الرئيس السنيورة لراديو سوا : بحاجة إلى عمل سياسي منظم من قبل جميع السياديين اللبنانيين وأن تكون بوصلة هذا العملً واضحة

اجرت راديو سوا حوارا مع الرئيس فؤاد السنيورة حول اخر التطورات في لبنان وفي ما يلي نصه:
س: أبدأ مع دولة الرئيس في بيانك حول الذكرى السابعة عشر لاغتيال دولة الرئيس الشهيد رفيق الحريري. إنّك تتحدث عن عمل وطني انقاذي عبر اعادة ضخ الحياة في مشروع رفيق الحريري. رفيق الحريري كان شخصية جاءت مع توافقات ومُناخات سياسية محلية لبنانية وإقليمية، وهي مُناخات ربما مختلفة تماماً عن ما نشهده اليوم. كيف يمكن أن يكون الحلّ؟ هل نحن نحتاج اليوم إلى شخص كرفيق الحريري؟ أم نحتاج إلى ظرف سياسي يأتي معه شخص مثل رفيق الحريري؟
ج: بدون شك أنّ الحل للأزمة التي يمر بها لبنان الآن يحتاج إلى ظروف ومناخات مؤاتية على الصعد الداخلية والإقليمية والدولية. وهو أيضاً يحتاج إلى قيادة رؤيوية تستطيع أن تفرد الأشرعة اللازمة لتستفيد من الرياح المؤاتية عند هبوبها، بحيث تكون الأشرعة جاهزة. لأنّه من غير الممكن أن يتحقق التغيير هكذا. الحقيقة التي يجب أن نعترف بها أن هناك قول باللغة الإنجليزية يقول Stand up to be counted، أي علينا أن تكون لدينا الجاهزية والإرادة والقرار لنقف، وبالتالي لكي يقف العالم معنا ويساعدنا. العالم لديه مشكلات عديدة، أكان ذلك في العالم العربي أم العالم في الخارج. وجميع دول العالم لديها مشكلات عديدة وانشغالات كبرى. وبالتالي، فإنّ أشقاءنا واقتصادنا ينتظرون من اللبنانيين أن تكون لديهم القدرة على أن يحددوا ما يريدون، وبالتالي أن تكون لدينا مجموعة قيادية تستطيع أن توحي بالثقة والتي على أساسها أعتقد أن العالم العربي والعالم يمكن أن يساعد لبنان. أتوقف هنا لأقول أنّ الحلّ المطلوب لا يعني أن هذا الأمر يتطلب جهداً عسكرياً أو جهداً عنفياً. على العكس من ذلك، فإنّ الحاجة بحاجة إلى عمل سياسي منظم من قبل جميع السياديين اللبنانيين، وبشكل واضح وأن تكون بوصلة هذا العمل أيضاً واضحة. إذ أنه يجب أن نعمل جاهدين من أجل أن تكون بوصلتنا صحيحة، وهدفنا واضخ، وبحيث نستطيع أن نميّز ما بين الظواهر أو أعراض المشكلات وبين حقيقة وجوهر المشكلات. فأعراض المشكلات- وعلى أهميتها الشديدة- لا يؤدي الانشغال بمعالجتها فقط بعيداً عن معالجة جوهر وأسباب المشكلات لا يحقق الغرض المطوب لكي يتم الشفاء. كلنا نعلم أن اللبنانيين يعانون الأمرين وبالتالي لا يلومنّ أحد اللبنانيين بأنهم يهتمون الآن بربطة الخبز وتنكة البنزين وبحبة الدواء وأيضاً 100 دولار من البنك وأيضاً حسابهم في البنك، وهم محقون في ذلك. ولكن هذه كلها ليست إلاّ مظاهر للمشكلة. المشكلة الأساسية، وهي أنّ لبنان أصبحت دولته اللبنانية مختطفة، وأنه قد جرى تخريب النظام الديمقراطي البرلماني فيه. ونحن نعلم ان النظام الديمقراطي البرلماني- كما هو الحال في الخارج- وكما هو في لبنان يقوم على أربع قوائم أساسية أن تكون هناك أكثرية تحكم وتكون مسؤولة، وأن تكون هناك اقليّة غير مهمشة تُعارض وتُساءِل وتُحاسب الحكومة، وأن يكون هناك قضاء نزيه مستقل وغير مستتبع، ورابعاً أن تكون هناك إدارة حكومية غير مستتبعة للسياسيين. هذه القوائم الأربعة الأساسية لهذا النظام قد جرى عملياً تخريبها في لبنان عبر الممارسات التي تؤديها أغلب المجموعات السياسية وعبر ما يسمى الديمقراطية التوافقية.
س: إذا أردنا اليوم أن نتحدث عن العمل الانقاذي الذي أشرت له دولة الرئيس في ظل الظرف السياسي الذي يعيشه لبنان، وأيضاً في ظل الارتباك الحاصل داخل الطائفة السنيّة. ما هي الصورة الآن؟
ج: نعم، في هذا الأمر، فإني أعتقد أنه اغلب اللبنانيين متفقون على أن هناك أزمة لبنانية وطنية، وليس أزمة فريق من اللبنانيين أو حزب لبناني أو طائفة لبنانية جميع الأطراف اللبنانية أصبحت مأزومة، ودعيني أقول لك أن حزب الله، وهو الذي بدأ نشاطه في العام 1982، وحظي بتأييد لبناني استثنائي عندما عمل من أجل تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي حتى العام 2000. لكنه، وبعد ذلك، تغيّرت وجهة بندقيته. تغيّرت لتصبح موجهة إلى صدور اللبنانيين وصدور بعض العرب. وهو الآن يحظى بدعم وينفذ سياسة إيران في المنطقة العربية، وبالتالي ليس ما يفيد لبنان واللبنانيين بل على العكس. الآن، في الحقيقة، لم يمرّ على حزب الله منذ تأسيسه في العام 1982 هذا القدر من التجرؤ والتهجم على الحزب كما هو حالياً الآن في العام 2022. كذلك أيضاً، فإنّ التيار الوطني الحر ورئيس الجمهورية ميشال عون، ومنذ أن دخل معترك العمل السياسي في العام 1989، فإنّ الجنرال عون لم يمر عليه هذا القدر من التجرؤ والتهجم مثل ما يعانيه حالياً. هذا يعطينا مثالاً عن هذه الأزمة والمأزق الذي أصبح فيه الجميع. هذا المأزق الذي يعم لبنان وبجميع أطرافه وفرقائه. صحيح أنّ هناك أطراف تتفاوت معاناتها. ولكن هذه المآزق يمكن أن تكون أكثر عند فريق أكثر من غيره. ولكن الجميع أصبحوا مأزومين. على أيّ حال، هناك مشكلة، وعلينا أن نجهد جميعاً من أجل الخروج من هذا المأزق. وتعلمين أن الدور أهل الذي يلعبه السنّة والجماعة في لبنان، وهي أكبر مجموعة ضمن هذا الفسيفساء اللبناني، وهم الذين يشكّلون في العادة الصمغ الذي يجمع بين مكونات هذا المجتمع اللبناني الفسيفسائي.
س: هل تطرح على حضرتك شخصياً أن تكون الدفة بينما يعود الرئيس الحريري للمشهد السياسي؟
ج: هذا الموضوع هو موضوع نقاش داخل الأوساط السنيّة. لقد كان التفكير أن يأخذ قراره سعد الحريري ويعود إلى لبنان ليعزّز ممارسته للعمل السياسي. إلاّ أنّه، وبسبب قراره بتعليق عمله السياسي وعمل تيار المستقبل السياسي. ولذلك، وإلى أن يعود الحريري إلى لبنان لممارسة نشاطه السياسي، فلربما يكون هناك ثمن مخرج عبر ما يسمى القيادة الجماعية كحل بديل للقيادة الفردية بهذا الشأن، وإلى أن تتغير الظروف، ويعود سعد الحريري إلى لبنان. هذا الأمر يجب أن ننظر إليه بطريقة خلاّقة من أجل أن نحل هذه المشكلة. نحن نعرف أنّ الدور الذي يلعبه المسلمون السنّة في لبنان وهم كما يقولون عن أنفسهم بأنهم ليسوا طائفة بل هم فعلياً لا يريدون ولا يجوز أن يتصرفوا كطائفة بل هم الأمة وبالتالي عليهم دور وطني كبير لطالما لعبوه، وهم كما ذكرت يشكّلون الصمغ الذي يجمع ما يسمى لوحة الفسيفساء اللبنانية. وبالتالي هذا الدور الكبير الذي يجب أن يلعبوه من أجل الحفاظ على الوطن اللبناني، وبالتالي أن يجهدوا من أجل تصويب البوصلة. البوصلة الوطنية التي يجب أن تؤشر إلى ضرورة العمل من أجل استرجاع الدولة التي هي قد أصبحت مخطوفة، وبالتالي ضرورة العودة إلى التأكيد على وثيقة الوفاق الوطني في الطائف والعودة للتأكيد على استقلالية القضاء واحترام تنفيذ قرارات الشرعيتين العربية والدولية، وإعادة الاعتبار إلى الكفاءة والجدارة في تحمّل المسؤولية في إدارات الدولة ومؤسساتها. طبيعي هذا الأمر ليس بالسهل ولا أحد يتهاون به ولكن يجب أن تكون البداية في تصويب البوصلة الوطنية بحيث تصبح صحيحة. وبالتالي كلّ تقدم يحصل في هذا الاتجاه مهما كان صغيراً يؤدي إلى توجيه أنظار الناس نحو حقيقة المشكلة الكبرى التي يعاني منها لبنان، وليس إلى ظواهرها أو ما يسمى الإلتهاء بتلك المظاهر عن القضية الأساسية، إذ أن هناك حاجة لاسترجاع الدولة واسترجاع احترام الدستور، واستكمال تطبيق وثيقة الوفاق الوطني.
س: تحدثت دولة الرئيس عن القيادة الفردية والقيادة الجماعية في هذه الأثناء يخرج سعد الحريري ويأتي بهاء الحريري ويتحدث إلى قناة الحرّة ووضع برنامجه السياسي كيف ترى حضرتك ما طرحه بهاء الحريري حول اتفاق الطائف وفصل الدين عن السلطتين التنفيذية والتشريعية وتطبيق المركزية الادارية وحديثه أيضاً عن ان هناك فريق إرهابي لا يملك وصاية شرعية لبنانية؟
ج: كل هذه الأمور البعض يرددها وبالتالي هي موجودة اساساً من خلال الدستور اللبناني. الدستور اللبناني هو دستور دولة مدنية وليست دولة طائفية. ولكن، وكما ذكرت لك، فقد جرى تخريب النظام الديمقراطي البرلماني، بحيث جرى اعتماد أسلوب حكومات الوحدة الوطنية وهو أسلوب متبع في الأنظمة الديمقراطية، ولكنه يكون في العادة لمعالجة ظروف محددة ولفترة محددة. وبالتالي أيضاً تنتهي هذه الظروف ومن ثم يعود العمل الديمقراطي عبر اسلوب الاكثرية والأقلية.
إلاّ أن ما زاد من الطين بلّة، الأسلوب الذي جرى اتباعه بشأن ما يسمى الديمقراطية التوافقية وبالتالي من خلال أن يتمثل الجميع بالحكومة، وهو الأسلوب الذي أثبت فشله. لقد انتهينا بأن أصبحت الحكومات تتمثّل في عضويتها جميع المجموعات النيابية. وبالتالي، فقد فشلت عملية وأدوات ما يسمى المحاسبة والمساءلة، ولم تعد الأكثرية قادرة على الحكم ولا الأقلية قادرة على المحاسبة. لأنّ الجميع- وهم أعضاء مجلس النواب- أصبحوا ممثلين في الحكومة ولم يعد باستطاعة المجلس وعبر الأقلية، القدرة على ممارسة دوره في المساءلة والمحاسبة. وبالتالي كل الأفرقاء أصبحوا موجودين في الحكومة وأصبحت الحكومة التي هي في الأصل مكان القرار، غير قادرة على ممارسته. فإما أن يصار إلى استعمال الفيتوات المتبادلة بين الفرقاء الممثلين بالحكومة، أو المقايضات والتسويات المتبادلة، ويكون ذلك على حساب المواطنين. وبالتالي، فقد هكذا أصبحنا لا نستطيع أن نؤلف حكومة الا بعد مرور أشهر وأشهر طويلة وأيضاً عندما تتألف الحكومة هناك فيتوات متبادلة ولا تستطيع الحكومة أن تأخذ قرارات وإذا اتخذت قرارات، فإنها تكون قرارات ناتجة عن تواطؤ بين تلك الأحزاب في ما بينها ولمصلحتها، وبالتالي تتم على حساب اللبنانيين، هذا هو التخريب الذي جرى على النظام الديمقراطي البرلماني.
أما بالنسبة لبهاء الحريري، فهو يأتي بعد غياب طويل، وكان بالأحرى أن يمهّد لبدء تعاطيه العملي السياسي بعد عدة سنوات، وأن يبدأ عبر إعادة الروح والإمكانات المادية لمؤسسات والده الشهيد التي انقطع عنها التمويل.
س: هذا محلياً دولة الرئيس العمل الوطني الإنقاذي هل يستطيع ان يقف وحتى أن كان هناك عمل قيادي في هذه المرحلة وطرح مشروع في البلد هل تستطيع بدون تفاهم اقليمي او استقرار الوضع؟
ج: أنا أعتقد أن هناك واجب على المعنيين في لبنان أن يقوموا بهذا الجهد، فقد أصبح الخطر عظيماً وكبيراً جداً ووجودياً على لبنان وهذا الأمر يتطلب المحاولة كما قال امرؤ القيس "نحاول ملكاً أو نموت فنعذراً". ليس من الممكن على أي أحد يهتم بالشأن العام إلاّ وأن يحاول أقصى جهده، وأن يفكر ويعمل لتحديد كيفيّة الخروج من هذا المأزق. وبالتالي، هناك ضرورة ماسّة من أجل الحرص على عدم الاستسلام إلى المحاولات التي تبذلها العديد من الأحزاب السياسية الطائفية والمذهبية والميليشياوية من أجل أن تقمع اللبنانيين، أو أن تردهم إلى مربعاتهم الطائفية والمذهبية، بحيث يتصرف كل فريق بأن الطرف الآخر هو العدو.
لدينا أعداء حقيقيين كثيرين آخرين، وأعني العدو الحقيقي هو إسرائيل. كما أنّ لدينا العديد من الخصوم الذين يسيطرون على الدولة اللبنانية باسم المقاومة. وهم بالفعل تابعون الى الجمهورية الإسلامية الإيرانية وينفذون أهدافها التوسعية للهيمنة على لبنان. هذا فضلاً عن أنّ هناك جهداً كبيراً علينا بذله من أجل محاربة التخلف والتراجع الاقتصادي، ووقف التراجع في كل المؤسسات والقطاعات التي يرتكز عليها لبنان في ميزاته التفاضلية، أكان ذلك في العمل التعليمي والاستشفائي والخدماتي. ففي كل هذه الأمور هناك انهيار ولا يمكن لبنان أن يخرج من حالة الانهيار إلا في العودة إلى الدولة ولا يمكن أن يكون هناك إمكانية في ظلّ وجود الدويلة التي تسيطر على الدولة، وكما يقول الله في كتابه العزيز لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا لا يمكن أن تدار الدولة من قبل عدة دويلات أو تسيطر الدويلة على الدولة هذه هي المشكلة وبالتالي علينا أن نتبصّر ونتآزر ونحاول إيجاد الحلول الحقيقية لهذه المشكلات الخطيرة.
