الرئيس السنيورة بعد زيارته بري : للتوقف عن استعمال القضاء مخلبا للنيل من الاخصام السياسيين والتحدي امام الحكومة احترام الدستور

استقبل رئيس مجلس النواب نبيه بري بعد ظهر اليوم في عين التينة الرئيس فؤاد السنيورة وكان بحث في الأوضاع الراهنة وفي نهاية الاجتماع قال الرئيس السنيورة : لقد كانت مناسبة طيبة كالعادة كلما أزور دولة الرئيس نبيه بري للتباحث والتشاور في الأمور العامة. واليوم تطرقنا إلى ما يتعرض له لبنان في هذه المرحلة الخطيرة من تاريخه من قضايا ومسائل يعاني منها اللبنانيون.
في هذا السبيل، فإنّه لا بد لي اليوم من أن استذكر ما حصل ومنذ تسعة أشهر بالتمام، وكان ذلك في اليوم السادس من كانون الثاني من العام 2021، إذ زرت في ذلك اليوم دولة الرئيس نبيه بري، وحيث تحدثت من هنا، ومن على هذا المنبر. ويومها قلت أنّ كل يوم تأخير في تأليف الحكومة الجديدة سيكون بالفعل بمثابة شهر إضافي من الاوجاع والآلام والأكلاف التي سوف يتعرض لها لبنان واللبنانيون. للأسف، هذا هو واقع الحالة التي أصبحنا نعيش فيها الآن. وها نحن نحصد آثارها وتداعياتها، وذلك بعد مرور 9 أشهر من المراوحة وتضييع الوقت، وهي المرحلة التي طالت لفترة 13 شهراً منذ العاشر من آب، وهو التاريخ التي استقالت فيه حكومة الرئيس حسان دياب. فلبنان كما نراه الآن، قد أصبح يعاني الامرين بنتيجة الوقت الذي جرى تضييعه. وها نحن نشهد التدهور الكبير الذي أصبح عليه حال لبنان. وها نحن نلمس كلبنانيين مقدار الحاجة للعمل الجاد للخروج من هذه المآزق والانهيارات الكبرى التي أصبحنا فيها. وهو ما استعرضته مع الرئيس بري، وهو ما يبين أنّ هناك حاجة ماسة للمباشرة السريعة بإجراء المعالجات الصحيحة لهذه المشكلات، وعدم الاستمرار بإضاعة الوقت والجهد.
لبنان اليوم أشبه بمريض يعاني من اشتراكات لأمراض عديدة، وهو بالتالي يحتاج لمجموعة من الادوية والمعالجات والصدمات الإيجابية للخروج من هذه الكوارث والانهيارات التي أصبحنا فيها. وبالتالي، فإنّ هناك جملة من المعالجات التي يجب على الدولة اللبنانية التقدم على مساراتها. ومن ذلك، ولاسيما في موضوع الكهرباء الذي يعاني منها اللبنانيون بشكل كبير نتيجة التقصير والقصور المزمن عن إجراء المعالجات اللازمة في هذا القطاع الذي أصبحت مجموع كلفته على الخزينة اللبنانية تزيد عن خمسين مليار دولار أي أكثر من نصف مجموع الدين العام لما أصبح عليه في نهاية العام 2019. وهذا الوضع بحاجة الآن إلى المسارعة لمعالجته على جميع الأصعدة، اكان ذلك في موضوع الإنتاج والمحروقات والتوزيع. ولذلك، ينبغي المسارعة إلى تطبيق القانون الصادر في العام 2002. إلى جانب ذلك، فإنه ينبغي المسارعة إلى الشروع في المفاوضات التي يجب ان تتم مع صندوق النقد الدولي من أجل التقدم على المسار الثقافي والاجتماعي والمالي.
وفي شان المفاوضة مع صندوق النقد الدولي، فإني أرى أنّ المقاربة لحلّ المشكلات، ولاسيما بما خصّ قضية توزيع الخسائر، فإنّ يجب أن تكون المعالجة مختلفة عما كان مطروحاً في السنة الماضية. إذا كان الطرح الذي جرى الحديث عنه في السابق، والذي لم يسفر عن أي نتيجة. ذلك لأنّه جرى مقاربة الأمر من زاوية كيفية توزيع الخسائر، وهذه مقاربة لا توصل إلى أي نتيجة صحيحة. فلبنان ليس دولة مفلسة بالمعنى الضيق للكلام، وأننا لا ننطلق من باب العمل على تصفية الدولة اللبنانية. ولذلك، فإنّه يجب أن تطرح القضية من زاوية العمل على استنهاض اللبنانيين من خلال التقدم على مسارات استعادة الثقة والتعاون مع الجميع بشأن كيفية المشاركة في عملية استنهاض لبنان للخروج من هذه المآزق والانهيارات. وبالتالي، فإنّ المقاربة الصحيحة يجب أن تتم على عكس الطريقة التي كان يجري طرحها في الماضي، والتي وكأنها كانت تهدف إلى تصفية الدولة اللبنانية. لذلك، فإنّ فكرة وأسلوب المشاركة في الحلّ تستند إلى عملية الاستنهاض للبنانيين، وذلك من اجل الخروج بحلول حقيقية ومستدامة. وعلى هذا الأساس، ينبغي البدء بالتفاوض مع صندوق النقد الدولي من ضمن منظور متكامل لاستعادة النهوض.
لذلك، فإنّ معالجة مسألة الكهرباء بشكل سريع وصحيح، والتوصل الى تفاهم مع صندوق النقد الدولي يحب ان تتما بطريقة جدية تترافق مع جهود حثيثة لاستعادة الثقة وتعزيزها لدى اللبنانيين بالدولة اللبنانية، وكذلك الثقة فيها من قبل المجتمعين العربي والدولي. وانّ هذين الأمرين يجب ان يتما بالتساوق مع عدد من الإجراءات التي تعزز الثقة. ومن ذلك، وفي هذه المرحلة، العمل على إرسال ثلاثة رسائل أساسية واضحة وحاسمة للبنانيين، وكذلك للأشقاء والأصدقاء في العالم. وهي رسائل يجب أن توجهها الحكومة اللبنانية إلى اللبنانيين وإلى المجتمعين العربي والدولي. باعتقادي، انّ هذه الرسائل الثلاثة لا تكلف مالاً للخزينة اللبنانية، ولكنها كفيلة بأن تقدم منافع كبرى للبنانين وتشكّل صدمة إيجابية لديهم وللوضع الاقتصادي. وكذلك لدى الأشقاء والأصدقاء، حيث يجب أن تتضافر مع كل الجهود الأخرى لتحقيق أمر أساسي، وهو تصويب بوصلة لبنان بما يمكنه من استعادة ثقة أبنائه وثقة الأشقاء والأصدقاء بمستقبل لبنان.
في المسألة الأولى، الرسالة التي يجب ان توجهها الحكومة اللبنانية هي بموضوع استقلال القضاء. وهذا يعني إرسال رسالة واضحة تقضي بالتوقف عن استعمال القضاء مخلبا من أجل النيل من الأخصام السياسيين أو الاقتصاص منهم. هذه الرسالة يجب ان تكون واضحة لجهة المبادرة إلى توقيع التشكيلات القضائية التي كان قد أصدرها مجلس القضاء الأعلى في السابق مع وجوب الأخذ بعين الاعتبار الفترة الزمنية التي مرت عليها في احتمال أن يكون أحدهم قد أحيل إلى التقاعد. إنّي اعتقد أنه بذلك يمكن إرسال رسالة أساسية توجهها الحكومة اللبنانية للتأكيد على استقلالية القضاء، بما يسهم في استعادة الأمور إلى نصابها الصحيح.
أما الرسالة الثانية، وتتعلق بموضوع علاقة لبنان مع الدول العربية، إذ يجب على الحكومة أن توجه رسالة واضحة ليست فقط بالكلام بل من خلال الممارسات والأداء لكل الأشقاء العرب بأنّ لبنان بلد عربي، وهو ملتزم بقضايا العرب وهو عربي الهوية والانتماء، وهو ليس مكاناً أو بؤرة لتصدير الإرهاب ولا لتصدير المخدرات إلى البلاد العربية وإلى العالم. إذ ينبغي على لبنان أن يؤكد على العلاقة البناءة والصحيحة التي تربطه بالعالم العربي وبدول الخليج العربي. وهذا أمر أصبح لبنان بأمس الحاجة إليه. فلبنان بحاجة إلى أن يعمد إلى تصويب سياسته الخارجية اللبنانية لتكون في مصلحة أبنائه في الوطن ولأولئك اللبنانيين المنتشرين في العالم، وكذلك بما يخدم مصالح أشقائه العرب. هذه هي الطريق التي يجب ان يتبعها لبنان الآن، وإلاّ فإنّ الحكومة تكون تؤدي عكس الغرض المطلوب، والذي يحتاجه لبنان من اجل تعزيز علاقاته مع الدول العربية.
والامر الثالث في أن توجه الحكومة رسائل واضحة لا لبس فيها في أنها ستكون ملتزمة باعتماد المعايير الصحيحة التي تتعلق في موضوع التعيينات الجديدة في المرحلة القادمة. أي أن تكون الحكومة ملتزمة باحترام قواعد الجدارة والاستحقاق وبشكل تنافسي وشفاف. لقد خسر لبنان الكثير على مدى السنوات الماضية، حيث فقدت الادارة لبنانية حياديتها، وأصبحت مستتبعة لمصلحة الأحزاب الطائفية والمذهبية والميليشياوية. وهذا الأمر كان له انعكاساته السلبية على الثقة بالدولة اللبنانية، وتداعياته على الاقتصاد الوطني. هذا الامر يجب أن يعالج من خلال توجه واضح وصريح وملتزم بأن الدولة اللبنانية سوف تتبع المعايير الصحيحة من أجل حسن الاختيار، بحيث يتولى تلك المسؤوليات من هو كفوء لها وبطريقة تنافسية، وليس بطريقة استنسابية من أجل إرضاء تلك الأحزاب، وهو ما يعني بالتالي المزيد من اغراق البلد بالمشكلات التي تنعكس سلباً على كافة الأوضاع الوطنية والسياسية والاقتصادية.
أعتقد أن هذه الأمور الثلاث: استقلالية القضاء وتصويب سياسة لبنان الخارجية بما يخدم مصالح لبنان في علاقته مع أشقائه العرب، والثالث الموضوع المتعلق باعتماد معايير الكفاءة والجدارة والاستحقاق، وبإخضاع أولئك المسؤولين للمساءلة والمحاسبة على الأساس الأداء.
أودّ أن أذكّر هنا بمشروع القانون الذي كنا قد أرسلناه إلى المجلس النيابي في العام 2006، وهو إخضاع جميع مؤسسات الدولة وإداراتها العامة، وكل ما له علاقة بالمال العام إلى التدقيق المحاسبي، وذلك إضافة إلى ما يقوم به ديوان المحاسبة، وهو التدقيق الذي تجريه شركات التدقيق الخارجي في العالم، وهو المشروع الذي لايزال في أدراج المجلس النيابي منذ العام 2006.
هذه الامور ضرورية جداً من أجل استعادة وتعزيز الثقة بلبنان، وهي التي انهارت لدى اللبنانيين ولدى المجتمعين العربي والدولي. ولا يمكن أن تستعاد هذه الثقة فقط بالكلام ولكن بالإجراءات وبالأداء. والذي يمكن، وعلى أساس منه، أن يشعر العالم واللبنانيين والأشقاء والأصدقاء في العالم أن هناك بالفعل تغييراً حقيقياً في لبنان نحو الأفضل، وهو مما يؤدي إلى إحداث صدمة إيجابية تنعكس إيجاباً على لبنان واللبنانيين.
سؤال: دولة الرئيس، تحدثت عن استقلالية القضاء والقاضي بيطار وفي موضوع المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، أين أنتم من هذه الفوضى؟
جواب: من المفيد أن نشرح هذا الموضوع. في الحقيقة، نحن في لبنان لدينا قوانين ودستور. وبالتالي علينا أن نحترم هذا الدستور وهذه القوانين، وان لا تؤدي تصرفاتنا إلى إثارة المزيد من الشكوك. وهذا ما ليس من مصلحة أحد. كذلك، فإنه من المهم ان يصار إلى السعي إلى تحقيق العدالة. العدالة الكاملة وليس العدالة الانتقائية أو المجتزأة. كذلك فإنّ العدالة المتأخرة ليست بعدالة. ولذلك، من الضروري ومن الطبيعي أن يصار إلى تحصين القضاء اللبناني، وأن لا تكون هناك أبواب يتسلّل منها أحد ليصار إلى استعمال القضاء وتسخيره ليكون مخلباً من أجل الاقتصاص من الخصوم السياسيين. وبالتالي، فإنّ هذا الأمر يجب التنبه له والمبادرة فورا من أجل رفع الحصانات عن الجميع ودون استثناء، وهناك اقتراح قانون بهذا الخصوص، وهذا ما يطالب به اللبنانيين.
كذلك، فإنّ القضاء يجب ان لا يحصر نفسه في مسألة التقصير الاداري أو المهني أو الوظيفي، بل العودة لأصل المشكلة كيف أتت هذه الكميات المتفجرة إلى لبنان، وكيف تمّ الإبقاء عليها في مرفأ بيروت وكيف كان يجري السحب منها وإلى أين كان يتم تهريب تلك المواد وكيف تمّت عملية التفجير ومن المسؤول عن كل ذلك. وهذه كلّها بحاجة فعليا الى أن تكون هناك محاسبة حقيقية، وأن لا تكون هناك أبواب مغلقة يتحصّن بها أحد.
أودّ أن أذكر هنا، أننا كنا طالبنا في اليوم التالي للتفجير في العام 2020 بالاستعانة بلجنة تقصي حقائق وبالتالي لجنة دولية أو عربية. وفي حينها لم تكن لدينا إلاّ معلومات قليلة متاحة لنا كرؤساء حكومة سابقين. ومع ذلك، فقد كان موقفنا فيه الكثير من التبصر والحكمة ولحماية السلم الأهلي في لبنان، وذلك بأن يصار إلى تعيين هذه اللجنة وبالتالي لجنة تحقيق دولية وعربية. هكذا وكأننا كنا في يومها نقرأ في كتاب مفتوح حول المشكلات التي يمكن ان يواجهها التحقيق. وهذا هو ما يواجهه القضاء اللبناني الآن. الحل يكون من خلال العودة إلى الأصول، وذلك في المبادرة إلى رفع الحصانة عن الجميع او تعليق هذه الحصانات بالنسبة لهذه القضية بالذات. وبالتالي يمكن الوصول إلى معرفة الحقيقة كاملة، ويكون لدى الجميع عندها التفسيرات والأجوبة الصحيحة عن حقيقة ما حصل بديلاً عن الوقوع في متاهات المزيد من الشكوك في هذه العملية. وهذا ما ليس فيه مصلحة أحد وأعتقد أن هذه العدالة هي العدالة الكاملة، وليست العدالة الانتقائية أو المجتزأة ولا تكون عدالة بالفعل.
أعتقد أنه ينبغي على القضاء اللبناني الموجود أن يحرص على أن لا تكون هناك إمكانية لأي أحد أن يصار إلى استعمال القضاء من أجل الاقتصاص من خصومة السياسيين. هذا هو ما يخاف منه اللبنانيون وأعتقد أن ما يجري الآن ليس من مصلحة أحد.
سؤال: دولة الرئيس، الحكومة لازالت في بداياتها هل هناك تغيير في النمط بموضوع اجتماع مجلس الوزراء؟
جواب: أنا برأيي التحدي الكبير للحكومة، هو في حرصها على أن تتصرف كفريق عمل متضامن ومتجانس وهادف من أجل إقرار المعالجات الصحيحة. وأن تعود إلى الالتزام باحترام الأصول واحترام الدستور والتوقف عن خرق الدستور كما جرى في عملية التأليف لهذه الحكومة. والمؤسف أنّ خرق الدستور لايزال مستمراً إلى الآن على حساب الدستور والقوانين، الأمر الذي يجب أن يتوقف، ويجب أن يكون هذا واضحاً للجميع لأنّ الاستمرار بهذه المخالفات والانحرافات عن الدستور سوف يكون لها نتائج غير مرضية للبنانيين.
