الرئيس السنيورة لـ الاخبارية السعودية: لبنان دولة مخطوفة من حزب الله

اجرت الاخبارية السعودية وضمن "برنامج هنا الرياض" حوارا مع الرئيس فؤاد السنيورة في ما يلي نصه:
س: رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي يؤكد على استقلالية لبنان، وأنّه لا يعترف بوجود نفوذ إيراني في لبنان. هل هذا واقعي ومع حزب الله وحتى أنه يقول انه حزب لبناني موجود على الساحة، علماً أن مصادر الحزب تقول أنه سيُخرج المقاتلين سواء من لبنان أو من سوريا ويوجههم إلى اليمن من أجل قتل اليمنيين هناك. لما لا يبقى الحزب في لبنان؟
ح: مساء الخير لك ولجميع المشاهدين. في الحقيقة، انّ العبارة التي استعملت لوصف الحالة، كان ينبغي أن تستعمل بشكل مختلف، وذلك لأنّ هذا الحزب كان ينبغي أن يصبح حزباً غير مسلح مثل بقية الأحزاب السياسية اللبنانية، ولاسيما بعد أن أصبحت بندقيته موجّهة إلى صدور اللبنانيين، وكذلك أيضاً إلى صدور الأشقاء العرب في سوريا وفي العراق وفي اليمن وفي غيرها من البلدان. لقد تسبّب ذلك كلّه في تخريب التوازنات الدقيقة في لبنان، وأيضاً في تخريب علاقات لبنان مع أشقاءه العرب. وهذا ليس في مصلحة لبنان، لا في الحاضر ولا في المستقبل. وكما هو معلوم، فقد جرت حوارات عديدة مع حزب الله في أوقات مختلفة. ولكن-وياللأسف- فإنّ جميع تلك الحوارات انتهت إلى لا شيء، لأنّه جرى النكول بجميع ما تمّ التوافق عليه في تلك الجلسات الحوارية، وذلك منذ العام 2006 وحتى الآن.
المشكلات التي يتسبّب بها حزب الله، هي مشكلات أساسية بالنسبة للبنان وللبنانيين. وهي التي أسهمت وإلى حدٍّ كبير في هذا الانهيار الذي أصبح يعاني منه لبنان في الداخل، وبسبب ما أدّى إليه أيضاً من تخريب لعلاقات لبنان مع أشقائه العرب ومع المجتمع الدولي. لقد حصل تخريب خطير للتوازنات الداخلية في لبنان، وخروقات كبيرة للدستور ولمنطق احترام الدولة لدورها ولسلطتها. كذلك أدّى إلى تخريب علاقات لبنان مع أشقائه العرب. وهذه الأمور يجب أن تعالج، ولكنها لا تعالج بالعبارات المنمقة، ولا بالعبارات الإنشائية، بل ينبغي أن تكون هناك صراحة وشجاعة في قول الحقيقة لحزب الله، وكذلك لأشقائنا العرب، وبالتالي التوصل إلى حلّ ينصف لبنان وينصف علاقات لبنان مع أشقائه العرب، ويعيد الاستقرار والنهوض للبنان.
س: لو كان هذا الحل هو باختصار بالاستقالة ولو رأى اللبنانيون ذلك في أنه الحل الذي يعالج الكثير من المشكلات. هل تعتقد أن الرجل سيفعلها وهو يقول وأكد أنه سيفعلها. هل ترى ذلك واقعياً؟
ج: بدون شك، فإنّ الخطأ الأول الذي ارتكب كان في تأييد وصول الجنرال عون إلى رئاسة الجمهورية. وكما هو معروف، فقد عطّل الجنرال عون لبنان بأسره، كما عطّل رئاسة الجمهورية، وهو ما حال دون انتخاب رئيس جديد للجمهورية بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان لمدة سنتين ونصف السنة إلى أن وصل الأمر إلى اضطرار بعض القوى السياسية إلى انتخاب الجنرال عون كرئيس للجمهورية.
ولقد ظنّ البعض أنه عندما يصبح عون رئيساً للجمهورية فإنّ أداءه سيكون مختلفاً، ويؤدي به عند وصوله إلى أن يتصرّف كرئيس للجمهورية وحامٍ للدستور، وهو ما لم يحصل. والحقيقة أنّه قد مضى من عهده حتى الآن خمس سنوات وشهرين على وجوده كرئيس للجمهورية، ولم يحصل ما تمناه اللبنانيون. وها قد بقي من عهده عشرة أشهر، ولا اعتقد أن بإمكانه أو أنه يريد أن يغيّر في أدائه. وهذا ما ظهر في حديثه الذي أدلى به البارحة وخاطب فيه اللبنانيين. وبالتالي، فإنّه لا يزمع حقيقة أن يبدل مسيرته ومن أدائه، أو أن يبادر إلى القيام بإصلاحات حقيقية، أو يدعم إجراء الإصلاحات الحقيقية التي يحتاجها لبنان.
على العكس من ذلك، لقد استمرّ الرئيس عون في عمليات إلقاء التهم وإلقاء اللوم على الآخرين دون أن تكون لديه الصراحة والشجاعة الحقيقية من أجل أن يواجه هذه المشكلات. لذلك لا أعتقد أن الرئيس عون في وارد الاستقالة، وهو باقٍ إلى نهاية عهده مع ما يعنيه ذلك من مصاعب ومشكلات وأوجاع إضافية يتوجّب على اللبنانيين تحملها.
س: ماذا عن ميقاتي وهو أيضاً قال بأنه لو شعر بأنّ استقالته ستكون الحلّ للأزمة فسيستقيل؟
ج: انا أعتقد أنه يجب النظر إلى الأمور الآن من زاوية موضوعية ومتبصّرة. الحقيقة أنه إذا قدم الرئيس نجيب ميقاتي استقالته الآن، فمعناه بالتالي أنّ رئيس الجمهورية سينفرد في الحكم، وذلك في وجود حكومة تصريف أعمال. وبالتالي، فإنّ الأداء العام سيكون عكس ما نريده وما يريده اللبنانيون. لذلك، فأنا أعتقد أنّ استقالة ميقاتي هي واردة في أي وقت وقد تصبح ضرورة في وقت مستقبلي. ولكن، وكما تبدو لي الآن أن الاستقالة لا تؤدي الغرض المطلوب، وهذا كما يبدو لنا من خلال مجريات الأمور. ما نخاف منه أن يتفرّد رئيس الجمهورية في الحكم، لاسيما وأنه اخترع أسلوباً جديداً وغير دستوري، وهو اعتماد مجلس الدفاع الأعلى كأداة يستخدمها من اجل أن يقوم بأعمال ويتخذ قرارات لا ينص عليها الدستور، وهي مخالفة للدستور. إذ انّ الصلاحيات هي في مجلس الوزراء، وليس التقرير في هذه الأمور من صلاحيات مجلس الدفاع الأعلى الذي يمكن أن يقترح على مجلس الوزراء ولكن لا يقرر هو في هذه الأمور.
س: سيد فؤاد، خارجياً الرئيس عون تحدّث بأنه يريد علاقات جيدة مع دول الخليج وأيضاً ميقاتي قال ذلك، ولكن لم يجرؤ أحد منهما ان يسمي حزب الله. عون على سبيل المثال يقول أنه مسؤول عن الدفاع عن الوطن، وهي مسؤولية الدولة وأجهزتها وليست مسؤولية المقاومة ولم يسمِ الحزب. لم يتحدث عن أحد حتى في التوتر والعلاقات مع دول الخليج والمسببات لم يذكر الحزب لا هو ولا ميقاتي. ما رأيك وما الأسباب؟
ج: أنا اعتقد أنّ فخامة الرئيس في حديثه البارحة اقترف عدة أخطاء. ومن ضمنها، أنّه عاد وأكّد مرة ثانية على ما يسمى ثلاثية "الجيش والشعب والمقاومة". وبالتالي، فإنه لايزال يتنكّر للحاجة في أن يقوم لبنان بتحييد نفسه عن الصراعات الإقليمية. وهو يرفض أن يسمي الأشياء بأسمائها ويرفض ممارسة الضغوط على حزب الله من أجل أن ينسحب من سوريا والعراق واليمن، ويرفض ممارسة الضغط على حزب الله من أجل أن يمتنع عن التدخل في الشؤون العربية.
إنّ السياسة المستقرة للبنان هي في تحييد نفسه عن الصراعات الإقليمية والدولية، والتي كان ينبغي أن تعتمد من قبل الرئيس عون ومن قبل الحكومات التي تألفّت في عهده. والحقيقة، انّ هذه الانحرافات كانت كلّها جزءاً من التسوية التي عقدها مع حزب الله. فلقد حصل اتفاق في العام 2006 ما بين الجنرال عون وبين السيد حسن نصر الله. وفي ذلك الاتفاق تمّ التوافق على أن يتولّى حزب الله دعم الجنرال عون حتى يصل إلى موقع رئاسة الجمهورية، ففاز عون برئاسة الجمهورية، ولكن فاز حزب الله بالجمهورية، أي أن حزب الله وضع يده على لبنان. والآن لبنان والدولة اللبنانية عملياً مخطوفين من قبل حزب الله ولمصلحة الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
س: هذا مشكل في العلاقات مع دول الخليج وتأثيراتها وأيضاً مع اليمن. عندما يتجه الحزب بشكل كبير إلى اليمن ويثير الفوضى فيها ويثير الفوضى في دول الجوار. كيف يمكن للعلاقات الخليجية- اللبنانية أن تعود؟
ج: تحييد لبنان والنأي به مطلوب، وأنّ على الحكومة اللبنانية أن تتقيّد بهذه السياسة التي درجت عليها الحكومات اللبنانية على مدى عقود طويلة ماضية. وهي كانت تلتزم بالسياسة التي أعلنت عنها، وهي سياسة النأي بالنفس عن الصراعات والخصومات في المنطقة. أي أنه يجدر بلبنان أن يتخذ سياسة صحيحة لما فيه مصلحته ومصلحة أشقائه العرب في تحييد نفسه بما يعني أن ينسحب جميع مسلحي حزب الله من كل الدول التي يعملون على زعزعة استقرارها والعودة إلى لبنان. وهذا هو الحل. وبالتالي أيضاً أن يرفع حزب الله يده عن لبنان ويستعيد لبنان بالتالي دولته المخطوفة من قبل الحزب وإيران.
من الطبيعي أن ننظر إلى هذه الأمور من هذه الزاوية. ولكن هنا أودّ أن انظر إلى هذه الأمور أيضاً من زاوية ثانية، وهي التشديد بأنّ القسم الأكبر من اللبنانيين لا يوافقون حزب الله في ما يقوم به في زعزعة التوازنات الداخلية في لبنان، وليسوا معه في تورطه وتوريط لبنان في الصراعات الدائرة في المنطقة، بما يؤدي إلى إيقاع لبنان في الكثير من المشكلات التي تتسبب في إساءة علاقة لبنان مع الأشقاء العرب ومع المجتمع الدولي، وهؤلاء اللبنانيون هم الكثرة الكاثرة من اللبنانيين.
س: ماذا يمكن لهم أن يفعلوا هؤلاء ليس بيدهم قرار وليس بيدهم سلطة؟
ج: نحن الآن نواجه السلاح الذي يوجهه حزب الله للبنانيين والعرب. وهذا الأمر يتطلب من اللبنانيين أن يتضامنوا في ما بينهم ويرفعوا صوتهم بجرأة وصراحة وشجاعة. ولكن ليس إلى الحدّ في أن يدخل لبنان في صراع مسلّح. لأنّ ذلك لا يؤدي إلى نتيجة سوى إلى تخريب لبنان بشكل أكثر تدميرا. ولذلك، فإنّ الضغوط السلمية التي يمكن أن يظهرها اللبنانيون في وجه هذه القبضة الكبيرة المسلحة لحزب الله يجب ان تكون مواجهة سلمية، ويجب ان تضم قطاعاً واسعاً من قبل اللبنانيين الذين لا يوافقون على سياسة حزب الله، وأيضاً على استمرار تسلّطه على الدولة اللبنانية واختطافها. وهؤلاء اللبنانيون ينظرون إلى أشقاءهم العرب لكي يكونوا إلى جانبهم، وبالتالي ان يعاونوهم من أجل أن يتمكنوا من الصمود في وجه هذه الانهيارات الكبرى التي يتعرضون لها، ويتعرّض لها لبنان بسبب ما يقوم به حزب الله من اختطاف للبنان وتعطيل لاقتصاده ولمؤسساته وتخريب علاقاته مع أشقائه العرب وأصدقائه في العالم.
هذه الانهيارات ما كانت لتحصل لو أنّ حزب الله لم يتدخل في الشؤون العربية في أكثر من بلد عربي، أي أن ما يحصل للبنان الآن يعود بالفعل إلى أسباب عديدة ومن ضمنها ومن أولها هو هذه التدخلات والتسبب بالمشكلات للبنان. وهذه المشكلات التي تسبّب بها الحزب في داخل لبنان، وأيضاً في خارج لبنان لعدد من الدول العربية. هؤلاء اللبنانيون هم الكثرة الكاثرة التي تتمنى أن يقف إخوانهم العرب إلى جانبهم، ويقدموا لهم المساعدة والدعم والإنقاذ حتى يستطيعوا أن يستمروا في مناهضتهم لسيطرة حزب الله.
