الرئيس السنيورة لـ الجزيرة:استغاثة قائد الجيش وقبلها استغاثة البطريرك يجب ان تؤخذا بشكل جدي صحيح

أجرت قناة الجزيرة مباشر حواراً مع الرئيس فؤاد السنيورة تناول آخر التطورات في لبنان وتحديدا بعد موقفي البطريرك الراعي وقائد الجيش جوزف عون وفي ما يلي نص وقائع الحديث:
س: من بيروت ينضم إلينا عبر الانترنت رئيس الوزراء اللبناني الأسبق السيد فؤاد السنيورة، أحييك سيدي، لعلّك استمعت إلى ما قيل في أنّ الأوضاع في لبنان تزداد تأزما ونحن جميعا نرى ذلك وان الطبقة السياسية بأكملها هي مسؤولة عن هذا التأزم. ما رأيك انت في هذا الطرح سيدي؟
ج: بدايةً، مساء الخير لك ولجميع المشاهدين. وشكراً على هذه الاستضافة. وشكراً على الاهتمام بقضايا لبنان وهي قضايا شائكة بدون شك.
الحقيقة أنّ لبنان يعاني من انهيار شديد وكبير في الثقة لدى اللبنانيين بالحكومات المتعاقبة وبرئيس الجمهورية، وكذلك بالمنظومة السياسية. وأيضاً يشاركهم في قلقهم من هذا الانهيار المجتمعان العربي والدولي بنتيجة التجارب غير الناجحة التي تراكمت لديهما، والتي أدّت بمجملها إلى هذا الانهيار في الثقة. ولقد انعكس هذا الانهيار وكان عاملاً مؤثراً في التسبب بهذا الانهيار الاقتصادي والمالي والذي أدى الى انهيار نقدي وبالتالي الى خسارة الليرة اللبنانية لجزء كبير من قيمتها بحيث أصبحت تساوي أقل من 20% مما كانت عليه في مطلع شهر أكتوبر من العام 2019. وهذا الامر انعكس بدوره على الأوضاع المعيشية لدى اللبنانيين.
من جانب آخر، فقد مرّ حتى الآن أكثر من سبعة أشهر على الفراغ الكبير في السلطة اللبنانية بنتيجة استقالة الحكومة اللبنانية بعد الانفجار المريب والخطير في مرفأ بيروت الذي حصل في الرابع من آب الماضي، وبالتالي لايزال يتعذر تأليف الحكومة الجديدة كما كان ينبغي ويطالب به اللبنانيون من جهة أولى، وكما حاول السيد ماكرون رئيس الجمهورية الفرنسية بعد اجتماعه بالشباب اللبنانيين المتظاهرين، وأن يصوغ مبادرته الإنقاذية لتشكيل حكومة لبنانية جديدة ذات مهمة محددة من اجل وقف الانهيار.
لقد تعذر التوصل إلى تأليف الحكومة الجديدة بسبب تراجع أولئك السياسيين اللبنانيين عما التزموا به تجاه الرئيس ماكرون. ذلك كان من نتيجته أن سيطرت حالة خوف كبيرة لدى اللبنانيين لما يرونه من ترد وانهيارات مستمرة، وهو بالتالي أصبح ينعكس على الأوضاع النقدية ويزيد من حدة الانهيار النقدي وتداعيات ذلك كلّه على الأوضاع المعيشية في لبنان. ذلك بمجمله بدأ يشكل ويزيد من حدّة المخاطر الوجودية التي تعصف بلبنان.
هذا ما استدعى غبطة البطريرك الراعي أن يطلق هذه الاستغاثة بداية للمطالبة بتحييد لبنان، ومن ثم بعد ذلك بهذا الطرح الذي تقدم به من اجل عقد مؤتمر دولي من اجل مساعدة لبنان والإسهام في حلّ مشكلاته. وهو ذات الامر وبسبب الاستعصاء المستمر في عدم تأليف الحكومة، كان موقف قائد الجيش اللبناني الذي صرح البارحة وبعد الاجتماع الموسع الذي جرى برئاسة فخامة الرئيس في القصر الجمهوري وبحضور رئيس حكومة تصريف الاعمال وغيرهم من الأشخاص أن هناك وضعاً شائكاً وخطيراً في لبنان يهدد الأوضاع المعيشية ويطيح باستقرارها، ليس فقط بالنسبة لمن ينتسبون الى الجيش اللبناني والى القوى الأمنية، بل ولغيرهم من الموظفين والإدارة اللبنانيين ولكل فئات المجتمع اللبناني. إذ أنّ هذا الانهيار في المستوى المعيشي أصبح يصيب جميع اللبنانيين، وحيث أصبحت نسبة كبيرة من اللبنانيين تحت خط الفقر بما أصبح يهدد استقرار الأوضاع الأمنية التي قد تشهد فوضى شاملة.
س: سيدي بما أنك ذكرت مسألة الجيش وحديث قائد الجيش هل تتوقع إذا زادت الأمور تأزما في لبنان ان يكون للجيش دور خلال الفترة القادمة دور حاسم سواء ضد الطبقة السياسية اللبنانية وفي محاولة لملمة الأمور في لبنان.
ج: أنا اعتقد ان استغاثة قائد الجيش وقبلها استغاثة غبطة البطريرك يجب ان تؤخذا بشكل جدي. صحيح أن استغاثة قائد الجيش تعبّر عن ألمه وألم الأجهزة العسكرية والأمنية، وكذلك عن ألم جميع المواطنين. إلاّ أنه عبّر بذات الوقت أيضاً عن التزام الجيش اللبناني بحفظ الأمن والنظام وفتح الطرقات، والحرص على عدم التعدي على الأملاك العامة والخاصة. ولكنه يرفض أن يصار إلى وضع الجيش في مواجهة المتظاهرين.
هذا من جهة، أما بشأن دور الجيش في العمل السياسي في لبنان، فأنا موقفي بكل وضوح وصراحة، أنا لست مع إقحام الجيش اللبناني في السياسة ولست مع هذا الأسلوب في المعالجات. ولكن أرى في موقف قائد الجيش دعوة صارمة وصريحة لكي يبادر فخامة رئيس الجمهورية إلى اتخاذ القرارات الصحيحة لحلّ الإشكالات المستعصية في تأليف الحكومة، وسأفصّل بعد ذلك ما أعنيه. ولكن إذا لم يتم ذلك التجاوب من فخامة الرئيس، فإن الأمور قد تتجه إلى تهديد وجودي للبنان وهو البلد الديمقراطي الذي حرص على مدى كل السنوات الماضية في الحفاظ على لبنان وعلى نظامه الديمقراطي البرلماني.
نحن نعلم أنه قد مضى على لبنان وحتى الآن أكثر من 45 سنة وهو يعاني الامرين من هذه الأوضاع المتردية، والتي تشترك في التسبب بها الكثير من العوامل التي سادت خلال فترة الحرب الاهلية، وبسبب الاجتياحات والاحتلالات الإسرائيلية المتكررة، إلى المناكفات السياسية بين اللبنانيين الى الأوضاع الاقتصادية المتردية. هذا كلّه ما أوصل البلاد إلى ما وصلت إليه الآن. ويجب أن يكون هذا إنذاراً وتحفيزاً من أجل أن يصار إلى التنبه لدى السياسيين، وتحديداً من فخامة رئيس الجمهورية بخطورة الأوضاع السائدة، وبالتالي من أجل المسارعة إلى التجاوب والعمل على القيام بدوره من أجل أن تتألف الحكومة الإنقاذية الجديدة، ولكي تبدأ مسيرة الإصلاح والإنقاذ في لبنان.
س: البعض ينتقد الرئيس الحريري ويقول اين هو مما يحدث في الشارع. لماذا يكثر من زياراته ورحلاته الخارجية رغم انه لم يستطع خلال الشهور الماضية من تشكيل حكومته لعلها تكون جزء من حل هذه الازمة. ما رأيك بما يقال.
ج: الرئيس الحريري كما تعلم قد قدم تشكيلته الحكومية، وذلك استناداً لأحكام الدستور اللبناني وأيضاً استناداً إلى مبادئ المبادرة الفرنسية، والتي هي انطلقت أساساً استناداً إلى مطالب اللبنانيين الذين قالوا إنهم يريدون حكومة من الاختصاصيين المستقلين وغير الحزبيين، والذين هم من أصحاب الكفاءة المشهود لهم في عملهم وفي المجالات التي يمكن أن يعينوا فيها بالحكومة. وبالتالي يستطيعون عندها أن يُكوِّنوا فريق عمل متضامن ومتجانس يمكن له أن يبدأ بإجراء الإصلاحات التي طال انتظارها.
الرئيس الحريري قدم تشكيلته وما يقوم به الآن في زياراته المتعددة لعدد من المسؤولين العرب والدوليين ليس إلاّ محاولة من أجل تأمين المساعدة على تأليف الحكومة.
كيف؟ دعني أشرح لك هنا طرفان أساسيان يضعان العراقيل في وجه تأليف هذه الحكومة. الطرف الأول، هو رئيس الجمهورية الذي هو وحسب الدستور يوقع على مرسوم التشكيل ويلعب دوراً في عملية اختيار أعضاء الحكومة، ولكن ضمن القواعد التي تم التوافق عليها وهي حكومة من الاختصاصيين المستقلين غير الحزبيين. المشكلة الآن أنّ همّ الرئيس ليس في تأليف حكومة من هذه الطبيعة، بل أنّ جل همّه الآن هو كيف يمكن ان يضمن تحول السلطة بعد انتهاء عهده ومن ثم فهو حريص وكما يبدو الآن في أن يتولى صهره الرئاسة من بعده، وكأننا نحن نعيش في نظام يقبل التوريث. هذا نظام ديمقراطي برلماني وليس حتى نظاما رئاسيا في لبنان.
الطرف الثاني الذي يضع العراقيل هو حزب الله، وهنا أرى السبب الأساس في أنّ هذه الزيارات التي يقوم بها الرئيس الحريري الى عدد من البلدان المعنية بلبنان، إذ لربما تسهم أو تكون وسيلة من الوسائل للتعاون إذا كان هناك من إمكانية ان يصار الى ممارسة بعض الضغوط أو الاتصالات مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لماذا؟ لان حزب الله عمليا هو الذي يتلطى وراء رئيس الجمهورية وبالتالي يعمل من اجل ان لا تتألف الحكومة الجديدة من أجل ان يبقى لبنان ورقة يستطيع حزب الله ان يضعها بتصرف الجمهورية الإسلامية الإيرانية لتعزيز قدراتها وإمكاناتها التفاوضية مع الولايات المتحدة الأميركية الاستعصاء لدى حزب الله وإيران مسألة طويلة ولبنان لا يمكن له الانتظار هكذا.
س: العكس تماما سواء من قبل رئيس الجمهورية او من قبل حزب الله. يقولون نحن ليست لنا علاقة بالإشكالية لدى الرئيس الحريري. بعيدا عن كل هذا اللبنانيون لا يريدون هذا الكلام يريدون ان تستقر الأمور يريدون اللبن والخبز وان تستقر المحروقات. كيف يخرج لبنان من أزمته؟
ج: الرئيس الحريري وضع تشكيلته الحكومية، والتي قدّمها لرئيس الجمهورية، والتي هي مبنية على هذه الأسس التي تم التوافق عليها ما بين الرئيس ماكرون وممثلي الأحزاب بما فيهم حزب الله. لكن عدداً من تلك الأطراف الحزبية، ولاسيما حزب الله والتيار الوطني الحر قد تراجعوا عن مواقفهم السابقة بشأن تأليف الحكومة الجديدة بعد ان بدأت الإدارة الأميركية في فرض العقوبات.
الآن هناك مشكلة حقيقية في لبنان تتركّز في مسألة استعادة الثقة، وذلك يكون بداية عبر تأليف الحكومة التي تستطيع أن تتقدم على هذا المسار. ولكن هذه المشكلة لا تعالج الا بالتفتيش عن الحلول الصحيحة لجوهر المشكلات، وليس من خلال معالجة مظاهر المشكلات.
ودعني أقول لك، وبعد الاجتماع الذي جرى البارحة، والذي انعقد برئاسة فخامة الرئيس وخرج الاجتماع بجملة من الأفكار التي هي ضرورية وجرى اقتراحها سابقاً، ولكنها لم تطبق وهي يجب أن تطبق ولكنها غير كافية على الإطلاق.
في هذا الصدد، تجارب لبنان كما تجارب الكثير من الدول التي مرت بظروف اقتصادية ومالية ونقدية صعبة بأن التدهور الحاصل لا يعالج بالعصا. دعني أكون واضحاً لا ينزل سعر صرف الدولار بالعصا أي بالقوة، ولا تعالج مسألة الثقة بالعصا، بل تعالج هذه المشكلة بالذهاب الى حيث هي المشكلات، أي إلى معالجة جوهرها. وبالتالي الى ما يؤدي إلى استعادة الثقة لدى اللبنانيين بالدولة اللبنانية، كيف؟ الحقيقة أن هناك جملة من الإجراءات المحددة التي تبدأ بتأليف الحكومة العتيدة الآن وبأشخاص موثوقين يستطيعون ان يؤلفوا فريق عمل، وبالتالي تباشر الحكومة العتيدة فوراً إلى العمل على استعادة الدولة اللبنانية ولدورها ولحضورها ولقرارها الحرّ، والتأكيد على سلطتها الكاملة على جميع الأراضي اللبنانية، وبالتأكيد على احترام الدستور اللبناني واحترام وثيقة الطائف واستكمال تطبيقها واحترام استقلالية القضاء واحترام الكفاءة والجدارة واحترام الشرعيتين العربية والدولية.
س: قبل شهور عندما اندلعت الاحتجاجات في لبنان كان رئيسا للوزراء آنذاك الرئيس سعد الحريري وقامت الاحتجاجات ضد حكومة سعد الحريري. البعض يقول هل تأتون بسعد الحريري مرة أخرى ليشكل حكومة لم يستطع ان يشكلها حتى الآن.
ج: بدايةً، دعني أذكرك أن سعد الحريري شكل الحكومة وأودع تلك التشكيلة رئيس الجمهورية. الآن على فخامة الرئيس أن ينظر فيها وأن يوقعها.
أما بشأن ترأس الحريري بهذه الحكومة، دعني أكون واضحاً أنّ الوضع اللبناني كما أصبح عليه الآن لا يتحمل ان يكون كل أعضاء الحكومة ممن لم يكن لهم أي تجربة حكومية سابقة. وكمثال على ذلك، لا يمكن أن تقود الطائرة بطاقم كل أعضائه ممن لم يدخل بحياته إلى مقصورة القيادة. أنا اعتقد ان سعد الحريري من خلال رمزيته وقوته التمثيلية بالنسبة للبنانيين يستطيع أن يؤلف هذه الحكومة. على أي حال سعد حصل على التفويض والتكليف من مجلس النواب وذلك حسب الدستور.
يجب أن نتنبه أنه إذا لم تتألف الحكومة لن يستطيع لبنان ان يخرج من هذا المأزق الكبير الذي أصبح في خضمه ما يمكن فعله الآن وللتقدم على مسارات الحلول لا يكون إلا بالعودة إلى الدولة اللبنانية وباحترام سلطتها الحصرية وعلى قرارها الحر. وهذا الأمر يتحقق تدريجيا من خلال التقدم على مسارات طمأنة للناس من خلال تشكيلة الحكومة ومن خلال البيان الوزاري للحكومة بأنها ستكون ملتزمة بهذه القواعد الأساسية اللازمة لاستعادة ثقة اللبنانيين والمجتمعين العربي والدولي والمؤسسات الدولية المعنية.
وأنا من خلال تجربتي ومن خلال ما أراه، فإنّ هناك حاجة لوضع البوصلة بشكل صحيح من أجل التقدم على مسار استعادة حضور الدولة والثقة فيها. اعتقد أنه سيكون لذلك تأثير أساسي بداية لجهة وقف انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية وبالتالي ومع البدء بتنفيذ الإصلاحات المالية والنقدية والإدارية، والتي قد مضى وقت طويل على لبنان دون إجراء الإصلاحات سوف تبدأ الأمور في التحسن. كما هو معروف، فقد كان هناك ولايزال استعصاء مستمر من قبل القيادات السياسية ومن قبل المجالس النيابية عن القيام بالإصلاحات المطلوبة. لذلك، فإنّ تأليف الحكومة الملائمة والتوجه بشكل واضح نحو الالتزام بشكل ثابت ومستقر بالقيام بالإصلاحات تشكل الخطوات الأولى باتجاه ان يصار الى ضبط الأمور العامة في لبنان، والبدء بانخفاض سعر صرف الدولار في لبنان بما يجره ذلك من خطوات إضافية من أجل استعادة الاستقرار الاقتصادي والمالي والنقدي والمعيشي وبالتالي الأمني في لبنان.
