الرئيس السنيورة من عين التينة: يجب عودة المؤسسات الدستورية للعمل

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 

استقبل رئيس مجلس النواب نبيه بري ظهر اليوم في عين التينة الرئيس فؤاد السنيورة الذي قال بعد الاجتماع:

بدايةً، أودّ أن اتوجه إلى كل اللبنانيين لتهنئتهم بالعام الجديد، متمنياً على الله تعالى أن يساعد اللبنانيين لكي يتمكّنوا ويستطيعوا، إن شاء الله، أن يوقفوا مسلسل الانهيارات الكبرى التي تعصف بلبنان، والتي تنهال عليهم كل يوم وتُطبقُ عليهم في عيشهم، في نهارهم وفي ليلهم، وتشاركهم طعامهم، ويبقى ضجيجها عالياً على مخدات نومهم، أي أنها لا تتركهم، إذ تبقى همومها تقضُّ مضجعهم.

لا بدّ لي بدايةً هنا من القول بأنّه يجب علينا أن نعترف أنّ وقف هذه الانهيارات الكبرى التي يعاني منها لبنان لا يمكن أن تنتهي فقط بالتمنيات بل إنها ولكي تتوقف وتبدأ بالانحسار، فإنّها تتطلب منا جميعاً عملاً دؤوباً من أجل تصويب بوصلتنا الوطنية نحو ما يخدم مصلحة اللبنانيين الحقيقية. وهذا يعني أنه لن يكون كافياً أن يصار إلى اتخاذ الإجراءات الإصلاحية على الصعد المالية والاقتصادية والنقدية والإدارية وعلى شدّة أهميتها. وأعني هنا، كل كلمة من هذه المجالات، ولكن أيضاً في أن ندرك أن هناك أموراً عديدة أخرى يجب أن تضاف إلى تلك الإجراءات الإصلاحية، وأن نقوم بها كلّها من أجل أن نعالج ذلك الكمّ الكبير من المشكلات والأزمات والمحن التي نعاني منها. وهي التي تتطلب من لبنان واللبنانيين أن يقوموا بها لكي يؤدي ذلك في المحصلة إلى المعالجة الحقيقية لتلك المشكلات والمحن التي نعاني منها، ولاسيما في الجانب السياسي.

هذا ما يتطلب منا المبادرة وبشكل جاد وملتزم بأن نعمد إلى تصويب البوصلة الوطنية والسياسية والحكومية بما يمكننا من ممارسة وإدارة أمورنا العامة بتبصر وبحكمة ومسؤولية، وأن تكون لدينا عندها القدرة والإرادة على اتخاذ القرارات الأساسية الصحيحة والضرورية من أجل الحد من الانهيار والتوجه نحو التدرج في التوصل إلى المعافاة لأحوالنا الوطنية والسياسية والاقتصادية والمعيشية.

في هذا الصدد، فإني أرى أنّه لا بد بدايةً من أن تعود المؤسسات الدستورية إلى العمل، وأعني بذلك الحكومة والمجلس النيابي، وأن يتوقف التعطيل لتلك المؤسسات. إن شاء الله اليوم- وكما سمعت- انّه سوف يصار إلى فتح دورة جديدة استثنائية للمجلس النيابي، وأنه سيصار إن شاء الله أيضاً إلى أن تعود الحكومة إلى العمل والاجتماع بداية من أجل النظر في إقرار الموازنة العامة.

إلاّ أنّ هذين الأمرين على أهميتهما هما غير كافيين. إذ انّ الجهد المطلوب لا يقتصر فقط على العمل من أجل استعادة عمل ونشاط المؤسسات الدستورية في مجلس الوزراء ومجلس النواب. فهناك بالإضافة أمر آخر مهم جداً يجب أن نقوم به، وهو أن نتوقف عن الاستمرار في تخريب نظامنا الديمقراطي البرلماني وأن يصار إلى تصويب وتصحيح علاقاتنا مع اشقائنا العرب ومع العالم أجمع.

ما أعنيه هنا فيما يتعلق في التوقف عن تخريب نظامنا الديمقراطي البرلماني، هو أن ندرك حقيقة بأن النظام الديمقراطي البرلماني اللبناني يقوم على أربع قوائم أساسية: وهي أكثرية تحكم، وأقلية غير مهمشة تعارض، وأيضاً قضاء بالفعل مستقل ونزيه، وإدارة حكومية قائمة على احترام قواعد الكفاءة والجدارة والاستحقاق وبشكل تنافسي، وذلك كما تنص عليه المادة 95 من الدستور، وأن تكون هذه الإدارة الحكومية غير مستتبعة، وكلّ أمر من هذه الأمور شديد الأهمية حتى تستقيم امورنا الوطنية والسياسية.

المؤسف أنه، أننا قد تغوّلنا على مدى هذه السنوات الماضية في تخريب هذه القوائم الأربعة. وها نحن نحصد بنتيجة هذا التغوّل في تخريب ما وصلنا إليه من معاناة. ومن ضمن ذلك التخريب، كان بدايةً اعتماد نظرية الديمقراطية التوافقية، بحيث انتفى العمل الديمقراطي القائم على أكثرية تحكم وتمارس القرار وتتحمل بذلك المسؤولية، وأقلية تحاسب وتسائل الحكومة. كذلك، فقد مضَيْنا بعيداً في استتباع القضاء، وأيضاً في استتباع الإدارات والمؤسسات الحكومية في مختلف مجالاتها ومرافقها ومراتبها. وما نتج وما نراه اليوم هو ناتج عن هذا التخريب المستمر الذي أصبحنا نعاني منه.

استمرار هذه الممارسات وقد أصبح واضحاً للجميع في أنها لن تمكننا من الخروج من سلسلة هذه المآزق التي أصبحنا نعاني منها. وهي قد أصبحت تضغط على كافة امورنا العامة. ولا يكون الخروج منها إلا بالعودة إلى تصويب عمل نظامنا الديمقراطي البرلماني من أجل أن تمارس وتحترم هذه القوائم الأربعة وبالشكل الصحيح، ويستقيم العمل الحكومي والبرلماني لما فيه مصلحة لبنان واللبنانيين.

أما فيما يتعلق في العلاقة مع أشقائنا العرب، فإنه وفي الحقيقة، أودّ أن أذكر هنا أمراً في غاية الأهمية وهو أن لبنان لطالما كان يحرص على الالتزام بسياسة النأي بالنفس عن الخلافات وعن المحاور الإقليمية والدولية، وأنه كان يسعى بكل جهده وطاقته من أجل إقامة العلاقات الصحيحة مع جميع الأشقاء العرب على أساس الاحترام المتبادل. وأنا أريد أن انتهز هذه المناسبة لأقول بأننا مررنا نحن في لبنان في محنٍ عديدةٍ خلال العقود والسنوات الماضية، وكان أشقاؤنا يقفون إلى جانبنا. ولذلك، فإني أودّ أن أذكّر بأمرين: الأول، ويتعلق بما جرى في العام 2006 عندما اجتاحت إسرائيل لبنان. والثاني، بعد التفجير الرهيب الذي حصل في مرفأ بيروت في العام 2020.

في الحالة الأولى، وقفت جميع الدول العربية إلى جانب لبنان ولا أقول هذا الأمر من أجل التمنين، ولكن هذه هي الحقيقة. الدول العربية لم تمنن لبنان أبداً في علاقاتها وبشأن مساعدتها للبنان. فلقد كان وقوفها مع لبنان ومساعدتها له وقوفاً حقيقياً وأخوياً من قبل جميع أشقائنا في دول الخليج العربي، ولاسيما خلال العام 2006. ولولا ذلك لما تمكن لبنان من إعادة إعمار كل ما دمر خلال تلك الحرب المجنونة التي شنّتها إسرائيل على لبنان. وفي الحقيقة، انّ القسم الأكبر من تلك المعونات والمساعدات التي حصل عليها لبنان في العام 2006 كانت من دول الخليج العربي.

لا بدّ لي من ان أشير هنا، إلى أنّ القسم الأكبر من تلك المعونات النقدية التي قدمتها الدول العربية الخليجية كانت من المملكة العربية السعودية، والتي تمكّن لبنان من خلال مساعدة المملكة من إعادة إعمار وبناء وترميم حوالى 50% من مجموع الوحدات السكنية التي تعرضت للدمار أو التخريب في العام 2006، بينما تكفّلت مساعدات الآخرين في ترميم الباقي. وهذا ما يثبت، وفي هذا المجال أهمية الدور الأخوي الداعم الذي قامت به دول الخليج العربي للبنان، وفي مقدمها المملكة العربية السعودية.

في المقابل، وبعد الذي حصل بنتيجة تفجير مرفأ بيروت، وبالإضافة إلى الخسائر البشرية الكبرى التي تعرض لها لبنان واللبنانيين، والمتمثل بعدد الضحايا البريئة والكبيرة التي سقطت بفعل ذلك التفجير، فإنّ هناك عدداً كبيراً من الجرحى والمعوقين ومن سيعوّض عليهم. ليس ذلك فقط، ولكن فوق ذلك كلّه، فإنّ هناك قسماً كبيراً من بيروت العاصمة قد تعرّض لدمار كبير لايزال لبنان حتى الآن نبحث عن من يساعده في إعادة الإعمار.

أقول هذا من أجل أن نعود إلى التبصر في أحوالنا، وفي إدراك حاجات مجتمعنا ووطننا من أجل وقف مسلسل التخريب الحاصل على أكثر من صعيد، ووقف مسلسل الانهيارات، والمآزق المنهالة على لبنان واللبنانيين.

أنا على ثقة، أننا إذا مارسنا القدر المطلوب من الحكمة والتبصّر في أحوالنا، وكانت لدينا الإرادة الصحيحة من أجل إنقاذ لبنان والمواطنين اللبنانيين، فإننا بعون الله وبإرادتنا، قد نستطيع الخروج مما وصلنا من أحوال شديدة الصعوبة.

ولكن هذا الامر يتطلب ارادة حقيقية لا تتزعزع في التمسك بالإصلاح طريقاً نحو تحقيق النهوض. وهذا يعني أن ندرك، وأن نؤمن بحقيقة واحدة وأساسية، وهي: "أنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

لعلّ هذا كلّه، قد يدفعنا وفي مطلع العام الجديد أن ندرك ماذا يعني هذا وما ينبغي علينا أن نقوم به.

تاريخ الخبر: 
05/01/2022