الرئيس السنيورة لقناة النهار المصرية: بعد الانسحاب الإسرائيلي من لبنان تحوّل سلاح حزب الله من كونه مصوباً نحو إسرائيل ليصبح مصوباً نحو صدور اللبنانيين

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 

أجرت قناة النهار المصرية حواراً مع الرئيس فؤاد السنيورة تناول آخر التطورات في لبنان هذا هو نصه:

س دولة الرئيس: مساء النور لك ولجميع المشاهدين، وشكراً على هذه المقدمة الطيبة، والتي تحدثت فيها عن لبنان والمعاناة الشديدة التي يقاسي بسببها اللبنانيون الآن.

س: سيدي الازمات السياسية ليست حديثة العهد على لبنان وهي منذ سنوات. إذ أنه، ومنذ عقود ولبنان يعاني من أزمات سياسية وازمات طائفية وتدخلات خارجية، ولكن هذه أول مرة يصل الحال بلبنان إلى هذه الأزمة الاجتماعية الطاحنة، والتي أصبح التضخم وانهيار العملة الوطنية يؤثر على جميع أسعار السلع الأساسية، وهو ما يؤدي إلى معاناة المواطن اللبناني بأنه غير قادر على تلبية احتياجاته الأساسية؟

ج: صحيح، فالوضع الذي آلت اليه حال اللبنانيين الآن سيء جداً، حيث ازدادت حدّة الانهيارات الاقتصادية والمالية والنقدية، كما وازدادت نسبة الفقر المدقع إلى حدٍّ كبير، والذي نتج عن تجمّع عدة عوامل كلّها سلبية وليست بسبب عامل واحد. فلبنان لايزال يعاني وعلى مدى العقود الماضية، ولاسيما خلال السنوات العشر الماضية من مجموعة من المشكلات، والتي كان من أهمها:

  1. الاجتياحات الإسرائيلية المتكررة على مدى هذه السنوات، إذ تعرّض لبنان لستة اجتياحات إسرائيلية كبرى من العام 1969 وحتى الآن. وهذا الأمر كانت له تأثيراته وتداعياته السلبية الكبيرة على الأوضاع الوطنية والإنسانية والسياسية والاقتصادية والحياتية.
  2. الحرب الاهلية التي اندلعت في لبنان منذ العام 1975، واستمرت لحوالي سبعة عشر عاماً، وبالتالي كان لها أيضاً تراكماتها وتأثيراتها على الاقتصاد الوطني وعلى الأوضاع السياسية والوطنية والمالية والمعيشية، وما تعرّض له لبنان بعد ذلك من مجموعة من الصدمات المحلية والإقليمية السلبية، والتي زادت من حدّة هشاشته وتراجع مناعته.
  3. المشكلات الناتجة عن السيطرة التي وقع لبنان تحت تأثيرها خلال السنوات الماضية. بدايةً، بسبب الوجود المهيمن للجيش السوري، وعلى مدى أكثر من أربعة عقود، وإطباق النظام الأمني السوري اللبناني على الأوضاع السياسية اللبنانية وتسلطه على القرار الحر للبنان وحكومته. المؤسف أنّه، وبعد انحساب الجيش السوري من لبنان، حلّ محلّه حزب الله الذي اتخذ من قضية فلسطين وتحرير لبنان من قبضة الاحتلال الإسرائيلي، والذي كان قد بدأ في العام 1978، وامتدّ إلى سنوات عديدة حتى انسحابه في العام 2000، مبرراً وذريعةً من أجل الإطباق على القرار الحر للدولة اللبنانية.

وبعد الانسحاب الإسرائيلي تحول سلاح حزب الله الذي كان قد اكتسب مقبولية في لبنان بكونه كان مصوباً نحو إسرائيل، إذ بنا نجده الآن قد أصبح مصوباً نحو صدور اللبنانيين، ثم أصبح الأداة للتدخل في الشؤون الداخلية لعدد من الأقطار العربية، وأصبح الحزب يستخدم لبنان منصّة لنقل السلاح والمسلحين الى باقي الدول العربية في سوريا والعراق واليمن، كما والتدخل بالشؤون الداخلية لتلك الدول لحساب الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومساعدتها لشنّ حروبها ومواجهاتها ضد الولايات المتحدة الأميركية ودول الغرب. وبالمحصلة في تحميل لبنان واللبنانيين أعباء لا يستطيعون تحملّها ولا قبل للاقتصاد اللبناني بتحملها. وهذا ما تبينه كل المؤشرات الاقتصادية والمالية والمعيشية.

هذه العوامل كلها، كانت تسيطر على مجريات الأوضاع في لبنان، والتي تفاقمت بنتيجة زيادة حدّة الاختلال في التوازنات الداخلية اللبنانية. وبعد ذلك، في زيادة حدّة الاختلال في توازنات السياسة الخارجية للبنان بحيث أصبح لبنان وكأنه في حالة عداء بينه وبين معظم الدول العربية الشقيقة، وأصبح ملتحقاً بالسيطرة الإيرانية على لبنان وعدد من دول المنطقة. ذلك مما زاد من حدّة الانهيارات الهائلة التي أصبح لبنان في أتونها.

هذه العوامل والمشكلات كلها، كان يضاف إليها عوامل سياسية أخرى، أنهكت الاقتصاد اللبناني، ومن ذلك الممارسات اللامسؤولة للسياسيين اللبنانيين الذين تعاقبوا على السلطة على مدى السنوات الماضية، والذين أحكموا سيطرتهم على الدولة اللبنانية مما مكّنهم من ممارسة استعصاء مزمن ومستمر لجهة عدم القيام بالإصلاحات الذي يحتاجها لبنان ليتمكن من أن يتلاءم وضعه الاقتصادي والمالي والسياسي مع التطورات الحاصلة في أكثر من مجال وعلى أكثر من صعيد دولي وإقليمي.

صحيح أنّ لبنان مرّ بفترات على مدى العقود الماضية أتيح له وكان على وشك ان يخرج من قبضة تلك العوامل، ولكن توالي الصدمات الفظيعة التي كان يتعرّض لها، جعلته ما ان يخرج من أزمة إلاّ ويدخل في أزمات جديدة مماثلة او أشدّ عنفاً وأكثر إيلاماً. ومن ذلك ما كان يتعرّض إليه لبنان بسبب الاجتياحات الإسرائيلية المتكررة، وكذلك بسبب تتالي التدخلات والصدمات الإقليمية، والمطامع الداخلية والضغوط الخارجية.

س: حضرتك وضعت يدك على نقطة مهمة جداً وهي عجز كثير من السياسيين والمسؤولين عن احداث الإصلاحات المطلوبة. هل افتقادهم للإرادة السياسية او ان التركيبة الاجتماعية وربما الصياغة الدستورية في لبنان هي التي تعرقل احداث هذه الإصلاحات؟

ج: في الحقيقة، أنا أرى أن المشكلة ليست بالنظام اللبناني، بل أن المشكلة تكمن في الممارسات التي يرتكبها أهل النظام بحق لبنان واللبنانيين، وبالخروقات المستمرة للدستور اللبناني التي أصبح يرتكبها رئيس الجمهورية.

الحقيقة، أنّ لبنان نجح في التوصّل من خلال المؤتمر الذي حضره النواب اللبنانيون، والذي عقد في الطائف، والذي انبثقت عنه وثيقة الوفاق الوطني في العام 1989 كان أفضل الحلول الممكنة للبنان بما يمثله من مجتمع تعددي، والذي شكّل رسالة راقية تؤكد على العيش المشترك. ولقد نجحت وثيقة الوفاق الوطني التي اتفق عليها النواب اللبنانيون في إنهاء الحرب الداخلية اللبنانية وفي إدخال بعض التعديلات على الدستور اللبناني، وهي قد أصبحت جزءاً من الدستور، وحسمت أمرين أساسيين كانا موضع خلاف في السابق، وهما بأنّ لبنان وطن سيّد حرّ مستقل ونهائي لجميع أبنائه، وانه عربي الهوية والانتماء.

المشكلة انه، ومنذ ذلك الوقت الذي أقرّ فيه اتفاق الطائف، أصبحت سوريا والوجود العسكري السوري في لبنان هو الناظم لكل العلاقات بين اللبنانيين. وبالتالي، فقد تمكّن النظام الأمني السوري من أن يضع يده على لبنان، وحال بالتالي دون استكمال تطبيق ما اتفق عليه في الطائف. وهذا الحال استمر وتفاقم أكثر بعد خروج النظام السوري، وذلك بسبب وجود حزب الله، وحيث استمرّ معهما الحؤول دون قيام لبنان بالإصلاحات السياسية والاقتصادية التي كان لبنان ولايزال بحاجة إلى تبنيها وتنفيذها. ومن ذلك ما هو ضروري من أجل العمل على ترشيق الدولة اللبنانية، وتصحيح أوضاع لبنان الاقتصادية والمالية والإدارية، وكذلك السياسية، وهي من الأمور الأساس التي تتطلب العمل على إعادة الاعتبار للكفاءة والجدارة في تحمل المسؤوليات في إدارات الدولة اللبنانية ومؤسساتها وأجهزتها.

هذه الأمور مجتمعة، كان يواكبها ويزيد من حدّتها الاستعصاء السياسي الداخلي الذي زاد الأمور تعقيداً وخطورة. ومن ذلك، كانت مشكلة التوافق على انتخاب رئيس الجمهورية، حيث نجح ميشال عون في تعطيل تلك الانتخابات لمدة سنتين ونصف السنة حتى تمّ له ما يريد، ولكي يصار إلى انتخابه رئيساً للجمهورية في العام 2016.

من الجدير بالذكر، أنّ الدستور اللبناني يضع رئيس الجمهورية في موقع سام كرئيس للدولة، وكرمز لوحدة الوطن، والذي يفترض به ان يكون حامي الدستور والمدافع عنه، وبما يعني أن يمارس رئيس الجمهورية دوره في أن يكون فوق الجميع والجامع بين الفرقاء المختلفين.

المؤسف، أنّ الرئيس عون أصبح يتصرف كفريق وليس كحكم بين جميع الفرقاء السياسيين مع ما يعنيه ذلك من اشتداد حدّة الأزمات السياسية وتعقيداتها.

وهذه الأمور مجتمعة، أدّت وكما يقول المثل العربي أن تكون: "القشة التي قسمت ظهر البعير" أي ان هذه الاحمال الكبرى التي كانت توضع على كاهل لبنان وعلى كاهل الاقتصاد اللبناني وعلى كاهل اللبنانيين كانت تتراكم ويزداد حجم الدين العام من دون أي يتنبه أولئك السياسيون لضرورة القيام بالإصلاحات، وهو ما أدّى بالتالي إلى المزيد من التدهور، وما أصبح يهدد لبنان بالانهيار بسبب الاخطار الوجودية التي أصبحت تحيط به.

س: تحدثت سيدي عن معظم العناصر الخارجية او الداخلية التي أوصلت بشكل تراكمي الى هذا الوضع ولكنك لم تذكر شيء مهم جدا وهو الفساد يعني اذا عجزنا عن الإصلاحات السياسية السريعة وصياغة تركيبة اجتماعية وسياسية تستطيع القيام بالإصلاحات، على الأقل كان بالإمكان خلال السنوات الأخيرة مكافحة الفساد الذي اعتقد انه ما يعاني منه الشعب اللبناني أدى الى ما يشبه المجاعة في الأسواق؟

ج: بدون أدنى شك أنا عندما تكلّمت عن السياسيين اللبنانيين، كنت أعنى بذلك ان الفساد المستشري في لبنان هو في الأصل فساد سياسي، والفساد السياسي هو في ان هذه الأحزاب كان همها الأساس استتباع الدولة لخدمة مصالح وزيادة شعبيتها وتسلطها. وهي زادت من حدّة إطباقها على الدولة اللبنانية، وعملت على استتباعها، وأصبح كل حزب يتمسك بحقائب وزارية معينة، ويعتبرها وكأنها ورثها عن أجداده وآبائه. وكذلك التسابق فيما بينها من أجل الإمساك واستتباع المواقع الإدارية في الدولة اللبنانية بحيث أصبح كل حزب يتمسك بمدير أو مسؤول من هنا ورئيس من هناك الذي لم يعد ولاؤهم للدولة بل لتلك الأحزاب الطائفية والمذهبية والميليشياوية. وهكذا جرى إفشال النظام الديمقراطي، وإفشال التجربة الديمقراطية البرلمانية اللبنانية. ولا يعود السبب في ذلك الفشل وبشكل أساس إلى النظام الديمقراطي اللبناني، بل تعود الأسباب الأساسية للممارسات والسياسات الشعبوية التي لجأت إليها تلك الأحزاب من أجل تعزيز سيطرتها على الدولة اللبنانية. وهكذا جرى إفشال التجربة الديمقراطية اللبنانية بسبب التخلي عن الآليات الصحيحة للمساءلة والمحاسبة للحكومات المتعاقبة.

فمنذ العام 2008، أصبحت الحكومات اللبنانية على شاكلة حكومات الوحدة الوطنية، أي أن تجتمع جميع الأحزاب الممثلة في البرلمان في الوزارة. وهذه الصيغة لحكومات الوحدة الوطنية التي أصرّ حزب الله من أجل أن يكون قادراً على فرض سلطته على تلك الحكومات عبر ما يسمى الثلث المعطل، بحيث أصبح أي قرار في الحكومات اللبنانية المتعاقبة لا يتحقق إذا لم يحظ بموافقة الحزب، وأصبحت تلك الحكومات المتعاقبة انعكاساً للبرلمان أي برلمان مصغّر. بذلك سقطت آليات المساءلة والمحاسبة المعتمدة في الأنظمة الديمقراطية والتي في العادة تقوم على أساس وجود أكثرية تحكم وأقلية غير مهمَّشة تعارض.

في خضم هذه الحالة، أصبح لا أحد يراقب أو يسائل، لأنهم جميعاً يمثلون في الحكومة، وأصبحت الحكومات اللبنانية فعلياً هي المكان للمساجلات ولإضاعة الوقت، وأصبح التوصل لأي قرار في داخل الحكومة خاضعاً لممارسات الفيتوات المتبادلة بين كافة الأطراف أو خاضعاً لتقاسم المنافع والمكتسبات السياسية.

وهنا، دعني أوضح أمراً اساسياً أن الحكومات في النظام الديمقراطي هي مكان اتخاذ القرارات وليس المكان للمساجلات. في الحال اللبنانية، أصبحت الحكومات المتعاقبة المكان الذي يتم فيها التقاسم بين الأحزاب، وتتم فيه المقايضات فيما بينها على حساب اللبنانيين. وبالتالي فَقَدَ النظام البرلماني الديمقراطي اللبناني آليات المساءلة والمحاسبة الحقيقية. وهي المشكلة التي أصبح من الصعب تجاوزها وأحد تجلياتها الآن عدم القدرة على تأليف حكومة من المستقلين من أصحاب الكفاءات والاختصاص.

س: هذه المشكلة هي بالضبط محور سؤالي منذ سنين طويلة، وأصبح لبنان على المستوى السياسي يدور في فلك مجموعة من الوجوه والشخصيات الثابتة في لبنان. اعتقد سؤالي: كيف نخرج من هذه الدائرة المغلقة ربما نبدأ في الاتجاه الصحيح؟

ج: لم تتجدد الوجوه السياسية في لبنان بالشكل الذي يحتاجه لبنان من تغيير حقيقي في النهج والأسلوب لاستعادة النهوض، وكان ذلك بسبب النظام السوري بداية، وبعدها بسبب إطباق حزب الله ومن خلفه إيران على مفاصل وقرارات الدولة اللبنانية. في هذا الصدد، فإنه من المفيد التذكير أنه، ومنذ خمسة عشرة سنة، حصل اتفاق ما بين حزب الله والتيار الوطني الحر برئاسة ميشال عون، وذلك في العام 2006. وفي حينه، تمّ الاتفاق على ان يدعم حزب الله ميشال عون كي يصل الى موقع رئاسة الجمهورية. ولقد تمّ له ذلك بعد تعطيل عملية انتخاب رئيس الجمهورية لمدة سنتين ونصف السنة. وفي المحصلة، حصل عون على رئاسة الجمهورية وحصل حزب الله-وياللأسف- على الجمهورية اللبنانية بما يعنيه ذلك من فرض سلطته ونفوذه على الدولة اللبنانية.

هذا المشكلات بجوانبها المتعددة، كانت تتفاقم بحيث أصبحت الأمور أكثر صعوبة في ما خصّ عملية تأليف الحكومات اللبنانية المتعاقبة، والتي أصبح من غير الممكن أن تحصل من دون موافقة حزب الله، وهو الذي أصبح يستعمل سطوته ونفوذ سلاحه على لبنان ككل كوسيلة من أجل تعزيز القدرة التفاوضية لإيران في المفاوضات الجارية في فيينا. وهذا ما أصبحنا نرى ملامحه الآن في لبنان، وهذا ما نلمسه أيضاً فيما يتعلق باشتداد حدّة الصراعات والاشتباكات الجارية الآن في العراق وسوريا واليمن. وهذه الساحات كلّها أصبحت بمثابة أوعية متصلة من اجل خدمة هدف واحد وهو تعزيز القدرة التفاوضية لإيران في مفاوضاتها النووية مع الولايات المتحدة الأميركية.

من جهة ثانية، كان الرئيس عون يتمسك بموقفه في انه يريد ان يمهد الطريق لصهره لكي يرثه في رئاسة الجمهورية. وهذا الامر يخالف ابسط قواعد النظام الديمقراطي البرلماني، وذلك لأنّ رئاسة الجمهورية في لبنان ليست وراثية. والمضحك والمبكي في آن معاً أنّ رئيس الجمهورية يستعين بسطوة نفوذ حزب الله، وكذلك في امتشاقه لسيف التجييش والاحتقان الطائفي والمذهبي لكي يستمر الرئيس عون وحزب الله في الإمساك بلبنان. وفي هذا الصدد، فإنّ الحزب أصبح يتلطى وراء رئيس الجمهورية بشأن الاستعصاء على تأليف الحكومة تحت ذرائع واهية لا تمت لحقيقة الدستور اللبناني. هذا في الوقت الذي يحاول الحزب أن يبدو في الظاهر وسطياً في موقفه بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف بينما هو بالفعل لا يريد أن تتألف الحكومة الآن بانتظار المتغيرات على صعيد المفاوضات الجارية ما بين إيران والولايات المتحدة الأميركية.

س: هناك متغير مهم حدث اليوم في اجتماع وزراء الخارجية في الاتحاد الأوروبي في بروكسل وأعلنوا أنهم سيوافقوا على فرض عقوبات على بعض الزعامات والأطراف السياسية في لبنان لأنها من وجهة نظرهم وتمنع الديمقراطية. هل تعتقد ان هذه بداية للحل ام هو استمرار التدخل الخارجي؟

ج: طبعاً، من المؤلم جداً أن يصل لبنان إلى هذا الدرك من الفشل. والمؤسف، أنّ هذا الأمر يجري وعلى أيدي المسؤولين فيه، بحيث أصبح لبنان موضوعاً على الطاولة، وحيث يجري تقاسم لبنان ما بين القوى الإقليمية والدولية. وهذا أمر مؤلم، لأنه ينهي سيادة الدولة اللبنانية ويمنعها من ممارسة قرارها الحر، ويعرّض لبنان لأخطار تتعلق بوجوده.

الحقيقة أنه، وعلى مدى عدة عقود ماضية دافع لبنان واللبنانيون عن سيادة بلدهم واستقلاله ودفعوا دماءً غالية من أجل ذلك، وها هم- وياللأسف- قد وصلوا إلى هذا الوضع الخطير والمدمر لدولتهم ولأنفسهم بسبب هذا التعنت والاستعصاء لدى أولئك السياسيين الذين ليس لديهم الرغبة في الاستجابة لما يريده المواطنون اللبنانيون لأنّ ذلك يناقض مصالحهم واستمرار نفوذهم، وهذا ما يناقض ما يتمناه للبنان أصدقاءه وأشقائه من ازدهار واستقرار وعمل جاد من أجل ان يبادر لبنان الى القيام بالإصلاحات اللازمة. للأسف، فإنّ أولئك المسؤولون لا يزالون على استعصائهم، ومتمسكين باستمرار نفوذهم وسطوتهم.

خلال هذه السنوات، ويؤسفني القول، انه جرت على الأقل 6 او 7 محاولات عربية ودولية لدعم لبنان لإقداره على إخراج نفسه من حالة المراوحة والتلكؤ والتدمير الذاتي. فمن العام 1996 إلى الآن حصلت ستة مؤتمرات دولية لمساعدة لبنان. ولكن أولئك المسؤولون لا يزالون غارقين في تلك التجاذبات السياسية ويمنعون قطارات المعونات والدعم للبنان التي أرسلها الاشقاء والأصدقاء من أجل أن يستقلها لبنان للخروج من تلك الحالة المستعصية. فلقد كانت قطارات المعونات غير المشروطة للبنان وغير المربوطة بأي شرط سياسي تأتي وتصفر وتنتظر، ولكن كانت بعض تلك الحكومات وكذلك المجالس النيابية المتعاقبة والسياسيون مستمرون في تلكؤهم وتقاعسهم وتمنعهم عن ركوب تلك القطارات القادمة من اجل مساعدة لبنان. وبالتالي تحوّل قسم كبير من تلك المساعدات التي قدمت للبنان، والتي يبلغ مجموعها أكثر من 33 مليار دولار بحكم المضيَّعة والمفوَّتة.

نحن الآن في هذا الوضع الخطير الذي لا يستحقه عموم اللبنانيين بسبب مطامع تلك الأحزاب وبعض الأشخاص وبسبب الإطباق الذي يمارسه حزب الله على الدولة اللبنانية.

وها قد وصلنا الآن إلى هنا، وها نحن نرى أمراً معيباً في أن دولاً عديدة تبحث في أمور لبنان الداخلية بسبب أن دولته أصبحت دولة فاشلة لا تتمتع بالروح القيادية ولا بالرؤية ولا بالقدرة على اتخاذ القرارات الصحيحة. وها هي بعض الدول الإقليمية والدولية تحاول ان تفرض عقوبات على بعض المواطنين اللبنانيين من تلك الأحزاب الذين هم بالفعل مسؤولون عن ما جرى ويجري وعلى ما وصل اليه لبنان من انهيارات. والحقيقة، أنني آسف وأحزن أن يكون لبنان في هذا الموقف، حيث أصبح لبنان يعاني الأمرّين بسبب الاستعصاء المستمر الذي يمارسه أولئك السياسيون عن القيام بالإصلاحات.

س: تتمنى ان تكون المحاسبة السياسية من داخل لبنان لا من خارجه؟

ج: صحيح، وهذا هو الأمر المنطقي، ولكن كما قلت لك لقد فشلت الأدوات الديمقراطية اللبنانية بسبب اختطاف الدولة اللبنانية من قبل تلك الأحزاب الطائفية والميلشياوية وفي مقدمها حزب الله. وها قد أصبحت الحكومات اللبنانية أشبه ما تكون بمجلس نواب مصغر، بحيث ما عادت الآليات الديمقراطية الحقيقية صالحة لأن تستعمل من اجل تطبيق المساءلة والمحاسبة العملية والحوكمة الصحيحة لدى الحكومات المتعاقبة لأن كل حزب من تلك الأحزاب السياسية أصبح شريكاً في تقاسم المكاسب والمنافع الحزبية مع الآخرين. وبالتالي هم يتراضون فيما بينهم على هذا التقاسم للحقائب الوزارية وللمناصب الإدارية، وبالتالي للمكاسب، وذلك كلّه على حساب اللبنانيين ومستقبلهم ولقمة عيشهم، وهنا نجد مكمن الفساد المتجذر في لبنان بكون هذا الفساد هو فساد سياسي، وحيث تعمّقت العلاقة الزبائنية بين المواطنين وما بين السياسيين.

السياسيون اللبنانيون يستعملون الأدوات الطائفية من اجل زيادة حدة التشنجات الطائفية بين المواطنين من أجل أن يشعر كل فريق من اللبنانيين أن عدوّه هو الفريق الآخر من اللبنانيين بحيث تتحول الخصومة السياسية إلى عداوة. ولذا، أصبحت كل مجموعة سياسية تتجمع في مربعها الطائفي في مقابل الأطراف الأخرى.

هذه الصراعات ليست من طبيعة النظام الديمقراطي اللبناني، وليس هذا ما ينص عليه اتفاق الطائف. فاتفاق الطائف يقوم على أساس سموّ فكرة العيش المشترك بين جميع المكونات اللبنانية بينما أولئك السياسيون يصرون على ان يزيدوا من حدّة الصراعات بين الجماعات الطائفية من أجل تأبيد سلطتهم على إدارات الدولة ووزاراتها ومؤسساتها، وكذلك لزيادة تسلّطهم على المواطنين الذين أصبحوا الآن في أمس الحاجة الى ان تتألف حكومة وتكون حكومة من المستقلين الاختصاصيين غير الحزبيين وغير المستفزين، ومن أصحاب الكفاءات الذين يستطيعون ان تكون لديهم القدرة على اتخاذ القرارات الصعبة التي يحتاجها لبنان في المرحلة القادمة. نحن الآن قد مضى علينا أكثر من تسعة أشهر وليس من الممكن ان تتألف حكومة بسبب هذه التجاذبات التي تمارسها تلك الاحزاب وان كل واحد يريد ان يكتسب منفعة معينة من خلال وزارة يحتفظ بها لصالح فريقه السياسي، ويريد أن يسيطر عليها، ويحرص على أن تكون له القدرة الدائمة على التعطيل.

لقد ذكرت لك كلمة الفيتوات او ما يسمى الفيتوقراطية أي أن كل حزب من هؤلاء يريد ان تكون له القدرة في أن يفشِّل الآخر ما لم يحصل على حصته من المكاسب السياسية وغير السياسية، وبالتالي في أن يصار الى توزيع المنافع فيما بينهم.

تاريخ الخبر: 
15/07/2021