الرئيس السنيورة في بكركي: لانتخاب رئيس الجمهورية الجديد والمسارعة إلى تأليف الحكومة الجديدة وذلك من أجل أن تكتمل السلطات الدستورية وتتأمن الإرادة وكذلك الوسائل التي يمكن على أساسها معالجة المشكلات

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 

استقبل البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قبل ظهر اليوم في بكركي الرئيس فؤاد السنيورة على راس وفد ضم : الوزيرين السابقين الدكتور خالد قباني والدكتور احمد فتفت اضافة الى النواب  السابقون الدكتور فارس سعيد الدكتور عمار حوري والدكتور مصطفى علوش والبرفسور انطوان مسرة والدكتورة لينا التنير، للتهنئة بعيد الميلاد المجيد وحلول السنة الجديدة، اضافة للبحث في الاوضاع الراهنة من مختلف جوانبها، وفي الختام ادلى الرئيس السنيورة بتصريح جاء فيه:

بدايةً، أودُّ مجدداً أن أهنئ جميع اللبنانيين بحلول عيدي الميلاد ورأس السنة الميلادية الجديدة، راجياً الله تعالى أن يحمل معه العام الجديد السلام والخير للبنان واللبنانيين، وأن يحمل معه بدايات الخروج من الأزمات والمآسي والآلام التي يعانون منها، وكذلك إقدارهم على الخروج من الكوارث التي أصابت لبنان، ولاتزال تفتك به وبهم.

كالعادة، تأتي زيارتنا لهذا الصرح لمعايدة سيدها غبطة البطريرك الراعي لنتشاور سوية في مختلف الشؤون الوطنية التي تهم اللبنانيين، ولنستزيد من إيمانه وحكمته ودوره الوطني الكبير، وذلك من أجل أن تُسهم هذه المداولات وغيرها في تصويب بوصلة مسيرتنا الوطنية والإصلاحية نحو الخلاص من هذه المآزق الكبيرة التي أصبح لبنان واللبنانيون في أتونها.

وفي هذا اللقاء، تمّ التداول مع غبطة البطريرك، ومن قبل جميع أعضاء هذا الوفد بهذه المواضيع، والتي من المفيد تسليط الضوء على النقاط الأساسية التالية:

أولاً: إنَّ القضية الأساسية التي تهم اللبنانيين وتتفوق على غيرها من قضايا ومسائل ضاغطة هي في ضرورة انتخاب رئيس الجمهورية الجديد للبنان، والمسارعة أيضاً إلى تأليف الحكومة الجديدة، وذلك من أجل أن تكتمل السلطات الدستورية وتتأمن الإرادة، وكذلك الوسائل التي يمكن على أساسها معالجة المشكلات التي تعصف بلبنان. ولهذا، فإنّ دقة الأمور والأوضاع أصحبت تقتضي من الجميع، ولاسيما من السادة النواب، التوقف عن تضييع الوقت والامتناع عن الاستمرار في إلهاء اللبنانيين بأمور جانبيه، ومنها تحت ذريعة التصويت بورقة بيضاء. وها نحن نرى كيف يتم تعامل العديد من النواب مع هذه القضية الانتخابية الكبيرة بطريقة محزنة لا تليق بالواجب الدستوري الذي انتخب الشعب نوابه من أجله. ذلك لأنّ اللبنانيين انتخبوا هؤلاء النواب من أجل أن يمارسوا- وبدايةً- واحداً من أهم أدوارهم النيابية، وهي أن ينتخبوا الرئيس العتيد للجمهورية، وأن يباشروا بعد ذلك عملية تسمية الرئيس الجديد للحكومة، وهذا التعطيل لهذا الدور هو تعطيل لنظامنا الديموقراطي- البرلماني. كذلك- وياللأسف- نرى كيف يمارس البعض التعطيل ويتم وضع الفيتوات على بعض المرشحين من قبل من ينصبوا أنفسهم لاحتكار هذا الدور.

ثانياً: إنَّ الرئيس الذي يجب أن يُنتخب هو الرئيس الذي يكون رئيساً لجميع اللبنانيين، وهو كما يصفه الدستور بكونه رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن، وهو الذي أوكل إليه الدستور حمايته من جهة، وأوجب عليه أن يمارس الحرص الشديد على سيادة واستقلال لبنان وسلامة ووحدة أراضيه ومرافقه.

فرئيس الجمهورية هو الذي يجمع اللبنانيين ولا يتسبب بفرقتهم، وهو الذي يستطيع مع الحكومة الجديدة، أن يحققا التقدم على مسارات حل المشكلات والكوارث التي أصبحت تعصف بلبنان، وأن يأخذا اللبنانيين نحو المستقبل والاستفادة من فرصه، لا أن يصار إلى إبقائهم أسرى لإشكالات الماضي ومآسيه، ويستعيدا وإياهم الثقة بلبنان الوطن والثقة بالدولة اللبنانية.

ثالثاً: هناك مفارقة نشهدها في لبنان، وهي أنَّ رؤساء الطوائف الأجلاء، هم الذين يدعون إلى وحدة اللبنانيين، وإلى الممارسة الحقّة للانفتاح والتسامح والمحبة والرحمة، ولا يحرضّون اللبنانيين على المزيد من التشنج الطائفي والمذهبي ولا يثيرون النعرات.

للأسف، وفي المقابل، نرى البعض من السياسيين اللبنانيين يتقصّدون النفخ في بوق الانقسام الطائفي والمذهبي ويجيشون محازبيهم ويخوفونهم من اللبنانيين الآخرين بداعي الدفاع عنهم، وكذلك من أجل استرجاع حقوق المسيحيين، وذلك لكي يتسيَّدوا على من يلوذ بهم.

هنا يجب علينا أن نقول الأمور بصراحة ووضوح، أنَّه لم يعد مقبولاً أن يستمر من فشلوا في تحمل المسؤولية الوطنية لسنوات طوال في إدارة الحكم في أكثر من موقع أن يحاولوا العودة لتصدر الأحداث، وذلك عبر النفخ في البوق الطائفي، على أمل أن يستعيدوا دوراً كان لهم ولم يقوموا به، وأن يظهروا بأنهم يدافعون عن الحقوق.

المشكلة أنه، وتحت ذريعة استرجاع الحقوق- وبالذات حقوق المسيحيين- خسر اللبنانيون جميعاً- وياللأسف- حقوقهم. وها هي قد انهارت الدولة اللبنانية، وانهارت القطاعات الإنتاجية والاقتصادية والمالية والخدماتية، وانهارت شبكات الأمان الاجتماعي على اختلافها، وبالتالي أصبح يجدر السؤال: أين أصبحت عملية استرجاع الحقوق التي يتحدثون عليها؟ وماذا جرى بشأن استرجاع حقوق المسيحيين؟

رابعاً: اللبنانيون يريدون حلولاً لمشكلاتهم المستعصية، ولا يريدون أن يُستعملوا وقوداً لخوض معارك جديدة لتجييش الاختلافات الطائفية والمناطقية فيما بينهم بهدف استعمالهم ليتمكن بعض السياسيين من الحصول على مكاسب وامتيازات وحصص في الدولة اللبنانية.

لنكن شديدي الوضوح، رئاسة الجمهورية ليست جائزة ترضية تُعطى لأحد، ولا هي حصة لأحد، بل هي لجميع اللبنانيين، وهي التي يفترض بها أن تكون الساهرة لحمايتهم وتعزيز عيشهم المشترك.

رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن، وهو رئيس لكل اللبنانيين، وهو الجامع بينهم وليس رئيساً لفريق منهم. فرئيس الجمهورية أوكل إليه الدستور السهر على احترامه. وعليه أن يحافظ على سيادة لبنان واستقلاله وسلامة ووحدة أراضيه ومرافقه.

خامساً: في ظلّ هذه الأوضاع الخطيرة الداخلية والإقليمية والدولية التي يمر بها لبنان والعالم، وتجنّباً لأن يتحوّل لبنان من جديد ساحة من ساحات التقاتل الإقليمي والدولي، فإنَّ الأمر يتطلب تبصراً وحكمةً ورؤيةً واضحةً وقيادة صحيحة.

هناك أمر ينبغي توضيحه بأن إخراج لبنان من أزماته ولعلاج ما يشكو منه اللبنانيون، فإنّه يجب الاعتراف بأنَّ المشكلة التي يعاني منها اللبنانيون الآن هي في أساسها مشكلة سياسية أساسية. وهي قد أسهمت في إنتاج مشكلات اقتصادية ومالية ونقدية فاقمتها أوضاع داخلية وإقليمية ودولية دقيقة وخطيرة.

المشكلة السياسية تتمحور حول ازدواجية السلطة في لبنان. إذ أنّ الدولة اللبنانية لم تعد قادرة على ممارسة سلطتها وقرارها الحر، وهذا ما أسهم مع عوامل أخرى داخلية وخارجية، وبالإضاءة إلى قدرٍ كبيرٍ من سوء الإدارة وسوء تدبير، والذي أدّى في محصلة الأمر إلى حصول هذا الانهيار الكبير على مختلف الأصعدة، وبالتالي إلى التمادي في الغرق في هذا الأتون الرهيب.

للخروج من هذا المأزق، فإنّه ينبغي أن يكون واضحاً أن هذا يقتضي الاستعانة بجملة من الأدوية الاقتصادية والمالية والنقدية والإدارية. ولكن هذه الأدوية وعلى أهميتها وضرورتها، ومهما استعملنا منها من كميات فإنها جميعها لن تكون كافية لتحقيق الهدف المنشود ما لم تترافق مع المعالجات السياسية الضرورية، والتي هي أساساً في ضرورة استعادة الدولة اللبنانية لسلطتها ولدورها ولهيبتها ولاحترامها للدستور، ولاحترامها لمبدأ فصل السلطات، ولاحترام استقلالية القضاء، وكذلك العودة إلى احترام معايير الكفاءة والجدارة في تحمل المسؤوليات العامة- كما والمحاسبة على أساس الأداء- وكذلك في استعادة لبنان للعلاقات الصحيحة بينه وبين الأشقاء العرب والمجتمع الدولي، بحيث يعود الالتزام والاحترام لقرارات الشرعيتين العربية والدولية.

أودّ في نهاية حديثي أن أكرّر أن الأوضاع الداخلية والإقليمية والدولية، تُشير إلى المزيد من المخاطر التي قد تصيب منطقتنا العربية ولبنان. ولذلك، فإنّ، الواجب على الجميع العودة إلى صوت العقل والتحسب لتجنيب لبنان واللبنانيين المزيد من المخاطر، والشروع فوراً في إنجاز الاستحقاق الرئاسي وفي تأليف الحكومة العتيدة.

تاريخ الخبر: 
30/12/2022