الرئيس السنيورة لـ التلفزيون العربي : اتفاق الطائف انهى الحرب ووضع اسس تنظيم العيشالمشترك وتطوير الدولة

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 

اجرى التلفزيون العربي في العاشر من ايار 2021 حوارا مع الرئيس فؤاد السنيورة عن اتفاق الطائف من ضمن سلسلة حوارات مع شخصيات لبنانية وفي ما يلي وقائع المقايلة مع الرئيس السنيورة:

س: هل كان اتفاق الطائف أفضل ما توصل اليه الفرقاء اللبنانيون لإنهاء الحرب؟

ج: من دون أدنى شك، أنّ إقرار اتفاق الطائف شكّل إنجازاً كبيراً على الصعيد الوطني، وإنجازاً على صعيد إنشاء الآليات التي يمكن أن تعالج بموجبها المسائل المتعلقة بالعيش المشترك ما بين مكونات الشعب اللبناني. كذلك في كونه شكّل الوسيلة الصحيحة لإنهاء الحرب اللبنانية التي كانت قد استمرت حوالى 15 عاماً متواصلاً. وهو قد وضع الأسس من أجل تنظيم العيش المشترك بين اللبنانيين من أجل أن يكون لبنان نموذجاً في ممارسة فكرة العيش المشترك بشكل سليم من جهة أولى، وبما يمكن اللبنانيين من التلاؤم مع المتغيرات والتحولات التي كانت ولاتزال جارية على الساحة العربية وعلى الساحة الدولية من جهة ثانية.

يجب ان لا ننسى ان هذا الاتفاق الذي جرى إقراره في العام 1989 في أعقاب سلسلة من الاجتماعات والبيانات والإعلانات والمؤتمرات التي حصلت ابتداءً من الوثيقة الدستورية التي وافق عليها الرئيس الاسبق سليمان فرنجية في العام 1976 إلى كل تلك المراحل اللاحقة والاجتماعات والمؤتمرات التي عقدت بعدها إلى أن تمّ التوصل الى اتفاق الطائف. ولذلك، فإنه يمكن القول انّ اتفاق الطائف هو بالفعل صناعة لبنانية 100%. وهو قد حصل في الوقت الذي كانت تشهد فيه المنطقة تغيرات كبرى ليس أقلها سقوط جدار برلين، وانتهاء وتفكك الاتحاد السوفياتي، وانتهاء الصراع ما بين القطبين: الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وبعدها انتهاء حالة القطب الواحد مع تفكك الاتحاد السوفياتي. وهذه جميعها شكّلت متغيرات كبرى كانت جارية في العالم.

هذا الاتفاق جاء ليكرس فكرة العيش المشترك بين المسلمين من جهة والمسيحيين من جهة ثانية. وكذلك الاعداد أيضاً من اجل ان يصبح لدينا في لبنان ايضاً، وبالممارسة الفعلية، وليس فقط بالاسم، دولة مدنية.

لا بدّ لي هنا من أن أشدّد على أن الدستور اللبناني والنظام الديمقراطي البرلماني اللبناني هو دولة مدنية وليست دولة دينية.

التعديلات الدستورية التي أقرّها المجلس النيابي، والتي أدخلت عليه كان يفترض بالجميع أن ينضوي تحت هذا الإعلان الهام المتمثل بوثيقة الوفاق الوطني أي اتفاق الطائف، وبالتالي ان يصار إلى العمل من أجل تنفيذ مقرراته.

المؤسف أنه ما شهدناه آنذاك، وفي الفترة الأولى التي تلت اتفاق الطائف بروز الاستعصاء الذي مارسه العماد عون آنذاك ورفضه لهذا الاتفاق من دون أن يعي أو يتنبه إلى المتغيرات التي كانت تحصل في المنطقة العربية بنتيجة الاجتياح العراقي للكويت، ولم يفهم حقيقة تلك المتغيرات. وهو بدلاً من أن يعمل ليكون له موقف وطني يسهم في إيجاد وتعزيز بعض التوازنات الداخلية في لبنان بشكل سليم، وكذلك في سياساته الخارجية، فإنه استعصى في القصر الجمهوري، ورفض الاتفاق وحل المجلس النيابي. ذلك ما أدى الى ان تحصل سوريا على الضوء الأخضر العربي والدولي في تمكينها من قصف القصر الجمهوري، وهو ما أدّى بالتالي إلى هروب الجنرال عون إلى السفارة الفرنسية، وبالتالي اللجوء إلى فرنسا، وحيث مكث هناك مدة 15 عاماً.

لقد كان بإمكان الجنرال عون في حينها أن يتصرف بحكمة أكبر، وبحيث يكون لمعارضته دور في الإسهام في تهدئة جموح النظام السوري في لبنان، ولكنه لم يقم بهذا الدور. على العكس من ذلك، فقد أسهم دوره وممارساته ومواقفه، وفي المحصلة، في تعزيز قبضة النظام السوري على لبنان، وفي تمكينه من التحكم بالتطبيق الجزئي لهذا الاتفاق، والحؤول عملياً دون استكمال تطبيق هذا الاتفاق، وهو الأمر الذي لم يكن ليحصل لولا تأييد البعض من السياسيين اللبنانيين لعدم استكمال تطبيق هذا الاتفاق.

المشكلة في العماد عون أنه استمر في التمسك بوجهة نظره التي كانت مستندة الى افكاره كما كانت في العام 1989، والقائمة على التجييش الطائفي والرافضة لاتفاق الطائف. وهو عندما عاد إلى لبنان، وبعد مضي خمسة عشر عاماً استمر في هذه العقلية الرافضة لاتفاق الطائف. وحتى وبعد أن انتخب رئيساً للجمهورية، فقد استمرّ في ممارسة دوره القديم، وإن كان ذلك بشكل مستتر. بينما كان يفترض أن يعدل موقفه بعد أن أصبح رئيساً، وأَقسَمَ على احترام الدستور، ولاسيما أنه الشخص الوحيد الذي أوكله الدستور بواجب حثِّ الجميع على احترام الدستور، وبالتالي أن يكون هو أول من يقوم بذلك. على العكس من ذلك نجده في ممارساته يمارس عكس ما ينص عليه الدستور، وعكس روحيته، بينما يفترض به ان يكون هو الحامي والحافظ للدستور وان يقوم بدوره كرئيس للجمهورية بأن يكون فوق الجميع وفوق كل السلطات والحامي للدستور ورمز وحدة الوطن. وهو بذلك لا يكون جزءاً من السلطة التنفيذية، ولكن فوق كل السلطات والحامي للدستور والناظم للعلاقات بين الفرقاء السياسيين والمحتضن لجميع الفرقاء اللبنانيين. هذا الدور السامي لرئيس الجمهورية هو الذي لم يقم به رئيس الجمهورية العماد ميشال عون.

هذه الممارسة من قبل الرئيس عون فاقمت التقاعس الحاصل على عدم استكمال تطبيق اتفاق الطائف. هذا كلّه يعني أن الممارسة الحاصلة لم تكن بالشكل السليم، وهي ترمي لمخالفة اتفاق الطائف وعدم التقيد به.

س: بما أننا تكلمنا عن الاجتياح العراقي للكويت، سوريا كان بإمكانها ان تفعل ما تريد في لبنان لأنها دخلت في التحالف، هذا يعني ان سوريا عطلت اتفاق الطائف؟

ج: نعم، لقد أسهم النظام السوري في هذا التعطيل لكنه لم يكن الوحيد في التسبب بهذا التعطيل، بل كانت هناك مواقف داخلية كانت تحاول أن تلجم التقدم باتجاه استكمال التطبيق الحقيقي والكامل لاتفاق الطائف. ولو أنّ هذا الاتفاق طبق كما كان ينبغي لكان وضع لبنان الآن بالتأكيد أفضل بكثير، ولكان بإمكان لبنان أن يخطو خطوات حقيقية نحو اعادة الاعتبار للدولة اللبنانية وإعادة الاعتبار والاحترام للدستور ولوثيقة الوفاق الوطني في الطائف، وكذلك إعادة الاعتبار لقيم الكفاءة والجدارة والاستحقاق في إيلاء المسؤوليات في مختلف المواقع في الدولة اللبنانية لأكْفائها.

س: سوف نكمل في السؤال تقولوا في احدى المقابلات انه ما نفذ هو ليس اتفاق الطائف، ولكن نفذ الاتفاق الثلاثي الذي صدر برعاية عبد الحليم خدام؟

ج: أنا لم أقل هذا الكلام. أنا أقول أنّ اتفاق الطائف لم ينفذ كما كان ينبغي. الاتفاق الثلاثي الذي حصل خلال فترة الحرب الأهلية وبرعاية سوريا، شكّل أحد المراجع التي اعتمدت في عملية صياغة اتفاق الطائف. وكذلك كان هناك جملة من الاجتماعات والبيانات والاتفاقيات والمؤتمرات التي حصلت على مدى السنوات 1976 وحتى العام 1989، أي خلال فترة ثلاثة عشر عاماً، والتي كانت بدايتها الوثيقة الدستورية التي أصدرها الرئيس سليمان فرنجية، والتي ساعدت نحو التوصّل إلى إقرار اتفاق الطائف. ولقد كان أحد تلك العناصر التي تمّت الاستعانة بها هو ما تمّ التوافق عليه في الاتفاق الثلاثي. ولذلك، نذكر أن هذا الاتفاق كان من ضمن المواد الاولية التي اعتمدت من أجل الخروج بالصيغة التي تم الاتفاق عليها في اتفاق الطائف.

س: من عطل اتفاق الطائف منذ تشرين الأول 1989 وحتى اليوم، وخصوصاً انكم تبوأتم رئاسة الحكومة، لماذا لم يتم خلال ترؤسكم الحكومة تنفيذ بنود اتفاق الطائف؟

ج: أنا اعتقد أنه كانت هناك عدد من المحاولات للالتزام بتنفيذ مقتضيات اتفاق الطائف، وذلك على الرغم من كل الضغوط التي كانت تمارس عكس ذلك. لا أقول هذا الكلام تبرُّئاً من المسؤولية. إذ أنّ كل شخص تولى المسؤولية أكان حاول ولم يستطع، أو انه كان يتخذ موقفاً معارضاً بالمبدأ لهذا الاتفاق، فإنه من الطبيعي أن يتحمل المسؤولية، وهذه المسؤولية تقع على الجميع. ولكن هناك اشخاص عليهم مسؤولية بنسبة 10% وهناك اشخاص عليهم مسؤولية بنسبة 90%. لا يمكننا ان نسوق الناس كلهم وكأنهم من طينة واحدة.

أنا اعتقد انني حاولت أكثر من مرة في الفترة التي كنت فيها وزيراً للمالية وبعد ذلك رئيساً للحكومة، مع التأكيد هنا على حقيقة أساسية يجب أن لا نغفل عنها، وهي أن النظام اللبناني ليس هو نظام الحاكم الفرد. إذ أنّ كل شخص لديه قدرة معينة يستطيع ان يدفع باتجاهها ولكن لا يستطيع أحد بمفرده أن يأخذ القرار منفرداً في لبنان.

أنا من جانبي اتخذت عدة مواقف على صعيد ما يسمى اعاده الاعتبار للكفاءة والجدارة في تحمل المسؤوليات في الدولة اللبنانية. وهذا الأمر هو من البديهيات التي يستند إليها أي حكم رشيد، وهو أمر يفترضه ويحض عليه الدستور اللبناني في أكثر من مادة، ولاسيما المادتين 12 و95 من الدستور.

من ضمن تلك المحاولات التي قمت بها لاعتماد هذه القواعد التي تؤكد على اعادة الاعتبار للكفاءة والجدارة في تحمل المسؤوليات، وفي كل مواقع المسؤولية في الدولة اللبنانية، وذلك على أساس تنافسي وبطريقة شفافة، كانت في العام 1998 في مشروع قانون سلسلة الرواتب. لقد كانت تلك أول محاولة قمت بها عندما كنا نعد مشروع قانون إقرار سلسلة الرتب والرواتب في العام 1998. تلك السلسلة كانت قد اشبعت درساً من خلال الاجتماعات مع كل الروابط والنقابات واللجان النيابية على مدى عدة سنوات منذ العام 1993 حتى وصلنا إلى العام 1998 من أجل أن يصار الى إقرار تلك السلسلة الجديدة للرتب والرواتب على أن يترافق مع قانون تلك السلسلة مجموعة من البنود الإصلاحية التي تؤكد على الكفاءة والجدارة والتنافسية والشفافية في عملية ايلاء المسؤوليات لأكْفائها في الدولة اللبنانية. هذا الامر كان يفترض به ايضاً ان يترافق معه آليات معينة للتأكد من شفافية وتنافسية الاختيار، وكذلك آليات معينة ايضاً من اجل محاسبة أولئك المسؤولين على أساس الأداء.

كان ذلك في العام 1998، وكان وقتها قد انتخب الرئيس اميل لحود الذي أصرّ في حينها على إلغاء جميع المواد الاصلاحية التي كانت موجودة في مشروع القانون. في حينها كان الرئيس لحود قد انتخب، ولكن لم يكن قد ألقى خطاب القسم بعد. وهكذا كان، فقد ألغيت جميع البنود الاصلاحية من ذلك المشروع، والذي أقر مبتوراً.

لقد كان من نتيجة ما فعله المجلس النيابي اللبناني آنذاك، وبدفع من الرئيس لحود أنه أنصف الموظفين في زيادة الرواتب ولكن لم ينصف اللبنانيين بأن يحصلوا وفي المحصلة على خدمات متميزة وغير مكلفة من الادارة اللبنانية. ذلك لأنه لم تتم الموافقة على الآليات التي تضمن اختيار الأفضل لشغل المواقع الأساسية في الدولة اللبنانية، ولم يجرِ اعتماد الآليات الصحيحة لكي تتم محاسبتهم على أساس الأداء. تلك التجربة شكّلت فشلاً كبيراً لفكرة الدولة اللبنانية.

ثم بعد ذلك كان هناك محاولات أخرى، إذ جرى العمل من أجل إقرار مشروع قانون في مجلس النواب يؤكد من جديد على تلك المبادئ. ولكن جرى الطعن به. وبعدها حصلت محاولات أخرى. وكان من أهمها ما اعتمدته ومارسته أنا عندما كنت رئيساً للحكومة في ان يصار الى ايلاء المسؤوليات لأكفائها من خلال المباريات التي حصلت لاختيار الأكفاء لشغل 39 وظيفة.

ولقد جرى تعيين بعض من أولئك الأشخاص لشغل عدد من تلك المواقع على أساس من تلك القواعد، ولكن الظروف لم تسمح بإقرار وتعيين البعض الاخر بسبب الظروف الاستثنائية التي مرّت بها حكومتي آنذاك، ومن ضمنها استقالة عدد من أعضائها، والإقفال القسري لمجلس النواب، ومحاصرة الحكومة في السراي الحكومي لفترة ثمانية عشرة شهراً متوالية.

وأقول هذا للدلالة على أنني مارست ما ينص عليه الدستور اللبناني وينص عليه مبدأ حسن الادارة لكي نتوصل إلى أن تكون لدينا في لبنان إدارة رشيدة ونصل الى اختيار أفضل العناصر بالشكل التنافسي والسليم.

كذلك، فقد عملت على ما يؤدي على التأكيد على ما يتعلّق بموضوع المحاسبة على اساس الأداء، وكان ذلك في إخضاع كل ما يتعلق بإدارات وبمؤسسات الدولة اللبنانية وحساباتها للتدقيق الذي يمكن ان تجريه مؤسسات التدقيق الدولية.

الآن أبدي استغرابي لما يطالب به رئيس الجمهورية بما خصّ التدقيق الجنائي. هذا المطلب كان ينبغي ان يصار الى اقراره منذ سنوات طويلة. إذ أنه، وفي العام 2006، بادرت حكومتي المكتملة آنذاك بإرسال مشروع قانون الى مجلس النواب في ايار من العام 2006 من أجل إخضاع كل ما يتعلق بإدارات الدولة اللبنانية ومؤسساتها وجميع حساباتها للتدقيق المالي الخارجي. المؤسف أنّ هذا المشروع لايزال قابعاً في أدراج مجلس النواب، وهو التدقيق المحاسبي التي يجب أن تجريه بيونات التدقيق الدولية، وهي جهات حيادية متجردة قادرة على ان تعطي وجهة نظرها العلمي والموضوعي والمتجرد في حسابات الدولة اللبنانية بعيداً عن التقصد وبعيداً عن الغرضية التي نراها الان من خلال الممارسات التي نشهدها، والتي أصبحت تتفشى في جسم الدولة اللبنانية، وحتى في جسم القضاء بدفع وإصرار من بعض القوى السياسية. في المقابل تلك كانت بعض الممارسات التي قمنا بها من أجل التقدم على مسارات الإصلاح.

كما قمنا بممارسات اخرى تتعلق ايضاً بموضوع المحاسبة والمساءلة الحقيقية لعمل الحكومة من خلال تمكين مجلس النواب من أن يقوم بدوره في محاسبة ومساءلة الحكومة. ولذلك، فقد تمّ الاتفاق مع رئيس المجلس النيابي مباشرة حين أصبحت رئيساً للحكومة، حيث ابتدعنا وسيلة جديدة في لبنان في عملية المحاسبة والمساءلة للحكومة على أساس إخضاعها للمساءلة الأسبوعية من قبل المجلس النيابي، ومن خلال الاجتماع الأسبوعي للهيئة العامة للمجلس النيابي. وهذا يعني أن يصار على النسق الذي تعتمده الأنظمة الديمقراطية المشهورة في العالم مثل مجلس العموم الانكليزي أو الجمعية العامة الفرنسية وغيرهما. إذ هي تُخضع حكوماتها إلى مساءلة أسبوعية لمدة ساعة ونيف بما يعزز الممارسة الديمقراطية. هذا الامر اعتمدناه ونفذناه أيضاً وعلى مدى عدة أشهر، وهي وسيلة جيدة ولكن جرى إلغاؤها من قبل مجلس النواب بعد ذلك للأسباب التي لم تعد خافية على أحد.

س: من يحاسب من مجلس النواب ام مجلس الوزراء. أنتم تطالبون دائما بتنفيذ اتفاق الطائف، وتنفيذ مواد اتفاق الطائف هي الحل، اين نحن الان من اتفاق الطائف، هل فشل اتفاق الطائف؟

ج: لا لم يفشل اتفاق الطائف، ولكن فشل أولئك الذين يطبقون هذا الاتفاق، وبسبب ممارساتهم وعدم تقيدهم بتطبيق أحكام وبنود هذا الاتفاق. في الحقيقة، انّه ليس هناك من بديل حقيقي لأي مجتمع متنوع مثل لبنان إلا من خلال تلك الآليات التي يقدمها الدستور اللبناني المبني على اتفاق الطائف. وأنا كان لي فعلياً مبادرة مؤخراً للإنقاذ الوطني في المقالة التي نشرتها في صحيفة النهار في 30 كانون الثاني من هذا العام. وأنا أقول ان ليس هناك من خيارات بديلة أمام لبنان سوى العودة الى اتفاق الطائف، والعمل على تطبيقه بشكل صحيح واستكمال تطبيقه، ولكن ليس بشكل استنسابي أو انتقائي. لذلك فإنّ الظن أن المشكلة هي في اتفاق الطائف فإن هذا خطأ. المشكلة ليست في اتفاق الطائف ولكن في الذين يطبقون اتفاق الطائف بشكل انتقائي واستنسابي.

س: أين المشكلة بالتحديد في تنفيذ اتفاق الطائف وما هو الذي يجب أن ينفذ في اتفاق الطائف. اللامركزية مثلاً، التيار الوطني الحرّ يطالب كل يوم بالدولة المدنية ونحن دولة مدنية؟

ج: هذا يدل فعلياً على ضحالة الثقافة السياسية والدستورية لدى كثير من الاشخاص الذين يتنطحون للحديث عن موضوع الدستور أو أي موضوع له علاقة بالدستور والقوانين وما شابه، وهم الذين تنقصهم الثقافة الدستورية الصحيحة.

بالفعل، لم يطبق عدد من الأمور التي لها علاقة باتفاق الطائف مثل اللامركزية الإدارية، وكذلك في تطبيق مسألة إنشاء مجلس الشيوخ. باعتقادي أنه، وفي حال تطبيقه، فإن ذلك سوف ينقل لبنان من مكان إلى مكان آخر. مكان أفضل بكثير مما هو عليه الآن، ولاسيما عندما يبدأ العمل بمجلس الشيوخ. وهنا دعيني أشرح لك فلسفة مجلس الشيوخ في لبنان.

بالفعل هناك فكرتان: أولهما ان اللبناني هو مواطن، بغضّ النظر إلى أي فئة انتمى أكان مسلماً أم مسيحياً أم مارونياً أو درزياً أو شيعياً أو سنياً أو أرثوذكسياً. هو مواطن وعلاقته بالدولة يجب ان تكون على هذا الأساس، أي أنه فعلياً عليه واجبات تجاه الدولة، كما أن الدولة عليها واجبات تجاه المواطن. وبالتالي، فإنّ هذا المواطن ولأي مجموعة دينية انتمى   أو ينتمي إليها يتماثل مع اي شخص آخر ينتمي إلى مجموعة دينية ثانية. وبالتالي، فإن الأمور التي تختص بحاجة هذا المواطن إلى الأمن والأمان والتعلم والصحة والطرقات والخدمات وغيرها كثير، فإنه مثله مثل غيره من المواطنين وهذه الحاجات يفترض أن تتولاها الحكومة وتقدمها إلى جميع المواطنين دون أي تمييز أو منّة. ومن حق المواطن ان يتابع هذه الأمور عبر ممثليه في مجلس النواب. وبالتالي يجب أن تعالج هذه المسائل عبر الانتخابات النيابية. وبالتالي، فإنه يمكن للمواطن ويستطيع عبر ممثليه في المجلس النيابي أن يطالب بأن يصار الى انصافه وان يحصل على حقوقه وان يطالب الحكومة بما يريد، ومن جهة أخرى أنت تطالبه الحكومة ايضاً بتأدية التزاماته تجاه الدولة اي دفع الضرائب والالتزام بالقانون وكل هذه الامور.

من جانب آخر، فإنّ هذا المواطن، بالإضافة الى كونه مواطن، فإنه هو ايضاً ينتمي الى مجموعات طائفية تحرص على ان يصار إلى عدم تهميشها أو إلغائها، وكذلك أن لا يصار الى معاملتها بشكل غير عادل بالمقارنة مع باقي المجموعات الدينية في هذا الوطن. لذلك، فإنّ هذا المواطن يمكن له أن يحصل على الطمأنينة المطلوبة عبر ممثليه في مجلس الشيوخ، والذي يحرص أعضاؤه على الاستمرار في التأكد من أن ليس هناك من تشريع أو ممارسة تؤدي إلى الإخلال بالمعاملة المتساوية لجميع فرقاء الوطن.

لهذا كلّه، جاء اتفاق الطائف ليقول بضرورة إنشاء مجلس للشيوخ، وهو ليس مجلساً تشريعياً من وجهة نظري بل هو ايضاً مجلس تمثيلي لمختلف الطوائف ينظر في أي أمر يتعلق بأي افتئات محتمل على أي طائفة من الطوائف. وبالتالي، فإنّ هذا المجلس يضع ما يسمى الاشارة الحمراء على أي أمر يُشْتَمُّ منه وجود أي افتئات أو ظلامة على أي مجموعة طائفية في البلاد.

وبالتالي، الامر الذي أراه هو أن اتفاق الطائف يجب ان يتم تطبيقه في شقه الأول، وذلك في شأن علاقة المواطن مع الدولة، وفي علاقة الدولة مع المواطن. وبالتالي أن يحصل المواطن على حقوقه من الدولة، وعليه أن يقوم بأداء واجباته تجاه الدولة.

أما في الشقّ الثاني، أي عندما يأتي الأمر الى علاقة المواطن بكونه جزءاً من طائفة معينة أو ينتمي الى هذه الطائفة أو تلك، ومع أنه مواطن مثل باقي المواطنين- وهذا صحيح- ولكنه حريص كمواطن أيضاً على أن لا يصار الى تهميشه أو تهميش الفئة التي ينتمي اليها. وهي الفئة التي يجب أيضاً أن تخضع لكل القوانين السارية مثلها مثل غيرها من الفئات التي يتكون منها المجتمع اللبناني، وذلك بمعاملة متساوية يطرحها البعض الآن.

إذاً مجلس الشيوخ عند تأسيسه وبداية عمله يمكن أن يحلّ هذه المشكلات التي يطرحها البعض الآن. وبالتالي يكون لهذا المجلس دور في تصويب عمليه التشريع من خلال تأكيده أن ليس هناك ما يمكن أن يؤدي إلى الإضرار بصيغة العيش المشترك بالنسبة لأي طائفة من الطوائف.

ولذلك، فإنّ مسألة التشريع من وجهة نظري يتولاها مجلس النواب، وهو الذي يقرّ التشريعات المختلفة، وذلك تحت رقابة مجلس الشيوخ الذي له الحق ان يطرح أي امر يخل بسموّ فكرة العيش المشترك ومساواة الجميع أمام القانون ليعاد النظر فيها.

ولكن هذا الامر لا يقتصر على هذين الأمرين اللذين لم يستكملا كما ذكرت بل يتعداه إلى الممارسات الخاطئة التي أصبحت تؤدي إلى الإخلال في التوازنات الداخلية والخارجية للبنان، وكذلك تلك التي تؤدي إلى خرق الدستور، والإخلال باتفاق الطائف وأعني بذلك الممارسات الخاطئة التي تجري بين الحين والآخر، ومنها ما يقترفه فخامة الرئيس من خرق للدستور. ومن ذلك، وعلى سبيل المثال، ما يتعلق بمسألة هامة تتعلق بإعادة الاعتبار للكفاءة والجدارة في إيلاء المسؤوليات إلى أكْفائها. هذا الامر للأسف لا يطبق في لبنان ولا يعامل الجميع على هذا الأساس.

كذلك أيضاً بما يتعلق بموضوع استقلالية القضاء في لبنان. وهذا الامر لا يجري احترامه والالتزام به.

أنا لا أعتقد أنّ لبنان بحاجة إلى قوانين جديدة من أجل تعزيز استقلالية القضاء. واستقلالية القضاء ينص عليها القانون بشكل سليم مئة في المئة وهناك مادة في القانون القضائي وهي المادة 95 ايضاً من قانون السلطة القضائية التي تعطي القضاء الحق في ان يقوم بإجراء ما ينبغي ان يقوم به من اجل ان يكون مترفعاً وان لا يكون هناك اداء مشكوك بأمره من أي أحد من القضاة.

كذلك الامر المتعلق بالتشكيلات القضائية. فالقانون واضح بأن الأمر يمكن ان يبت به مجلس القضاء الأعلى، وان مسألة التشكيلات القضائية، وحسب النص القانوني، فإنه عندما يكون هناك شبه إجماع أي 8 من أصل 10 من أعضاء مجلس القضاء الأعلى بالنسبة لإصدار التشكيلات القضائية، تصبح قرارات مجلس القضاء الأعلى بالنسبة لتلك التشكيلات قرارات نهائية. وبالتالي تصبح صلاحيات وزير العدل، وصلاحيات رئيس الحكومة، وصلاحيات رئيس الجمهورية مقيدة في هذا الشأن، أي بما يعني ضرورة توقيعهم على مرسوم التشكيلات القضائية لأنها صلاحية مقيدة. أي ان عليهم ان يوافقوا على تلك التشكيلات وأن يوقعوا على ذلك المرسوم حسب الطريقة التي يكون قد اقرها مجلس القضاء الأعلى.

وأنا تجربتي الشخصية في هذا الشأن شديدة الوضوح. فمثلاً عندما كنت رئيساً للحكومة كنت أقول أنّه عندما تصلني التشكيلات القضائية التي يكون قد وافق عليها ثمانية من عشرة أو وافق عليها عشرة من عشرة من أعضاء مجلس القضاء الأعلى. فإنه، وفي حينها، تصبح نهائية. وأنا بالفعل عندما وصلتني تلك التشكيلات القضائية وقعتها دون ان أنظر اليها وقلت للناس انني وقعتها دون ان انظر إليها. وليس كلامي هذا من أجل المزايدة أو أني لا اريد ان انظر إليها أو اطلع عليها. ولكن لكي أعطي الرسالة والصورة الصحيحة في حينها لجميع اللبنانيين ان صلاحيتي كرئيس لمجلس الوزراء هي مقيدة في هذا الخصوص. وكذلك الأمر بالنسبة لوزير العدل ورئيس الجمهورية من ضرورة توقيعهما على مرسوم تلك التشكيلات.

في ذلك الحين، رفض الرئيس اميل لحود أن يوقع تلك التشكيلات. وهذا ما حصل لاحقاً. إذ أنه، ومثل ما حصل مع الرئيس لحود، فقد رفض الرئيس عون أن يوقع تلك التشكيلات القضائية التي أقرها مجلس القضاء الأعلى.

مثال آخر، فإنني عندما كنت رئيساً للحكومة قام رئيس وأعضاء مجلس القضاء الاعلى بزيارة بروتوكولية لي. سأقول لك ماذا قلت لهم، وبإمكانك ان تسألي عن هذه الواقعة كل أعضاء مجلس القضاء الأعلى اللذين كانوا موجودين آنذاك عندما زاروني في القصر الحكومي. لقد قلت لهم أهلاً وسهلاً بكم وأنا  سعيد بلقائكم لكن هذه أول زيارة تأتوا لزيارتي، ويجب أن تكون آخر زيارة، وذلك للدلالة على أنكم أنتم سلطة دستورية، وأنا سوف أتعامل معكم وأن احترمكم على هذا الأساس وعليكم أن تتولوا أموركم على هذا الأساس، وتحرصوا على أن لا يتدخل أحد بشؤون القضاء الذي هو سلطة مستقلة.

س: دولة الرئيس نحن نسمع مؤخراً عن مطالبة من قبل الطائفة الشيعية الكريمة انه يتكلم عن مؤتمر جديد مثل مؤتمر الدوحة 2 برعاية فرنسية؟

ج: أنا اعتقد ان الدول عادة تتقدم الى الامام ولا ترجع الى الوراء. اتفاق الطائف انبنى على اساس أن اللبنانيين هم إما مسلمون أو مسيحيون. وبالتالي ان يكونوا منقسمين النصف بالنصف لتعزيز فكرة العيش المشترك فيما بينهم بغض النظر عن تطور أعدادهم. وتلك الخطوة كانت باتجاه الغاء الطائفية السياسية واعادة الاعتبار لمبادئ وقواعد الكفاءة والجدارة في تحمل المسؤولية في المناصب الحكومية والعامة.

المؤسف أنه، حتى في النظام اللبناني ما قبل الطائف، كان هناك حرص في كثير من الأحيان أن لا يكون هناك تمييز بين حقائب وزارية عادية وتلك الأخرى التي تسمى الآن حقائب سيادية. كذلك لا تمييز بأن هناك حقائب وزارية هي حكر على مجموعة من الوزراء المنتمين إلى طوائف معينة، أو تلك الأخرى التي لا يجوز أن يتولاها من ينتمون إلى مذاهب معينة أخرى.

في الحقيقة، ان من يعتبر ان هناك حقائب سيادية وأخرى غير سيادية، فإنّ هذا الاعتقاد غير صحيح. وهذا أدى إلى مزيد من الانهيارات في الأداء الديمقراطي في لبنان. هذا التفريق لم يكن موجوداً آنذاك، ولم تكن هناك هذه النظرة، مثلاً حقيبة وزارة الدفاع مثلاً عشرات المرات تسلمها وزير درزي. وكذلك حقيبة وزارة المالية تسلمها أكثر من مرة درزي. وهم حسب التركيبة الحالية لا يستطيعون ان يحصلوا على واحدة من هذه الحقائب الوزارية الأربع: المالية، الدفاع، الداخلية والخارجية. وهذه ممارسة خاطئة. ثم الكاثوليك مثلاً، لقد تسلم وزارة الخارجية أكثر من مرة من ينتمي إلى الطائفة الكاثوليكية وهم ايضاً حسب هذه الممارسة الخطأ لا يمكن أن يحصلوا الآن على هذه الحقيبة.

هذا الامر جاء قاطعاً في اتفاق الطائف ليقول ليس هناك من موقع في الدولة اللبنانية، أكان ذلك موقعاً وزارياً أم في أي ادارة معينة يمكن اعتباره حكراً على طائفة معينة. كما انه ليس هناك من شخص ينتمي الى فئة معينة او طائفة معينة ممنوع عليه ان يتسلم اي حقيبة او اي موقع في الدولة اللبنانية. وهذا تأكيد على أن النموذج اللبناني هو نموذج حقيقي للدولة المدنية في لبنان. إذ ليس هناك فرق بين مواطن واخر ولا تمييز في مَن يتسلم اي حقيبة او اي مسؤولية بلزوم أن يكون شخصاً ينتمي إلى طائفة معينة. هذه الممارسات في هذا الشأن هي ممارسات خاطئة وتؤدي الى ان تنمِّي الدعوات للانغلاق لكل طائفة على نفسها وأن تعود كل مجموعة طائفية إلى مربعها الطائفي وان تعود الى ان تطالب بحصص من هنا وحصص من هناك، وهي ممارسات تؤدي إلى المزيد من التجييش والفرز الطائفي. وبالتالي، ولأن تسعى تلك المجموعات لأن تستولي على الدولة اللبنانية، أو أن تستتبع الدولة اللبنانية. للأسف، لقد أصبحت هذه الوزارات او الحقائب الوزارية او المواقع في الادارات العامة وكأنها مستعمرات محجوزة لكل فئة من الفئات، وبالتالي يمكن القول إنّ هذه الممارسات قد أسهمت في إسقاط الدولة اللبنانية على النحو الذي نراه اليوم.

والذي نراه الآن ليس الا تعبيراً عن سقوط الدولة اللبنانية. الدولة اللبنانية التي لم تعد الدولة اللبنانية الحيادية في علاقتها مع مواطنيها. الدولة اللبنانية الآن أصبحت مواقع وجزراً ومستعمرات حكراً على طوائف معينة، وحكراً على أشخاص ولم تعد علاقة الدولة مع المواطنين علاقة متجردة وحريصة على ان تكون العلاقة بينهما سليمة. وبالتالي، أصبح المواطن وفي علاقته مع الدولة اللبنانية يذهب الى وزارة معينة لان هناك شخص تابع له او للحزب الذي ينتمي اليه او للطائفة التي ينتمي إليها. هذا أدى الى تدمير الدولة اللبنانية شيئاً فشيئاً. ليس هذا فقط، ولكن الأمر تردى بعدها نتيجة لم تعتمد وكحل استثنائي في اتفاق الدوحة، حيث جرى اعتماد ما يسمى نظرية حكومات الوحدة الوطنية.

حكومة الوحدة الوطنية هي نوع من الحكومات المقبولة في النظام الديمقراطي. وهي في الحقيقة ظاهرة طبيعية من ظواهر الانظمة الديمقراطية او النظام الديمقراطي اللبناني. ولكنها هي حالة مؤقتة يجري اعتمادها في ظروف معينة، بحيث يصار إلى تأليفها بسبب احداث معينة أو بسبب مآسي او أزمات معينة. عندها يصار الى تأليف ما يسمى حكومة الاتحاد الوطني او حكومة الوحدة الوطنية لمعالجة ظرف أو طارئ معين. وهذه ظاهرة عابرة في النظام الديمقراطي. أي انه بعد ان تنتهي هذه الظروف الاستثنائية التي ادت الى اعتماد هذا الأسلوب، يصار بعدها إلى العودة إلى نمط الحكومات العادية أي حكومات الأكثرية التي تحكم والأقلية التي تعارض. ذلك كما كان عليه في اتفاق الطائف.

أول حكومة بعد اتفاق الطائف كانت حكومة وحدة وطنية، ومن ثم كان ينبغي على الحكومات التي تأتي بعدها أن تكون مبنية على قواعد النظام الديمقراطي البرلماني وهو نظام الاكثرية والأقلية. الاكثرية التي تحكم والمعارضة التي تعارض والتي تسعى لكي تحل محل الاكثرية وهذا من حقها. وحكومات الوحدة الوطنية كان خطأ كبير جرى ارتكابه بشكل مخالف لاتفاق الطائف. الحقيقة أنّ الذي جرى بعد ذلك، هو أنه كان هناك من يفرض على لبنان لكي يصار إلى اعتماد أسلوب حكومات الوحدة الوطنية. لماذا؟ لان هناك من كان يريد ان يُطْبِقْ على الدولة اللبنانية وان يمنعها من ان تأخذ اي موقف أو قرار من دون أن تحظى بموافقته على الأمور الأساسية وأعني بذلك حزب الله.

س: أنتم ربحتم الانتخابات اللبنانية ولكن لم تمارسوها؟

ج: في هذا الشأن أرجو أن تسمعيني جيداً وبدقة. أنا سوف اذكرك بما جرى حينها. السيد حسن نصر الله قال في حينها، أي قبل الانتخابات النيابية التي جرت في العام 2009: لماذا نختلف؟ نحن ذاهبون الى انتخابات نيابية في العام 2009، والذي ينجح بإمكانه، ومن حقه أن يحكم والآخر يعارض. بناء على ذلك، فقد جرت الانتخابات النيابية، ونحن نجحنا في أن تكون الأكثرية في المجلس النيابي لفريق الرابع عشر من آذار. وكانت النتيجة ان أبلغنا الحزب في رسالة عبر الاعلام من قبل أحد محازبي حزب الله وتحديداً من قبل نواف الموسوي بقوله: "أنكم إذا ألفتم حكومة أكثرية ستبقى حكومتكم على الورق إذا كان هناك لايزال الورق موجوداً في لبنان".

بالتالي، جرى بعدها الاطباق على الدولة اللبنانية واصبحت الدولة اللبنانية فعلياً مشرذمة وعاجزة. وبالتالي لا تستطيع ان تصل الى قرار واصبحت الحكومات بعد الطائف حكومات الفيتوات المتبادلة. للأسف، فقد أصبحت تلك الحكومات اللبنانية ايضاً حكومات المقايضات المتبادلة ما بين الفئات الموجودة في الحكومة. ليس ذلك فقط، فالذي جرى ان الموجودين في المجلس النيابي أصبحوا هم الممثلين في الحكومة وأصبح السائد في الممارسات الحكومية اما الفيتوات او المقايضات المتبادلة. وهذا الامر كان على حساب الدولة وعلى حساب المواطن. ليس ذلك فقط ولكن أصبح النظام البرلماني الديمقراطي اللبناني غير قادر على ان يقوم بعمله إذ لم يعد هناك في مجلس النواب من يحاسب الحكومة، إذ أصبحوا جميعهم ممثلين في الحكومة، ولم يعود بإمكانهم أن يقوموا بدورهم في محاسبة الحكومة أو مساءلتها بشكل سليم على هذا الاساس.

س: الكل يطالب بتطبيق اتفاق الطائف ومن هذا الذي يمنع تطبيق اتفاق الطائف الكل يقول اننا يجب ان نطبق الدستور؟

ج: أنا اعتقد أن الجميع يتحدث بهذا الأمر ويحرص في المقابل على عدم تطبيقه أو الالتزام به. بدون أدنى شك ان كل واحد يقول انه يريد ان يطبق استقلالية القضاء والكل يقول إنه يريد ان تطبق معايير الكفاءة والجدارة في تحمل المسؤوليات ويقول انه يجب ان يطبق مفهوم المادة 95 من الدستور، ولكنهم لا يلتزمون بذلك. رئيس الجمهورية لا يطبق الدستور بل يخرقه وهو الدستور الذي نصّبه بكونه رئيساً للجمهورية ورمز وحدة الوطن من أجل المحافظة على الدستور وضمان احترامه، وهذا ما أفسد النظام الديمقراطي اللبناني، وكما يقول السيد المسيح: "إذا فسد الملح فبماذا يملح".

عندما يكون الرئيس الذي همّه الأساس كيف يحافظ على احترام الدستور، فإنه للأسف لا يقوم بعمله، بل أصبح منشغلاً في أمور لا تسهم في احترام الدستور اللبناني بل بمسائل تدلِّل على خرقه للدستور.

سألني أحدهم مرة في مقابلة أجراها معي ماذا تطلب من فخامة الرئيس؟ كان جوابي أطلب منه أن يتصرف كرئيس للجمهورية، وأن يلتزم بما ينص على الدستور. أي أن يحافظ عليه، وبالتالي هذه هي قوة رئيس الجمهورية، وهي في تطبيق الدستور. وانه بالفعل عليه ان يتصرف بأنه هو الحكم وهو الجامع بين اللبنانيين، وهو ليس طرفاً من الأطراف المتنازعين، بل عليه ان يستمر حريصاً بأدائه وتصرفاته بأنه رمز وحدة الوطن.

رئيس الجمهورية لم يعطه الدستور الحق في ان يكون قادراً على التصويت بشأن قرارات مجلس الوزراء. فإذا لم يكن باستطاعة رئيس الجمهورية ان يصوت في مجلس الوزراء لأنه فوق الجميع وليس طرفاً، وذلك لكي يستطيع أن يستمر في القيام بدوره من أجل أن يجمع الجميع، وبالتالي أن لا تكون له حصة في مجلس الوزراء. إذ أنه عندما يكون له حصة، فإنه يفقد قدرته على أن يكون حكماً بين الجميع. وكذلك وحين يكون رئيس الجمهورية لا يستطيع أن يصوت بشكل مباشر في مجلس الوزراء، فإنّه بالتالي لا يمكن له أن يصوّت بالوكالة.

س: ولكن هو يعتبر ان هذا هو ما أخذ من صلاحياته من جراء موضوع التصويت في مجلس الوزراء ولكن لديه وزراء ولكن في اتفاق الدوحة أعطوه هذا الامر؟

ج: رئيس الجهورية هو فوق الجميع وليس طرفاً بل جامعاً للجميع، ويجب أن يظل حريصاً على الالتزام بالدستور. ما جرى في اتفاق الدوحة، حصل تحت تهديد المسدس. لم نذهب الى الدوحة الا بعد اجتياح مدينة بيروت من قبل حزب الله والأحزاب المنضوية معه. أقول هذا حتى نكون جميعاً مدركين على ماذا نتكلم. هذا الامر هو ما أوصلنا إلى ما وصلنا إليه الآن. وها نحن نشهد اليوم الاثار التدميرية لم أتفق عليه في الدوحة بهذا الشأن، ولما تمّ التنكّر لما تمّ الاتفاق عليه في الدوحة. الأنكر من ذلك أنه، وحتى بشأن ما اتفق عليه في الدوحة، فقد جرى التنصل منه.

لقد أعطي رئيس الجمهورية في اتفاق الدوحة ثلاث وزراء، وكان ذلك كتدبير مؤقت ولحلّ مشكل في حينه، وما جرى ليس هو القاعدة. ومن المفارقات في هذا الشأن، ما كان العماد عون يصرّ على رفضه آنذاك بأنه لا يجوز أن يكون لرئيس الجمهورية حصة في الحكومة وهذا صحيح. علماً أن رئيس الجمهورية ميشال سليمان كان رئيس جمهورية تمّ التوافق عليه من قبل الجميع، ولم يكن طرفاً مثل ما حصل مع ميشال عون، لننظر ملياً في هذه المفارقة. ما كان يرفضه عون في السابق أصبح الآن ما يصرّ عليه!!

س: هل أصبح الدستور وجهة نظر؟

ج: كلا، الدستور ليس وجهة نظر وليس لأن تتجاذبه اجتهادات من هنا أو من هناك. يقول أحد أهم علماء الدستور وانا دائما استشهد به وهو الفقيه الدستوري حسن الرفاعي. وهو يستشهد بالبروفيسور Deguy الفرنسي ان قيمة الدستور تكمن في حسن نوايا من يطبقه. لا يستطيع أي دستور في العالم ان يلحظ كل الاحتمالات. فبالتالي الدستور يجب ان يُنظر إليه كنص يجب الالتزام به، وكذلك ينظر بالتالي إلى مغازيه ومراميه ايضاً.

الذي يجري الان هو عكس نصوص الدستور وعكس ما يرمي إليه الدستور اللبناني. وبالتالي، فإنه عندما تتوفر حسن النية يمكن ان تحل الكثير من المشكلات. يمكن ان يصار الى القيام بالالتزام بروح الدستور ومن الطبيعي هناك من يخرج بنظريات وتفسيرات. في هذا الشأن، هناك قول نستعمله في مدينة صيدا "ليس كل من صف صواني يقول انا حلواني". ليس كل من تكلم في الدستور أصبح فقيهاً دستورياً وأصبح قادراً أن يعطي وجهة نظره في الدستور. طبيعي هناك اشخاص اثبتت الايام انهم أشخاص يشكلون مرجعية دستورية مثل حسن الرفاعي. وهو قد أثبت وعلى مدى عدة عقود، أنه فقيه دستوري حقيقي، وهناك آخرين ايضاً يتمتعون بهذه الميزة. إذ ليس هو منفرداً فيها، وهو ايضاً قد أصدر مؤخراً مع غيره من الخبراء الدستوريين بياناً أدان فيه الممارسات التي أصبح يمارسها فخامة الرئيس عون وفي شأن ممارساته التي تخرق الدستور.

س: هل ما زال الطائف نعمة ام تحول الى نقمة وهل يجب البحث اليوم عن عقد جديد؟

ج: لقد أمضى اللبنانيون 14 عام في نزاعاتهم وحروبهم حتى توصلّوا إلى اتفاق الطائف. هذا لا يعني أن اتفاق الطائف منزّل من الله، بل هو من صنع الانسان، وهو من صنع الشعوب عبر تجاربها الطويلة. في الحقيقة، فإن أهم شيء ممكن ان نقوم به الان هو المبادرة الى استكمال تطبيق الطائف. وبالتالي، ومع هدوء الاعصاب وأيضاً مع سلامة النوايا كل امر يجب ان يكون قابلاً للبحث. ولكن لا نستطيع القيام بشيء يؤدي إلى الانقلاب على الطائف. هذا غير مقبول ويؤدي الى مزيد من الاحتقانات الداخلية والفتن وإلى مزيد ايضاً من التدمير الذاتي.

لبنان ومؤسساته ومواطنوه وأوضاعه العامة يمرون الآن في مرحلة في غاية الصعوبة تقتضي العودة بنا وبهدوء إلى العمل على استكمال تطبيق الطائف. أي العودة الى المبادئ التي بني عليها هذا الاتفاق وبني عليها الدستور. والتزامنا الحقيقي بهذا الأمر يأخذنا بعيداً عن هذا الاتون المتعاظم وهذا التدمير المنهجي الذي نشكو منه ويشكو منه لبنان واللبنانيون.

إنّه، وعندها نستكمل هذا التطبيق، وبعد ذلك، كل شيء قابل للبحث بين اللبنانيين ويستطيعون مع هدوء اعصابهم وتبصرهم وايضاً مع ممارسة رغبتهم في أن يمارسوا ويستمروا في عيشهم المشترك على أساس "إنّ اكرمكم عند الله اتقاكم"، أي بما يعني أفهمكم وأعلمكم وأخبركم هو من يتولى المسؤولية. فإنه يمكن عندما تهدأ النفوس فإنه يمكن أن يتم التداول في أي فكرة تسهم في التأكيد على فكرة العيش المشترك. هذا هو الذي ينبغي ان يكون، وذلك هو في مصلحة جميع اللبنانيين وليس فقط مصلحة فريق من اللبنانيين. وان اللبناني الذي يمكن أن يحكم يجب ان يكون هو الاقدر والافهم والاحكم وليس أي أحد من أولئك الناس الذين يحملون معهم حزازاتهم وغبائهم وتشنجاتهم الطائفية والمذهبية.

اللبنانيون يريدون الأشخاص الذين يمارسون الحكم بشكل ديمقراطي وسليم وبما يستند الى المؤسسات والممارسات الديمقراطية الصحيحة. وأيضاً على أساس احترام الكفاءة والجدارة وحسن الاداء والمحاسبة على اساس الأداء. كل هذا يجب ان يطبق على هذا الشكل وهم يريدون- أي اللبنانيون- بالفعل أفضل وأقدر الناس أن يتولوا هذه المناصب والمواقع المسؤولة.

لنأخذ مثلاً: انت إذا كان لديك دكان، وتريدين أن تديري شؤونها بشكل صحيح، فإنك تعمدين عندها إلى اختيار أفضل الناس لإدارتها لا أن تنتقي أسوأ الناس فقط لأنه من اقاربك. بل تقومي باختيار الشخص الجيد والقادر على إدارة شؤون هذا الدكان بشكل سليم. إذا كانت هذه النظرية تسري على إدارة دكان، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بإدارة دولة او بلد. 

س: هل تكلم معكم الفرنسيون من اجل طائف جديد؟ دائماً يحملون للترويكا الحريري الهراوي وبري المسؤولية لعدم تطبيق ينود اتفاق الطائف؟

ج: هل نحن الان بحاجة إلى أن نعيد الأموات؟ يجب أن لا ننسى أن هؤلاء الذين كانوا موجودين في الماضي قد حققوا إنجازات وأعمال كبيرة، وكانت لديهم ايضاً بعض الممارسات التي من الممكن أن ينتقدها البعض، ولكن المهم الآن أنّ نسارع من أجل أن نصلحها. مثلاً: سمعت مؤخراً أحداً يقول انه جرى تثبيت سعر الكهرباء يوم كان الرئيس رفيق الحريري رئيساً لمجلس الوزراء منذ 25 عاماً، والرئيس الحريري استشهد في العام 2005. ولكنه ترك الحكومة في العام 2004، أي أنه قد مضى على غيابه عن السلطة 17 عاماً. هل يجوز محاسبته لأنه لم يعدل التعرفة؟ وهو بالمناسبة قد حاول ولم يستطع. فلماذا لم يفعل من تولى مسؤولية وزارة الطاقة خلال هذه السنوات السبعة عشر؟ هذا علماً أن تعديل تعرفة الكهرباء كان في مقدمة الأمور التي كانت من ضمن مقررات باريس-1 و2 و3. ولكن جرى الحؤول دون تطبيق جميع مقررات تلك المؤتمرات. تجدر الإشارة إلى أنه، وفي العام 2008، فإنّ مسؤولاً في التيار الوطني الحر هو الذي تولّى هذه الحقيبة منذ ثلاثة عشر عاماً، وهم أنفسهم لا يزالون مستمرين في إدارة شؤون هذه الحقيبة الوزارية. لماذا لم يغيروا التعرفة؟ هو يدعى الان ان رفيق الحريري رحمه الله في سنة 96 حدد تلك التعرفة. ولكن منذ العام 96 وحتى سنة 2008. 12 عاماً مرّت. ولكن من العام 2008 وحتى الان لماذا لم تتغير؟ الحقيقة هذا أمر مستغرب في أن يلجأ البعض لأن يدفع عن نفسه المسؤولية بتحميلها بشكل غير منطقي وغير عاقل وغير مقبول لغيره.

س: أيضاً للأسف. نعم دولة الرئيس، أريد ان اسالك عن اتفاق الطائف لان البطريرك صفير يقول انه لا نستطيع ان نغير اي حرف لأنه كان منزل من السعودية ولكن حضرتك اكدت لنا اتفاق الطائف هو صناعة لبنانية فقط؟

ج: نعم هو صنع لبناني. ولقد تمّ في حينها استشارة البطرك صفير بشأنه وهو قد أيّده. كذلك، فقد تمّ استشارة الفاتيكان، والذي بارك هذا الاتفاق. ولكن ذلك كان قراراً اتخذه مجلس النواب اللبناني ومعظمهم شاركوا في اجتماعات الطائف، وهم اجتمعوا وتوصلوا الى تلك الموافقات المسبقة من الفاتيكان ومن البطريرك صفير، ويُشهدُ للبطريرك صفير رحمه الله بأنه كان من الداعمين لهذا الاتفاق.

س: قالوا له وقع لنا على هذه الموافقة فقال أنتم وقعوا وانا معكم، ولقد واجه محاربة من التيار الوطني الحر. إذ أنه كان هناك على خلاف معهم. سؤال للجزيرة، وهو البرنامج الذي تولاه ويتعلق بالأزمة المالية التي نحن نعيش بها وانا يهمني ان أسأل بهذا الخصوص. فأنا أعلم في الجامعة اللبنانية وان راتبي اصبح دون اي قيمة وانا يهمني ان اعرف من حضرتك، لماذا نحن وصلنا الى هنا ولا يمكننا ان نثبت الليرة مثل الشهيد رفيق الحريري حين ربطها بالدولار بسعر 1500 ليرة لبنانية؟

ج: نعم. ما نواجهه اليوم هو من دون أدنى شك هو ناتج عن ما يسمى عن استعصاء قديم في لبنان لعدم القيام بالإصلاحات المطلوبة، والتي يحتاجها لبنان بإلحاح، وعدم القيام بالإصلاحات في لبنان، أدّى بلبنان إلى حيث ما وصلنا إليه الآن. وأنا سوف اعطيك الآن نسخة عن رسالة كنت قد وجهتها الى فخامة الرئيس عون قبل أكثر من سنتين، وأذكِّره فيها بجملة من الاصلاحات التي كنت أسعى إلى تحقيقها على مدى السنوات في مرحلة التسعينيات وفي العام 2004، والتي كنت قد جمعتها في آخر مشروع موازنة قدمتها لمجلس النواب في أيلول من العام 2004 بشأن موازنة العام 2005، وسوف أرسلها لك لكي تتيقني من مقدار استمرار الاستعصاء على القيام بالإصلاحات التي يحتاجها لبنان، والضرر الكبير الذي أصبح يعاني منها لبنان.

وسوف أعطيك نموذجاً آخر في العام 2017 كنت في مجلس النواب وتحدثت آنذاك امام المجلس النيابي وسوف اعطيك ايضاً الورقة التي قد تقدمت بها آنذاك وقلت للنواب آنذاك أننا وقبل 20 عاماً وكان ذلك في العام 1997 عندما كنت وزيراً للمالية حينذاك. حيث أنه، وبناء على دعوة من الرئيس الشهيد رفيق الحريري تمت الدعوة لعقد مؤتمر اقتصادي ومالي كبير حضره كل من له في علاقة بالاقتصاد اللبناني، وكذلك بأمور المالية العامة والإدارة العامة اللبنانية. ولقد شمل ذلك بشكل أو بآخر العديد من النقابات الى الروابط الى الهيئات الاقتصادية والهيئات العمالية والوزراء والنواب والعاملين في الإدارة اللبنانية وغيرهم وفي المؤتمر الذي عقد في 23 و24 و25 تموز 1997.

كنت أتحدث أمام النواب، وكان ذلك في شهر اكتوبر من العام 2017 عن ذلك المؤتمر الذي كان قد عقد قبل عشرين عاماً. في ذلك المؤتمر، صدرت جملة من ما يسمى الخلاصات أو التوصيات.

ولقد قلت للنواب في جلسة عامة للمجلس النيابي اللبناني، وذلك بعد عشرين عاماً من ذلك التاريخ، وحديثي كان للنواب في المجلس النيابي، وكنت نائباً آنذاك، أنّ أي شخص منكم إذا قرأ تلك التوصيات التي صدرت في العام 1997 أو إذا اطلع عليها، وهي الخلاصات التي خرج بها المؤتمرون في العام 1997، سوف يتساءل بينه وبين نفسه، هل هذه الخلاصات كتبت البارحة أي في العام 2017، إما أنها كتبت قبل 20 عاماً.

هذا للدلالة على مدى الاستعصاء الذي عانى منه لبنان واللبنانيون لجهة عدم إقرار تلك الإصلاحات. وذلك يدل على أن الحال استمر على ما كان عليه قبل عشرين عاماً. الفرق الوحيد هو أنّ الأمور ازدادت سوءاً وتدهوراً وانهياراً والاستعصاء ظلّ على حاله

مثل آخر: في حادثة مماثلة تتعلق بسلسلة الرواتب التي أقرّت في المجلس النيابي في العام 1998، في حينها جرى سحب كل البنود الإصلاحية التي كانت واردة في مشروع قانون سلسلة الرتب والرواتب في العام 1998، وبالتالي جرى إنصاف الموظفين ولم ينصف اللبنانيون. وها قد تكررت تلك الحادثة أكثر من مرة ولم يتعلم السياسيون اللبنانيون أي شيء من كل التجارب الأليمة.

كذلك الحال أيضاً فيما حصل في العام 2011 عندما اقرت سلسلة الرتب والرواتب للقضاة. أنا الوحيد في مجلس النواب وقفت لأسأل الحكومة: هل أنكم أنتم تدرون ماذا تفعلون؟ ولكن صوتي آنذاك ذهب كصرخة في وادي. لقد حذرتهم بأنه سيصار إلى ارتكاب نفس الغلطة فيما خص الأساتذة الجامعيين بعد ذلك. وهو ما حصل. والسؤال كان وقتها أيضاً: هل أنتم تدرون ماذا تفعلون طبيعي انا دائماً كنت أقول وأكرّر وكرّرت ذات الموقف في العام 2017 عندما أقرت تلك السلسلة الجديدة للرتب والرواتب لجميع العاملين في الدولة اللبنانية على النسق الذي أقرّ للقضاة وللأساتذة الجامعيين. وذلك بالفعل قد شكّل جريمة حقيقية ليس بحق الوطن الدولة اللبنانية والاقتصاد اللبناني، ولكن أيضاً بحق أولئك الذي جرى زيادة رواتبهم التي أصبحت قيمتها الحقيقية أقل من قيمتها كما كانت قبل تلك الزيادة الاسمية للرواتب.

في تلك الفترة، قال أحدهم ان الوزير السنيورة او الرئيس السنيورة بخيل لا يريد ان يعطي ولماذا يفعل هذا؟ رحم الله والدي كان يقول ويذكرني بقول: "الله يرحم من بكَّاني ولا يرحم من ضحّكني، الذي بكَّاني بكى عليّ والذي أضحكني ضحك علي".

س: دولة الرئيس هل سلسلة الرتب والرواتب هي التي اوصلتنا الى هنا.

ج: كلا. ليست هي السبب الوحيد المسؤول عما حصل من انهيارات ليست هي المشكلة الوحيدة، والتي نعاني منها اليوم. بل هي كانت نتيجة جميع الممارسات الخاطئة ونتيجة عدم تنفيذ الإصلاحات المطلوبة ونتيجة أيضاً لما يسمى القبض أو الإطباق على الدولة اللبنانية من قبل الأحزاب الطائفية والمذهبية والميليشياوية، ونتيجة للاحتلال الشديد الحاصل في التوازنات الخارجية، وكذلك الاختلال الشديد في التوازنات في السياسية الخارجية للبنان.

أنا عندما تكلمت كنت أتكلم عن الدولة اللبنانية. هناك القبض على الدولة اللبنانية من قبل أولئك الأحزاب ومنعها من ممارسة قرارها الحر. إذ لم تعد الدولة اللبنانية لتمارس فعلاً دورها وصلاحيتها، وحيث قد أصبح هناك من يستولي عليها ويصادر قرارها الحر من قبل الأحزاب، فغنه لا يمكن ان نتوقع تغييراً نحو الأحسن. مثال على ذلك: أنا أقول إنه، ومنذ العام 2011، وبعد الانقلاب على سعد الحريري، وذلك بشكل مخالف لما اتفق عليه في اتفاق الدوحة ماذا جرى منذ ذلك التاريخ. الحقيقة أنّ كل المؤشرات المالية والنقدية وايضاً الإدارية، وعلى مدى السنوات 2011- 2019 تبين أن الدولة اللبنانية أصبحت ذاهبة نحو الانهيار وكل هذا قد بدأ يحصل من بداية العام 2011 حين حصل الانقلاب على الدولة. وحيث جرى دفع لبنان إلى محور خارجي خلافاً لمصلحة لبنان واللبنانيين في ممارسة النأي بالنفس وتحييد لبنان عن الصراعات والمحاور الإقليمية. المؤشرات بالنسبة للنمو الاقتصادي في الدولة اللبنانية بعد ان كان النمو على مدى أربع سنوات متوالية 2007 2008 2009 2010 بحدود تسعة ونصف بالمئة قد تحول النمو الاقتصادي السنوي، ومنذ العام 2011 وحتى العام 2019، علماً أنه، وفي العامين 2020 و2021، أصبحت الحالة اسوأ بكثير. إذ أنه، ومنذ العام 2011، أصبح النمو يتراوح بين اثنين بالمائة وناقص اثنين بالمائة.

كذلك العجز في الموازنة وفي الخزينة الذي وصل إلى مبالغ أكبر بكثير عما كان عليه في الماضي.

وأيضاً العجز في ميزان المدفوعات الذي كان فائضاً وبمبالغ كبيرة على مدى السنوات 2007-2008-2009 و2010، وأصبح العجز كبيراً جداً في السنوات من 2011 حتى 2019. وميزان المدفوعات يعني صافي الحصيلة بين ما يدخل الى لبنان من أموال منزلاً منه كل ما يخرج من هذه الأموال إلى خارج لبنان.

كذلك أيضاً، فإن صافي احتياطات مصرف لبنان تحوّلت، وابتداء من العام 2015 لتصبح سلبية وبمبالغ كبيرة.

لماذا حصل كل هذا؟ الحقيقة أنّ ما أسهم في ذلك وبشكل أساس، كان نتيجة الاطباق على الدولة اللبنانية ونتيجة تطبيق ما يسمى الثلاثية المقدسة الشعب والجيش والمقاومة التي هي بالنهاية ادت الى تدمير الاقتصاد اللبناني، وفي تردي الوضع المعيشي لدى اللبنانيين وتدمير علاقات لبنان مع اشقائه وأصدقائه في العالم، وفي المحصلة في تدمير الدولة الوطنية في لبنان.

بالتالي ليس ما جرى نتيجة عامل واحد ولكن هي نتيجة جملة أمور وعوامل عديدة تراكمت وتشابكت وتفاقمت مع بعضها بعضاً الى ما وصلنا إليه الآن، وهو الوضع الذي كان يفترض بالجميع أن يتنبه له وتبنيه لهذه المؤشرات الاقتصادية والمالية.

دعيني أعطيك مثالاً على ذلك. في أحد المرات في داخل مجلس النواب، أنا رويت أقصوصة امام اعضاء مجلس النواب انا لا أذكر هذا من اجل ان أروي حكاية عادية، ولكن لكي أعطي نموذج عن التفكير السائد لدى السياسيين والمسؤولين في لبنان.

تروي الأقصوصة أن أحدهم كان يسير ليلاً في أحد الشوارع والدنيا مظلمة وليس هناك من نور إلى أن وصل الى نقطة وصل إليها وكانت في مكان كان هناك بعض النور الخافت للبلدية. وتحت ذلك الضوء رأى رجلاً يبحث في الأرض، فسأله ماذا تفعل قال له أنه يبحث عن شيء أضاعه. فقال له: ماذا اضعت؟ فقال: ليرة ذهب. سأله عندها أين اضعتها؟ قال: هناك (مؤشراً إلى مكان بعيد). فقال له: لماذا تبحث هنا إذاً؟ فقال له: أنّ هناك عتمة وهنا الضوء موجود.

هذا الكلام الذي أقوله الآن، هو يشبه وضعنا الآن في لبنان. نحن الان نبحث عن حلول لمشاكلنا في المكان الغلط، وليس في المكان الصحيح. وأنا الان أرى أن هناك من يحاول أن يلهي اللبنانيين الان بمشكلة الدعم على سبيل المثال، وان الخوف يعم اللبنانيين بأن الدعم غير مضبوط او غير صحيح، وهل سوف يبقى ام لا، لأن هذا الموضوع حتماً يهم المواطن ولكن الدعم والوصول اليه هو أحد مظاهر المشكلة وليس هو المشكلة الأصلية. المشكلة الآن هي أنه لم يعد لدينا حكم رشيد وان ليس لدينا دولة صاحبة القرار الحر وصاحبة السلطة الوحيدة الحصرية التي تسيطر بموجبها على كامل مرافقها وإداراتها وحدودها. نحن ليس لدينا احترام للدستور ونحن ليس لدينا محاسبة على اساس الاداء ايضا وليس لدينا ايضا قدرة على ان نأخذ الإجراءات والقرارات التي نريدها. المشكلة أن المسؤولين السياسيين في لبنان يأخذون قرارات ويتخذون إجراءات ويعطون وعوداً بجنة كجنة عدن، ولكن هذه الوعود مؤجلة لما بعد الكفن، أي أنهم يعطونهم وعوداً لما بعد مماتهم، وهذه مفارقة كبيرة- وطريقة شعبوية لا تقتصر فقط على الاداء الحكومي والاداء النيابي السيء الآن. وهي- وياللأسف- امتدت الى القضاء. القضاء أصبح وسيلة من وسائل الحصول على الشعبوية من قبل القضاة.

يقول شكسبير في مسرحية هاملت: "there is something rotten in the Kingdom of Denmark"، انّ هناك شيء عفن، شيء مهترئ في هذا البلد هو الذي اوصلنا الى هنا والذي يعاني منه اللبنانيون.

س: وهل هم كانوا متفقين على هذا الموضوع بزيادة الرتب والرواتب، وبأن الاقتصادي لا يتحمل؟

ج: نعم. أنا أريد ان أسألك سؤالاً: أنت تقودين سيارة أليس كذلك؟ نعم وحتى تقودي سيارة يجب أن تخضعي لامتحان الا إذا كنت حصلت على رخصة القيادة بطريقة أخرى. انت يجب ان تخضعين لامتحان ومن ضمن الامتحان معرفة قانون السير. لذلك، فإنه عندما تريدين أن تقودي السيارة يجب أن يكون ذلك حسب قانون السير. وقانون السير يتطلب منك أن تقود السيارة إلى اليمين. ولكن إذا أردت وأصريت على أن تقودي سيارتك لجهة اليسار. فماذا يحدث؟ عندها سوف تتسببين لنفسك ولغيرك بحادث مؤسف. كذلك الأمر، عندما يكون عليك أن تتولى إدارة شؤون الدولة عليك أن تقومي بالإصلاحات اللازمة، وأن تلتزمي بالقانون وبمقتضيات إدارة الدولة. ولكن إذا أصرّيت على الامتناع عن اتخاذ الإجراءات ولم تقومي بهذه المقتضيات تكون النتيجة ارتكاب أخطاء وهفوات كبيرة وانهيارات.

مثال آخر: حول قيادة السيارة، أنت أيضاً تريدين أن تقودي السيارة. بدايةً، تنظري قليلاً إلى المرآة، ومن ثم تقودين السيارة إلى الامام. ماذا يحدث إذا أنت قرّرت أن تقودي السيارة وتريدين أن تنظري وبشكل دائم وبشكل مستمر إلى المرآة. ماذا يحصل وأيضاً سوف تتسببين لنفسك بحادث. هذا ايضاً ما نقوم به الان؟

نعم. أنا أقول إن هناك حلول للازمات التي نعاني منها، ولكن على من يقود البلاد يجب ان يتمتع بالحكمة والحزم، وكذلك بثقة اللبنانيين وان يقودهم إلى المستقبل وليس في إبقائهم في غياهب الماضي. هذا لا يعني إهمالاً لمحاسبة كل من قصّر في الماضي أو أهمل أو أساء للدولة أو للمال العام. على العكس من ذلك في المبدأ، يجب إخضاع كل من أخطأ أو أساء للدولة اللبنانية أو للمال العام للمساءلة والمحاسبة ولكن بطريقة مؤسساتية.

وأنا أستطيع أن أعطيك وصفة سريعة للخروج من هذه الأزمات الداخلية. الحل مباشرة في أن يقوم رئيس الجمهورية الان بما عليه أن يقوم به، وذلك أن يبادر فوراً إلى التخلي عن الأعذار والاستعصاءات التي يمارسها ضد تأليف الحكومة. الحكومة فعلياً يجب ان تكون قادرة على استعادة ثقة اللبنانيين وثقة المجتمعين العربي والدولي، وليس فقط ثقة السياسيين.  من الصحيح ان الحكومة بحاجة الى السياسيين لكي يعطوا الحكومة ثقتهم، ولكن هذا البلد يعاني الأمرين من ممارسات السياسيين السيئة.

حين أتى الرئيس ماكرون إلى لبنان اتى الى لبنان واجتمع بالشباب اللبنانيين، وقبل أن يجتمع حتى مع رئيس الجمهورية ماذا فعل حينها ماكرون؟ اجتمع بالشباب المتظاهرين وهو قد استند في مبادرته إلى ما سمعه من الشباب اللبنانيين الذين عبروا له عن إرادتهم بأن يكون هناك مقاربة جديدة وعقلية جديدة وممارسة جديدة.

أنا استمعت إلى طالبة من جامعة الكسليك، وهي تقول الاسبوع الاول من 17 أكتوبر 2019، وكانت تقول: "انا لا اريد حقوقي كمسيحية ولا اريد حقوقي كمسلمة، انا فقط اريد حقوقي كمواطن اللبنانية".

هذا ما سمعه ماكرون من الشباب، ومن ثم عاد الى قصر الصنوبر، واجتمع بأولئك السياسيين، وقالوا له أنهم موافقون على ما يطرحه الرئيس ماكرون ولكنهم انقلبوا عليه ونكلوا بما تعهدوا به.

س: دولة الرئيس، ان تتكلم في مشكلة حضرتك تراها منذ أكثر من عشر سنوات أنك سوف نصل الى هذه المرحلة تأليف حكومة وتنفيذ الاصلاحات نعم هل سوف تعود الليرة هذا حلم دولة الرئيس؟

ج: من الطبيعي أن لا يعود سعر الليرة إلى 1,500 ليرة مقابل الدولار، ولكن سعر الدولار يرتفع الآن بالنسبة لليرة اللبنانية، وهي تنحدر قيمتها دون أي ضوابط مثل الذي يرمي الحجر من الطيارة ومن ثم يتسارع الانخفاض لذلك الحجر لكي يصل الى لحظة الارتطام الكبير، وهذا أمر خطير وإلى حدٍّ كبير. كيف يمكن لنا أن نوقف الانهيار. ذلك لا يكون إلاّ بالعودة الى الدستور، والعودة الى مسلماته. نعود إلى مثل قيادة السيارة التي تكلمنا عنها. عندما تقودين السيارة لتصلي إلى مكان معين ولكن بدلاً من أن تسلكي المفرق الصح تأخذين المفرق الخطأ. عندها تكتشفي أنك قد أصبحت ضائعة. كيف الحل؟ من الطبيعي أن تعودي الى الاوتوستراد، الاوتوستراد هنا هو الدستور، وبالتالي يجب العودة الى الدستور، واحترام واستكمال وثيقة الوفاق الوطني، واسترداد الدولة من خاطفيها

تاريخ الخبر: 
05/07/2021