الاحد في ١٧ كانون الاول ٢٠١٧ ، آخر تحديث : 07:17 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
النفط والغاز: هكذا "يشوّه" لبنان التجربة النرويجية
 
 
 
 
 
 
١٣ اب ٢٠١٧
 
علي نور

"الأحكام الضريبيّة المتعلّقة بالأنشطة البتروليّة" هو مشروع القانون الذي انتهت اللجان المشتركة في مجلس النوّاب من دراسته، وأحالته بنداً في ملحق جدول أعمال الهيئة العامّة لمجلس النوّاب، التي ستلتئم الأربعاء في 16 آب.

الحلقة الأخيرة قبل دورة التراخيص
وفق نص مشروع القانون، من المفترض أن تخضع أرباح الشركات صاحبة الحقوق البتروليّة لضريبة نسبيّة قدرها 20%، وهي نسبة تقل كثيراً عن الأرقام التي تم تداولها سابقاً (بين 22.5% و33.5%).

ومع إقرار هذا القانون، تكون الدولة قد أنجزت الجزء الأخير من التشريعات المطلوبة قبل استكمال دورة التراخيص الأولى، إذ من المفترض أن يُقفل باب تقديم العروض لعقود الاستكشاف والتنقيب في 15 أيلول 2017، على أن تعلن وزارة الطاقة النتائج في 15 تشرين الأوّل 2017.

وباستكمال هذا الجزء من التشريعات، يصبح النموذج الاستثماري قابلاً للتقييم ككل، مقارنةً مع الحقوق التي نالتها دول أخرى في ثرواتها من النفط والغاز، خصوصاً أنّ مسيرة وضع هذه التشريعات والمراسيم لم تخلُ من إشارة المسؤولين أنفسهم إلى ضرورة الاستفادة من التجارب المماثلة، خصوصاً التجربة النرويجيّة المشهورة كمثال في الشفافيّة وحفظ حق الدولة.

هزالة المردود الضريبي
إذا قمنا بمقارنة المردود الضريبي على الأنشطة البتروليّة، كما ورد في مشروع القانون، مع النموذج النرويجي الذي تغنّى المسؤولون اللبنانيون بالإستفادة منه، يتضح سريعاً حجم التنازل الذي قدّمته الدولة في هذا القطاع. فالنظام الضريبي النرويجي يحدد ضريبة عاديّة للشركات الخاصّة تبلغ 27% من الربح، كما يُضيف ضريبة خاصّة على أرباح الأنشطة البتروليّة حدّدها عند 51%. ما يعطي الدولة حصّة ضريبيّة تبلغ 78% من مجمل أرباح الأنشطة البتروليّة.

في مشروع القانون الحالي ستبلغ ضريبة الأرباح على أنشطة الاستخراج 20% فقط، أي نحو ربع النسبة المعتمدة في النموذج النرويجي. وتتعامل الدول عادةً مع الضريبة على نوع من الأنشطة بشكل استثنائي، كونها تتعلّق بحق البلد في موارده الطبيعيّة. لذلك، تقوم النرويج بفرض ضريبة خاصّة تفوق الضريبة العاديّة على الشركات.

الدولة اللبنانيّة خارج القطاع
الفرق في المردود الضريبي بين النموذجين ليس سوى جزء بسيط من التنازل اللبناني في النموذج الاستثماري ككل. فمثلاً، مع بدايات إنتاج النفط النرويجي، في العام 1971، أدركت النرويج سريعاً أن دور الدولة في إدارة مواردها النفطيّة واستثمارها لن يتما من دون دخولها القطاع كشريكاً عبر شركة وطنيّة.

في العام 1972 تأسست لهذه الغاية شركة ستاتويل، ووضعت النرويج سياسة واضحة في ذلك الوقت: يجب ألا تقل ملكيّة الدولة عن 50% من أي ترخيص لإستثمار الموارد النفطيّة. ولاحقاً، تطوّرت حصّة ستاتويل من إنتاج نفط النرويج لغاية 60%.

في الحالة اللبنانيّة، لم تبادر الدولة إلى الدخول شريكاً في هذا القطاع عبر شركة وطنيّة، بحجج مختلفة. والبديل كان مجموعة من الشركات التي تم تأهيلها لتشارك الشركات الدوليّة المشغّلة، بينها عدد من الشركات الوهميّة والوسيطة التي تم تأسيسها لتأخذ مكان الدولة في هذا المجال. والمشكلة الأكبر هي أنّ الدولة اللبنانيّة ستقوم بطرح نصف البلوكات في المرحلة المقبلة. ما يعني التنازل عن دور الدولة في الشراكة في هذه الحقول بعقود طويلة الأمد.

أمّا حجّة البعض في لبنان فكانت عدم التأكّد من الفرص الاستثماريّة لغاية اليوم، وهي المسألة التي يلحظها نموذج تقاسم الإنتاج الذي يعطي الشركات الأجنبيّة حق التنقيب، بينما تدخل الدولة شريكاً عند وجود الفرص الاستثماريّة فحسب. أمّا مع النموذج المتبع حاليّاً فقد تم إقصاء الدولة كليّاً كشريك بمعزل عن وجود أو غياب الفرص الاستثماريّة.

أين مواكبة التشريعات لأعمال الاستثمار النفطي؟
الفرق الواضح في المقاربة بين النموذجين لا يقف عند حد نسبة الضريبة وحصّة الدولة في القطاع، بل يشمل المقاربة التشريعيّة نفسها للأعمال الإستثماريّة. فالنرويج لم تكن متلهّفة في الواقع إلى مباشرة أعمال التنقيب عن النفط والغاز واستثمارهما، بل طغى في بدايات عمليّات البحث شعور عام بالحذر من هذه الخطوة. هنا، أقر البرلمان النرويجي وثيقة سمّاها الوصايا العشر، أكّدت ضرورة ضمان السيطرة الوطنيّة على اتجاه أعمال الاستثمار النفطي وزخمها، بالإضافة إلى تأمين حاجة البلاد لإلى الطاقة من الإنتاج المحلي نفسه.

وضمّت الوثيقة مقرّرات إضافيّة تتعلّق بخلق الشركة الوطنيّة وموجبات حماية البيئة وتنسيق النشاطات النفطيّة بما يحقق الأهداف الوطنيّة النرويجيّة. بعدها انطلقت ورشة نقاشات إقتصاديّة وتقنيّة تمحورت حول المخاوف من تأثير النفط على القطاعات الأُخرى، وتبعاته المحتملة في رفع كلفة الإنتاج. ما قد يضر بالصناعات التقليديّة النرويجيّة.

وبالتوازي أطلق البرلمان ورشة لإقرار تشريعات نفطيّة ملائمة تكفل الابتعاد عن المصالح الشخصيّة في خطط الدولة الاستثماريّة، وخضعت كل المداولات في هذا الموضوع إلى رقابة الإعلام وواكبها الرأي العام بشكل فاعل.

كل ذلك يناقض جوهريّاً الأسلوب الذي مارسته حتّى الآن السلطة اللبنانيّة في كل الخطوات النفطيّة التي اتخذتها، سواء أكان في الغموض الذي لف عمليّة صوغ المراسيم النفطيّة منذ البداية، وبعضها مراسيم من مئات الصفحات تم تمريرها خلال أقل من 48 ساعة إلى مجلس الوزراء للإطلاع عليها والموافقة، وحتّى في هويّة الشركات التي تأهّلت وأصحاب الحق الإقتصادي فيها.

ولف الغموض طريقة اختيار شركات المسح البري والبحري والمستفيدين من الداتا، وحتّى القيمة التي بيعت بها هذه الداتا وحصّة الدولة منها. ولا تنتهي بطبيعة الحال– كما رأينا في مقالات سابقة- لائحة العمليّات التي تمّت بعيداً من الإعلام، والتي تدور حولها مئات الأسئلة.

ويتم الحديث في تصريحات عدّة عن تأسيس الصندوق السيادي، من دون أدنى حد من المعلومات عن المراسيم التي تصاغ والجهات التي تقوم بإعداد المراسيم. ولا نملك معلومات عن الجهة التي ستدير هذا الصندوق أو الطريقة التي سيُدار من خلالها، خصوصاً أن تاريخ لبنان في إدارة عمليّاته الماليّة والنقديّة لا يبشّر بالكثير.
المصدر : المدن
 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر