السنيورة لتلفزيون "العربي": أكثر من دولة دبّرت اغتيال الحريري

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 

دفاتر تاريخية، أوراق سياسية ومالية.. فتحها الرئيس الأسبق للحكومة اللبنانية، فؤاد السنيورة، في سلسلة مقابلات مع تلفزيون "العربي". هي خطوة سياسية وإعلامية من شأنها أرشفة مراحل لبنانية حفلت بالمحطات الكثيرة والخضات الأكبر، منذ اتفاق الطائف ومراحل التسوية تحت وقع الوصاية السورية، إلى مرحلة إغتيال الرئيس رفيق الحريري وما تلاها، وصولاً إلى حرب تموز 2006، وما بينهما من اتهامات بالفساد.

يتمسك السنيورة في مقابلته باتفاق الطائف وضرورة الحفاظ عليه. ويرى أنه قائم على "مسألتين إيجابيتين". الأولى، هي حسم "كيانية الدولة اللبنانية، وعدم تقسيم لبنان أو ضمه". والثانية، أن "لبنان قائم على قيم العيش المشترك وأن الدولة مستقلة، وأن لبنان بلد عربي الهوية والانتماء".

مرحلة الكيد السياسي

وصف السنيورة حقبة وصول إميل لحود إلى رئاسة الجمهورية، بأنها مرحلة الكيد السياسي. إذ يعتبر أن تلك المرحلة، ولا سيما في فترة خروج رفيق الحريري من رئاسة الحكومة بين العامين 1998 و2000، بأنها حفلت بالكثير من الاتهامات وإطلاق الشائعات. ويقول السنيورة في مقابلته: "حينها بدأت مرحلة الاستهدافات والكثير من الشائعات المضللة، من بينها ما يسمى بمحرقة برج حمود التي حصلت عام 1987 قبل الدخول إلى الحكومة". ويوضح أنه جرى "استخدام القضاء كمخلب من أجل الانتقام من الخصوم السياسيين"، في تلك المرحلة التي استمرت لنحو عامين. مبينًا أن تيار المستقبل خاض "معارضة حقيقية بكل معنى الكلمة وعلى مستوى عال من الأداء والحرفية". ويشدد على أن تلك المعارضة كانت ضرورية في العمل السياسي في تلك المرحلة، للاستفادة من تجربة المعارضة و"الإحساس بما يحس به الآخر". ويعرب عن اعتقاده بأنه تمكن هو والحريري من الاستفادة من "تجربة المعارضة".

المال والفساد

في الفترة التي تولى فيها السنيورة وزارة المالية بين عامي 2000 و2004، اتهم بهدر المال العام والتسبب في تنامي الدين والفساد ووصل الأمر إلى القضاء. وحول هذه الاتهامات، يلفت السنيورة إلى أن الإنفاق العام يتم عبر قوانين تصدر عن مجلس النواب. ويقول: "كنت أكثر شخص يعارض التوسع في الإنفاق العام، وطالبت بتطبيق الإصلاحات وبإعادة هيكلة المؤسسات وترشيد حجم نفقات الحكومة لتحقيق إدارة فعالة أكثر وكلفة أقل". ويشير إلى أن هذه الشائعات التي طالته استمرت على مرحلتين الأولى بين عامي 1992 و1998، والثانية بين عامي 2000 و2004. ويعتبر أن على من يتهمه بزيادة الدين العام الاطلاع على وضع لبنان عام 1992 حين اضطر للاقتراض على أمل تحقيق الإصلاحات.

ويستذكر السنيورة أنه عند نهاية فترته الوزارية عام 2004 قدّم قانون موازنة عام 2005، قال إن لبنان يعاني من هدر للمال العام وشدد على ضرورة معالجة هذا الأمر. وقال: "أنا كنت أول من دعا إلى اعتماد مفوضي مراقبة حسابات أساسيين لإدخال الحوكمة الحقيقية إلى إدارات الدولة ومؤسساتها". ويروي السنيورة الذي تولى حقيبة المالية في حكومة الحريري الأب الأولى، أن الجيش احتل وزارة المالية في إحدى المرات، بعدما اعترض الوزير الأسبق في حينه على شراء سيارات حديثة للضباط، وحاول التفاوض بشأن سعرها نظرًا إلى صعوبة الوضع المالي. ويقول إن الحجة لدخول الجيش إلى الوزارة هو أن سكرتيرة الوزارة أهانت المؤسسة العسكرية، معتبرًا أن هذا الأمر كان "بداية تعليمة" من النظام الأمني السوري اللبناني.

ويلفت إلى أنه كان دائمًا يضع هذه المواد القانونية في الموازنة العامة المقترحة على مجلس النواب، لكن يصار إلى شطبها، إلى أن تمكن في المرحلة الأولى -من خلال قانون أقره مجلس النواب عام 2001- أن يخضع جميع المؤسسات العامة إلى الرقابة التي تجريها المؤسسات الدولية. كما يلفت إلى أن حكومته أقرت في عام 2006 مشروع قانون أرسل إلى مجلس النواب، لإحالة كل ما يتعلق بالمؤسسات الحكومية إلى التدقيق الخارجي واللاحق الذي تجريه المؤسسات الدولية.

القرار 1559 والاجتماع العاصف

وينفي السنيورة أن يكون للحريري دور في إصدار مجلس الأمن القرار 1559، الذي أوقف الوصاية السورية على لبنان. لكنه يؤكد أن الحريري علم بالجهود الأميركية والفرنسية التي كانت تبذل باتجاه الدفع باتجاه هذا القرار. وقال: "الحريري كان راغبًا بأن يسترد لبنان سيادته وقراره الحر وعبّر عن ذلك. لكنه لم يقم بإقناع الولايات المتحدة وأعضاء مجلس الأمن لإصدار هذا القرار". ولفت السنيورة، إلى أن رئيس الجمهورية السابق ميشال عون عمل آنذاك من أجل إصدار قرار أميركي بمحاسبة سوريا. واعتبر السنيورة أن اتهام الحريري بأنه كان خلف القرار 1559 ساهم بقرار تصفيته. فبنتيجة المحاكمات التي جرت وتحقيقات المحكمة الدولية لأجل لبنان، اتهم عناصر من حزب الله كانت على تفاهم مع النظام السوري باغتيال الحريري، مضيفًا: "كان هناك من أخذ القرار وهناك من نفذ العملية".

ويروي السنيورة أنه في نهاية عام 2003 اجتمع الرئيس الحريري بالأسد و"كان اجتماعًا عاصفًا" حضره عدد من الضباط "ولم يتصرف الأسد مع الحريري بالطريقة الصحيحة. بل كان اجتماعًا تهديديًا على خلفية التمديد للرئيس لحود في الرئاسة، وإطباق النظام السوري الأمني على لبنان، والطريقة التي يتعاطى بها لحود مع الحريري". وقد حرص الحريري أن لا يذاع شيء عن ذلك اللقاء، وكتم ما جرى خلاله، لكنه أخبر السنيورة بالأمر و"قد حمل الألم في قلبه". كذلك حرص الحريري على عدم التمديد للحود باعتباره "تمديدًا للأزمة".

اغتيال الحريري

وقال السنيورة: "كان رأيي أن يغادر الحريري لبنان بعد أن يقدم استقالته دون أن يجدد للحود وكان فليحان يميل للموقف نفسه"، لكن الحريري كان يقول إن جماعة النظام السوري، أي أبو عبدو الموجود في بيروت وأبو يعرب الموجود في عنجر، كانوا كافلين بأن يغير الأسد طريقة التعامل مع الحريري بعد أن يوافق على التمديد للحود، الذي لا يمكن أن يتم سوى عبر تعديل الدستور الذي يحصل عبر اقتراح تتبناه الحكومة وترسله إلى مجلس النواب لإقراره.

وفي شباط 2005 اغتيل رفيق الحريري. وفي هذا السياق، قال السنيورة: "جرى سحب القوى الأمنية المواكبة لرفيق الحريري بأمر من مدير عام قوى الأمن الداخلي، وبموافقة رئيس الجمهورية". وأضاف أن الحريري كان يستبعد دائمًا فكرة اغتياله، التي كانت ضربًا من الجنون، حيث كان لذلك الاغتيال تداعيات على أكثر من صعيد لبناني وعربي ودولي مستمرة لليوم. واعتبر السنيورة أن من "أراد اغتيال الحريري كان يريد وضع يده على لبنان وعلى سوريا والعراق وبعد ذلك على اليمن. لكن النتيجة كانت مختلفة وهي "خروج سوريا من لبنان لكن كان بديل سوريا قد أصبح جاهزًا وهو حزب الله حيث كانت إيران تخطط لهذا العمل". وقال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق: "إن اغتيال الحريري لم يكن عملًا مرتكبًا من أشخاص بل كان عملًا منسقًا ومدبرًا من أكثر من دولة".

وأشار إلى أن المحكمة الدولية اتهمت وأدانت خمسة أشخاص من حزب الله باغتيال الحريري، لافتًا إلى أن إقرار المحكمة الدولية واجه عقبات مختلفة. وعبّر السنيورة عن اعتقاده بأن النظام السوري كان على بينة وموافقة على اغتيال الحريري، حيث إن المحكمة الدولية لا تدين نظاماً أو حزباً. ولفت إلى تسوية فعلية مع الصين وروسيا لتجنب وضعهما فيتو في مجلس الأمن. وأحدث غياب الحريري فراغا سياسياً كبيراً، فهو "لديه تأييد واسع وكان مدعومًا من الدول العربية، إضافة إلى علاقات شخصية جيدة مع دول العالم".

حكومة السنيورة و11 ملياراً

وحسب السنيورة، كان هناك رأي عربي بأن لا يتم اختيار سعد الحريري لرئاسة الحكومة، فأصر سعد الحريري على أن يتولى السنيورة تشكيل الحكومة. والتقى السنيورة بلحود وطلب منه أن تكون علاقتهما مباشرة من دون مراسيل، ثم بالبطريرك مار نصرالله بطرس صفير، وأخبره بأنه يريد تأليف حكومة لكل اللبنانيين. كما التقى رئيس مجلس النواب نبيه برّي. وفي تموز ألف السنيورة حكومته. ويقول: "واجهت الفترة التي تولى فيها رئاسة الحكومة اتهامات بالفساد لخصها التيار الوطني الحر في كتاب "الإبراء المستحيل". ويرد السنيورة أن "حكومته أرسلت موازنات 2006 و2007 وحتى عام 2009 ورفض برّي استقبال بعضها بدعوى أن الحكومة غير دستورية".

ويؤكد أن مبلغ الـ11 مليار دولار صُرف في السنوات التي تولى فيها رئاسة الحكومة بناء على قوانين. وللرد على "الافتراءات" بحق السنيوة، أصدر تيار المستقبل كتاب "الافتراء في كتاب الإبراء"، ثم أصدر السنيورة كتابين هما "المالية العامة بين التسييس والتضليل" و"الدين العام اللبناني". وأشار السنيورة إلى أن الذي رد على كل هذه الافتراءات هو مدير المالية العامة الذي ينتمي لفريق الثامن من آذار، حين قال عندما سئل عن الـ11 مليار: "هذه مسجلة في دفاتر وزارة المالية وفي قيود جميع الوزارات المعنية قرشًا قرشًا".

بعد 2019

واعتبر السنيورة أن المبادرة الفرنسية السعودية الأخيرة لحل الخلاف بين لبنان والرياض "غير قابلة للتنفيذ" من حيث البنود التي تشير إلى حزب الله. ورأى السنيورة أن المبادرة جاءت بعدما تقدم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمبادرته الأصلية عام 2020، لكن "جرى مخالفتها وتألفت الحكومة على غير القواعد التي حددها آنذاك، بأن تكون حكومة من المستقلين وأصحاب الكفاءة". كما اعتبر أن حكومة نجيب ميقاتي تألفت بعد موافقة طهران، فيما اتهم حزب الله بـ"الإمساك بالدولة واختطافها لمصلحة إيران".

وفيما يخص جبهة المعارضة وإعادة إحياء فريق "14 آذار"، فقد اعتبر السنيورة أن "هناك وضعاً مشرذماً داخل الصف الاستقلالي الحريص على الدستور ووثيقة الوفاق الوطني والعدالة". وإذ اعتبر أنّه "ليست هناك محاولة لاستعادة 14 آذار"، رأى أنّ "هناك حاجة إلى انتظام العمل الوطني بشكل سليم". وبالنسبة لمسألة حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة، فقد اعتبر السنيورة أن "المشكلة الأساس في الحكومات المتعاقبة والمجالس النيابية التي لم تمارس ما عليها من أجل معالجة المشكلة المتفاقمة منذ عام 1975". وقال إنه "من الظلم أن كانت العملية تطال حاكم مصرف لبنان لوحده". وأكد أن "لبنان يعاني من عجز مزمن في الموازنة والخزينة استمر 46 سنة". ورغم أنه رأى أن المشكلة بدأت بالحكومات والمجلس النيابية، إلا أنه رأى أن هناك "مسؤولية على حاكم مصرف لبنان".

تاريخ الخبر: 
06/01/2023