الرئيس السنيورة : نحن قادرون على النهوض والمشكلة في ممارستنا للسلطة وليست في اتفاق الطائف الذي يجب ان يطبق

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 

اجرت الاعلامية دنيز رحمة حوارا مع الرئيس فؤاد السنيورة  لمناسبة العام الجديد لاذاعة لبنان الحر في ما يلي نصه:

س: كيف تعايد اللبنانيين؟

ج: بدايةً، وكما يقول المتني: "عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ.. مَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيكَ تجْديدُ". ولكن، وبالرغم من ذلك، فإني أتمنى لكل اللبنانيين الخير والأمل بالخروج من جهنم التي أصبح اللبنانيون في أتونها، وأن أؤكد هنا- ولجميع اللبنانيين- أنّه لا يجوز لنا أن نيأس أو أن نتقاعس، بل يجب علينا أن نعمل لتكون لدينا الإرادة والعزيمة، والإصرار على المثابرة لكي نستمر في التفكير والتعاون مع كل المؤمنين بلبنان كوطن لجميع أبنائه، والمؤمنين بسيادته واستقلاله وحرياته من أجل أن نعمل جميعاً بجد حتى يتحقق الخلاص المنشود من هذا الوضع الخطير الذي أصبحنا فيه.

لكن ما يهمني أن اوضحه في هذه العجالة، هو ضرورة التوقف عن التعمية على حقيقة الأمور وعلى أسباب المشكلات، وذلك بأن نتصارح فيما بيننا ومع جميع اللبنانيين حول حقيقة وطبيعة المشكلات التي نواجهها، وبالتالي في ضرورة التفتيش عن الحلول الحقيقية لهذه المشكلات. وهذا يقتضي بالتالي التفتيش عن تلك الحلول المنشودة في المكان الصحيح، وليس الاستمرار في التفتيش عن الحلول المنشودة في الأمكنة الخطأ.

كذلك في أن نحرص على أن لا تنحصر جهودنا الإصلاحية على معالجة ظواهر المشكلات، بل النفاذ منها إلى معالجة جوهر المشكلات التي يعاني منها لبنان. وهذا هو ما أصبحنا عليه الآن- وياللأسف- وفي هذا الخصوص، يحضرني ما قاله الحجاج بن يوسف للذين التقاهم عندما ذهب إلى الكوفة مُرْسَلاً من الخليفة الأموي، وهو يهددهم ويتوعدهم: "والله لاجعلنَّ لكل واحد منكم شغلاً في بدنه"، وهمّه في ذلك أن لا يهتموا بأي أمر آخر غير تلبية حاجاتهم الإنسانية الأساسية، وبالتالي أن لا تعود لديهم القدرة على التفكير بالأمور العامة".

هذا التهديد ينطبق على حال اللبنانيين في هذه الأيام. إذ أصبح اهتمامهم محصوراً بتأمين ربطة الخبز وحبة الدواء وقسط المدرسة وفاتورة الكهرباء وتنكة البنزين، وكل هذه الأمور هي طبعاً مهمة وضرورية، ولكنها لا تشكِّل في الحقيقة سوى مظهر من مظاهر المشكلات التي يعاني منها اللبنانيون الآن وليس أسبابها.

بدايةً، لا بدّ لي هنا من أن أقول أنَّ لبنان بحاجة إلى إيمان والتزام وإرادة قوية من أجل تنفيذ الخطة الإصلاحية التي طال الاستعصاء على اعتمادها وتنفيذها وعلى مدى سنوات طويلة. وهي الخطة التي يجب ان تشمل المسائل الاقتصادية والمالية والنقدية والإدارية، بما في ذلك أيضاً التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي.

هنا نصل إلى قاعدة أساسية يجب علينا الإيمان بها، وهي أنّ الدول لا تفلس، إذ أنّ الدولة- في أي بلد ومنها لبنان- فإنّ الدولة وعن طريق الإدارة المتبصرة والرؤيوية والحكيمة والمحوكمة قادرة دوماً على خلق قيم اقتصادية جديدة، وبالتالي لا يمكن التعامل مع الدولة- أي دولة- وكأنها شركة مفلسة، بل هي كيان قائم ومستمر وقادر على النهوض والتطور.

وفي هذا الشأن، علينا أن نؤمن بذلك في ما خصّ الدولة اللبنانية وقدرتها على خلق هذه القيم الاقتصادية.

إلاّ أن كل ذلك، وعلى أهميته يعتبر غير كافٍ إذا لم يشمل الإصلاح: إصلاح الشأن السياسي، وإصلاح الشأن الإداري العام. وذلك يكون في العمل على أن تستعيد الدولة اللبنانية دورها وسلطتها الحصرية على كامل أراضيها ومرافقها، وكذلك على قرارها الحر. وذلك كلّه من أجل استعادة ثقة اللبنانيين بالغد وكذلك استعادة ثقتهم بالدولة اللبنانية، واستعادة ثقة الأشقاء والأصدقاء بالدولة اللبنانية التي تحترم القانون والنظام، وكذلك أن تستعيد الثقة بالاقتصاد اللبناني وبمستقبله.

س: هل نحن قادرون على الخروج من هذا الجحيم؟

ج: نعم، نحن قادرون. ولكن ذلك يتطلب منا إيماناً وإرادةً وعزماً وقيادةً صحيحة ورؤيوية يطمئن إليها اللبنانيون بأنّ هذه القيادة ستكون قادرة أن تمخر بسفينة الدولة عباب البحر الهائج وتتفادى الألغام لتصل إلى شطّ الأمان.

س: ما هي أبرز تحديات العام المقبل؟

ج: البدء بإعادة تكوين السلطة وبالتالي فإنّ التحدي الأول بدايةً يكون في إنجاز عملية انتخاب الرئيس الجديد للبنان. وهو الرئيس الذي ينبغي أن يكون لديه الإيمان الكامل والصارم باتفاق الطائف وبحسن تطبيقه، وكذلك في استكمال تطبيقه. وأنّ عليه أن يؤمن بدوره كرئيس للجمهورية في بلد نظامه ديموقراطي برلماني، وبأنه هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن، وهو الجامع للبنانيين والضامن لعيشهم المشترك والمؤتمن على سيادة واستقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه. وأنَّ عليه أن يتصرف بأنَّه فوق الجميع وانّه رئيس للجميع وليس رئيساً لفريق من اللبنانيين. وهذا من أهم الدروس التي يجب استخلاصها من تجربة الرئيس ميشال عون الذي حرص على أن يتنكّر لكل هذه المبادئ والقواعد.

كذلك أن يؤمن هذا الرئيس الجديد أيضاً بأنّه ليس جزءاً من السلطة التنفيذية، بل هو الجهة التي تضمن صحة التوازنات الداخلية وصحة ممارسة النظام اللبناني القائم على مبدأ الفصل بين السلطات وعلى توازنها وتعاونها، وكذلك أن يعمل لكي يأخذ اللبنانيين نحو المستقبل، وليس أن يبقوا مسمَّرين في خلافات الماضي.

والتحدي الثاني بعد انتخاب الرئيس العتيد هو في تأليف الحكومة المتضامنة فيما بين أعضائها، والتي تستطيع أن تحكم على قاعدة احترام قواعد النظام الديموقراطي البرلماني، أي بوجود أكثرية تحكم وأقلية تعارض. وبذلك يستقيم النظام الديموقراطي البرلماني، لأنّ التجربة التي خضناها في لبنان خلال السنوات القليلة الماضية كانت تقوم على قاعدة الديموقراطية التوافقية والتي أدت بالفعل إلى تجزئ السلطة وإلى تحكُّمِ وتسلُّط الأقلية على الأكثرية، وبالتالي إلى عدم توصل الحكومات المتعاقبة إلى قرارات صالحة لتسيير دفة الحكم في البلاد، وهذه النظرية السيئة التي جرى الترويج لها من قبل الأحزاب الميليشياوية من أجل أن تستمر سطوة السلاح بيد حزب الله ومن خلاله. وهو ما أدّى إلى أن يتحول مجلس الوزراء اما إلى مكان لإجراء التسويات والمقايضات بين تلك الأحزاب على حساب الدولة، وعل حساب المواطنين اللبنانيين، أو إلى مكان لممارسة حق الفيتو على بعضهم بعضاً بما يؤدي إلى التعطيل، وهو ما شهدناه وعانيناه على مدى سنوات طويلة.

س: ما الذي يجب ان يتغير في العام الجديد؟

ج: علينا أن ندرك أنّ المشكلة هي في ممارستنا للسلطة وليست المشكلة في اتفاق الطائف. نحن مثل سائق السيارة الذي يصر على مخالفة أنظمة السير ويقود السيارة على الجانب الأيسر من الطريق وليس على الجانب الأيمن، ولكنه يرمي المسؤولية عن الحوادث التي يرتكبها في قيادته للسيارة على نظام السير مع أنه هو الذي يخالف الأنظمة المتعلقة بالسير هكذا.

وبالتالي لا تقع المسؤولية حقيقة على اتفاق الطائف الذي لم تجر ممارسته مع ما ينص عليه هذا الاتفاق ولا جرى استكمال تطبيقه، بل تقع على الممارسات التي طبعت الفترة السابقة وحتى الآن.

المسألة الأساس التي يجب أن نقتنع بها هي في ضرورة العودة إلى احترام الدستور وفي العودة إلى استعادة الدولة من خاطفيها لتعود صاحبة السلطة الوحيدة، وتكون لها المهابة والاحترام بكونها تطبق الدستور والقوانين بعدالة على الجميع دون أي تحيّز وافئتات على أحد.

الذي يجب ان يتغير أيضاً هو الاقلاع عن التعطيل المتعمد من قبل حزب الله والاطراف الحليفة له. إذ أنه، وفي الانتخابات الرئاسية السابقة تم تعطيل جلسات مجلس النواب ولم يسمح لها في الانعقاد حتى وصل ميشال عون. واليوم، ها هو الرئيس عون وحلفاؤه لايزالون يعتمدون الأسلوب ذاته، ولكن مع مستجد جديد هو استعمال الورقة البيضاء التي هي البديل للتعطيل المباشر لمجلس النواب، إذ كانوا في السابق لا يحضرون الجلسة. أما اليوم فهم يحضرون الدورة الأولى من جلسة الانتخاب ويقترعون بأوراق بيضاء، ويختفون بعدها لتقفل الجلسة ولتفتح بعدها من جديد، وكأنها الجلسة الأولى وهكذا دواليك.

س: لو كنت في المسؤولية ما هو القرار الذي قد تتخذه والذي يمكن ان يشكل هدية للبنانيين؟

ج: هناك قرارات أساسية ولا تتطلب مالاً أو إنفاقاً ولا موافقة من خارج الحدود. وأول هذه القرارات:

  1. إعادة الاعتبار للدولة اللبنانية في سلطتها الواحدة على كامل أراضيها ومرافقها، وبالتالي تحقيق التقدم المتدرج والمتواصل على هذا السبيل.
  2. إعادة الاعتبار للسلطة القضائية عبر توقيع التشكيلات القضائية التي وعلى سبيل المثال، سبق ان وافق عليها مجلس القضاء الأعلى، ورفض رئيس الجمهورية ميشال عون توقيعها مثل ما فعل إميل لحود في وقت سابق عندما كنت رئيساً للحكومة في العام 2005.

كذلك في العمل بإصرار على اقرار القوانين الاصلاحية والمباشرة بتطبيق ما لم يطبق منها، ولاسيما القوانين القطاعية للكهرباء وللاتصالات والطيران المدني.

  1. إعادة الاعتبار للطريقة التي اعتمدت في المجلس النيابي في الفترة الأولى من حكومتي الأولى، وذلك باعتماد أسلوب المحاسبة الأسبوعية للحكومة عبر ما يسمى جلسات الأسئلة والاجوبة الأسبوعية للحكومة (Q&A session)، وفي هذا النمط من الجلسات المعتمدة في أعرق الديموقراطيات في العالم تستقم المحاسبة وصولاً إلى سحب الثقة من الحكومة.
  2. إعادة الاعتبار للكفاءة والجدارة في تسلم المسؤوليات الحكومية والمحاسبة على أساس الأداء عبر المؤسسات الدستورية واحترام القوانين وليس عبر الأساليب الفضائحية عبر الاعلام. وكذلك عبر اعتماد الرقابة التي تقوم بها مؤسسات التدقيق المالية Audit Firms.
  3. إعادة البناء والعمل على تعزيز العلاقات العربية الطبيعية مع الاشقاء العرب ومع الأصدقاء في العالم واعتماد مبدأ تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية والدولية.
  4. التأكيد على ان لا مسامحة بشأن من اقترف ذنباً بحق الاقتصاد الوطني أو بحق اللبنانيين وبالتالي اعتماد الوسائل الشفافة والقانونية لإجراء المحاسبة المؤسساتية الصحيحة، وليس على نمط المدعي العام المتجول كما تفعل القاضية غادة عون.
  5. التركيز على أخذ اللبنانيين نحو المستقبل إذ بذلك يمكن التركيز على استعادة النمو الاقتصادي، وبالتالي يمكن التأسيس على ذلك لتمكين المودعين من استعادة جزء وافر من ودائعهم.
تاريخ الخبر: 
23/12/2022