الاربعاء في ٢٣ ايار ٢٠١٨ ، آخر تحديث : 05:11 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
قبلان: لا إقصاء ولا عزل بل الجميع في حكومة وفاق وطني
 
 
 
 
 
 
١٦ ايار ٢٠١٨
 
وجه المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان رسالة إلى اللبنانيين عموما والمسلمين خصوصا، بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، هنأهم فيها بحلول هذا الشهر المبارك، وهذا نصها:
"ليس عبثا أيها الإخوة أن الله صنف شهر رمضان بعد شهري رجب وشعبان، فالبيوت تؤتى من أبوابها، وأعظم باب الله (بشهر رمضان) باب محمد وعلي (ع) بشهريهما شعبان ورجب)، وهو معنى قوله تعالى (ليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون).
نعم بهذه الروحية يريد الله للوافد على ضيافته أن يتهيأ بقلبه، بروحه، بدواعيه، بلهفته، بنمط طلبه لله، لذلك قال (ص): "شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله"، بخلفية أن الداعي هو الله، والمدعو هو "أنت"، والمدعو إليه أوسع رحمات الله على الإطلاق، رحمة تسع كل المذنبين، وتشمل كل الخاطئين، ولا يخرج صاحبها من دار ضيافة الله (إن هو أحسن شرط الضيافة) إلا بالجنة، والعتق من النار.
ولأن شهر رمضان هذا المعنى من خلاصة كرامة الله لخلقه المؤمنين، فقد خصه الله سبحانه وتعالى بتضعيف رحمته وجزيل ثوابه وعظيم عطفه، وفيه قال (ص) (أيها الناس إنه قد أظلكم شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، وهو شهر رمضان فرض الله صيامه وجعل قيام ليلة فيه بتطوع صلاة، كمن تطوع بصلاة سبعين ليلة فيما سواه من الشهور).
وأهم ما في هذا الشهر المبارك، أن الله يتعرض فيه لخلقه بنفسه، ويدعوهم إليه، فيثمن لهم سوق الدنيا والآخرة، فمن تاب تاب الله عليه، توبة مخصوصة ليست كسواها من التوبات، ومعنى "تاب عليه" أي أعتق رقبته، وصيره من أهل كرامته، وخصه بنفسه، وقرنه بعهده وضمانته، وذلك أكبر مرابح المؤمن بهذا الشهر الأكثر عظمة ورحمة عند الله.
إن شهر رمضان هو شهر الطاعة الإلهية، شهر إعلان الانضمام الكامل لمشروع الله، شهر كسر الهوى المحرم، وإعلان معركة شاملة مع الغرائز والطموح الباطل، شهر تأكيد الحق كشعار وسلوك في كل ميادين الحياة، شهر البراءة من إبليس بكافة مظاهر إبليس الفردية والاجتماعية، بما في ذلك مطالب القوى الباطنية وساحاتها، شهر تثبيت النفس على مطلب الله بكل ما لله بإنسانه وخلقه، شهر الجهاد وترويض الذات، شهر إمضاء عقد قلبي مع الله، لأن من أحب الله أطاعه، كأساس لمعركة فكرية وسلوكية يجب أن تتظهر بكل شيء، بدءا من تربية الذات والعيال والحياة الاجتماعية والخيارات السياسية ومراكز القوة والتأثير وصولا إلى طريقة التعبير عن مظاهر الإخلاص بالعبودية خلوصا كاملا لله سبحانه وتعالى.
ولهذا، نؤكد على ميزة وفرادة هذا الشهر المبارك، وأهمية استثماره في قضايا الناس، وبالتأسيس لعدل سلطة، وسلطة عدل تتنافس فيما بينها على خير الناس، وأمن الناس، وكرامة الناس.
فاتقوا الله عباد الله، في شهر الله الأكبر، وانهضوا إليه، واخلعوا عن أنفسكم ثقل الذنوب بالتوبة، وخذوا حظها من الله بالإجابة إليه، فإنكم على موعد مع أكبر رحمات الله، وأعظم أبوابها، وأكثرها عطفا ولطفا وحنانا وحنوا من الله، فلا تضيعوها، لأن من لم تشمله رحمة الله في شهر رمضان، تكاد لا تشمله في باقي الشهور. وتفكروا أيها المسلمون، واتعظوا، واجعلوا من هذا الشهر العظيم فرصة لوحدة الكلمة وجمع الصفوف وتجاوز الانقسامات والخلافات والكيديات، والوقوف معا في مواجهة التحديات والاستهدافات التي فرقت شملكم وأضعفت شكيمتكم، وجعلتكم كالقصعة تتهافت عليها الأمم، فتنهش أموالكم، وتنهب ثرواتكم، وتشوه صورة إسلامكم، تخرب دولكم، تارة بالإرهاب، وطورا بالاحتلال وأخرى بالمحاصرة والعدوان.
نعم شهر رمضان أيها الإخوة هو السانحة لغسل القلوب وصفاء النيات والتقرب إلى الله بالمصالحة الإسلامية - الإسلامية والعربية - العربية، وبوقف هذا الجنون الأعمى، وهذه الفظاعات التي اجتاحت دولنا وفتكت بشعوبنا، فقتلت ودمرت وهجرت الملايين وأغرقت الآلاف، فلتستيقظ الضمائر، وليكن التطلع نحو فلسطين المنكوبة والمنهوبة والمحتلة بقدسها وأقصاها، وكنيسة قيامتها، وليكن الجهاد فيها، والمقاومة فيها، والدفاع عن الكرامة فيها، فبها عزتنا ومنها شرفنا، فلننتصر لها، ولننصر شعبها الذي يذبح يوميا على أيدي الجزارين والإرهابيين، ولنرفع الأيدي عن اليمن وسوريا وليبيا والعراق، ولتكن كل البنادق باتجاه العدو الصهيوني الذي استباح المحرمات، واجتاح المقدسات، وليتأكد العرب والمسلمون بأن فلسطين لن تعود بالتسويات ولا بالصفقات، بل بدماء المقاومين الشرفاء.
أما في لبنان هذا البلد الذي أنهكته الصراعات، واستنزفته ثقافة الانقسام والفتن، وتكاد تسقطه سياسة الكيد والتحدي، فإننا نقول للبنانيين جميعا: كفى مشاحنات واستقطابات، كفى هرولات إلى هنا وهناك، بكم يقوى لبنان وبوحدتكم يتخطى كل المحن والأزمات، فعودوا إلى التعقل، وفتشوا عن المصلحة الوطنية، وابحثوا معا وبشراكة كاملة في الكيفية التي تحققها، وتنقذ البلد وتحميه من السقوط، كفى خصومات وأحقادا، ولتقفل صفحات الماضي، ولنبدأ بعد إنجاز الانتخابات النيابية، صفحة جديدة عنوانها لبنان الغد، لبنان النهوض والاقتصاد، لبنان فرص العمل والعيش الكريم، لبنان المدفوع بسواعد أبنائه، والمرفوع على أكتافهم، مسلمين ومسيحيين، لا إقصاء لأحد ولا عزل، بل جميعهم في حكومة وفاق وطني مستولدة من مجلس نيابي جديد، نأمل أن يكون على قدر المسؤولية وفي مستوى أمانات الناس، يراقب ويحاسب ويضع حدا لكل أشكال وأنواع الفساد، ومصمم على تصويب المسار السياسي، وتسكير كل مزاريب الهدر والنهب للمال العام، فالأمور وصلت إلى الخطوط الحمراء اقتصاديا واجتماعيا، والتعامل معها بالاستسهال واللامبالاة وبحاسبات الربح لهذا الفريق والخسارة لذاك، يعني أننا كلنا خاسرون. فلنحذر اللعب بالنار، ولنتجنب وضع العصي في الدواليب، ولنعمل معا على تسهيل انطلاقة المؤسسات واستكمالها بحكومة العمل والإنجاز، بشفافية مطلقة، وبأكف نظيفة، وبإرادة وطنية لا مكان فيها للتعطيل ولا للكيديات، بل للتنافس الشريف والاعتراض البناء الذي فيه خدمة لبنان واللبنانيين".
 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر