أعطت الصداقة اللبنانية – الفرنسية دفعاً حيوياً وعملياً، وبخاصة منذ تولي الرئيس رفيق الحريري مسؤولياته الحكومية في خريف 1992، وانتخاب الرئيس جاك شيراك رئيساًُ للجمهورية الفرنسية في أيار 1995.         فوجود كل من الرئيسين جاك شيراك ورفيق الحريري في موقع المسؤولية في البلدين الصديقين والوثيقي الروابط، أضفى على العلاقة طابعاً مميزاً لم يتجلَّ فقط في الزيارات المتبادلة واللقاءَات المستمرة، بل في العمل الملموس دبلوماسياً واقتصادياً وثقافياً. إذ أدت فرنسا دوراً رئيسياً في الاتفاق الذي توصلت إليه لجنة تفاهم نيسان 1996، إثر الاعتداء الأسرائيلي ومجزرة قانا، ووقفت إلى جانب لبنان بكل وضوح، كما كانت تقف ولا تزال إلى جانب القضايا العادلة في منطقة الشرق الأوسط.

 

      ولذا كان من الطبيعي أن تقف فرنسا إلى جانب لبنان، عندما تبين أن دعم المجتمع الدولي له ضروري لمساعدته على الخروج من أزمته الاقتصادية. فدعا الرئيس جاك شيراك إلى عقد المؤتمرين في مقر رئاسة الجمهورية الفرنسية بقصر الإليزيه بالذات، للدلالة على درجة الأهمية وعمق الالتزام.

 

 

 

 

  • شيراك

 

      في خطاب أمام السفراء الفرنسيين بتاريخ 29 آب 2002 ، قال الرئيس الفرنسي  جاك شيراك:  "… وسط هذا الظرف الإقليمي غير المستقر، لا بدّ من مساعدة البلدان التي اختارت طريق الإصلاحات. ولبنان، شديد القرب من فرنسا، عليه أن يجد الوسائل المرافقة للسياسة الجريئة التي انتهجتها حكومته. فبلادنا سوف تساعده بتنظيم لقاء دولي في الخريف. وأصدقاء لبنان والمنظمات المالية الدولية المعنية سوف تدعى. وإني أتمنى أن يسفر هذا اللقاء, الذي سبقه لقاء آخر عقد في السنة الماضية في باريس, عن التزامات متبادلة …".

 

      كما أدلى الرئيس الفرنسي بحديث إلى جريدة "الاوريان لوجور" بتاريخ 16 تشرين الأول 2002، وفي ردّ على سؤال عما إذا كان سيشارك الرئيس رفيق الحريري تفاؤله بانعقاد مؤتمر "باريس -2"، أجاب: " إنه أكثر من تفاؤل، إنها ضرورة. فالرئيس رفيق الحريري هو رجل عصري واعٍ لمتطلبات الاقتصاد المعاصر، ولتلك التي تحدثنا عنها منذ قليل والمتعلقة بالتضامن وباحترام الآخر. وإنه من الأكيد أن لبنان الذي يحمل ماضياً ثقيلاً من المآسي والصعوبات، يجتاز حالياً وضعاً اقتصادياً صعباً. وإقدام المجتمع الدولي على مساعدته في سبيل الخروج من ذلك الوضع هو أمر مشروع".

 

     وعندما تطرق الحديث إلى ما هو المطلوب من مختلف الأطراف، قال الرئيس شيراك :

 

     " على كل طرف أن يؤدي الجهد المطلوب منه. على فرنسا, باسم صداقتها التقليدية مع لبنان, أن تعطي المثل وتقوم بجمع أصحاب الإرادات الطيبة من أجل مساعدة لبنان. وهذا يفترض أيضاً أن يبذل لبنان ما عليه من جهود, أن ينتهج سياسة إصلاحات تبدو اليوم ضرورية وتحديداً ما يترجم منها في مشروع الموازنة الذي قدم من قبل الحكومة إلى البرلمان اللبناني. ومثل جميع الموازنات الإصلاحية, فإن الموازنة هذه معرضة للانتقاد. ولكني أدعو جميع اللبنانيين لإدراك أن السياسة الإصلاحية هذه, والموازنة هذه, إذا لم تلقيا الدعم من مجمل المسؤولين اللبنانيين, فإن موافقة المؤسسات المالية الدولية تصبح متعذرة. وبالتالي فإن المساعدة الدولية تصبح محدودة أو غير كافية. فالمطلوب إذن هو جهد مزدوج : وعي من قِبَل جميع السلطات اللبنانية بوجوب الخروج من الجدل السياسي والدخول في الجهد الوطني المتماسك للإصلاحات وللنهوض, ووعي من قِبَل المؤسسات المالية الدولية والدول الكبرى الصديقة للبنان – الاتحاد الأوروبي, الدول العربية, الولايات المتحدة, أو اليابان التي قام الرئيس الحريري يزيارة ناجحة جداً لها بحسب الأصداء التي جاءتني من قِبَل رئيس الحكومة اليابانية – بالجهود المبذولة في سبيل تقويم الوضع في لبنان.إنني متفائل".

 

     وفي خطاب أمام مجلس النواب اللبناني بتاريخ 17 تشرين الأول 2002 في بيروت، قال الرئيس شيراك : "… إن تضامن فرنسا مع لبنان هو اقتصادي أيضاً. وإنكم تعرفون مدى إسهامنا, غداة الحرب, في إعادة إعمار البلاد. اما اليوم فإن تطوير بلادكم هو الذي يشغلنا. ومن أجل ذلك, قررنا جعل لبنان في الدائرة الاولى لتعاون شركائنا.

 

     ولكن متابعة تطوير بلادكم مرتبطة اليوم بنجاح إعادة الهيكلة المالية لاقتصادكم, وتخفيف عبء دينها. فالرهان يتجاوز الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية, ليلامس استقرار البلاد نفسها, واستقرار المنطقة بمجملها تالياً.

 

     وفي سبيل مساعدة لبنان في هذه المهمة, فقد طلبت, بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء, إلى شخصية مرموقة في عالم المال الدولي, السيد ميشال كامديسو, الحاكم الفخري لمصرف فرنسا والمدير العام السابق لصندوق النقد الدولي, أن يدافع عن قضية لبنان أمام أعضاء الدول الصناعية الثماني, وأمام شركائنا الأوروبيين والعرب والمنظمات المالية الدولية. إن كل شيء أصبح معداً لأن يعقد اجتماع دولي في الأسابيع المقبلة, ويتخذ التدابير التي ستساعد لبنان على مواجهة مصاعبه. ومن خلال الجهود المبذولة من قِبَل حكومتكم ستتمكن بلادكم من تحقيق الخطوات المطلوبة. ولا شك بأن هذه السياسة الجريئة التي لا بدَّ منها, ستلقى الدعم الكامل من قِبَل مجلسكم النيابي, لوضعها موضع التنفيذ.

 

     إني أعرف، يا حضرة رئيس مجلس النواب، ويا أيها السيدات والسادة النواب, الإسهام الهام الذي توفرونه كمشترعين, في هذه الورشة الكبيرة من الإصلاحات. فلبنان عرف بسرعة كيف ينسجم مع المتطلبات الحالية لمكافحة تبييض الأموال, داعماً بذلك دور بيروت كمركز مالي دولي. وكان سبق أن سجلت نتائج ملموسة, تشجع على متابعة تنقية الوضع المالي وتحديث جهاز الدولة والسماح للاقتصاد اللبناني بالعودة إلى مجال التنافس الدولي.

 

     إن الاتفاق الحديث للشراكة بين لبنان والاتحاد الأوروبي, الذي سيعرض عليكم قريباً, سيعطي دفعاً قوياً للإصلاحات ووضعها موضع التنفيذ, فهو يربط لبنان بأوروبا, ويؤشر لوحدة مصيرنا. كما يعزز تطوير العلاقات مع الجيران العرب المتوسطيين. فبناء هذا المجتمع الأوروبي- المتوسطي, وحلول سلام عادل وشامل – وهو ما ندعو اليه بكل تمنياتنا – سيسمحان للبنان, في آن, بتقوية استقلاله وتعاونه مع دول المنطقة".

 

  • الدور الشخصي للرئيس رفيق الحريري

 

     إضافة إلى الإجراءَات الحكومية التي باشرتها الحكومة اللبنانية منذ تأليفها وحتى موعد انعقاد المؤتمر، فإن الجهد والتحرك الشخصيين للرئيس رفيق الحريري كانا في أساس العمل من أجل تأمين انعقاد المؤتمر وإنجاحه.

 

     فمن المعروف أن الرئيس رفيق الحريري, منذ بداية تحمله المسؤوليات الحكومية, أرسى دبلوماسية الاتصالات الشخصية والمباشرة, عبر تحرك كانت حدوده بحدود المصلحة اللبنانية والقومية, بهدف إعادة لبنان إلى الساحة الدولية بعد سنوات طويلة من الحرب التي غيبته وشوهت صورته, وإعادة تكوين شبكة الصداقات التي كان لبنان يتمتع بها, وهو البلد الصغير الحجم ذو الأهمية الكبيرة على مفترق القارات والحضارات, وصاحب الدور المميز والمنفتح في التبادلات على أنواعها, بالإضافة إلى أن أمنه واستقراره يشكلان مدماكاً للسلام في منطقة الشرق الاوسط. وقد ابدت جميع الدول التي زارها رئيس مجلس الوزراء اللبناني في اوقات متفاوتة, تعاطفها مع لبنان, ومع قضاياه, مقدرةً دوره الحضاري والإنساني وتمسكه بالنظام الحر ومبديةً استعدادها للمساعدة في مختلف المجالات.

 

     وقبل أن يبدأ الإعداد لمؤتمر باريس ‹‹2››, بالتعاون الوثيق مع فرنسا, كان الرئيس الحريري قد نجح في عقد صداقات شخصية مع عدد كبير من مسؤولي الدول في الدول العربية اولاً, ثم شرقاً وغرباً, وفي مختلف القارات, من اليابان وماليزيا والصين, وروسيا وإيران وباكستان, بالإضافة إلى كندا والولايات المتحدة وعدد من دول أميركا اللاتينية, والى دول الاتحاد الأوروبي التي بات عدد كبير من المسؤولين فيها أصدقاء شخصيين للرئيس رفيق الحريري, والى المسؤولين في المؤسسات المالية الكبرى العربية والأجنبية.

 

     وعندما تقدم الإعداد لعقد مؤتمر باريس ‹‹2›› تبين أن الصداقات تلك كانت مفيدة. وجاء تجاوب أصحابها ليبرهن أن لبنان استعاد ثقة العالم به.

 

 

     وفي مرحلة الإعداد المباشرة، قام الرئيس رفيق الحريري بزيارات إلى عدد من الدول, فالتقى كبار المسؤولين في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر والبحرين وسلطنة عُمان, كما اجتمع, خلال تلك الفترة بالرئيس السوري الدكتور بشّار الأسد ثلاث مرات (مرتان قبل المؤتمر ومرة بعده). وكثف الرئيس الحريري اجتماعاته واتصالاته بالرئيس الفرنسي جاك شيراك, كما قام بزيارتين إلى واشنطن حيث التقى في الزيارة الثانية الرئيس جورج بوش. وكان اجتمع قبل ذلك بوزير الخارجية ومستشارة الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي, ورئيسي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وقبل ذلك زار الرئيس الحريري اليابان كما اجتمع في ماليزيا برئيس وزرائها مهاتير محمد الذي كانت لبلاده في المؤتمر بادرة لافتة, دلَّت على عمق الصداقة والتعاون بين البلدين. وكان الرئيس الحريري التقى, أثناء مؤتمر الفرانكوفونية الذي عُقد في بيروت في شهر تشرين الأول 2002, رئيس وزراء كندا جان كريتيان, الذي عبّر في المؤتمر, باسم بلاده, عن صداقة ما فتئت تتعمق بين البلدين.

 

      وعندما أعلن الرئيس رفيق الحريري في 29 تشرين الأول 2002، لدى خروجه من قصر الإليزيه، أن موعد عقد مؤتمر "باريس -2 " هو في 23 تشرين الثاني، كان ذلك تتويجاً لجهود فرنسية ولبنانية حثيثة، تحققت باسم الصداقة والمصلحة المشتركتين والتعاون الواجب والعمل على تأمين الاستقرار، بما يمثله لبنان بالنسبة إلى المجتمع الدولي من عامل أمان واستقرار في منطقة الشرق الأوسط, وبما يجسده من قيم انسانية وحضارية في صيغته البشرية والسياسية وفي عطاءَات أبنائه.

 

      وكان هذا المؤتمر، الذي عُقد في جو وفاقي داخلي ظاهر، تعبيراً صادقاً عن الثقة الدولية المتجددة بلبنان، ودعماً أكيداً له، في ما يتجاوز النواحي الاقتصادية والمالية. "فهنالك اليوم شعور قوي بالثقة بالحكومة اللبنانية"،على حد قول الرئيس جاك شيراك.

 

      وعلى الرغم مما انطوى عليه المؤتمر من دعم معنوي كبير، ومن تسهيلات مادية بلغت أربعة مليارات وأربعمائة مليون دولار، ﺇلا أن طريق الحل التي تم فتحها تحتاج إلى خطوات عديدة وتضحيات متواصلة وجهود مشتركة. لأنه ليس هنالك حلول سحرية لأزمات مالية واقتصادية، بل عمل دؤوب متعدد الجوانب، وتحمُّل شجاع للمسؤوليات الوطنية، في جو تخيم عليه المصلحة العامة، وهدف الوصولإلى قدرة التحكم بالمصير. وفي هذا الإطار يندرج قرار مصرف لبنان والمصارف اللبنانية بتوفير مبلغ ثمانية مليارات دولار، تضاف إلى المبالغ التي وفَّرتها "باريس -2"، بحيث سيتمكن لبنان من تأمين خفض أساس الدين وتالياً خدمته المرتفعة.

 

     وكلما برهن لبنان على قدرته في التعاطي مع مقررات المؤتمر ونتائجه، كلما أبدى الأشقاء والأصدقاء تجاوباً إضافياً وتسهيلاتٍ لا بدّ أن تظهر في الأشهر المقبلة.

 

     فمؤتمر "باريس -2"، بما صدر عنه من قرارات محددة، وبما انطوى عليه من مدلولات سياسية، كان منعطفاً بالغ الأهمية بالنسبة إلى لبنان، أسّس, شأنه شأن مؤتمر الطائف عام 1989، لمرحلة جديدة. وكان المؤتمر، تالياً، ساعة حقيقة أمام التاريخ، عكست فيها مرآة العالم صورة لبنان الصحيحة. فهو أمنع بكثير مما كان يظن البعض, وهو موضع مصداقية واحترام وتضامن وتشجيع. والباقي يقع على اللبنانيين بالطبع. فالتحدي مزدوج، لأن المطلوب هو تجاوز الأزمة المالية، والتصرف على قدر الثقة الدولية التي منحها العالم للبنان. ولبنان سوف يكون وفياً للتعهد، وعلى قدر الثقة، بهمة أبنائه وبوفاقه الداخلي، وبتطلعه الواثق إلى المستقبل، الذي هو خياره الوحيد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

انعقاد المؤتمر

 

 

      في 23 تشرين الثاني 2002 كان لبنان على موعد مع التاريخ.

 

      وكان ذلك المشهد الذي استوقف اللبنانيين وهم يتابعون الحدث على شاشات التلفزيون, شديد التعبير والدلالات، يمثل الرئيس الفرنسي جاك شيراك, وهو يستقبل قادة  أوروبا وبعض دول العالم وممثلي الدول الأخرى ورؤساء المنظمات المالية العالمية والأوروبية والعربية، في الباحة الخارجية لقصر الإليزيه, ويصطحبهم بلطفه وبكياسته المعهودين، إلى الداخل.       فالجميع جاؤوا من أجل لبنان. ليس فقط من أجل دعمه, بل للتعبير القوي والصريح عن ثقتهم به وبمستقبله, وبأن لبنان حاضر في ضمير العالم.

 

      وعندما حدث ذلك وجلس الجميع حول الطاولة في قاعة الاحتفالات الكبرى بقصر الإليزيه كانت الكلمة الافتتاحية للرئيس جاك شيراك الذي أدلى بالأقوال التي تناسب الحدث قبل أن يعطي الكلام لرئيس مجلس الوزراء اللبناني الرئيس رفيق الحريري.

 

      شارك رؤساء الوفود بعد ذلك في المناقشات، منهم بمداخلات شفوية، ومنهم بكلمات مكتوبة كمساعد وزير الخارجية الأميركي وليام برنز، الذي وزعت كلمته، وكذلك تصريح مساعد المدير العام لصندوق النقد الدولي إدوار أنينات.

 

      وعلى أثر الجلسة، عقد الرئيس شيراك والرئيس الحريري ورئيس الوزراء الكندي جان كريتيان ووزير الخارجية السعودية الأمير سعود الفيصل, ورئيس المفوضية الأوروبية رومانو برودي مؤتمراً صحفياً مشتركاً.

 

      شارك في مؤتمر "باريس -2"  :

 

ألمانيا                             السيد غيرهارد شرودر، مستشار

المملكة العربية السعودية      سمو الأمير سعود الفيصل، وزير الخارجية

البحرين                           السيد عبد الله سيف، وزير الاقتصاد والمالية

بلجيكا                             السيد غي فرهوفشتاد، رئيس الوزراء

كندا                               السيد جان كريتيان، رئيس الوزراء

الدنمارك                          السيد أنديرز فوغ راسموسين، رئيس الوزراء

الإمارات العربية المتحدة      السيد سيف سلطان العرياني، وزير المالية والصناعة

إسبانيا                             السيد خوسيه ماريا أثنار، رئيس الحكومة

الولايات المتحدة                السيد وليام بيرنز، مساعد وزير الخارجية

فرنسا (البلد المضيف)         السيد جاك شيراك، رئيس الجمهورية

بريطانيا العظمى                السيد دنيس ماك شاين، وزير مفوض للشؤون          

                                          الخارجية

إيطاليا                             السيد سيلفيو برلوسكوني، رئيس مجلس الوزراء

اليابان                             السيد يوشيتاكا شيندو، سكرتير برلماني للخارجية

الكويت                            الدكتور يوسف الإبراهيم، وزير المالية

لبنان                              السيد رفيق الحريري، رئيس مجلس الوزراء

ماليزيا                            داتوسيري ماهاتير بن محمد، رئيس الوزراء

عُمان                              السيد محمد بن ناصر الخصيبي، أمين عام وزارة الاقتصاد

قطر                               الشيخ عبد الله بن خليفة آل ثاني، رئيس الوزراء

صندوق النقد الدولي            السيد إدواردو أنينات، مساعد المدير العام

البنك الدولي                     السيد شينغمان زانغ، المدير التنفيذي

المفوّضية الأوروبية            السيد رومانو برودي، رئيس المفوّضية

البنك الأوروبي للاستثمار     السيد فرنسيس ماير، نائب الرئيس

الصندوق السعودي للتنمية     السيد يوسف البسام، رئيس الصندوق

الصندوق الكويتي للتنمية      السيد بادر ميشاري الحميضي، المدير العام

الصندوق العربي للتنمية       الدكتور منذر القرقوري، مستشار اقتصادي

صندوق النقد العربي           الدكتور جاسم المنّاعي، رئيس الصندوق

     

 

  • كلمة الرئيس رفيق الحريري

      ألقى الرئيس رفيق الحريري كلمة لبنان أمام المؤتمر، شرح فيها الوضع من مختلف جوانبه وأسبابه، معدداً الإجراءَات التي اتخذتها الحكومة حتى موعد المؤتمر، وعارضاً البرنامج الهادف إلى خفض خدمة الدين العام:

 

     

 

 

 

حضرة الرئيس

أصحاب السمو الملكي، أصحاب السمو

حضرات رؤساء الحكومات

حضرات الوزراء

سيداتي وسادتي

 

 

      أتوجه بالشكر إلى الرئيس شيراك الذي بادر إلى الدعوة لعقد هذا المؤتمر. كما أشكر جميع الذين وافقوا على المشاركة فيه. إن وجودكم محط تقدير كبير لأنكم أتيتم من بعيد على الرغم من انشغالاتكم الكثيرة، لدعم جهود لبنان للإصلاح المالي وتحقيق النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

 

      في مطلع التسعينات، وضع اتفاق الطائف حداً لحرب دامت خمسة عشر عاماً استنزفت طاقات لبنان البشرية والمالية ودمّرت معظم بناه التحتية، فيما كان جزء من أراضيه يرزح تحت الاحتلال وربع سكانه مهجراً ومرافق الدولة معطلة أو خارجة عن سيطرتها.

 

      وقد واجهت السلطات اللبنانية في آن معاً تحديات هائلة على الصعد كافة: إعادة بناء الدولة ومؤسساتها التي كانت الحرب قد ألغت معظمها، وإعادة بناء البنية التحتية المادية والبشرية التي تضرّرت بشكل فادح, وإعادة تأهيل الخدمات الاجتماعية, وإعادة إحياء دور القطاع الخاص، إضافة إلى إعادة بناء القوات المسلّحة وقوى الأمن الداخلي.

 

      وما زاد من صعوبة هذه المهمة بلوغ الوضع الاقتصادي مرحلة متقدمة من التردي حيث تراجع إجمالي الناتج المحلي خلال سنوات الحرب بنسبة الثلثين. وكانت المديونية العامة في  نهاية العام 1992 قد بلغت 3 مليارات دولار ومجموع ايرادات الدولة لا يتجاوز 350 مليون دولار ونسبة العجز في موازنتها تفوق 50 في المئة من الإنفاق، ونسبة التضخم مئة في المئة ونسب الفائدة تتأرجح بين 30  و70 في المئة.

 

      وكان من نتائج هذا الوضع المتردي فقدان الثقة بالبلاد وبمستقبلها داخلياً وخارجياً, وانعدام الاستثمارات والتوظيفات وفرص العمل الجديدة, إضافة إلى اضمحلال الطبقة الوسطى في لبنان.

 

     

      ومع بدء عودة السلم الأهلي, أطلقت الدولة اللبنانية مسيرة إعادة البناء واستعادة الثقة والنمو. فسارعت إلى تأمين الاستقرار الاجتماعي عبر توفير الخدمات للسكان وتحسين مستوى معيشتهم وإعادة عشرات الآلاف من المهجرين إلى قراهم ومساعدتهم في إعادة بناء مساكنهم المدمّرة، ومعالجة المشاكل الاجتماعية والسكانية والاقتصادية التي تسبّب بها استمرار احتلال قسم من الجنوب اللبناني والبقاع الغربي. كما أعادت الدولة تشكيل قواتها المسلحة وقوى الأمن الداخلي، وهي قوىً لا غنى عنها في الحفاظ على الأمن والاستقرار في البلاد.

 

      كما قامت الدولة بإعادة إعمار البنى التحتية من شبكات مياه وكهرباء وهاتف ومطار ومرافئ ومواصلات إضافة إلى قيامها بترميم المدارس والمستشفيات وبنائها. وقد أطلقت الدولة برنامجاً لإصلاح هذه القطاعات الحيوية وإعادة تأهيلها من أجل تعزيز انطلاقة الاقتصاد اللبناني واستعادة نموه بما يسمح أيضاً بتعزيز واردات الخزينة.

 

      واليوم، وبعد عشرة أعوام من انطلاق هذه الجهود، قطع لبنان شوطاً كبيراً في التغلّب على تبعات الحرب وآثارها، ليستعيد دوره ومكانته الاقتصادية والحضارية في المنطقة العربية والمجتمع الدولي. ولن أدخل هنا في تفصيل كل ما تحقّق من إنجازات تعبر عن إرادة الحياة لدى اللبنانيين، فقد تسنّى للعديد منكم أن يُشاهد بعضها بأم العين خلال تشريفكم لنا بزيارات عديدة ومنها انعقاد القمتين العربية والفرنكوفونية. وإني انتهز هذه الفرصة لأدعوكم مجدداً لزيارتنا ومشاهدة التقدّم المطّرد الذي يشهده لبنان.

 

 

سيداتي، سادتي،

 

      لقد كانت لكل هذه الإصلاحات والمعالجات كلفة كبيرة.

 

      فعلى الرغم من التحسّن الكبير الذي طرأ على مدى السنوات الماضية على واردات الخزينة، وما أُتيح لها عن طريق الهبات والقروض الميسّرة، فإن الموارد الذاتية للدولة اللبنانية لم تكن كافية لمواجهة جميع حاجات البلاد، وقد اضطرت الحكومات اللبنانية المتلاحقة للجوء إلى استدانة اقتضتها الظروف السائدة آنذاك وكانت لآماد قصيرة وبفوائد مرتفعة.

 

      ومع  نهاية العام الحالي سيناهز إجمالي الدين العام اللبناني 31 مليار دولار، وهو مستوى غير قابل للاستمرار نظراً لبلوغ المعدّل الإجمالي للفوائد عليه 12 في المئة سنوياً مما يرفع خدمة هذا الدين إلى نحو 18 في المئة من إجمالي الناتج المحلي.

 

      باشرت الحكومة اللبنانية بدءاً من  نهاية العام 2000 انطلاقاً من وعيها للمشكلة، في تنفيذ برنامج للإصلاحات الاقتصادية يهدف إلى عكس مسار المديونية وتصحيح الوضع المالي واستعادة النمو إلى الاقتصاد اللبناني.

 

      وهذا البرنامج تم عرض خطوطه العريضة في مؤتمر باريس ‹‹1››، الذي عُقد هنا في شباط 2001. ومنذ ذلك الحين، أنجز عدد كبير من أهدافه. فقد جرى تحقيق خفض كبير للعجز في موازنة الدولة بمقدار عشرة في المئة من إجمالي الناتج المحلي، عبر إجراءَات مهمة اعتمدت لتخفيض مجمل بنود الإنفاق وترشيده وزيادة الواردات عبر عدة إجراءَات وإصلاحات كان من أهمها إدخال الضريبة على القيمة المضافة في مطلع العام 2002. وكان من شأن ذلك أن تحوّل العجز المزمن في الحساب الأولي للموازنة إلى فائض أولي بلغت نسبة التحسّن فيه أكثر من 10 في المئة من الناتج المحلي على مدى العامين المنصرمين. كما أطلقت الحكومة جملة إصلاحات بنيوية، وجرى إقرار تشريعات جديدة هدفت إلى تحرير التجارة الخارجية وحفز الاستثمارات ودعم دور القطاع الخاص بما في ذلك حفز المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. كما أُقر قانون لمكافحة تبييض الأموال أدى إلى شطب اسم لبنان من لائحة مجموعة "غافي" للدول غير المتعاونة. ووقّع لبنان اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي مرسخاً الروابط مع  أوروبا وقطع شوطاً في إجراءَات الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية. كما أنجز لبنان أيضاً جميع الإجراءَات الآيلة إلى تنفيذ برنامج خصخصة واسع النطاق.

 

      إلا أن المسألة الأساس التي ما زالت تواجه الاقتصاد الوطني تكمن في ارتفاع كلفة خدمة الدين العام ما يؤدي إلى استمرار تناميه، حيث ما زالت الكلفة المرتفعة لخدمة الدين العام تستنزف الفائض الأولي في الموازنة وتخلف عجزاً فيها. ولمعالجة هذه المسألة، وضعت الحكومة اللبنانية برنامجاً لخفض حجم الدين العام وخفض معدلات الفائدة السائدة، بما ينعكس إيجاباً على المالية العامة كما يحرر القطاع الخاص من الكوابح التي تمثلها كلف الفائدة المرتفعة عليه.

 

      إن برنامجنا هذا يرتكز إلى عدة محاور أساسية:

 

  • مواصلة خفض إنفاق الدولة، حيث تسجّل موازنة العام 2003 تراجعاً إضافياً في الإنفاق عن سابقتها بنسب تقارب 9 في المئة.

 

  • مواصلة تحسين الإيرادات، التي ستشهد زيادة إضافية بنسبة تفوق 16 في المئة في موازنة العام 2003 بالمقارنة مع سابقاتها. وبمحصلة هذه الإجراءَات سيشهد العجز في موازنة العام 2003 انخفاضاً إضافيّاً بمقدار 1،2 مليار دولار وهو تحسن نسبته 43 في المئة قياساً إلى العجز في العام 2002 ونحو 7 في المئة قياساً إلى إجمالي الناتج المحلي.

 

3-استكمال برنامج خصخصة واسع النطاق يشمل قطاعات الهاتف والكهرباء والمياه والمواصلات، ترافقه عمليات تسنيد.  إن من شأن ذلك أن يؤمن للدولة تدفقات مالية تبلغ 5 مليارات دولار توفر على الخزينة قرابة 700 مليون دولار سنوياً من خدمة الدين.  تجدر الإشارة، على سبيل المثال، إلى أن صافي إيرادات قطاع الاتصالات في موازنة العام 2003 سيتجاوز ما مجموعه 750 مليون دولار.

 

4-إنشاء صندوق خاص أُقر بقانون تُحوَّل بموجبه إلى هذا الصندوق جميع الواردات الناجمة عن عمليات الخصخصة والتسنيد إضافة إلى جميع الفوائض المحققة في الحساب الأولي للموازنة، لضمان تكريس هذه المبالغ حصراً لخدمة الدين العام وإطفائه.  وفي هذا الصدد فإن الحكومة تتعهد باتخاذ الإجراءَات الضرورية كافة لزيادة وارداتها وفي كل الظروف لتأمين جميع الالتزامات المترتبة عليها.

 

5-الحصول من الدول والمؤسسات المشاركة في اجتماعنا هذا على تسهيلات مالية طويلة الأجل وبفوائد معقولة، لتحل حصراً محل جزء من المديونية قصيرة الأمد وذات الفائدة المرتفعة.

 

  • بناءً عليه، سيأخذ مصرف لبنان المركزي والقطاع المصرفي إجراءَات تم تزويد صندوق النقد الدولي بتفاصيلها مؤخراً، وهي موضوعة، غب الطلب، بتصرف الدول والمؤسسات المشاركة في هذا المؤتمر للاطلاع عليها. إن هذه الإجراءَات ستوفر على خزينة الدولة اللبنانية مبلغاً مقداره 700 مليون دولار في العام 2003، موزعاً بين المصرف المركزي والقطاع الخاص، وهو وفر سينسحب على الأعوام التالية.

 

      إن الهدف المنشود من مجموعة إجراءَات الإصلاح هذه هو إخراج اقتصاد لبنان من الحلقة المفرغة بحيث يتحقق التوازن في الموازنة مع حلول العام 2006، وتنخفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي في ذلك الوقت، وحسب تقديراته الحالية، إلى أقل من مئة في المئة. 

      وهنا ألفت انتباهكم إلى أن إجمالي الناتج المحلي اللبناني، كما هو مقدر حالياً، يقل عن حجمه الفعلي كما ظهر من النتائج الأولية لبرنامج التعاون الإحصائي مع المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية (INSEE)الذي يقوم حالياً بالتدقيق في المقاييس المستخدمة لاحتساب إجمالي الناتج المحلي في لبنان.  وما زالت أعمال هذا المعهد جارية، إلا أننا أبلغنا، منذ الآن, أن إجمالي الدخل الوطني المتوفر للبنان يفوق إجمالي ناتجه المحلي بنسبة 20إلى 25 في المئة.

 

سيداتي، سادتي، 

 

      إننا نقف أمامكم هنا اليوم وقد طبقنا جميع الإجراءَات التي كانت بمتناول قدراتنا الذاتية، لنقول لكم إن لبنان لن يتمكن من الحد من تنامي الدين العام وخفض كلفة خدمته إلا إذا قرر المجتمع الدولي، الذي يلتئم ممثلوه الأرفع حول هذه الطاولة، أن يدعم إجراءَاته بمنحه تسهيلات تمويلية ذات فوائد معتدلة وآجال طويلة، تحل حصيلتها محل جزء من المديونية القائمة ذات الآجال القصيرة والفوائد المرتفعة.

 

      لقد احترم لبنان توقيعه على الدوام والتزم بتعهداته.  وهو متمسك بصدقيته وبالثقة التي وضعتها فيه مختلف الدول الشقيقة والصديقة والمؤسسات الإقليمية والدولية، والتي لم تتوان عن تقديم الدعم والمساعدة للبنان والتي نعبر لها عن شكرنا وتقديرنا.

 

      في هذا المجال، إننا نود أن نعبّر عن تقديرنا للدعم والنصح والمساعدات التقنية التي تلقاها لبنان من صندوق النقد الدولي، ونحن نثمن الحوار المستمر والمثمر بيننا وبين إدارة الصندوق ونتمنى أن يتعمّق هذا الحوار في المستقبل.

 

      إن لبنان يتعهد باحترام برنامج الإصلاحات الاقتصادية الذي عرضت خطوطه العريضة والذي تجدون تفاصيله في المذكرة التي سلمت إليكم.

 

سيداتي، سادتي، 

 

      إن لبنان يقف عند مفترق طرق.

 

      وهو بمساهمة من المجتمع الدولي سيتمكن من تدعيم مكتسباته، واستكمال إصلاحاته الاقتصادية بنجاح ليشكل من جديد قطب استقرار واعتدال في منطقة تجتاحها أزمات خطيرة.

 

      إن دعمكم في السابق يشجعني على الاعتقاد أنكم ستستجيبون إلى نداء الحكومة والشعب اللبناني، وستوفرون لهما الدعم اللازم على مستوى النهوض الاقتصادي والمالي.

 

      أخيراً، اسمحوا لي أن اوجه الشكر الخاص، وباسم جميع اللبنانيين، إلى  الرئيس شيراك وإلى فرنسا لتنظيمها هذا المؤتمر الدولي.

 

      كما أود تكرار شكري لجميع رؤساء الدول والحكومات الذين شرّفونا بالمشاركة شخصياً في هذا الاجتماع، إضافة إلى جميع الوزراء والشخصيات الحاضرين هنا، وأخص بالذكر الأخوة العرب والمسلمين الذين تحملوا مشقة السفر في شهر رمضان المبارك.  لكم جميعاً الامتنان والشكر والتقدير من الشعب اللبناني ومن فخامة رئيس الجمهورية ودولة رئيس المجلس النيابي ومن الحكومة اللبنانية.

 

 

  •   كلمة مكتوبة لمساعد وزير الخارجية الأميركي ويليام بيرنز

      صباح الخير. اسمحوا لي، سيدي الرئيس أن استهل ملاحظاتي، نيابة عن الرئيس بوش والوزير باول, بالإعراب عن تقدير مبادرتكم الشخصية إلى تنظيم هذا المؤتمر. إن لبنان محظوظ باتكاله على فرنسا كصديق وحليف قوي؛ وكذلك هي الولايات المتحدة. قبل أيام قليلة وفي اجتماع في البيت الأبيض، أثنى الرئيس بوش لرئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري على جهود الإصلاح الاقتصادي التي بذلتها حكومته حتى الآن. وقد سجل الرئيس في ذلك الحين، وأنا أكرر ذلك الآن، ترحيب الولايات المتحدة بالخطوات الإيجابية التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لمعالجة ماليتها العامة والتي حددتها في آخر وثيقة لها.

 

      في كل مرة أعود فيها إلى بيروت يدهشني، كما كل الزوار بالتأكيد، انبعاث هذه المدينة مجدداً. إنها شهادة لما تتمتع به الحكومة ومواطنوها والقطاع الخاص من حيوية ورؤية، وهي استمرار لهذه الشراكة التي تسعى الولايات المتحدة إلى تشجيعها.

 

      وعلى الرغم من دعمنا أهداف برنامج الإصلاح الاقتصادي الجاري في لبنان، نعترف بأن هنالك خطوات إضافية ضرورية لتخفيف عبء دين لبنان العام، وإرساء قواعد متينة لاقتصاد وطني منتج ومستديم لمصلحة كل اللبنانيين. اننا نرحب بالإشارات الأخيرة لاستعداد القطاع المصرفي في لبنان المساهمة في تعزيز المالية العامة للبلاد من خلال خفض معدلات الفائدة على الدين المتوجب له حالياً. إنها خطوة حيوية في الاتجاه الصحيح ونحن نتطلع قدماً لمعرفة المزيد من التفاصيل.

 

      إننا نشجع لبنان على العمل بأوثق ما يمكن، مع صندوق النقد الدولي بغية تدعيم إصلاحات شاملة وضمان أن تلبي كل الإجراءَات المتخذة احتياجاته بالكامل. إن تعاوناً وثيقاً كهذا سيوفر مستوى أكبر من الضمانة للبنانيين والمجتمع الدولي على حد سواء، بأن برنامج الإصلاح في لبنان قادر على النجاح. وبالفعل رأى الكثير من البلدان أن الهيكلية والانضباط اللذين يترافقان مع برنامج صندوق النقد الدولي، مهمان ومساعدان على رفع التحديات الاقتصادية بشكل فعال. وعندما يصبح لبنان مستعداً لاتخاذ تدابير اضافية ضرورية لتحقيق مالية عامة مستدامة، سنشجع لبنان عندئذ على توقع برنامج قوي لصندوق النقد الدولي.

 

      وشدد الرئيس بوش في اجتماعه مع الرئيس الحريري في واشنطن الإثنين الفائت، على دعم الولايات المتحدة القوي لأهداف لبنان في باريس ‹‹2››. كما أوضح الرئيس أن الولايات المتحدة ستستمر في برنامجها الثنائي لمنح مساعدة إلى لبنان بقيمة 35 مليون دولار سنة 2002. وسنستمر في العمل مع الحكومة اللبنانية وصندوق النقد الدولي لتطوير سياسات اقتصادية قوية توفر أرضية لاستقرار اقتصادي ومالي في لبنان.

 

      إن استقرار لبنان وأمنه وازدهاره أمور مهمة للشرق الأوسط وللولايات المتحدة. ان الأمل الاقتصادي يشكل جزءاً أساسياً لمستقبل أفضل بالنسبة إلى شعب لبنان وشعوب المنطقة. إننا مصممون على القيام بكل ما في وسعنا لمساعدة لبنان على تجديد هذا الشعور بالأمل وجعله حقيقة.

 

 

  •   كلمة مكتوبة للمدير العام المساعد لصندوق النقد الدولي إدوارد أنينات

      سيدي الرئيس، أصحاب السعادة: بادئ ذي بدء أود أن أُعرب عن امتناني لوجودي هنا. خلال السنتين الماضيتين، اتّخذ لبنان عدداً من الخطوات الهامة باتجاه معالجة مشاكل الاقتصاد الكلي الراسخة. ومما لا شكّ فيه أن هذا الوضع صعب، فبعد عقد من العجز المالي بمعدّل 18بالمئة من الناتج المحلي  الإجمالي، أصبح الدين العام مصدر قلق رئيسياً وأدى إلى ارتفاع نسب الفوائد إلى أعلى المستويات.

 

      وتسعى حكومة رئيس الوزراء رفيق الحريري، التي تولت الحكم أواخر العام 2000، إلى تحفيز النمو والاهتمام بمشكلة عدم توازن الاقتصاد الكلّي. وتضمّ السياسات الهادفة إلى حفز النمو، تخفيضاً في رسوم الاستيراد وفي مساهمات أرباب العمل في الضمان الاجتماعي، وتحرير الاستثمارات الأجنبية في قطاعي العقارات والمصارف. وكانت التطورات الأخيرة مُشجّعة. فمنذ حزيران 2002، تحسن الأداء الاقتصادي وازدادت الثقة. و يدلّ هذا على الاهتمام الإقليمي المُتجدّد بلبنان كوجهة سياحية وكمركز لاستثمارات الأوراق المالية والعقارات. وبدأ النشاط الاقتصادي يزداد كما ارتفع الطلب على الأموال، وتحوّل ميزان المدفوعات فائضاً.

 

      وبدأت السلطات الاهتمام بعدم التوازن الضريبي، مخفّضة عجز الموازنة في العام 2001 و2002. ومن المتوقع أن يتراجع العجز الضريبي، الذي كان نحو 25 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي في العام 2000، ليصبح أقل من 16بالمئة في العام 2002. كما من المتوقع أن يُظهر الميزان الضريبي الأولي فائضاً يبلغ 2.5بالمئة من إجمالي الناتج المحلي في العام 2002.

 

      ووصل الدين العام إلى 31 مليار دولار أميركي أي 180 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي. وأدى العجز المتنامي، إضافة إلى الحاجة لتحريك تاريخ استحقاق الدين، إلى تفاقم المشاكل المالية. وإزاء صعوبة النفاذ إلى أسواق رؤوس الأموال، اعتمدت السلطات بشكل أساسي على تمويل المصرف المركزي مع ما يترتب على ذلك من تدهور الاحتياطي الرسمي. وقد بلغ هذا الاحتياطي الآن مستوى يبرز مدى تأثره بسياسة السلطات.

 

      وتهدف استراتيجية السلطات للعام 2003 وعلى المدى المتوسط إلى خفض الدين العام وخدمته، وإعادة النمو. وكما هو مفصّل في الوثيقة التي قُدّمت، تتضمن هذه الاستراتيجية توحيد ضريبي وإصلاحات هيكلية وتأمين تمويل  بمبالغ كبيرة غير مولّدة للدين. وتكون مصادر هذا التمويل برنامج خصخصة طموح وعمليات التسنيد، إضافة إلى مساعدة مالية كبيرة بشروط ميّسرة, تتيح انخفاض نسب الفوائد وزيادة احتياط النقد الأجنبي. وستُقلّل نسب الفوائد المنخفضة من عبء خدمة الدين.

 

      ووضع موظفو صندوق النقد الدولي, بالتعاون الحثيث مع السلطات, مخططاً توضيحياً لاستراتيجيتهم لسنوات خمس. يتلخص هذا المخطط في دمج التسوية الضريبية والموارد من المانحين، وعمليات الخصخصة مما سيضع نسبة الدين العام على طريق الانحدار، لتصل إلى حدود 140بالمئة من إجمالي الناتج المحلي في العام 2007، في الوقت الذي يمكن فيه المحافظة على احتياطي النقد الأجنبي في مستوى مناسب.

 

      اذا ما نفذت هذه الاستراتيجية بنجاح، وتعززت ثقة بالسوق، فإن مخزون الدين وسرعة تأثّر لبنان سينخفضان بصورة تدريجية. ستكون هذه خطوة على الطريق الصحيح.

 

      إلا أن استراتيجية الحكومة تواجه تحديات عديدة, وهي تعتمد بشدة على مستوى التمويل. فإذا كان التمويل بعد ذلك أقلّ حجماً، أو أكثر كلفة، فإن الدين العام قد يستقر بصورة مؤقتة.

 

      ثانياً، تعتمد الاستراتيجية على قدرة الحكومة على تأمين فائض ضريبي أولي والحفاظ عليه على المدى المتوسط, بنسبة تفوق ضعف النسبة المخطّطة لعام 2003تعتبر هذه التسوية الضريبية طموحة.

 

      ثالثاً، إنها تفترض انخفاضاً كبيراً في نسب الفوائد، وهذا يتطلّب وقتاً ليتحقق.

 

      رابعاً، إنها تعتمد بشكل أساسي على تحسن النمو. ونحن على اتفاق مع السلطات على أن استعادة النمو المستديم هو أمر جوهري.

 

      أخيراً، تفترض هذه الاستراتيجية بقاء مستوى الدين العام مرتفعاً لسنوات عدة مما يعرضها إلى مخاطر عدّة.

 

      وفي نقاشنا مع السلطات، شددت إدارة وموظفو الصندوق على ضرورة مواجهة هذه التحديات. ولهذه الغاية، أوصينا السلطات أن تعمد إلى وسائل لتسريع عمليات الخصخصة. ونحن نُرحّب بإقرار القانون الذي يهدف إلى التأكد من أن المساعدات بالشروط الميسّرة ستستخدم فقط لتخفيض قيمة الدين. كما ناقشنا مع السلطات السبل التي يمكنها اعتمادها لدعم استراتيجيتها عبر استخدام مجموعة من سياسات الاقتصاد الكلي والسياسات المالية الأخرى الموضوعة خصيصاً لهذا الغرض.

 

      ومن الضروري المحافظة على زخم عمليتي الإصلاح والخصخصة. ونحن، في صندوق النقد الدولي، نتطلّع قُدماً إلى مواصلة ارتباطنا بالسلطات اللبنانية وتمتينه. ونحن مستعدون للقيام بذلك في إطار مسيرة بنّاءة، كما دلّت عليها روحية هذا المؤتمر أي المساعدة على مواجهة التحديات المقبلة.

 

وشكـــــراً.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  • المؤتمر الصحفي

 

      اثر انتهاء أعمال مؤتمر "باريس -2"، عُقد مؤتمر صحفي شارك فيه اضافة إلى الرئيس رفيق الحريري، كلٌ من الرئيس الفرنسي جاك شيراك ورئيس الوزراء الكندي جان كريتيان ووزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل ورئيس المفوضية الأوروبية رومانو برودي, جاء فيه:

 

      الرئيس الفرنسي جاك شيراك:حضرات السيدات والسادة. لقد اجتمع أصدقاء لبنان هذا الصباح لتشجيع لبنان وحكومته على تطبيق برنامج جاد وصلب وشجاع للغاية، كما اعتبره كل المشاركين. الكل يعرف وضع لبنان ووضع المنطقة. لقد عانى لبنان 15 سنة من الحرب من دون تضامن دولي حقيقي غداة هذه الحرب. وقد بذل جهوداً هائلة لإعادة بناء بلده وإدارة المجتمع اللبناني في ظروف مناسبة. وبالتالي، كان لا بدّ للبنان أن يطلب قروضاً كانت قصيرة الآجال وبفوائد مرتفعة. وكانت النتيجة أن الوضع الحالي في لبنان وضع غير مستقر ويعاني بعض الخلل. بالطبع إن سمعة لبنان، ولا سيّما أنه دائن ممتاز، يحترم دائماً التزاماته، هذه السمعة الجيدة سمحت له أن يحافظ على موقع مستقر، مع أن هذا الوضع خطير نسبياً, وبالتالي من المشروع ومن الطبيعي بالنسبة إلى أصدقاء لبنان أن يهيئوا أنفسهم لكي يقدّموا إلى هذا البلد مساعدة تسمح له بأن يُخفِّض كلفة الديون التي يرزح تحتها. وذلك سوف ينعكس على إيرادات لبنان وعلى موازنته العامة.

 

      وهناك سبب آخر وراء هذا الاجتماع, كلنا يدرك أن هذه المنطقة من العالم تمر في مرحلة صعوبات خطيرة، أكان الوضع يتعلق بالشرق الأوسط أم بالاحتمالات المختلفة المتعلقة بنزع أسلحة الدمار الشامل الضروري في العراق. هناك إذاً الكثير من الشكوك ومخاطر عدم الاستقرار. لذلك أكرر أن كل ما يُعزِّز عدم الاستقرار هذا هو خطير وبالتالي يجب أن نبذل قُصارى الجهد لتجنبه. أما كل ما يُعزز الاستقرار فهو يذهب في الاتجاه الصحيح أي في مصلحة كل شعوب هذه المنطقة. لذلك فكّرنا أنه يجب ألا نخاطر في إضافة أزمة مالية محتملة إلى الأزمات السياسية والعسكرية التي نشهدها وللأسف في هذه المنطقة من العالم. وهذا ما دفع أصدقاء لبنان إلى تهيئة أنفسهم. فاجتمع الأصدقاء التقليديون لهذا البلد،  من جهة عدد من الدول العربية وعلى رأسها كالعادة المملكة العربية السعودية السخية دوماً والتي يمثلها هنا سمُوّ الأمير سعود الفيصل، إضافة إلى الجهات التي تمثّل الصناديق العربية للاستثمار وصندوق النقد العربي؛ واجتمع من جهة أخرى الاتحاد الأوروبي وأبرز البلدان التي تمثله. والصعوبة التي واجهناها هنا هي القاعدة التقليدية والتي يمكن أن ننتقدها ربما ولكنها تبقى تقليدية والتي تقضي بوجود موافقة مسبقة لصندوق النقد الدولي على برنامج معيّن قبل تقديم المساعدات. غير أن عدداً من الدول التي ذكرتها قد غضّت الطرف عن هذه القاعدة التقليدية التي لديها من دون أدنى شك بجدواها ولكن، تبيّن في هذا الوضع بالذات أنها قد تكون غير ملائمة، للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في المنطقة المعنية, نظراً لإلحاح المساعدة والدعم المطلوبين للاقتصاد اللبناني. ولدينا أيضاً أصدقاؤنا الكنديون، السيد جان كريتيان كان هنا حاضراً دوماً حين يقتضي الأمر تقديم مساعدة سخية، وأود أن أغتنمها فرصة لأتقدم منه بالشكر؛ وأشكر أيضاً أصدقاءنا اليابانيين الذين كانوا موجودين، فضلاً عن المؤسسات المالية الكبرى العربية، وسبق وذكرتها، والدولية أيضاً كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والبنك الأوروبي للاستثمار, وهذا الأخير، على غرار البنك الدولي، قد بذل جهوداً كبيرة لإنجاح هذا المؤتمر.

 

      إذن اجتمعنا، تناقشنا وقمنا بجولة على مختلف الأمور؛ وقد أُعد لهذا الاجتماع بالطبع. بعد ذلك، توصلنا إلى نتائج ايجابية, في ما يتعلق بالالتزامات المالية أو بالتزامات أخرى تتعلق بمشاريع معينة ووصلنا إلى مجموع يناهز 4.2 أو 4.3 مليارات دولار أو يورو. وسنعطيكم في وقت لاحق تفاصيل هذه الأرقام، فالأمانة العامة الخاصة بهذا المؤتمر تُعدّ حالياً نشرة مفصّلة عن الالتزامات التي تعهّد بها كل من الأطراف. بالطبع، الالتزام الأكبر كان من المملكة العربية السعودية. لقد شكرت بحرارة الأمير سعود الفيصل، وطلبت منه أن ينقل إلى خادم الحرمين الشريفين والى ولي العهد عربون امتناننا وصداقتنا. هذا ما أردت قوله بإيجاز قبل أن أعطي الكلمة إلى رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري لكي يدلي بدلوه في هذه الجلسة, وبعد ذلك سنجيب عن بعض الأسئلة.

 

      الرئيس رفيق الحريري:  شكراً فخامة الرئيس. أود أن أكرّر شكري وشكر الشعب اللبناني على كافة الجهود التي بذلتها فرنسا  وبذلها كافة المشاركين الذين جاؤوا من أمكنة بعيدة لكي يدعموا الوضع الاقتصادي اللبناني. إن لبنان بلد قد عانى كثيراً من الحرب، وواجه صعوبات اقتصادية لاسيما في مرحلة ما بعد الحرب. وقد بذلنا قصارى الجهد لإعادة بناء بلادنا واقتصادنا، وحالياً نحن نواجه مشاكل. ونرى جميعاً أن أصدقاءنا من كل أصقاع العالم قد حضروا إلى باريس ‹‹2›› لدعمنا ومساعدتنا. لقد بذلوا كل ما في وسعهم, النتائج كما أشار إليها الرئيس الفرنسي كانت أكثر من 4 مليارات دولار، 3 مليارات منها سوف تخصص مباشرة للخزينة اللبنانية, وأكثر من مليار دولار، نحو 1.3 مليار ستُخصّص للمشاريع التي باشر بها لبنان والتي أطلقها البنك الدولي وسائر الصناديق الدولية. هذا إلى جانب كل المشاريع التي بوشر العمل بها قبل عقد هذا المؤتمر.

 

 

      إذاً نحن الآن نتكلم عن مشاريع جديدة, ومجموع الأرقام يراوح بين 4.3 و 4.4 مليارات دولار. لذلك أود أن أشكر فرنسا على كل جهودها، وأن أشكر كذلك المملكة العربية السعودية وكندا. واود أن أخص بالشكر رئيس الوزراء الماليزي الذي حضر من بعيد للمشاركة في الاجتماع. ونعرف أن بلده قد ساهم أيضاً بمبلغ مهم جداً. ونعلّق على ذلك أهمية كبرى، لا سيما في ضوء الأزمة الاقتصادية التي تمرّ بها ماليزيا. يجب أن يستمر لبنان بالإصلاحات الاقتصادية التي اعتمدتها الحكومة، والتي دعمها البرلمان اللبناني ورئيس الجمهورية اللبنانية وكل الطبقة السياسية في البلاد. وهناك بلدان أخرى، كما سبق للرئيس الفرنسي أن شرح، مستعدة لأن تقدّم المزيد من الأموال، مع أنها لم تقدّم المال في باريس ‹‹2››، لكنها مستعدة للقيام بذلك في حال التوصّل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي. من جهته, لبنان على استعداد للاستمرار في المفاوضات والحوار مع صندوق النقد الدولي. نحن منفتحون، ولكن علينا أن نحترم تقاليدنا وأن نحرص على الحفاظ على مصداقيتنا وعلى ثقتنا ببلدنا وبالشعب اللبناني. ولا يخفى على أحد أن لبنان واللبنانيين لطالما احترموا التزاماتهم، حتى في الأيام الحالكة خلال الحرب وبعدها، وسنستمر في احترام التزاماتنا.  هذا موقف ثابت، ليس فقط من قِبَلي ومن قبل حكومتي، ولكنه جزء من التقاليد اللبنانية. شكراً.

 

      كلمة رئيس الوزراء الكندي جان كريتيان: شكراً دولة الرئيس. شكراً فخامة الرئيس, حضرات الزملاء، إن هذه المبادرة بالغة الأهمية، وأعتقد أننا جميعاً نُقرّ أنه مكان في العالم حيث من الضروري المساهمة بالاستقرار في هذا الجزء من العالم الذي يواجه اوضاعاً صعبة. تعلمون من دون شك أن كندا تشارك دوماً في مساهمات من هذا النوع. وأعتقد أن الاقتراح الذي تمّ التقدم به اليوم سوف يُساهم في حل المشكلة القائمة. لطالما ساهمت كندا في منظمات متعددة الأطراف تمثل عدداً من البلدان ولطالما عمدت إلى مساعدة البلدان التي تواجه صعوبات مالية. فقد قدّمنا مساعدات مالية منذ بضع سنوات إلى المكسيك التي سدّدت هذه المبالغ. الأمر سيّان بالنسبة إلى البرازيل، ومؤخراً شاركنا في دعم تايلاند وهي الآن في صدد تسديد هذه الأموال. وفي الروحية نفسها، نساهم حالياً في تعزيز الاستقرار المالي في لبنان. وكما قال رئيس الوزراء، وصلت المساهمات إلى ثلاثة مليارات دولار ستُخصّص للخزينة اللبنانية. وحين يتم التوصل إلى اتفاق نهائي مع صندوق النقد الدولي، ستعمد بلدان أخرى إلى المساهمة بمبالغ إضافية من شأنها أن ترفع المساهمة في الخزينة إلى ما يناهز خمسة مليارات دولار كان يأمل لبنان في الحصول عليها.

 

      إذن، أرادت كندا أن تُساهم في هذه المرحلة هنا، ومساهمتنا ستكون وفقاً للطبيعة النهائية ومن خلال صندوق النقد الدولي وستراوح ما بين مئة ومئتي مليون دولار. ويسعدنا أن يتمكن بلدنا من المساهمة في هذا المشروع.

 

      كلمة وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل: شكراً فخامة الرئيس. ويؤسفني ألا أتمكن من التكلم باللغة الفرنسية ولا أريد أن أُشوّه لغة موليير ولاسيما في فرنسا, وأخسر تعاطف كل الشعب الفرنسي. ولكنني فخور جداً بمشاركتي في هذه المجموعة الموقّرة. وأغتنمها فرصة لأشكركم على دعوتي للمشاركة في هذا الاجتماع. لم أتوقع أن تكون مشاركتي هنا للإجابة عن الأسئلة، بل لأضيف بعض النكهة على هذا الجمع. وأعتقد أن النتائج التي أُحرزت اليوم، أُحرزت بفضل جهودكم الحثيثة فخامة الرئيس شيراك، وأن الشرق الأوسط سيكون ممتناً لكم وسيتمكن من تعزيز استقراره بفضل جهودكم. وهكذا يمكن تحقيق الاستقرار في المنطقة. وما يدفئ قلوبنا هو التزام الدول العربية والدول الإسلامية، هذا الالتزام الذي تُرجم في اجتماع باريس ‹‹2›› من خلال الدعم الذي قدمته الدول العربية والدول الإسلامية. وأود أن أرحّب بالسخاء الذي بيّنته هذه الدول. نحن نتوقع الكثير من التزامات الاتحاد الأوروبي وغيره من البلدان التي ساهمت في هذا المؤتمر. بشكل عام، نحن نعتبر أن لبنان يمتلك أصدقاء كثراً ونأمل أن يمكّنه ذلك من تحقيق نقلة نوعية نحو مستقبل أفضل. هذا المستقبل الذي يحق له بفضل الجهود الحثيثة التي بذلها الشعب اللبناني، وأيضاً بفضل العمل الدؤوب الذي قامت به الحكومة اللبنانية وبرئاسة رئيس الوزراء وبفضل رغبة الشعب اللبناني بالنجاح.

 

      كلمة رئيس المفوضية الأوروبية رومانو برودي: شكراً، لن أضيف الكثير. فأنا أوافق على كل ما تقدم به الزملاء. وأود التأكيد أن المفوضية الأوروبية تدعم سياسة الرئيس الحريري في الإصلاح. فقد سبق ووقعنا اتفاق الشراكة الذي يرتدي أهمية اقتصادية كبرى لأنه يفتح السوق الأوروبية أمام الصادرات اللبنانية، وهذا يلعب دوراً أساسياً في تأمين استدامة التنمية الاقتصادية في لبنان. وبالعودة إلى مؤتمر باريس ‹‹2››، قمنا بتعبئة كافة الموارد الموجودة في الاتحاد الأوروبي، وفي إطار مشروع ‹‹ميدا››   للعامين 2002- 2003، أمنَّا نحو 5 ملايين يورو و350 مليون يورو من البنك الأوروبي للاستثمار بغية تعزيز الإصلاح الهيكلي والقطاع الخاص. لكن بالنسبة إلى الناحية الأخرى، وهي الأهم من وجهة نظر اجتماع اليوم، وأعني المساعدة الاقتصادية الكلّية، نحن على استعداد لتقديم المساعدة في إطار برامج صندوق النقد الدولي، كما سبق وذكرنا. ونحن على أتم الاستعداد للعمل مع البلدان الأوروبية بالتوافق مع صندوق النقد الدولي.

 

      ورداً على سؤال عمّا إذا كان هنالك قرار سياسي استراتيجي لمساعدة لبنان أجاب الرئيس شيراك :

      إجابتي هي نعم. فعلى الصعيد الدولي أدركنا أمرين. سبق وذكرت الأمر الأول، وهو أن الاستقرار في هذه المنطقة من العالم يفترض أن يتنبّه كل فرد إلى مختلف المخاطر وأن يتضامن لمواجهة هذه المخاطر. وبالتالي، من الطبيعي ومن المشروع أن نبدي تضامننا مع لبنان. النقطة الثانية، والتي أعتبرها أكثر أهمية بالنسبة إلى معظم البلدان، ولا سيما البلدان من خارج هذه المنطقة، هي أننا نلمس اليوم شعوراً قوياً من الثقة بالحكومة اللبنانية. وقد تعزّز هذا الشعور على مر السنوات. وأنا هنا لا أتكلم عن الخطابات، بل أتكلم عن الوقائع. فالأسرة الدولية بأكملها، كما أشار إلى ذلك السيد جان كريتيان وأيضاً ممثل المفوضية الأوروبية، تعلّق أهمية كبيرة على الثقة بالحكومة اللبنانية التي يرأسها السيد الحريري, لأن الإجراءَات والخطوات التي اعتمدها تتكيّف مع الوضع القائم، وهي خطوات ذكية أثبتت فعاليتها. ولأنه ليس من خطوات ممكنة أخرى، فمن المشروع أن تُبدي الأسرة الدولية تضامنها. ونظراً للوضع الإجمالي وللثقة التي نوليها للحكومة اللبنانية الحالية، فإن التضامن قائم وقائم بقوة.

 

 

      ورداً على سؤال عمّا إذا كان هنالك تفكير بعقد مؤتمر "باريس -3"،  أجاب الرئيس شيراك :

      "باريس -2"  هو خطوة مهمة جداً في الاتجاه الصحيح, وتنفيذ ما صدر عن "باريس -2"  لدعم سياسة حكومة الرئيس الحريري سيؤدي، على ما نظن، إلى نتائج إيجابية.  بالطبع، ستكون كل النتائج إيجابية ولكننا نعتقد أنها ستكون ايجابية جداً، و سيكون علينا, على الأرجح, أن نقيّم ما نتوصل إليه وأن نكيفه بعد ذلك مع الإطار التضامني الدولي.  لم نتخذ أي قرار بهذا الشأن حتى الآن ولكن من جهتي أحبّذ، ربما بعد 6 أو 9 أشهر، أن نتمكن من عقد اجتماع جديد يخولنا رؤية إلى أين وصلنا وما هي التكييفات أو التعديلات التي يجب أن ندخلها على هذا التضامن الدولي.  إذاً لم نتخذ بعد قراراً بهذا الشأن ولكنني أحبذ هذه الفكرة وأعتقدها مفيدةً.

 

 

      وقال الرئيس الحريري:  ‹‹الرسالة التي يبعث بها هذا المؤتمر إلى لبنان والى العالم بأسره هي أن لبنان ليس وحيداً، لبنان بلد لديه الكثير من الأصدقاء عبر العالم. وحين نعمل بشكل صحيح سيقدّر الجميع عملنا وبالتالي سوف تقبل البلدان الأخرى بتقديم القروض لنا وتعمل معنا يداً بيد، وهذا تماماً ما قامت به. أقدر كثيراً الجهود التي بذلها جميع المشاركين في هذا المؤتمر. ونحن ملتزمون بالمضي قدماً في الإصلاحات، كما نلتزم بضمان الاستقرار وتأمين السلام في المنطقة وبتطبيق البرنامج الذي اعتمدته الحكومة والبرلمان اللبناني.  من جهة أخرى، سنحاول التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي لكي يتمكن مشاركون آخرون من إضافة مساهماتهم، أو مساعدة لبنان مباشرةً في إطار برنامجه الإصلاحي.  إنها رسالة قوية تبعثها الأسرة الدولية مفادها أنه حين يقوم لبنان بما عليه القيام به، عندها سيحظى بدعم الأسرة الدولية.  هذا أمر مطمئن بالطبع، هذا ما نسمعه في  أوروبا وسمعناه أيضاً من كندا وماليزيا وغيرها من أعضاء الأسرة الدولية، وهذا أيضاً ما قاله لنا العالم العربي الممثل في هذا الاجتماع بالمملكة العربية السعودية››. 

 

      س:  هل تشعرون بالرضى إزاء المبالغ التي حصلتم عليها؟ بعض اللبنانيين يقول إن هذا الحل لن يحل المشاكل الداخلية التي يعانيها اللبنانيون.  ما رأيكم بذلك ومإذا تجيبون؟  وسؤالي إلى الرئيس شيراك: ما هو موقفكم في وقت تحضِّر فيه الولايات المتحدة للهجوم على العراق، وتعمل فرنسا لمساعدة دولة عربية أخرى؟

 

      الرئيس شيراك: من المشروع أن تعمل فرنسا من أجل قضية جيدة، لا سيما لمصلحة السلام والاستقرار، خصوصاً حين يتعلّق الأمر بأصدقاء فرنسا وفي الصف الأول لبنان. هذا برأيي يبرر موقف فرنسا.  أعطي الكلمة إلى رئيس الوزراء اللبناني...

 

      الرئيس الحريري:  تعرفون أننا في لبنان بلد ديموقراطي.  البعض يوافق على ما نقوم به في حين يعارض البعض الآخر، ولكن ثمة إجماعاً في البلاد حتى من قبل المعارضة التي تعتبر أن جهود باريس ‹‹2›› والنتائج التي حصلنا عليها للتو سوف تلقى ترحيباً من قبل الجميع وبدون استثناء. أما معرفة ما إذا كان باريس ‹‹2›› سيحلّ المشاكل، فنحن لم ندّعِ ذلك أبداً. جُلَّ ما قلناه هو أن اجتماع باريس ‹‹2›› بدعم من فرنسا ومن الرئيس شيراك بالأخص سيدعمنا في تطبيق إصلاحاتنا الاقتصادية، ومن دون هذا الدعم سيكون من الصعب لا بل من المستحيل أن نطبّق هذه الإصلاحات. في باريس ‹‹2›› سبق وقلنا إن لبنان مستعد لبذل كل الجهود للإصلاح الاقتصادي ولكننا لن ننجح لوحدنا.  نحن بحاجة إلى دعم الأسرة الدولية.  وقالت لنا الأسرة الدولية، في شباط 2001، اعملوا بالاتجاه الصحيح وسوف نرى. وها نحن هنا اليوم، لقد التزمنا بالعمل في الاتجاه الصحيح وقد رأينا النتائج اليوم. وكما قال فخامة الرئيس، بعد بضعة أشهر، ربما نعقد اجتماعاً لإعادة النظر في الوضع القائم لنرى إن كان بإمكاننا أن نحسنه من خلال المزيد من المساهمات من أصدقائنا عبر العالم.  ومما لا شك فيه أن بعض البلدان قد تبرع بمبالغ كبيرة مثل المملكة العربية السعودية وغيرها وهناك بلدان أخرى قالت إنها ستدفع الآن ولكنها مستعدة لدفع مبالغ أكبر إذا ما توصّلنا إلى تفاهم مع صندوق النقد الدولي, وهناك بلدان أخرى قالت إنها لا تدفع حالياً ولكنها مستعدة للدفع لاحقاً إذا ما تم التوصل إلى تفاهم مع صندوق النقد الدولي.  هذا هو الوضع الراهن. أنا فخور جداً بالنتائج التي أحرزناها، كما أنني فخور بالعمل الذي قام به اللبنانيون وفريق العمل وأنا أيضاً ممتن لدعم الطبقة السياسية وعلى رأسها رئيس الجمهورية اللبنانية وأيضاً رئيس مجلس النواب السيد برّي. 

 

      ورداً على سؤال حول شكل المليارات الثلاثة التي ستخصص للخزينة؟  هل هي على شكل أيداعات أو قروض وما هي نسبة الفوائد, أجاب الرئيس الحريري :

 

      ‹‹من المؤكد أن نسبة الفائدة ستكون أقل من النسب التي ندفعها حالياً.  الفرق شاسع.  لكن الأمر رهن بكل بلد، هناك ايداعات مباشرة وهناك مساهمات من خلال الاكتتاب بسندات الخزينة.  كل هذا سيقلّص خدمة الدين العام في لبنان.  كما سيساعد ذلك في خدمة الديون الأخرى بكلفة أقل. هذا هو العمل الذي تقوم به وزارة المالية مع البنك المركزي والمصارف الخاصة المستعدة لدعم هذه الجهود الدولية بغية التوصّل إلى حلٍّ ودّي لتقليص خدمة الدين في لبنان.  النتائج التي توّصلنا إليها في باريس ‹‹2›› جيّدة، وسخيّة جداً.  ويمكنني القول إن مؤتمر باريس ‹‹2›› قد نجح على مختلف الأصعدة››.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  • البيان الذي وزعه صندوق النقد الدولي بمناسبة عقد مؤتمر باريس ‹‹2››

 

1 - خلال السنتين الماضيتين باشر لبنان عميلة تصحيح اختلال التوازن الذي يعاني منه الاقتصاد الكلّيفي البلاد بهدف تشجيع النمو المستدام. وترتدي هذه الأهداف أهمية لأن الدين العام بات يشكل عقبة للاقتصاد الكلي, بعد مرور سنوات عديدة من عجز في الموازنة وصل إلى 18 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي خلال العقد الأخير. حدّت استدانة الحكومة لخدمة الدين من الاستثمارات الخاصة والنمو، كما استنزفت احتياطي المصرف المركزي بالعملات الأجنبية وعرّضت الاقتصاد إلى خطر فقدان الثقة.

 

 

  • خـلفيـة

 

2- تعود أسباب مشاكل لبنان المالية الحالية إلى إنفاق الحكومة في فترة ما بعد الحرب الأهلية (1975-1990). وقد ارتبطت زيادة الإنفاق هذه بعمليات إعادة البناء أو تأهيل البنية التحتية المتضررة وتطبيق التدابير الأمنية الملحوظة في اتفاق السلام المعقود. ونظراً إلى عجز المؤسسات المالية عن تأمين موارد بالتزامن مع ارتفاع الإنفاق العام، اضطرت الحكومة إلى الاقتراض من القطاع المصرفي وأصبحت كلفة الفائدة تشكّل العبء الرئيسي على كاهل الخزينة. ونتيجة ذلك، اتسع عجز الموازنة حتى بلغ نسبة 27 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي سنة 1997. وما زاد الوضع تعقيداً, سوء الأداء الاقتصادي العام في المنطقة والمسائل الأمنية.

 

3 – سنة 1999 تباطأ النمو الاقتصادي وبقي الاقتصاد مستوياًً سنة 2000، وسجّل التضخّم معدلات منخفضة أو سلبية. وانعكس التباطؤ هبوطاً في الاستثمار السكني وانخفاضاً في إنفاق الحكومة على إعادة الإعمار. أضِف إلى هذه الصعوبات عدم التوازن في اقتصاد لبنان الكلّي، وعوامل التنافسية وعدم الاستقرار السياسي والعوائق الهيكلية والإدارية. ويعود سبب انخفاض معدّل التضخّم إلى تباطؤ الاقتصاد وضعف العملات الرئيسة الأخرى إزاء الدولار الأميركي، الذي ارتبطت به الليرة اللبنانية منذ سنة 1998.

 

 

  • التطورات سنة 2001-2002

 

4 – سعت الإدارة التي تولت السلطة في أواخر سنة 2000 إلى تحفيز النمو ومعالجة عدم التوازن في الاقتصاد الكلّي. فالسياسات التي تهدف إلى تحفيز النمو شملت إجراءات لتعزيز القدرة التنافسية من خلال خفض التعرفة الجمركية ومساهمات أرباب العمل في الضمان الاجتماعي وتشجيع توافد رؤوس الأموال من خلال تحرير الاستثمار الأجنبي في العقارات والقطاع المصرفي. ولزيادة الثقة، سعت السلطات إلى معالجة نقاط الضعف المؤسساتية في النظام المصرفي- من خلال فحص دقيق لنظام المراقبة الوقائية والإجراءات الآيلة إلى مكافحة تبييض الأموال, وقد أدّت نتائج هذه الإجراءات إلى إزالة لبنان عن قائمة "غافي" – ما يشير إلى التزام واضح بالتصحيح المالي. وعلى الرغم من ذلك، بقي النمو الاقتصادي بطيئاً فلم تتعد نسبته 2 بالمائة سنة 2001 و2002، في حين استمرّت معدلات الفائدة المرتفعة والمرتبطة باحتياجات الحكومة الكبيرة للتمويل وربط سعر صرف الليرة بالدولار في عرقلة الاستثمار والنمو.

 

5 - سنة 2000، بدأت السلطات أيضاً بمعالجة عدم التوازن الضريبي فقامت بتخفيض عجز الموازنة سنة 2001 وأيضاً سنة2002. وانخفض العجز العام للموازنة من 24.6 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي سنة 2000 إلى 19.4 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي سنة 2001. واستناداً إلى الأداء خلال الفصول الثلاثة الأولى، فمن المتوقّع أن يبلغ نسبة 15.6 بالمائة سنة 2002، على الرغم من استمرار الزيادة في دفعات الفائدة. ومن المتوقّع أن يُعدَّل الميزان الضريبي الأوّلي بنحو 5 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي، فينتقل من عجز يبلغ 2.5 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي سنة 2001 إلى فائض يبلغ 2.5 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي سنة 2002. وعلى الرغم من هذه الجهود، ازدادت حاجة الحكومة إلى التمويل وارتفع الدين العام إلى 31 مليار دولار، أي بنسبة 180 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي البالغ 17 مليار دولار في أيلول سنة 2002، منها ما يزيد عن النصف دين للمصارف المحلية.

 

6- خلال السنتين الماضيتين، واجهت الحكومة ازدياداً في صعوبة تمويل العجز فاضطرّت إلى الاعتماد على الاستدانة من المصرف المركزي. وبما أن مصرف لبنان قام بتمويل عجز سنة 2001 بالكامل تقريباً، فقد تعرّض لضغوط إضافية في النصف الأول من سنة 2002 لأن المصارف التجارية كانت تواجه انخفاضاً في الودائع وزيادة في دولرتها، وبالتالي فهي لم تُجدّد بالكامل سندات الخزينة المستحقة التي تحملها. وبسبب ربط سعر صرف الليرة اللبنانية بالدولار الأميركي بشكل غير رسمي وحساب رأس مال مفتوح، فقد مصرف لبنان مبالغ كبيرة من احتياطه بالعملة الأجنبية.

 

7 - بعد فترة من الضغط في سوق تبادل العملات خلال معظم الأشهر من سنة 2001 والأشهر الخمسة الأولى من سنة 2002، بدأ الأداء الاقتصادي يتحسن وازدادت الثقة. ويعكس هذا التحوّل عودة الاهتمام الإقليمي بلبنان كوجهة سياحية وللاستثمار في الأوراق المالية والعقارات. وقد سُجّل تدفّق ملحوظ للأموال منذ حزيران، كان نتيجته تنشيط الحركة الاقتصادية وعودة نمو الكتلة النقدية وفائض في ميزان المدفوعات. وبلغ الاحتياطي الإجمالي 3.6 مليارات دولار في نهاية أيلول، في حين بلغ صافي الاحتياطي 2.5 مليار دولار سلبي ويُقال بأنه تحسّن منذ تلك الفترة.

 

 

ب - استراتيجية الحكومة (1)

 

8- على قاعدة هذه الخلفية، وضعت السلطات استراتيجية لسنة 2003 على الأمد المتوسط،تهدف إلى خفض الدين العام وكلفة خدمته واستعادة النمو. وبحسب ما تمّ تفصيله في وثيقة السلطات، قد تتطلّب هذه الاستراتيجية توحيداً ضريبياً وإصلاحات هيكلية وتأمين تمويل بمبالغ كبيرة غير مولّدة للدين من خلال عمليات الخصخصة والتسنيد، بالإضافة إلى مساعدات مالية بشروط ميسّرة من خلال هذا المؤتمر. وتسعى السلطات إلى استعمال هذه الأموال لخفض معدلات الفائدة وزيادة احتياطي العملات الأجنبية. وسيسهّل انخفاض معدلات الفائدة خفض دفعات الفائدة المُستحقة على الحكومة للمصارف التجارية.

 

9- يهدف  مشروع موازنة 2003، المطروح اليوم أمام مجلس النواب، إلى تحقيق فائض أوّلي يبلغ 4.2 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي- أيتصحيح إضافي نسبته 1.5 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي بالمقارنة مع النتائج المتوقعة لسنة 2002.  وتعكس دفعات معدلات الفائدة المُدرجة في الموازنة، ادخاراً كبيراً يساوي زهاء 5.5 من إجمالي الناتج المحلي، وسيتمّ تحقيقه من خلال خفض الدين ومعدلات الفائدة على أساس تدفق رؤوس الأموال المرتبطة بمؤتمر باريس 2. على المدى المتوسط، تهدف الاستراتيجية إلى رفع الفائض الأولي بشكل مطرد ليبلغ 9 بالمائة بحلول سنة 2007. وما زال عدد كبير من الإجراءات لتحقيق أهداف الاستراتيجية غير واضح ولكن الإجراءات الرئيسة قد تكون زيادة في الضريبة على القيمة المضافة من 10 إلى 12 بالمائة (سنة 2004) واعتماد ضريبة دخل شاملة (كذلك سنة 2004) وتخفيض حجم مجموع الأجور ورواتب التقاعد وتجميد الإنفاق الجاري والرأسمالي غير المحدود بمستويات عام 2003 الاسمية.

 

10 - تباشر السلطات خططاً طموحة للخصخصة وللحصول على تمويل مُيسّر. ومن المتوقّع أن تؤدي عمليات الخصخصة إلى تأمين عائدات تبلغ قيمتها 3 مليارات دولار في النصف الأوّل من سنة 2003 و2 ملياري دولار سنة 2004. بالإضافة إلى ذلك، تأمل السلطات تأمين مبلغ 5 مليارات دولار، في النصف الأوّل من سنة 2003، بشكل قروض بشروط ميسّرة من باريس ‹‹2››. كما تنوي السلطات تسنيد عائدات المداخيل الجمركية المفروضة على واردات التبغ وربما حصة من عائدات شبكة الهاتف الخلوي بعد إتمام الخصخصة. ويبدو ان خطط القيام بهذه الخطوة الأخيرة، قطعت أشواطاً كبيرة ومن المتوقع الحصول على عائدات قد تبلغ قيمتها 750 مليون دولار في الربع الأول من سنة 2003.

 

11- قد تستعمل الحكومة عائدات الخصخصة والأموال المرتبطة بـ باريس ‹‹2›› لخفض دينها للقطاع الخاص، وتتوقع أن يؤدي توافر السيولة في النظام المصرفي بالتزامن مع زيادة الثقة، إلى خلق ضغوط لتخفيض معدلات الفائدة, من شأن ذلك المساهمة في خفض عبء الدين مع احتمال حصول تأثير إيجابي على النمو. أما الخفض الكبير الملحوظ في موازنة 2003 في حجم مجموع الفوائد، فهو يعتمد بشكل جذري على التراجع المرتقب لسندات الخزينة والانخفاض المطرد في معدلات فائدة السوق.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

______________

(1)تعتمد التوقعات المقدمة في هذه الوثيقة على مخطط متوسط الأمد يرتكز على استراتيجية السلطات اللبنانية التي تم تحضيرها خلال زيارة وفد صندوق النقد الدولي إلى لبنان في شهر تشرين الأول. وتفترض التوقعات في الوثيقة التي قدمتها السلطات اللبنانية انخفاضاً أكبر في معدلات الفائدة وعائدات أكبر ناتجة من عمليات الخصخصة من تلك التي نوقشت مع وفد صندوق النقد الدولي.

 

ت -  التـقييـم

 

12- أعدّ فريق صندوق النقد الدولي مُخطّطاً توضيحياً يمتد على خمس سنوات يرتكز على استراتيجية السلطات. ويعرض المخطّط خفضاً أولياً في الدين العام وزيادة في احتياطي العملات الأجنبية الرسمي سنة 2003-2004. بعد فترة السنتين هذه التي ستتميز بعمليات خصخصة واسعة النطاق، ستتبع نسبة الدين العام مسار انخفاض لتبلغ نحو 140 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي بحلول سنة 2007. وسيتمكّن مصرف لبنان من الحفاظ على مستوى احتياطه من العملات الأجنبية حتى نهاية سنة 2004، استناداً إلى فرضية تعزيز التسوية الضريبية الأولية وانخفاض معدلات الفائدة وتحسّن مطرد في أداء النمو. 

 

13- أحرزت السلطات تقدماً ملحوظاً خلال السنتين الماضيتين، خصوصاً على الصعيد الضريبي وفي مجال التحضير لعمليات الخصخصة، ما ساهم في وضع أرضية لاستراتيجية من شأنها خفض حجم الدين تدريجياً في حال تنفيذها بالكامل وبنجاح وفي حال الحفاظ على ثقة السوق، وهي بالتالي خطوة في الاتجاه الصحيح.

 

14- غير أن استراتيجية الحكومة معرّضة لعدد من المخاطر. ومن المتوقّع ان تبلغعائدات الخصخصة نحو 3 مليارات دولار (18 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي) سنة 2003 و2 مليار دولار (12 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي) سنة 2004. تتطلب هذه العملية إعادة هيكلة قطاعي الاتصالات والطاقة، ومن ضمنها إنشاء شركات جديدة تُعرض للتخصيص لاحقاً. ومن المتوقع أن تبلغ القروض الميسّرة الناتجة من باريس ‹‹2›› نحو 5 مليارات دولار (29 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي) ستدفع في النصف الأول من سنة 2003. وتعتمد الاستراتيجية بشكل أساسي على التمويل إلى حد أنه, في حال كان التمويل أقل، أو في حال تأخّر أو أصبح أغلى كلفة، لن يستقر الدين إلا لفترة مؤقتة.

 

15- ثانياً، تعتمد الاستراتيجية على قدرة الحكومة على تأمين فائض ضريبي أولي يزداد تدريجياً ليبلغ خلال سنوات قليلةضعف الفائض الأولي المرتقب لسنة 2003 والحفاظ عليه على امتداد عدة سنوات.  هذه التسوية في الحساب الأولي هي هدف طموح، خصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار خسارة عائدات التسنيد، كما قد يكون من الصعب تطبيق الإجراءات الضريبية الضرورية أو الحفاظ عليها، ما من شأنه أن يجعل من الصعب تحقيق النمو المنشود.

 

16- ثالثاً، تتوقّع السلطات أن تؤدي صدمة الثقة الإيجابية والضخ الكبير للسيولة المتزامن مع تدفّق رؤوس الأموال إلى خفض كبير في معدلات الفائدة. وفي حال توافد رؤوس الأموال المتوقعة، قد تنخفض معدلات الفائدة، على الرغم من أن هذا الانخفاض غير مؤكد. لكن سيتعيّن على المصرف المركزي المباشرة بتعقيم السيولة الفائضة لتفادي بروز ضغوط تضخّمية ولحماية ميزان المدفوعات. وفي حال عدم استعادة الثقة، بحسب ما هو متوقّع، فإن من شأن معدلات الفائدة المنخفضة لجم نمو الودائع. علماً أن المستوى الحالي لكتلة "النقد المتداول+الودائع تحت الطلب+الودائع الأخرى بالليرة اللبنانية و بالعملات الأجنبية" (M3) إلى الناتج المحلي والتي تبلغ نسبتها 210 بالمائة، هي نسبة مرتفعة، وتجعل الحكومة عرضة لتجديد المخاطر والوقوع بالخسائر. كما أن عملية تعقيم السيولة الفائضة تثير القلق بشأن وضع الدخل الصافي للمصرف المركزي.

 

17- أخيراً، من خلال التطبيق الكامل، ستساهم هذه الاستراتيجية في الحفاظ على مستوى مرتفع للدين العام على امتداد سنوات عديدة.

 

18- بهدف الحد من نقاط الضعف هذه، يجب أن تسعى السلطات إلى إيجاد طرق لتسريع عمليات الخصخصة، وهي المصدر الأساسي لخفض حجم الدين والعمل مع نُظرائها في هذا المؤتمر لاستكشاف وسائل زيادة المبالغ الممنوحة والشروط الميسّرة.في أي حال، يمكن للسلطات تدعيم هذه الاستراتيجية من خلال تعزيز الوضع الضريبي والاستعمال الكامل لسياسات الاقتصاد الكلّي والسياسات المالية الآيلة إلى تحفيز النمو.

 

19- سيبقى صندوق النقد الدولي ملتزماً كما سيعمل مع السلطات اللبنانية على معالجة هذه المسائل الدقيقة ومراقبة التطورات التي قد تطرأ.      

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  • رسالة مشتركة من وزيري الخارجية والمالية الأميركيين كولن باول وبول أونيل إلى الرئيس رفيق الحريري

 

      بتاريخ 9 كانون الأول 2002 سلّم السفير الأميركي في بيروت فنست باتل الرئيس رفيق الحريري رسالة مشتركة من وزيري الخارجية والمالية الأميركيين كولن باول وبول أونيل (قبل أن يستقيل هذا الأخير من منصبه ويحل محله جون سنو).

 

      عبّر المسؤولان الأميركيان في رسالتهما عن غبطتهما بنتائج باريس ‹‹2›› ‹‹التي جاءت بتمويل جديد وغير مشروط،مما يعطي برهاناً على كرم أصدقاء لبنان وعلى الأهمية التي يعلقونها على برنامج مستمر, كفيل بمساعدة البلد على تجاوز مشكلة الدين العام››.

 

      وجاء في الرسالة :

      ‹‹ إننا نأمل بأنكم ستستفيدون إلى أقصى حد من نفحة الأوكسيجين التي يؤمنها هذا التمويل لبلدكم، وأنكم ستمضون قدماً وبدون تأخير في تطبيق السياسة المؤدية إلى التنمية الأقتصادية وإلى تخفيف عبء الدين. كما ان خصخصة قطاع الخلوي بنجاح خلال الأشهر الثلاثة المقبلة من شأنها أن تظهر بأن الحكومة اللبنانية مستعدة للالتزام بمشاريع الخصخصة الطموحة.

 

      ولفت المسؤولان الأميركيان النظر، بعد ذلك، إلى أن إسهام القطاع المصرفي اللبناني (في التخفيف من خدمة الدين) هو عنصر أساسي من الحل طويل الأمد. ولاحظا أن أي استراتيجية تهدف إلى إعادة حجم الدين إلى مستوى يمكن احتماله، يفترض إسهاماً هاماً من قِبَل المؤسسات المصرفية, الدائنة الرئيسية للدولة، مشجعين الحكومة على متابعة مفاوضاتها مع القطاع المصرفي.

      وأخيراً, أعرب السيدان باول وأونيل، عن أمنيتهما أن يقوم لبنان بالتنسيق مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي عندما يصبح مستعداً، لاتخاذ تدابير إضافية ضرورية من أجل إعادة التوازن الدائم إلى ماليته العامة. وقالا إن برنامجاً قوياً وممولاً رسمياًُ من قِبَل صندوق النقد الدولي من شأنه أن يضمن تقويماً شاملاً ومستديماً للاقتصاد في لبنان.

 

      ومن جهته صرح السيد باتل بأنه نقل وجهة النظر الأميركية فيما يتعلق بباريس ‹‹2›› إلى الرئيس الحريري, وأضاف ان الإدارة الأميركية ترى في باريس ‹‹2›› فرصة بالغة الأهمية ستتيح للبنان المضي قدماً في برنامج الاصلاحات الاقتصادية.

  • المذكرة الصادرة عن تقرير صندوق النقد الدولي عن لبنان إثر الاجتماع الذي عقده مجلس المحافظين في 28 شباط 2003 وقد نشر في 20 آذار 2003

 

 

الخلفية الاقتصادية

 

بعد حرب أهلية طويلة وقرابة عقد من العجز الضريبي الذي سببته عملية إعادة الإعمار بلغ الدين العام حداً عالياً.

 

وأصبحت الظروف الاقتصادية صعبة جداً في ربيع عام 2002 عندما بلغ الاحتياطي الدولي أدنى مستوى له, ولكن الوضع تحسن كثيراً منذ ذلك الحين. فلقد ازدادت الثقة الدولية بلبنان إثر انعقاد مؤتمر باريس 2. وتُظهر المؤشرات المتوفرة أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي ارتفع بنسبة 2٪ عام 2002 بينما لم تتعد نسبة التضخم 1.75٪.  وكذلك تحسن سعر صرف الليرة الفعلي تجاه العملات الأجنبية خلال السنوات الماضية بعد تحسن سعر صرف الدولار إلا أن هذا الأمر تبدل خلال العام المنصرم من جراء تراجع الدولار ونسبة تضخم منخفضة في لبنان.

 

وقد حصل تقدم كبير على صعيد المالية العامة منذ العام 2000. فقد انخفض العجز الضريبي، بعد تسوية بلغت نسبتها 5.2٪ عام 2001، من 19.4٪ من قيمة الناتج المحلي الإجمالي عام 2001 إلى 15.7٪ عام 2002. وهكذا تحسن الميزان الضريبي، فبعد أن كان يعاني من عجز بلغت نسبته 7.6٪ من قيمة الناتج المحلي الإجمالي عام 2000 سجل فائضاً قدره 2.1٪ عام 2002. وتمت غالبية هذه التسوية عبر زيادة الواردات التي نتجت عن الضريبة على القيمة المضافة.

 

أما في سوق العملات الأجنبية فقد ازدادت الثقة بلبنان منذ صيف العام 2002 بعد فترة توتر عصيبة. ويعزى هذا التحسن إلى عوامل عدة منها : استعادة الاهتمام الإقليمي بلبنان لا سيما باستثمارات الحافظة والاستثمارات العقارية وتعزيز وضع لبنان كوجهة سياحية وإدخال الضريبة على القيمة المضافة في شهر شباط وشطب اسم لبنان عن قائمة الدول غير المتعاونة في محاربة تبييض الأموال وأخيراً تسارع التحضيرات للقيام بعمليات خصخصة قطاعات الهاتف الخلوي والكهرباء والمياه.

 

 

وكذلك تعززت الثقة بلبنان إثر النتائج الإيجابية لمؤتمر باريس 2 حيث حصل لبنان على التزامات بلغت قيمتها 4.3 مليار دولار من بين هذه الإلتزامات خصص مبلغ 3.1 مليار دولار لدعم الموازنة وسيتم تسديده في نهاية العام 2003 بينما توزعت باقي الالتزامات على شكل قروض مخصصة لمشاريع معينة. كانت خطة الحكومة الاقتصادية أساس تعزيز الثقة وقد ظهر ذلك جلياً في حجم الكتلة النقدية ومعدلات الفائدة. فازداد حجم الكتلة النقدية (M3) بنسبة 3.2٪ خلال شهر كانون الأول وحده حتى بلغت نسبة الزيادة السنوية 7.6٪. إلا أن حصة الدولار في هذه الكتلة النقدية تراجعت من 69.8٪ في شهر أيار إلى 64.2٪ في شهر كانون الأول. وكذلك الأمر مع معدلات الفائدة على سندات الخزينة لمدة سنتين التي تراجعت من 16.1٪ إلى 9.2٪ في شهر كانون الأول، بينما تراجعت عائدات سندات الخزينة لمدة ثلاثة أشهر من 11.2٪ إلى 7٪. وفي الوقت الحاضر لا تصدر الحكومة أي سندات خزينة نظراً إلى مستوى السيولة الجيّد.

 

هذه الالتزامات بالإضافة إلى تزايد الطلب على العملة الوطنية أفسحا المجال أمام المصرف المركزي لزيادة احتياطه الدولي الإجمالي (ما عدا الذهب) حتى بلغ 5.1 مليار دولار في كانون الأول (بعد أن كان 3.1 مليار دولار في حزيران). وتفيد آخر المعطيات أن هذا المبلغ ازداد في شهر كانون الثاني بقيمة 1.1 مليار دولار إثر تدفق رؤوس أموال خاصة وأخرى ناتجة من باريس 2.

 

أصدر المصرف المركزي مؤخراً كمية كبيرة من شهادات الإيداع ولقد تدنت معدلات الفائدة على شهادات الإيداع لفترة 60 يوماً من 9.3٪ بعيد مؤتمر باريس 2 إلى أن بلغت 5.9٪ في أواخر شهر كانون الثاني . وكذلك تراجعت معدلات الفائدة  على الإيداعات بالدولار والليرة اللبنانية وتدنت معدلات الفائدة على القروض ولكن بوتيرة أبطأ. وتشير آخر الإحصاءات إلى تحسن الإيرادات في القطاع المصرفي عام 2002. إلا أن النشاط الاقتصادي لا زال ضعيفاً ويبدو ذلك من ارتفاع القروض غير المنتجة والتي بلغت نسبتها 27٪ من إجمالي القروض في نهاية العام 2002.

 

تهدف سياسة الحكومة الاقتصادية على المدى المتوسط إلى خفض الدين العام وكلفة خدمته واستعادة النمو. كما تشمل هذه السياسة المزيد من التسويات الضريبية وعمليات خصخصة على نطاق واسع بالإضافة إلى مشاركة عبء الدين مع النظام المصرفي وطلب المساعدة الخارجية للحصول على شروط ميسرة للديون. بالنظر إلى هذه السياسة، نجد أن موازنة العام 2003 ستؤدي إلى فائض تبلغ نسبته 4.6٪ من قيمة الناتج المحلي الإجمالي وتهدف الحكومة إلى زيادة هذا الفائض بشكل متواصل على المدى المتوسط ليبلغ نسبة 9٪ بحلول العام 2007. تقدر الحكومة عائدات الخصخصة والتسنيد، للفترة الممتدة من 2003 إلى 2007، بنحو 8.9 مليار دولار.

 أما فيما يخص التزامات دعم الموازنة التي قدمت خلال مؤتمر باريس ‹‹2›› فقد حصلت الحكومة على 390 مليون دولار خلال شهر كانون الأول 2002 و600 مليون دولار في شهر كانون الثاني 2003 ومليار و 250 مليون دولار خلال شهري شباط وآذار أما الباقي (692 مليون دولار) فسيتم تسديده خلال العام 2003.

 

اتفقت السلطات اللبنانية مع المصارف التجارية على خطة تهدف إلى تخفيض دفع الفائدة خلال السنتين القادمتين. وتقضي هذه الخطة التي ابتدأ تنفيذها أن تشتري المصارف (وهي تملك 60٪ من الدين العام) سندات خزينة لمدة سنتين بدون فائدة بمبلغ يساوي 10٪ من قيمة ودائعها بتاريخ 31 تشرين الأول 2002، على أن تتم عمليات الاكتتاب هذه على خمسة مراحل بين كانون الثاني وأيار 2003. بالإضافة إلى ذلك قام مصرف لبنان بإلغاء سندات خزينة بقيمة مليار و800 مليون دولار مقابل التخفيض الناتج عن إعادة تقييم حساب موجودات الذهب وعمليات القطع. وفي الوقت عينه قام المصرف المركزي باستبدال معظم حيازاته من الدين العام (سندات خزينة وسندات دين) التي تبلغ قيمتها مليار و800 مليون دولار بسندات دين (يوروبوند) لمدة 15 سنة بعائد سنوي ثابت يبلغ 4٪.

 

 

تقييم المجلس التنفيذي

 

رحب المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بالإجراءات التي اتخذتها السلطات اللبنانية في العامين المنصرمين لمعالجة المشاكل الاقتصادية وعبء الدين العام.

 

وقد أثنى المسؤولون في المجلس على الحكومة للجهود الجبارة التي تقوم بها، بمساندة المجتمع الدولي، لمعالجة المشاكل الحادة في المالية العامة مما أدى إلى تحول بالغ الأهمية في الميزان الضريبي وإلى تحسن الأداء الاقتصادي وأداء ميزان المدفوعات وسط دلائل على زيادة الثقة وتجدد اهتمام المستثمرين. وقد أثنى المجلس على التطورات الأخيرة التي زادت من فرص نجاح سياسة الحكومة للتخفيف من نقاط الضعف التي يواجهها الاقتصاد اللبناني. وشدد على أن سبيل تعزيز الاقتصاد بشكل يضمن استمرارية هذا التحسن ما زال طويلاً وشاقاً ويتطلب جهداً ومثابرة من قبل السلطات اللبنانية. وكذلك نوه المجلس بطلب المشاركين في باريس 2 من صندوق النقد الدولي تحضير تقرير كل ستة أشهر لتقييم الوضع الاقتصادي في لبنان مما يسمح للمجتمع الدولي بمتابعته عن كثب.

 

 

وأشاد المجلس التنفيذي بدور الرئيس الفرنسي في انعقاد مؤتمر باريس 2 ورحب بالتقدم البارز الذي أحرز في تحريك الالتزامات التي أقرت في باريس 2 بالتزامن مع جهود الإصلاحات مما أدى إلى تعزيز الثقة الذي انعكس في تدفق الودائع إلى النظام المصرفي وانخفاض شبه شامل لمعدلات الفائدة وارتفاع في احتياطي العملات الأجنبية.

 

وأشار المجلس إلى أن الأولوية تبقى تخفيض المخاطر التي يواجهها الاقتصاد اللبناني والعمل على حفظ الدين ضمن حدود يمكن إدارته فيها دون أعباء كبيرة. ودعم المجلس سياسة الحكومة بالنسبة للدين العام لا سيما عملها على تخفيض إجمالي الدين والتخفيف من كلفته على المدى المتوسط عبر المزيد من التسويات الضريبية وعمليات الخصخصة على نطاق واسع والحصول على تمويل خارجي بشروط ميسرة وتسوية الدين مع القطاع المصرفي المحلي. وأشار إلى أن سياسة الحكومة قد تؤدي إلى انخفاض كبير في معدل الدين العام إذا ما طبقت وتمت مراقبة كلفة الدين على المدى المتوسط.

 

كما شدد المجلس على أهمية الحفاظ على موقف صارم من الضرائب التي وضعت في السنوات السابقة ورحب، في هذا الإطار، بتحسن الفائض الذي دخل في موازنة العام 2003. ورحب كذلك بالخطوات التي اتخذت لتعزيز موارد الخزينة بما فيها نجاح الضريبة على القيمة المضافة وإقرار الضريبة على عائدات الفوائد وخطة توسيع قاعدة المكلفين. وحث المجلس الحكومة على المضي قدماً باتخاذ الإجراءات اللازمة الضرورية للقيام بالتسويات الضريبية مع التنبه إلى أثرها على النمو. وكذلك دعا المجلس الحكومة إلى إدخال ضريبة على الدخل تطال شريحة أكبر من الناس وإلى التفكير بزيادة الضريبة على القيمة المضافة في الوقت المناسب. كما أكد المجلس على ضرورة تأمين الاستمرارية المالية للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي إذ انخفض الفائض الذي كان يتمتع به للسنتين الماضيتين على التوالي.

 

نوه المجلس التنفيذي بالتطورات التي حصلت في تطبيق برنامج الخصخصة وقال بأنها ستكون المدخل إلى تعزيز الثقة بسياسة الحكومة لتخفيض معدل الدين العام. وأثنى المجلس على الجهود الرامية إلى إتمام برنامج الخصخصة ومنها الإجراءات القانونية التي اتخذت وإعادة الهيكلة التي تمت في كهرباء لبنان. إلا أنه أشار إلى أن بيع رخص استثمار شبكة الهاتف الخلوي تأخر بعض الشيء وأن خصخصة القطاعات الباقية ستطول أكثر مما كان متوقعاً لها، لذلك اقترح المجلس تكثيف الجهود لتنفيذ برامج الخصخصة ضمن المهل المحددة وشدد على أهمية الشفافية وهي ميزة أساسية للحفاظ على ثقة المستثمرين ودعم المواطنين طوال مدة البرنامج.

 

كما رحب المجلس بتخفيض معدلات الفائدة الذي جاء نتيجة ازدياد الثقة وتدفق المساعدات الخارجية. وأشاد بالسلطات اللبنانية التي استطاعت القيام بالجهود المطلوبة لتحسين قدرتها على مكافحة أنشطة تبييض الأموال وعمليات تمويل الإرهاب.

 

وسر المجلس من أن وطأة الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتخفيف خدمة الدين العام على مركز العائدات في المصرف المركزي والمصارف التجارية تبدو محمولة. إلا أنه أشار إلى ضرورة المراقبة المستمرة لا سيما فيما يتعلق بأداء القطاع المصرفي ويأمل المجلس أن يتابع لبنان جهوده في تغيير استحقاقات الدين وتخفيض خدمته على المدى المتوسط مع تقليص نسبة العملات الأجنبية منه.

 

وأثنى المجلس على الجهود المبذولة لتحرير نظام التجارة الحرة مذكراً بأن هذا النظام كان ضرورياً للتوصل إلى اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي ومن المؤكد أنه سيسهل عملية دخول لبنان إلى منظمة التجارة العالمية.

 

وأخيراً، رحب المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بقرار لبنان المشاركة في النظام العام لنشر المعطيات وشجع السلطات اللبنانية على الاستمرار ببذل الجهود لإزالة الحواجز التي ما زالت تعيق عملية صنع استراتيجيات الاقتصاد وتحليلها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث:

ماذا تحقق بعد "باريس -2"

 

 

أظهر مؤتمر باريس ‹‹2››، بعد انقضاء بضعة أشهر على عقده، أن النتائج المتوخاة منه التقت مع التقليد الذي ترسخ في لبنان بعيداستقلاله, وهو أن ازدهاره وتقدمه قاما على الثقة والاطمئنان إلى المستقبل, أكان ذلك من قِبَل اللبنانيين أنفسهم أم من قِبَل العرب والأجانب.

 

فالمؤتمر الدولي هذا, بمجرد عقده, وبالنتائج المباشرة التي أسفرت عنه, ثم بما تحقق بعد ذلك من إجراءَات على الصعيد اللبناني, برهن على أن إعادة تركيز الدعائم التي يقوم عليها الاقتصاد ممكن التحقيق بتضافر الجهود وبحسن تحمل المسؤوليات على المستوى الذي ظهر به, وبتجييش الصداقات والعلاقات المتينة من أجل قضية لبنان.

 

وهكذا، ما إن انتهت أعمال المؤتمر, حتى بدأت النتائج بالظهور. منها ما حصل تلقائياً نتيجة للحدث، ومنها ما اتخذته الحكومة وما اتخذته المؤسسات المصرفية اللبنانية.

 

1-  ما نُفََّذ من التزامات "باريس -2"  :

 

  • بعد مضي  ستة أشهر على انعقاد مؤتمر باريس 2، حصل لبنان على أكثر من 80٪ من التزامات الدول المشاركة، أي نحو 2.5 مليار دولار أميركي من أصل 3,1 ملياراتدولار كمساعدات للموازنة لإدارة الدين . وقد أتت هذه المساهمات على شكل تمويل طويل الأمد لفترة 15 سنة وبفوائد لا تتعدى 5 ٪  مع نحو خمس سنوات فترة سماح.

 

  • يتم العمل حالياً على استقطاب المبالغ المتبقية من التزامات والمتوقع أن تصل تدريجياً خلال الأشهر المقبلة وقبل نهاية العام الحالي.

 

  • أما في ما يتعلق بالقروض الإنمائية التي التزمت بها المؤسسات الدولية والبالغة 1.3 مليار دولار فقد بدأ العمل على تطوير المشاريع الإنمائية المتعلقة بها مع التركيز على تلك ذات الطابع الاجتماعي.

 

  • قام مصرف لبنان بالتعاون مع وزارة المالية بالغاء سندات خزينة بقيمة مليار و800 مليون دولار كما استبدل معظم حيازاته من الدين العام بسندات دين (يوروبوند) لمدة 15 سنة بعائد سنوي ثابت يبلغ 40٪ وفترة سماح مدتها 5 سنوات.

 

هكذا أتاح مؤتمر باريس ‹‹2›› للبنان تأمين تمويل جديد تبلغ قيمته 10 مليارات دولار لاستبدال ثلث دينه بكلفة لا تتعدى 3 ٪ سنوياً.

 

وبالتالي, استطاع لبنان وقف تنامي الدين وتخفيض خدمته, الأمر الذي أوجد جواً إيجابياً بدا في تحسن الأسواق المالية والاقتصاد اللبناني بشكل عام.

 

  • في المقابل بادرت المصارف اللبنانية في خطوة غير مسبوقة عالمياً الى المساهمة في هذا المجهود عبر تقديم تمويل لفترة سنتين ومن دون فائدة بقيمة 10٪ من ودائعها بتاريخ 31 تشرين الأول 2002 أي حوالي 3.6  مليارات دولار أميركي وقد حصلت الدولة على 3,2 مليار دولار منها حتى الآن.

 

  • ونتيجة للتطورات التي نتجت عن باريس ‹‹2››،  تمكن لبنان من تأمين تمويل جديد يقدر بنحو 9 مليارات دولار لاستبدال نحو ثلث الدين العام الإجمالي بكلفة لا تتعدى 3٪ سنوياً،محققاً بذلك تحولاًًً كبيراً في كلفة الدين العام وكذلك في كسر حلقة تنامي الدين، مما ساهم أيضاً بخلق مناخ إيجابي انعكس تحسناً في الأسواق المالية والاقتصاد اللبناني ككل.

 

  • وعمدت الحكومة اللبنانية إلى استعمال أموال باريس ‹‹2›› حصراً في عملية إدارة الدين من تخفيض في حجمه وكلفته. وهكذا استخدمت وزارةالماليةأموال باريس ‹‹2›› لاستبدال دين مكلف وطويل الأجل بآخر غير مكلف وقصير الأجل.

 

2- أهم التطورات المالية والنقدية بعد انعقاد مؤتمر "باريس -2"

 

حقق نجاح مؤتمر باريس 2 إيجابيات عدّة على أكثر من صعيد، وشهدت الأسواق المالية اللبنانية تحسناً كبيراً بعد انعقاد هذا المؤتمر حيث:

 

  • انخفضت معدلات الفوائد على جميع فئات سندات الخزينة بالليرة اللبنانية، فتراجعت فائدة السندات لاستحقاق السنتين من 16٪ إلى نحو9٪ أي بنحو 50٪. وكذلك، انخفضت الفوائد على سندات الخزينة بالليرة اللبنانية قصيرة الأجل إلى 6.8٪ (3 أشهر) و 7.8٪ (6 أشهر).

 

  • تحسنت أسعار الإصدارات الحكومية بالعملات الأجنبية (Eurobond) بشكل ملحوظ، حيث ارتفعت أسعار السندات طويلة الأجل بمعدل 20 إلى 25 نقطة مئوية مقارنة بالفترة التي سبقت انعقاد مؤتمر باريس ‹‹2››. وأصبحت الأسعار المتداولة في السوق الثانوي لمعظم الآجال تفوق السعر الاسمي للإصدارات مما يخفض كلفة التمويل المستقبلية للدولة اللبنانية بالعملات الأجنبية بشكل ملحوظ.

 

  • انخفضت الفائدة المتداولة بين المصارف (Inter-bank rate) على ودائع لسنة واحدة بالدولار الأميركي لدى مصرف لبنان، إلى معدل متوسطي نسبته 2٪ للودائع البالغة 50 مليون دولار وما فوق.

 

  • تحسن سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي وقد استمر ارتفاع الطلب على الليرة اللبنانية في الأسواق المحلية, نتيجة لما ولّده مؤتمر باريس ‹‹2›› من ثقة وتوقعات إيجابية في السوق المحلي. وشهدت الأسواق إقبالاًعلى شراء الليرة وتحسناً بارزاً بنسبة الدولرة في الودائع التي وصلت إلى 68٪ مقارنة بـ 84٪ للفترة نفسها من العام الماضي.

 

  • تحسنت الثقة في القطاع المالي والمصرفي بشكل كبير فانعكست زيادة في الودائع المصرفية بنحو 9٪ في الفصل الأول من هذه السنة بالمقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي، وزاد حجم الكتلة النقدية بنحو 13٪. وهذا ما شكل تحسناً ملموساً شهده الوضع المالي والمصرفي بعد مؤتمر باريس ‹‹2››.

 

  • أما على صعيد ميزان المدفوعات فقد سجل في شهر كانون الأول وحده فائضاً قيمته 1133 مليون دولار مقارنة بعجز قيمته 1169 مليون دولار لمجمل العام 2001، وما زال يستفيد ميزان المدفوعات من دخولٍ صافٍ لرؤوس الأموال إلى لبنان، إذ سجلت الأشهر الخمسة الأولى من العام 2003 فائضاً قدره 2336 مليون دولار.

 

  • ارتفع احتياطي مصرف لبنان من العملات الأجنبية (باستثناء الذهب) بشكل كبير من 4125 مليون دولار في شهر تشرين الثاني 2002 إلى 8781 مليون دولار في شهر أيار 2003 . وهذا الأمر يعزز قدرة المصرف المركزي على إدارة السياسة النقدية ويؤمن استقراراًأكبر للعملة الوطنية.

 

  • كما ساهم مؤتمر باريس ‹‹2›› بتحسين التصنيف الائتماني للبنان، حيث عمدت شركة التصنيف العالمية ستاندرد اند بورز (Standard & Poor’s) إلى تحسين التصنيف الائتماني للدولة اللبنانية لمرتين: الأولىمن سلبي إلى ثابت والثانيةمن ثابت إلى إيجابي. يعكس هذا التعديلنظرة الشركة إلى مستقبل الوضع الاقتصادي حيث أعلنت في تقريرها أن "السياسة الاقتصادية المتوسطة الأجل للحكومة اللبنانية، بالإضافة إلى الدعم الخارجي الوثيق، قدَّما فرصة جديدة لعودة النمو المستمر للاقتصاد اللبناني". ويضيف المحللون في مؤسسة             Standard & Poor’sأن "التصنيف الثابت يعكس تراجع حدّة الضغوط الناتجة عن الحاجة التمويلية وإيجاد مصادر للتمويل المتزامن، نتيجة وضع سياسات رامية إلى تحقيق استقرارفي الوضع الاقتصادي. ويرتكز التصنيف الثابت بشكل خاص على مؤشرات توحي بالتطبيق الناجح لاستراتيجية الحكومة الآيلة إلى تخفيض العجز والدين العام، ووضع الأطر الأساسية لبرنامج الخصخصة والعمل بشكل سريع على تأمين توافد الأموال والقروض الميسرة من مؤتمر باريس ‹‹2››.

 

  • أما على صعيد المالية العامة فقدبدأت سنة 2003 باعتماد موازنة عامة طموحة تسعى إلى خفض نسبة العجز 7٪ من الناتج المحلي القائم بالمقارنة مع موازنة عام 2002 وتهدف إلى رفع الفائض الأولي ليصبح 4٪ من إجمالي الناتج المحلي. وتضمنت موازنة 2003 عدة إجراءات، أهمها:

 

  • إدخال ضريبة بنسبة 5٪ على فوائد الودائع والسندات بالليرة اللبنانية والعملات الأجنبية.

 

  • توسيع قاعدة الضريبة على القيمة المضافة من خلال خفض رقم الأعمال لتحديد الخضوع من 500 مليون ليرة سنوياً إلى 300 مليون ليرة.

 

  • إدخال الرسم المهني.

 

كما عمدت وزارة المالية إلى تسريع ورشة إصلاحات تمثلتبتنفيذ مشاريع تحديثية وإجراءات إصلاحية تهدف إلى زيادة الشفافية وتحسين الخدمة للمواطن وزيادة الإيرادات وترشيد الإنفاق.

 

 

والمشاريع التالية هي من بين مشاريع الإصلاح:

 

  • مشروع تحديث ومكننة عمليات المساحة والسجل العقاري.
  • مشروع وحدة الإدارة الجمركية.
  • برنامج إصلاح الموازنة والمحاسبة العامة
  • برنامج إصلاح إدارة الخزينة

 

وخلال الأشهر الخمسة الأولى من العام 2003، حققت الإيرادات ارتفاعاًبنسبة 21,3٪ مقارنة بالمعدل في العام 2002.كما ارتفعت العائدات من الضريبة على القيمة المضافة إلى 538 مليار ليرة مقابل 295 مليار ليرة في الفترة عينها من العام الفائت.  وكذلك بلغ الفائض الأولي لنفس الفترة 541 مليار ليرة لبنانية مسجلاً زيادة قدرها 220 مليار ليرة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

 

وفي ظل هذه التطورات الإيجابية، فتحت وزارة المالية الحوار مع القطاع الخاص، بما فيه من فعاليات اقتصادية وإعلامية.  وتأتي هذه المبادرات في صلب سياسة وزارة المالية الرامية إلى تفاعل الدولة مع المؤسسات الخاصة في لبنان لمشاركتها الجهود لإنعاش الاقتصاد وتحسين الأوضاع الاجتماعية والمعيشية للمواطنين.



رؤوس الأموال الناتجةمنباريس ‹‹2›› (كانون الأول 2002- أيار 2003)

 

المبلغ

نوع الدين

تاريخ الدفع

الدائن

300 مليون دولار أميركي

سندات أجنبية موجودة في بورصة لوكسمبورغ

 27 كانون الأول 2002

ماليزيا

 50 مليون دولار أميركي

سندات أجنبية موجودة في بورصة لوكسمبورغ

30 كانون الأول 2002

سلطنة عمان

300 مليون دولار أميركي

سندات أجنبية موجودة في بورصة لوكسمبورغ

 15 كانون الثاني 2003

الإمارات العربية المتحدة

300 مليون دولار أميركي

سندات أجنبية موجودة في بورصة لوكسمبورغ

22 كانون الثاني, 2003

الكويت

55 مليون دولار أميركي

قروض متوسطة الأجل وقروض للإصلاح الهيكلي

19 و 30 كانون الأول 2002

صندوق النقد العربي

500 مليون يورو

قرض من خلال

 (Agence Française de Developpement)

28 شباط 2003

 

فرنسا

700 مليون دولار أميركي

سندات أجنبية موجودة في بورصة لوكسمبورغ

7 آذار 2003

المملكة العربية السعودية

12,25 مليون يورو

مساعدات للموازنة

 

 

الاتحاد الأوروبي

200 مليون يورو

سندات أجنبية موجودة في بورصة لوكسمبورغ

28 أيار 2003

قطر

 

 

محطات خاصة: