الرئيس السنيورة : الحديث ان لبنان مفلس غير صحيح والحل بايدينا ولم تعد تنفع المسكنات والمراهم

أكد رئيس كتلة المستقبل النيابية الرئيس فؤاد السنيورة في كلمة خلال جلسة مناقشة الموازنة أن الكهرباء مسؤولة عن 42% من الدين العام، معتبرا أنه عندما تصبح الدول مجبرة على الاصلاح فإنه يصبح أشد ايلاما لكثير من المواطنين.
وشدد الرئيس السنيورة على أن الحديث عن ان لبنان افلس غير صحيح وهناك فرص كبيرة من صنع ايدينا.
وأكد الرئيس السنيورة أنه لم يعد بإمكان تلك السيارة ان تجر تلك المقطورة فليس هناك من بديل غير المسارعة بالتقدم على المسارات الاصلاحية الموازنة.
\واعتبر أنه علينا أن نعيد الاعتبار للوظيفة العامة والمطلوب رفع يد الاحزاب والميليشيات عنها.
ودعا الرئيس السنيورة إلى العمل على ترشيق الدولة وتأمين مقتضيات التعاون ليقوم القطاع الخاص بدوره في تطوير الاقتصاد.
كلام الرئيس السنيورة جاء في كلمة له استهل فيها جلسة مناقشة موازنة العالم 2018 وهي الكلمة التي أرادها مطالعة عن رؤيته للأوضاع في البلاد ويبل معالجة حالة الموازنة والعجز الكبير في مؤسسات الدولة وفي ما يلي نص الكلمة:
دولة الرئيس،
أبدأ حديثي دولة الرئيس باستعادة طرفة تقول: إنّ أحدهم، وبينما كان يمشي في أحد شوارع المدينة عقب غروب الشمس، إذا به يصادف رجلاً منحنياً يفتش في الأرض تحت ضوء البلدية. فتوقف عنده ليسأله عما يبحث. فأجابه: بأنه يبحث عن ليرة ذهبية أضاعها. قال له وأين أضعتها؟ فأشار له ذلك الرجل إلى مكان بعيد عن وجودهما وبأنه أضاعها هناك. فقال له: ولماذا تبحث عنها هنا إذاً؟ فردّ عليه قائلاً: لأنه يوجد هنا بعض النور يمكن أن أستضيءَ به، هذا مع إدراك ذلك الرجل بأنه لا يفتش في المكان الصحيح.
تختصر هذه الطرفة إلى حدّ ما، ما أصبح عليه وضْعُنا نحن في لبنان، ولاسيما فيما يتعلق بما نبحث عنه من حلول حاسمة للعديد من المشكلات الناتجة عن تردي أوضاعنا الوطنية والسياسية والمالية والاقتصادية والإدارية، وما أصبح عليه حال الإصلاح الذي ما فتئنا نتحدث عنه ونتعهد بتنفيذه ولا نمارسه لا في المكان ولا في الزمان الصحيحين ونستمر في إضاعة الفرص الكثيرة التي سنحت وتسنح لنا ولا نغتنمها.
في الحقيقة يا دولة الرئيس، أنه في هذا المجلس الذي ضمّنا سويةً تسع سنوات، وكذلك أيضاً في المجالس النيابية السابقة، وعلى مدى سنوات عديدة سابقة، ترأسْتُها أنتَ يا دولة الرئيس، والتي كان لي الشرف أن أحضر جلساتها دون أن أكون نائباً، إذ كنت في حينها وزيراً للمالية، وبعد ذلك كنت رئيساً لمجلس الوزراء، وكانت تجري فيها مداولات ونقاشات مطولة بشأن الكثير من الشؤون الوطنية والسياسية والأمنية، وكذلك بشأن الأوضاع الاقتصادية والمالية والإدارية من أجل معالجة المشكلات المتفاقمة ولتحقيق النهوض المنشود. لقد كانت أغلب تلك الجلسات تشهد بحث مسائل الحاجة الماسة للقيام بالإصلاح. ولكن، وياللأسف، كانت تلك المحاولات المتكررة تصطدم وتُواجَهُ بعراقيل شتى من كل نوع ومن كل حدب وصوب من أجل عدم السير بها. وذلك باستثناء ما جرى في العامين 2001 و2002، حيث أُقِرَّت قوانين واُتخذت إجراءات إصلاحية، ولكنْ جرى إجهاضُ معظمها بعد ذلك.
في الحقيقة، فإنّ ما حصل حتى اليوم يعبّر، بطريقةٍ أو بأُخرى، عن عدم توافر الإيمان العميق والإرادة الحازمة والصلبة لدى عدد ليس بالقليل من أصحاب القرار في لبنان لاعتماد السياسات والبرامج الإصلاحية المطلوبة.
لقد علمتنا التجارب يا دولة الرئيس، أن الإصلاح من أجل تحقيق النهوض والتلاؤم مع المتغيرات والتحولات الحاصلة هو أمر تقوم به الدولُ عندما تكونُ قادرةً عليه، وليس عندما تصبحُ مجبرةً عليه. ذلك لأنّ الإصلاح يصبح عندها أكثر إلحاحاً وأكثر كلفة وأيضاً أشدّ إيلاماً لأكثر للمواطنين. وفي هذا الأمر يقول المثل الإنكليزي Make hay while the sun shines، إذا أردت أن تحضر التبن أو القش لإطعام الماشية فعليك أن تقوم به عندما تكون الشمس ساطعة، وليس عندما يأتي موسم الأمطار ويصبح ذلك عملاً مستحيلاً.
ولكن «أن يأتي الإنسان متأخراً، خير من أن لا يأتي على الإطلاق».
الأمر الآخر يا دولة الرئيس، هو أن الإصلاح ليس عملاً تقوم به الدول على أنه عملية عابرة وينتهي الأمر. إنه في الواقع رحلة، ورحلة مستمرة تقتضي إيماناً حقيقياً تستطيع الدولُ من خلاله ان تتقدم على مساراته. وهو أيضاً يجب أن يشكل التزاماً مستمراً وإصراراً على متابعته حتى يتوسع ويترسخ ويتعمق الإصلاح من أجل تحقيق التلاؤم المستمر. وبالتالي فإنّ المعالجات الشكلية التي تفتقر الى وضوح الرؤية ولا تترافق مع الجهد والمكابدة والمثابرة والالتزام والتقيد بالمبادئ التي يقوم عليها الإصلاح، وبما يعنيه من احترام حقيقي ودائم للدستور والقوانين، ولفكرة الدولة القادرة والعادلة، تكون معالجات عابرة تنتهي وتمَّحي آثارها. وبالتالي تعود الأمور الى ما كانت عليه ولربما إلى الأسوأ.
دولة الرئيس،
نجتمع اليوم لنتحدث حول موضوع إقرار مشروع قانون الموازنة العامة للعام 2018، وذلك أيضاً من ضمن الاستعداد لحضور مؤتمرات دولية الهدفُ منها مساعدةُ لبنان على تحقيق النمو والنهوض ومعالجة مشكلاته المتفاقمة بفعالية وكفاءة.
يأتي تناولنا لمشروع قانون الموازنة العامة للعام 2018، في ظل التباطؤ المستمر في النمو الاقتصادي الذي مازال يتراوح في حدود 1-1.5 بالمائة على مدى السنوات السبع الماضية. وفي ظل استمرار العجز السنوي في الموازنة وفي الخزينة، بحيث أصبح يتخطى الخمسة مليارات دولار سنوياً، وفي ظلّ تصاعد الدين العام ليتخطى عتبة الثمانين مليار دولار·في نهاية العام2017. كما وتتصاعد نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي إلى حدود مقلقة، وتتفاقم مشكلة العجز في ميزان المدفوعات للسنوات الخمس الماضية. كذلك فقد ازداد الخلل الهيكلي في الموازنة، إذ قد أصبحت كلفة الرواتب والأجور والمعاشات التقاعدية مضافاً إليها خدمة الدين العام تتخطى ما نسبته 75% من مجموع الإنفاق السنوي في الموازنة. هذا فضلاً عن تراجع القدرة التنافسية للاقتصاد اللبناني بصادراته السلعية والخدماتية وتتفاقم معدلات البطالة. كذلك أيضاً تتراجع المناخات الداخلية الملائمة والمحفزة على الاستثمار بسبب تراجع وانحسار سلطة الدولة والقانون والنظام.
وتترافق مع ذلك كله، أوضاع غير مستقرة في المنطقة على الصعد السياسية في ضوء الأحداث الجارية في سوريا وليبيا والعراق واليمن، وكذلك في العالم بما يزيد من حدة المخاطر والصدمات السياسية والأمنية، التي قد يتعرض لها لبنان وذلك مع تراجع مناعة لبنان الداخلية على وقع تصاعد الخطاب ولهجة العصبيات العنصرية والشعبوية التي تزيد من هشاشة الأوضاع العامة والاستقرار الوطني والأمني في لبنان. كما يترافق مع ذلك أيضاً تراجع الفوائض المالية في المنطقة بسبب الانخفاض النسبي في أسعار النفط وزيادة الأعباء الاقتصادية والمالية لدى دول المنطقة العربية، وتأثيرات وتداعيات ذلك كله على لبنان وعلى فرص العمل لدى اللبنانيين في المنطقة وعلى حجم التحويلات المالية إلى لبنان.
إنّ هذا كله ينبغي أن يكون أسباباً كافية لنا لإدراك هول المشكلات السياسية والاقتصادية والمالية والإدارية التي يواجهها لبنان. وفي المحصلة حاجته الماسة والكبرى للمبادرة إلى إجراء الإصلاحات الهيكلية الصحيحة في السياسات، وفي البرامج وفي الموازنة العامة، وكذلك في الإدارة والمؤسسات العامة بما يمكنه من المواجهة الصحيحة والناجحة لتلك التحديات المتلاطمة.
ولا بدّ لي هنا من الاستشهاد بالقول الكريم: "إنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". فلا يمكن لأمة ان تتوقع وتتلقى العون من أحد إذا لم تتوفر لها الإرادة والعزيمة في ان تساعد نفسها بدايةً من أجل النجاح في المواجهة وتحقيق النهوض.
أودّ هنا يا دولة الرئيس، أن أعود بالذاكرة الى جلسة للهيئة العامة تمت خلال العام الماضي، وتحديداً في جلسة مناقشة الموازنة العامة للعام 2017، والتي أشرتُ فيها في مداخلتي في مجلس النواب بتاريخ 18/10/2017 الى امرين: الأمر الأول، عندما قلت انه وفي خلال شهر تموز من العام 1997 أي قبل عشرين سنة عُقد مؤتمرٌ في القصر الجمهوري بدعوةٍ من الرئيس الياس الهراوي رحمه الله وأيضاً الرئيس رفيق الحريري رحمه الله وكنتُ أنا وقتها وزيراً للمالية وأيضاً كان هناك عدد من الوزراء الآخرين. هذا الى جانب حضور عدد كبير من رؤساء الفعاليات الاقتصادية والاتحادات العمالية والنقابات، وجمع غفير من المهتمين بالشأن العام والشأن الاقتصادي والشؤون المالية والنقدية. وبالتالي، وبعد نقاش ومداولات استمرت على مدى ثلاثة أيام انتهى الأمر بإقرار جملة من الخلاصات والتوصيات التي كان يُقصد منها أن تشكل بوصلةً ليتقدم لبنان على مساراتها، ومن أجل اعتماد وتنفيذ سياسات وبرامج إصلاحية تمكن لبنان من أن يحقق تقدماً على مسار النهوض والتلاؤم الاقتصادي والمالي، وبما يشكل محفزاً له لتحقيق زيادة معتبرة في معدلات النمو الاقتصادي، وتقدماً في مجالات التنمية الاقتصادية المناطقية. وذلك إلى جانب إقداره على إجراء معالجة صحيحة وفعالة للمشكلات المالية والإدارية، والحدّ من تراكم الدين العام والتوصل الى تحسين الأوضاع المعيشية لدى للمواطنين، وأيضاً للإسهام في إيجاد المزيد من فرص العمل الجديدة أمام الشباب اللبنانيين.
ولقد قلت لزملائي في مجلس النواب آنذاك انه لو اطلع أحد منكم على ذلك البيان فسوف يتساءل بينه وبين نفسه: هل هو يقرأ بياناً تمت صياغته لمعالجة المشكلات التي كانت موجودة في العام 1997 أم أنه تمت صياغته البارحة لمعالجة المشكلات القائمة في العام 2017 أي بعد مرور عشرين سنة بالتمام والكمال على ذلك المؤتمر.
ماذا جرى بعد ذلك الاجتماع؟ للأسف، لا شيء!! كالعادة انتهت تلك الاجتماعات والخلوات الى مقررات لم تأخذ طريقها للتنفيذ كبعض القوانين التي نسنّها ولا ننفذها. جوهر المشكلة كان ولايزال هو في عدم توافر الإرادة في الالتزام بتنفيذ الإصلاحات وتطبيق القوانين واعتماد القواعد الصحيحة في الإدارة الرشيدة، ولا في الحرص على ترشيق الدولة وزيادة فعاليتها وإنتاجيتها. والسبب في ذلك تلكؤ الكثير من القيادات السياسية في لبنان وعدم رغبتها في التعاون، وإلى تمنعها عن العمل مع المواطنين لمصارحتهم بحقيقة الواقع ولإقناعهم بالسير على مسارات الإصلاح الصحيح.
إنّ هذه الحقيقة الصادمة تدلّ على مدى اتساع الفجوة بين العلم بالشيء وبين ترجمته إلى عمل إرادي مصمم على تنفيذ المعالجات التي تضع الوطن على المسارات الحقيقية المؤدية للنهوض.
الحقيقة اليوم أننا نواجه ذات المشكلات. إلاّ أنّ الفرق الوحيد هو أنها زادت حدّة وخطورة عما كانت عليه في العام 1997 نتيجة التقاعس والمراوحة والإهمال والتلكؤ عن المبادرة، والإصرار على اعتماد المقاربات الشعبوية التي هي ليست بمعالجات، بل هي بالفعل ليست سوى الإمعان في حفر وتعميق الحفرة التي جرى دفع الوطن، كل الوطن، وكل اللبنانيين إليها نتيجة الامتناع وحتى اليوم عن سلوك طريق الإصلاح الصحيح.
الأمر الثاني، الذي ذكرته آنذاك يا دولة الرئيس، وقد بدا في حينه أني أذكره على سبيل الطرفة ولكنها طرفة تصف في الواقع حقيقة المشكلة التي وصلنا اليها. ولقد أوردْتُ ذلك في جلسة مجلس النواب بتاريخ 15/03/2017، وذلك خلال مناقشة مسألة إقرار قانون سلسلة الرتب والرواتب، وكما نعلم جميعاً، فقد تأخر إقرار السلسلة سنتين لأسباب عديدة ومنها بسبب الاتجاه، الذي كنتُ أُعارضه ومعي زملاء آخرون، والذي دفع لإقرار تلك الزيادات غير المنضبطة للرواتب والأجور والتي لا يستطيع أن يتحمل أعباءها الاقتصادُ اللبنانيُّ ولا الخزينةُ اللبنانيةُ ولا القطاعُ الخاصّ اللبناني.
دعوني اختصر تلك الصورة بنموذج السيارة الصغيرة والمقطورة، حيث يتوجب على السيارة الصغيرة أن تَجُرَّ المقطورة. بمعنى القول ان حجم الدولة وأعباءها أصبحا أكبر من حجم الاقتصاد اللبناني وإمكاناته وقدراته. والمعضلة المأزق الآن كيف يمكن لهذا الاقتصاد أن يتحمل أو ينهض بعبء ذلك الحجم المتعاظم للدولة وآلتها المتضخمة في الحاضر والمستقبل في أكثر من مجال.
إنّ ما زاد في حدة وحراجة هذا المأزق هو أنّ اللبنانيين لم يتوقفوا عن مفاقمة تلك الحال التي وصل إليها لبنان. فعلى مدى جلسات وجلسات كانت هناك مطالبات للحصول على قسم من الموارد المتناقصة بالمقارنة مع المطالبات المتضخمة. والمفارقة في ذلك، هو تهافت السياسيين والأحزاب والميلشيات اللبنانيين، من أجل أن يحجز كل لفريقه أو لجماعته موقعاً في مركب القطاع العام اللبناني الذي لم يعد يتحمل عدد راكبيه وأحمالهم، فكيف بالإضافات المرتقبة.
صحيح يا دولة الرئيس، أنّ على مجلس النواب ان يأخذ بعين الاعتبار ضرورة إيجاد فرص عمل جديدة للبنانيين في القطاع العام. كذلك أيضاً في إنصاف وتحسين أوضاع جميع العاملين في الدولة ومن كافة الأسلاك. إنّ هذه أمور في غاية الأهمية والضرورة. ولكن وكما نعلم، أنه يجب وكما في كل عمل تشريعي، أن يكون هناك تبصر كبير في الأمر من أجل النظر في كل التداعيات التي قد تنتج عن تلك التشريعات التي لم تكن تأخذ قسطها الحقيقي من التبصر والتحسب فيما قد يكون لها من نتائج وعواقب.
الحقيقة الساطعة التي يجب ان لا ننساها، انه وفي حمأتنا كمشرعين من أجل إنصاف العاملين في الدولة كنا لا نأخذ بعين الاعتبار المواطنين الذين يتوجب عليهم ان يتحملوا الفاتورة النهائية للأكلاف المترتبة، وكذلك لقدرة الاقتصاد على التحمل، ولا نتثبت من مدى القدرة على الحفاظ على التوازن والانسجام بين شتى القطاعات الاقتصادية وتحديداً بين حاجات ومستلزمات القطاع العام وقدرات الخزينة العامة وكذلك إمكانات القطاع الخاص. ومثال صارخ على ذلك الآن موضوع الأعباء التي ترتبت على المدارس الخاصة والتي لا تستطيع لا هي ولا الأهل تحملها. هذا فضلاً عما ينوء القطاع العام والمالية العامة بما يتحمله من أعباء إضافية جراء تلك الزيادات.
وهنا، دعني أقول يا دولة الرئيس، أن علم الاقتصاد في جوهره، هو في كيفية التوفيق في عملية التوزيع للموارد الضئيلة المتوافرة في مقابل المطالب المتضخمة والتوقعات المتعاظمة. والدولةُ التي تنجحُ في ذلك التوفيق تحصُلُ على النمو وعلى الاستقرار وعلى الازدهار.
المشكلةُ الآن يا دولة الرئيس، هي أن الدولة اللبنانية لم تتقيد بالبرامج الإصلاحية التنفيذية التي جرى التعهد بتنفيذها في الأعوام 2002 و2007 بنتيجة مؤتمري باريس-IIوباريس-III، واللذان اشتملا على برامج لتخفيض الأعباء وكلفة الدين العام والإنفاق، وإطلاق المشاريع الإنمائية وأيضاً خطة للتمكين الاجتماعي ومحاربة الفقر. واسمح لي يا دولة الرئيس، بأننا لو استنطقنا محاضر اجتماعات مجلس النواب، لنطقت بما كنت أقوله وكان يقال آنذاك من أنه علينا أن نعمل على ترشيق الدولة اللبنانية لتكون أقلّ حجماً وأكثر فعاليةً وأقلُّ كلفةً وأكثرَ إفادةً لجمهور المواطنين.
دولة الرئيس،
هل توقفنا عن تلك الممارسات الخاطئة التي أدّت في المحصلة إلى مراكمة ومفاقمة الأثقال الاضافية على جسم الدولة وحجمها وأصبحت تودي برشاقة الدولة وحيويتها وإنتاجيتها وفعاليتها. للأسف، لم نتوقف.
الحقيقة أنه كان هناك إهمال مستمر لزيادة قدرات السيارة، وعمل مستمر من أجل زيادة الأعباء والأحمال على تلك القاطرة نتيجة زيادة حجم الدولة والإحجام عن ترشيقها.
نحن الآن دولةَ الرئيس وزملائي النواب، نمرُّ في خضم هذه المعمعة وتداعياتها وعلينا أن نعترفَ أنه لا فائدة من المغالاة ولا من الإنكار. باختصار شديد لم يعد بإمكان تلك السيارة أن تجر تلك المقطورة.
والآن، وقد "اتسع الخرق على الراتي"، فليس هناك من بديل غير المسارعة للتقدم على المسارات الإصلاحية ويبدأ ذلك بالمصارحة والصدق والمكاشفة مع المواطنين وعدم الاكتفاء باستعمال المراهم والمسكنات الظرفية.
دولة الرئيس،
في هذا الصدد، ليس هناك على الإطلاق من أعمال سحرية يمكن للبنان أن يقوم بها في هذا المجال مهما فعلنا من هندسات، ومن نظريات، ومن مؤتمرات ودراسات واستشارات من هنا او من هناك. إذ ليس هناك من حلول حقيقية غير سلوك الطريق المؤدي عملياً إلى تحقيق معدلات مرتفعة من النمو وتأمين مقتضياته، وإصلاحاً هيكلياً في بنية الموازنة، وخفضاً في مجموع الإنفاق مع التأكد من جدوى كل إنفاق نقوم به. وفي المحصلة، العمل على ترشيق الدولة من جهة والتعاون مع القطاع الخاص من جهة أخرى ليبادر إلى القيام بالدور المؤهل له في الاقتصاد الوطني، وهذا يتطلب تأمين مقتضيات هذا التعاون.
أُسارعُ للقول تذكيراً بما قلتُهُ هنا في مجلس النواب وأن ما أقوله ليس دعوةً لليأس وليس داعيةً للإحباط لدى المواطنين، حيث لا يجدي الكلام الذي يطلق على عواهنه وقد سمعناه مؤخراً أنّ البلاد قد أفلست وهو كلام غير صحيح وغير مفيد، ويعني انتفاء الإرادة للخروج من الحالة التي وصلنا إليها وهذا غير مقبول. على عكس ذلك تماماً أنا ما زلت أقول يا دولة الرئيس أنه ماتزال أمامنا فرص من أجل الخروج من هذه المآزق المنهالة علينا والتي هي في قسم كبير منها من صنع أيدينا. لكن هذه الفرص المتاحة تتدنى تدريجياً وبسرعة وتصغر الدائرة التي يمكن أن نتحرك فيها.
إنّ هذا يتطلب منا عقلاً راشداً وتعقلاً في مقاربة الأمور بعيداً عن الشعبوية وإثارة الغرائز والعصبيات. كما يتطلب ذلك إرادة حازمة في إجراء الإصلاحات على قاعدة "يا سواري بحبك بس مش قد زندي"، ومتواكباً ذلك كله مع قلب رحيم في آن معاً.
ماذا علينا ان نقوم به، علينا أن نزيد من قدرتنا على معالجة المشكلات التي تحدثت عنها ونعرفها جميعاً.
دولة الرئيس،
يأخذني الكلام هنا للحديث عن الدولة وإدارتها التي يفترض أن تكون هي الآلة التي تعمل من أجل تحقيق الصالح العام ويكون عملها منصباً على تحقيق التلاؤم والتناغم مع التطورات والتحولات الحاصلة، وبما يؤدي في المحصلة إلى تحقيق الأهداف التي يتوقعها ويريدها المواطنون.
دعني أقول يا دولة الرئيس أن الحال الذي وصلت اليه الإدارة اللبنانية من ترد، ونهم غير مسبوق، من أجل استتباعها من قبل بعض الأحزاب والميليشيات والسياسيين والجمعيات الطائفية والمذهبية، والمدججة بالدعوات والأساليب الشعبوية التي لم ولن تسهم في أي تحسينٍ في إدارة الشأن العام ومقتضيات أداء الوظيفة العامة، بل على العكس كانت تؤدي إلى زيادة الأمور سوءًا وتعقيداً.
فنحن نشهد بأمّ العين كيف تستعمل كل أدوات الضغط لاقتطاع حصص من جسم الإدارة اللبنانية والدولة اللبنانية التي أصبحت قطعاً متناثرة، مستتبعة بأجزائها لفريق من هنا وفريق من هناك. وحيث لم يعد هناك من ولاء حقيقي في الإدارة اللبنانية للدولة اللبنانية. بل أصبح الولاء لمن أسهم في تعيين المسؤولين فيها أو لمن يتولى حمايتهم من أجل أن يستمروا في العمل. وأصبحت تلك الإدارات وتلك المواقع في خدمة المصالح الحزبية أو الميليشياوية وليس في خدمة الصالح العام. وهذا كله يعني ان تلك الإدارات أصبحت غير منسجمة مع أحكام ومقاصد الدستور أو مع أحكام القانون، وأن الإدارة أصبحت وكأنها أدوات يستعملها البعض للفساد والإفساد دون أي وازع أو رادع، مسلّحةً بالحمايات السياسية والطائفية والمذهبية والدعوات الشعبوية والعنصرية. وهذا الواقع أصبح يشكل عقبة كأداء تحول دون أداء الإدارة لدورها في خدمة الصالح العام أو خدمة مصالح المواطنين وتحول دون تمكين القطاع الخاص من أداء دوره بالإسهام في تحقيق النهوض الاقتصادي.
دولة الرئيس،
علينا أن نعيد الاعتبار للوظيفة العامة في تعزيز ولائها للدولة، وبالتالي رفع تسلط التجاذب السياسي والطائفي والمذهبي والميليشياوي عنها والا فإنه لن يستقيم الأمر إذا استمر هذا التسلط والاستتباع.
الإدارة يا دولة الرئيس هي في الأصل لخدمة الوطن والمواطنين. والعاملون فيها يجب أن يكونوا خاضعين للمساءلة وللمحاسبة، إذ ليس من الجائز على الإطلاق أن تكون هناك إدارة أو أي فرد فيها يتحمل مسؤولية بالشأن العام ولا يكون موضوع مساءلة أو محاسبة على أساس الأداء. ولا يكون ذلك على مقدار ولائه للسياسيين أو للأحزاب أو الميليشيات. وأسارع إلى القول إنّ المساءلة والمحاسبة المطلوبة لا تتم عبر الصحف والإعلام أو بالطريقة الشعبوية أو الفضائحية أو المتلبسة برداء الدفاع عن الطوائف والمذاهب. فهذه الطريقة التي عهدناها حتى الآن لا تؤدي، وهي لم تؤد يوماً، لأي نتيجة على الإطلاق. فهي لم تقطع دابر أي فساد ولم تحسِّن في أي أداء. بل اتحدث هنا عن المساءلة والمحاسبة المؤسساتية عبر مجلس النواب وعبر الإدارات المعنية. وأيضاً من خلال المزيد من الإفصاح والشفافية المؤسساتية، ومن خلال الاستعانة أيضاً بتعيين مؤسسات دولية للتدقيق على النسق الذي تعتمده الكثير من الأمم الراقية. وذلك أيضاً حسب مشروع قانون أرسلناه إلى مجلس النواب في أيار من العام 2006 لمراجعة وتدقيق جميع حسابات الدولة اللبنانية من قبل واحدة أو أكثر من المؤسسات الدولية للتدقيق ووفقاً للقواعد الدولية للتدقيق، واعتباراً من العام 1989 وإلى يومنا الحاضر وبشكل مستمر فيما بعد، وهذا جرياً على ما هو معتمد في كثير من دول العالم المتقدم. إنّ هذه الطريقة لا تعتبر إغفالاً أو إلغاءً لدور ديوان المحاسبة. هذا المشروع يا دولة الرئيس مازال ينتظر الإقرار.
إنّ إقرار هذا القانون في مجلس النواب والشروع في تطبيقه يمثل الرد العلمي والعملي والحازم وغير المنحاز على كل الافتراءات والشائعات والاتهامات التي تطلق ولا يكون لها أساس البتة سوى رغبة من يطلقها في التجريح وتشويه السمعة وصرف الانتباه عما يجب ان يتوجه إليه انتباه واهتمامات المواطنين اللبنانيين من أجل حفز الجهود والحضّ على العمل لانتظام وانضباط أوضاع المالية العامة، ومعالجة الخلل المتمادي فيها، واستعادة استقرارها والعودة إلى إعلاء شأن معايير الحوكمة والإفصاح في الإدارة العامة للدولة من اجل ترشيد عمل اداراتها ومؤسساتها، وكذلك من أجل الإسهام في استعادة النمو الاقتصادي المستدام في لبنان.
ويحضرني هنا ما قاله الإمام علي "كرّم الله وجهه"، في رسالته الى أحد الولاة عندما قال ولا يَكُونَنَّ الْمُحْسِنُ والْمُسِيءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ؛ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ تَزْهِيداً لأَهْلِ الإحْسَانِ فِي الإحْسَانِ، وتَجريئاً لأَهْلِ الإسَاءَةِ عَلَى الإسَاءَةِ. وهذا يعني ضرورة أن يصار إلى اعتماد الأدوات والإجراءات والمعايير التي تحاسب وتردع وتكافئ. فالوظيفة العامة لا يجوز أن تصبح مواقع أو مستعمرات محفوظة لأفراد أو طوائف بل هي مواقع لتحقيق هدف الخدمة العامة. وهذا يعني أيضاً وحسب روحية الدستور اللبناني ان لا حقيبة ولا إدارة هي حكر على فرد من طائفة أو مذهب، وليس هناك من فرد ينتمي إلى مذهب معين ممنوع عليه ان يتولى أي موقع أو حقيبة بسبب طائفته أو مذهبه.
يا دولة الرئيس، الوضع الذي وصلنا اليه أصبح غير قابل للمعالجة بالمراهم الموضعية أو بالحلول الجزئية. بل لم يعد بالإمكان أو المفيد إلاّ اللجوء إلى المعالجات الجذرية والصحيحة ويكون ذلك بداية بإدراكنا أن هناك مشكلة. وثانياً، بضرورة توفير إرادة حقيقية وملتزمة ومستقرة وثابتة بالعودة إلى احترام الدستور، واحترام القوانين، واحترام قواعد الكفاءة والجدارة والاستحقاق ومعايير الإداء.
تعرف يا دولة الرئيس، أن هناك عدة قوانين صدرت في العام 2002 والتي كانت من ضمن ما قدمه لبنان كإثبات للمجتمعين العربي والدولي في مؤتمري باريس-IIوIII، بأن لبنان واعٍ لمشكلاته وراغب في حلها وبأنه عازم على إنجاح مؤتمرات دعم لبنان وبالتعاون مع الجهات المانحة. من تلك القوانين التي اعتمدناها كان: قانون الكهرباء رقم 462، وقانون الاتصالات رقم 431، وقانون الطيران المدني رقم 481.
هذه القوانين ما زالت غير مطبقة إلى الآن وكأن هناك إصراراً من عدد من المسؤولين في الدولة على الإطاحة بها وإهمالها. يؤسفني القول يا دولة الرئيس، أنّ هناك وزيراً على سبيل المثال يجاهر بالقول: "أنا لا يعجبني قانون الكهرباء، وبالتالي لن أقوم بتطبيقه". إن من حق الوزير أن يبدي رأيه الحرّ ولكن ينبغي عليه أن يلتزم بتطبيق القانون بحذافيره ويتقدم يعد ذلك باقتراح أو تقديم مشروع قانون لتغييره. المشكلة لم تقتصر على ذلك لا بل وأكثر من ذلك فهناك القانون رقم 181 للكهرباء في العام 2011 الذي اشترط على الحكومة والوزير المعني تنفيذ ثلاثة شروط وهي: 1) مفاوضة الصناديق العربية والدولية للحصول على التمويل الميسر والتنافسي بشروطه وقواعد تنفيذه، 2) تعيين مجلس إدارة جديد لمؤسسة كهرباء لبنان، 3) تعيين الهيئة الناظمة والمستقلة للكهرباء بما يفسح في المجال للاستعانة بدور القطاع الخاص. ولكن وياللأسف، لم يجر الالتزام بأي من تلك الشروط. إنّ هذا الإمعان في الاعراض عن تطبيق القوانين بحذافيرها أوصل لبنان إلى ما وصلت إليه حال الكهرباء من بلبلة وارتباك وعدم المبادرة إلى وضع الحلول الدائمة والصحيحة في بناء المعامل الجديدة (Land Based) موضع التنفيذ.
مثال آخر على ذلك، ما جرى في وزارة الاتصالات بعد العام 2010 وذلك قبل أن يتولى الوزيران بطرس حرب وجمال الجراح تلك الوزارة وذلك على سبيل المثال لجهة تعديل شروط عمل شركتي MIC1وMIC2لإدارة الهاتف الخلوي، حيث جرى إعادة المسؤولية في تحمل الأكلاف التشغيلية في هاتين المؤسستين اللتين تتوليان إدارة هذا المرفق لتكون تلك الأكلاف على حساب الدولة وليس على حساب الشركتين. ذلك كان القصد منه فتح باب لا يغلق للتوسع في الانفاق الجاري دون حسيب أو رقيب أو حدود وهو الأمر المشكو منه حتى اليوم. هذا قد أدى من جهة أولى إلى أضرارٍ وتفريطٍ بالصالح العام والمال العام من جهة ومن جهة أخرى أصبح يسيء إلى صدقية وجدوى فكرة الاستعانة بالقطاع الخاص لتحقيق الترشيق الصحيح في إدارات ومؤسسات للقطاع العام.
هذه غيض من فيض، وهذه المخالفات المستمرة لهذه القوانين ولغيرها، وبالتالي لكل القواعد الصحيحة في تحقيق الإدارة الرشيدة في القطاع العام.
دولة الرئيس،
أود أن أقول وبصراحة، أنه يجب علينا أن نضع أنفسنا ودولتنا على المسار الذي يمكننا من البدء بتخفيض الأحمال عن تلك المقطورة. لقد قرأت منذ أيام، أن هناك احدى المؤسسات الأمنية في الدولة قد أعلنت عن الرغبة في ملء وظائف شاغرة لأربعمئة شخص في ملاكها وأنه قد تقدم حتى الآن واحد وعشرون ألف طالب عمل للاشتراك في تلك المباراة. ان هذا الأمر يدلنا على مدى الحاجة لتحقيق النمو الحقيقي من جهة أولى لخلق الفرص والوظائف الجديدة في الاقتصاد الوطني وخارج إطار القطاع العام الذي لم يعد يستطيع تحمل المزيد من التوظيف والأحمال. ومن جهة ثانية الحاجة لاستعادة التوازن في الاقتصاد الوطني بين دور الدولة وواجباتها ودور القطاع الخاص وما يقتضي القيام به من إجراءات لتمكينه وتحفيزه من أجل القيام بدوره الصحيح، وما يجب اعتماده من قبل الدولة من إشراف صحيح ومن فرض ضوابط تحافظ وتحمي الصالح العام من جهة مع الحرص على عدم إدخال لواجم تثبط مبادرات القطاع الخاص.
الحقيقة أنّ هناك دوراً كبيراً يتوجب على القطاع الخاص أن يقوم به في تعزيز الاستثمار وخلق فرص العمل الجديدة. وهو بالفعل لا يستطيع أن يقوم بدوره ما لم تتوافر مقتضيات ذلك. فهناك اسباب تمنعه من القيام بدوره، وعلى الدولة أن توجد وبشكل صحيح الجواذب التي تمكن القطاع الخاص من ذلك. ومنها الأجواء السياسية الملائمة من فرض القانون والنظام والحوافز الاقتصادية الملائمة والإدارة العامة الرشيدة وغير المعرقلة وغير المشيطنة للقطاع الخاص ولدوره.
الحقيقة يا دولة الرئيس هي أنه يجب أن نقر أن دور الدولة وقطاعها العام هو بداية وفي الأساس لخدمة الوطن والمواطنين ولتأمين حاجات ومصالح الشأن العام، وليست مكاناً للتوظيف فقط. فالتوظيف مربوط بأداء الخدمة العامة بفعالية وكفاءة وبأدنى كلفة. فالدولة تخلق الوظائف بقدر الحاجة، وهي ليست مكاناً للتوسع في التوظيف الذي لا تكون هناك من حاجة حقيقية له في داخل الدولة.
الموظفون في كافة المواقع والأسلاك هم بادئ ذي بدء موجودون لخدمة المواطنين والصالح العام، ونحن كمشرعين وفي حمأتنا من أجل إرضاء الموظفين هنا وهناك، نسينا المواطنين ونسينا كم نحن مدينون لهم، وإليهم يعود عملنا وجهدنا، أولاً في تقديم الخدمة الحسنة والفعالة، وثانياً بانخفاض كلفة هذه الخدمة وليس بارتفاع كلفتها. لماذا أشدد على هذا المبدأ لأنه من دون التنبه إلى هذا الأمر، فإنّ ذلك أولاً سيؤدي الى عدم التوازن في الاقتصاد الوطني، وكذلك إلى عدم التوازن في العلاقة بين القطاع الخاص والدولة اللبنانية وتصبح الخدمة العامة مُكْلِفةً على المواطنين الذين يئنون عندها من كثرة الضرائب. وفي المحصلة تؤدي إلى لواجم لحركة النمو الاقتصادي ولإيجاد فرص العمل الجديدة.
دولة الرئيس،
نحن ذاهبون إلى مؤتمر Cedreأو باريس-IVويجب ان نذهب إلى هناك وعلينا ان نقوم بكل جهد ممكن من أجل إقناع العالم أشقاء وأصدقاء للوقوف إلى جانبنا لمساعدتنا في الخروج مما نعانيه من مشكلات. بداية في اقدارنا على الاستثمار بشكلٍ مباشر أو عبر مشاركة القطاع الخاص في تعزيز وعصرنة بنانا التحتية. ولكن هذا لا يكفي لمعالجة مشكلاتنا المتفاقمة. صحيح أنّ جزءاً من هذه المشكلات ليست من صنعنا بل بسبب الأوضاع الإقليمية، ولكن الجزء الآخر، وهو كبير، هو من صنعنا ومن تلكؤنا وعدم اغتنامنا للفرص السانحة من أجل القيام بالإصلاحات.
يا دولة الرئيس،
لنكن واضحين، أنه "لا رياح مؤاتية لمن لا أشرعة له"، وأن ما يطلبه أشقاؤنا وأصدقاؤنا من إصلاحات علينا أن نقوم بها هو في الحقيقة لصالحنا. وإذا نحن لم نقم بها فلا فرصة لنا على الإطلاق في ان نحصل على ما نريده ولا ان نلبي توقعات مواطنينا.
نحن نستفيد من الدراسات والشركات الاستشارية التي نستعين بها من أجل الاستفادة من خبراتها للسير على المسالك الصحيحة ولكن لا ننسى ان هناك دراسات كثيرة ووصفات علاجية كثيرة وضعها من سبقنا ووضعناها نحن على مدى سنوات طويلة. إلاّ اننا مع الأسف لم نقم بتنفيذها، بل فعلياً لم نعتمد السياسات الصحيحة وألْغينا معظم البرامج الإصلاحية. المشكلة في جوهرها حتى الآن أنه ما من إرادة حقيقية ولا التزام صحيح وثابت بالتقدم على مسارات الإصلاح. وكل تأخر في ذلك يعني كلفة إضافيةً وتضييعاً للفرص المتاحة وآلاماً مستقبليةً أكبر نتسبب بها لمواطنينا.
مرةً أخرى، ليس هناك من أمور سحرية تأخذنا من الظلام الدامس إلى الضياء الكامل. وهذا غير ممكن وليس هناك من أحد في العالم يظن أننا قادرون على ذلك. بل هناك وفي المقام الأول حاجة ضرورية لأن تكون بوصلتنا السياسية والوطنية صحيحة في اتجاهها وكذلك بوصلة سياساتنا الاقتصادية والمالية والإدارية صحيحة، وأنه لا غبار على التزامنا وصدقية وعودنا وأن يكون أداؤنا ملتزم بذلك. هناك حاجة لأن يرى العالم أشقاءَ وأصدقاءَ، اننا جادون وملتزمون وغير متقاعسين، وأننا لن نتراجع عن التقدم على الاتجاه الصحيح ونحن كلما تقدمنا متراً في الاتجاه الصحيح تجاوب معنا الأشقاء والأصدقاء أمتاراً.
دولة الرئيس،
عودة إلى مسألة البوصلة الصحيحة وكيفية تصويبها. هناك حاجة ماسة إلى أن تكون سياساتنا ومواقفنا واضحة على الصعد الوطنية والسياسية والاقتصادية والمالية والإدارية إلى:
- الدفاع بحزم عن سيادة وحرية واستقلال لبنان، والدفاع عن اتفاق الطائف واستكمال تطبيقه، والحرص على الاحترام الكامل للدستور اللبناني ولسلطة القانون والنظام. وكذلك الدفاع عن استقلالية القضاء وعدم استتباعه، واستعادة الاعتبار للدولة العادلة والقادرة الرشيقة والرشيدة، ولاحترام معايير الإفصاح والشفافية والتنافسية. وكذلك استعادة الاعتبار لسلطة الدولة الكاملة وغير المنقوصة على كل لبنان واعتماد سياسية النأي بالنفس حقيقة وبالفعل وليس كلامياً.
- العودة إلى التزام نظام المصلحة اللبنانية في معرفة اين تكمن المصالح المشتركة وذلك في التأكيد على علاقتنا السوية والمتميزة مع أشقائنا العرب والتزامنا بنظام المصلحة العربية وبقاعدة احترام مبدأ الإجماع العربي وأيضاً الحرص على احترام الدولة اللبنانية للشرعية الدولية وقراراتها ذات الصلة الضامنة لحدود لبنان وحقوقه، والمنظِّمة لعلاقات لبنان بالعالَم.
- استعادة الاعتبار للوظيفة العامة وإعادة الاعتبار لمبادئ احترام الكفاءة والجدارة والأداء والانجاز في تولي المسؤوليات العامة، وذلك مع احترام التوزيع الطائفي وفي الحدود التي يؤكد عليها الدستور ولاسيما في ما تنص عليه المادة 95 من الدستور. وكذلك الحرص على مبادئ الحوكمة والمسؤولية على قاعدة أن لا أحد هو فوق المساءلة والمحاسبة على أساس الأداء. كما والحرص على عدم استتباع الدولة وإداراتها لمصلحة السياسيين والأحزاب والطوائف والميليشيات، وذلك حرصاً على المبادئ الواجب الالتزام بها من أجل التصدي العملي والفعلي للفساد والإفساد وأدواته ودعاته.
- ليس هناك من عودة حقيقية إلى النمو والاستقرار دونما عودة لتكوين الجواذب الحقيقية لدور القطاع الخاص الذي يساعدنا على ترشيق الدولة اللبنانية وبما يمكننا من الحصول على الإدارة السليمة تحت إشراف حقيقي من قبل الدولة دون شيطنة لدوره ودون ان يكون هناك أي تفريط بالصالح العام وفي مصالح المواطنين. وكل ذلك ينبغي أن يكون بطريقة تنافسية وشفافة وفي إفصاح كامل وتحت اشراف الدولة ورقابتها المؤسساتية الصحيحة.
- الانفتاح على جيل الشباب فتياتٍ وشباناً، والتأكيد على دور المرأة في شتى مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وفي جميع مواقع المسؤولية، والتأكيد على التعليم وجودته لأجيالنا الصاعدة بكونهم يمثلون مستقبل لبنان، وأن الاستثمار في تعليمهم وفي رفع وتعزيز مستويات كفاءاتهم ومهاراتهم وتلاؤمها مع حاجات مستقبل لبنان وتطور اقتصاده نحو اقتصاد المعرفة هو الاستثمار الأفضل للبنان في التحول إلى مجتمع الكفاءة المتلائم مع متطلبات الاقتصادات الحديثة. وذلك يعني عودة جامعاتنا وفي مقدمها الجامعة اللبنانية مكاناً جاذباً للكفاءات وللمتميزين ولإعداد ونشر الأبحاث وعلى أساس تنافسي. فالجامعات والجامعة اللبنانية لا يجوز ان تكون مكاناً للتقاعس والتخلف الجامعي.
- العمل الدائم والمثابر لتحصين الوحدة الوطنية والانصهار الوطني والعيش المشترك بين كل اللبنانيين، والبعد كل البعد عن إثارة النعرات والانقسامات الطائفية والمذهبية والمناطقية التي تزلزل ركائز الوحدة الوطنية والسلم الأهلي وتقضي على فرص النمو الاقتصادي وتزيد من مخاطر عدم الاستقرار الاقتصادي والنقدي. كذلك أيضاً السعي الدائم من أجل الحفاظ على النموذج اللبناني كرسالة لهذا العيش المشترك والذي لشدّ ما يحتاج إلى أن يكون اللبنانيون هم رسل هذا العيش بأدائهم وممارساتهم.
دولة الرئيس،
"لا حياة مع اليأس، ولا يأسَ مع الحياة".
إنّ التزام النهج الإصلاحي للترشيق والترشيد وتحقيق التلاؤم والكفاءة في إدارة الدولة والشأن العام، وكذلك في المالية العامة والاقتصاد. كان دائماً ضرورةً ماسة، وهو قد أصبح اليوم الزورق الوحيد الذي يمكن أن نستقلّه للإنقاذ. فما عادت الخياراتُ كثيرةً، والقليلُ المتبقّي منها تحفُّهُ صعوباتٌ جمّة. لكنه قليلٌ موجودٌ بالفعل، وهو يتطلبُ الإرادةَ والتصميم، والنزاهةَ والتواضُع.
إنّ الشعبَ اللبنانيَّ يستحقُّ الإدارة الأفضل من أجل المستقبل الأفضل، لكي تكونَ لنا حياة، وتكونَ حياةً أفضل.
شكراً لكم دولةَ الرئيس، وشكراً لكم أيها الزملاءُ الكرام.
والسلام عليكم.
·علماً أن مجموع الدعم المقدّم إلى مؤسسة كهرباء لبنان وكلفة خدمته مسؤول عن 48% من مجموع الدين العام حتى نهاية العام 2016، والدين القديم كما كان في نهاية العام 1992 مع كلفة خدمته مسؤول عن 36% من مجموع الدين العام حتى نهاية العام 2016.
