الرئيس السنيورة لـCNN التركية : لبنان أصبح يعاني من هيمنة كاملة على دولته وإداراته ومؤسساته وأجهزته العسكرية والأمنية وعلى قراره من قبل حزب الله وهذاهو الذي يمنع الدولة اللبنانية من أن تمارس قرارها الحر

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 

اجرت محطة CNN التركية حوارا مع الرئيس فؤاد السنيورة تركز على الجانب الاقتصادي من المشكلة اللبنانية في ما يلي نصه:

س: اقتصاد لبنان قد أصبح حالياً منهاراً جداً، وأنت كرئيس سابق، ما هو رأيك في هذا الموضوع؟

ج: لا شك أنّ لبنان يعاني من أزمة اقتصادية ومالية طاحنة. ولقد حصل هذا نتيجة لعدد من العوامل، أكانت داخلية أو خارجية- إقليمية أو دولية- ومن ذلك ما كان نتيجة الاجتياحات الإسرائيلية السبع، وقبل ذلك وخلاله بسبب الحروب الداخلية التي عصفت بلبنان. بالإضافة إلى ذلك، فقد كان ذلك نتيجة النزاعات الداخلية والمحلية- السياسية والأمنية- وكذلك أيضاً بسبب التضييع للكثير من الفرص التي أتيحت للبنان، والتي جرى هدرها بسبب الاستعصاء المزمن على الإصلاح. وذلك ما أدّى بمجمله إلى هذا الانهيار الوطني والسياسي والاقتصادي والمالي والنقدي والمعيشي في لبنان.

إزاء هذا الوضع الصعب والخطير، فإني أعتقد أنّ ما يحتاجه لبنان الآن، هو العمل الجاد من أجل استعادة وتحقيق النهوض الوطني والسياسي والاقتصادي والمالي. ولذلك، فإنّ لبنان بحاجة الآن إلى قيادة حكيمة ومتبصرة ورؤيوية تستطيع أن تبعث وتستعيد لدى اللبنانيين الثقة في المستقبل.

إنّه ومما لا شك فيه، أنّ العديد من الممارسات السياسية غير المتبصرة التي اتّبعت قبل ذلك وبعده. ومن ذلك في عدم تسديد لبنان للمبالغ المستحقة من سندات دين الخزينة اللبنانية، أسهم وأدّى إلى المزيد من الانهيار الذي حصل في لبنان.

هذه الأمور، أرى أنّه بالإمكان أن يصار إلى معالجتها من خلال خطة واضحة وشجاعة تستطيع أن تحظى بثقة اللبنانيين، وكذلك بثقة المجتمعين العربي والدولي، وتستطيع أن توجه انتباه وجهود اللبنانيين نحو السعي والعمل على استعادة الثقة بالمستقبل من أجل استعادة عافية الاقتصاد اللبناني والعيس الكريم للبنانيين.

في الحقيقة، لبنان يعاني اليوم من مشكلات كبيرة على صعيد السيولة غير المتوفرة لدى مصرف لبنان، والتي نتجت عن هذه الممارسات الخاطئة التي حصلت على أكثر من صعيد. ولكن هذا لا يعني ان لبنان قد أصبح دولة مفلسة. هناك فرق كبير بين ندرة السيولة وفقدان الملاءة. فالدول عادة لا تفلس إذا توفّر لدى الدولة القيادة الصحيحة والشجاعة والرؤيوية والحازمة، والتي عند توفرها للبنان بإمكانها أن تستعيد الملاءة والقيمة للبنان المستقبل.

س: لبنان يعيش أزمة اقتصادية وسياسية متى يمكن أن نصل إلى حل؟

ج: الحقيقة، إنّ المشكلة الأساس التي أسهمت في حصول هذا الانهيار هو الاطباق الكامل والسيطرة والهيمنة الكاملة التي أصبح عليها لبنان ودولته، والتي يمارسها حزب الله والاحزاب المتحالفة معه. والحقيقة انّه، وعلى مدى السنوات العشر الماضية، ومنذ العام 2011، فإنّ لبنان أصبح يعاني من هيمنة كاملة على دولته وإداراته ومؤسساته وأجهزته العسكرية والأمنية، وعلى قراره الحر من قبل حزب الله. وهذا بالتالي هو الذي أصبح يمنع الدولة اللبنانية من أن تمارس قرارها الحر، ويحول دون أن تتمكن من أن تعالج مشكلاتها المتجذرة. إذ أنّ لبنان، وبدلاً من أن يعمل على النهوض بدولته، ويجهد من أجل تعزيز نظام العيش المشترك فيه، وتعزيز نظامه الديموقراطي البرلماني، فإنّه وبدلاً من ذلك، فقد حصل العكس من ذلك. إذ أصبح لبنان يشكو من تخريب كامل لنظامه الديمقراطي البرلماني، وذلك من خلال السياسات والممارسات والأدوات التي اعتمدها حزب الله من أجل زيادة سيطرته على الدولة اللبنانية. وهذا ما أصبح يتيح له أن يمنع اتخاذ أي قرار في الحكومة اللبنانية، وحتى في المجلس النيابي، لا يناسب حزب الله. وبالتالي هذا ما نراه اليوم في لبنان من آثار هذا الإطباق الكامل من قبل حزب الله ومن ورائه إيران على لبنان ككل. إذ أنّ إيران أصبحت تقول بصريح العبارة- وهي لا تنفي ذلك- أنّ لديها السيطرة على أربع دول عربية، وهي العراق وسوريا ولبنان واليمن. هذه الممارسات التي تقوم بها إيران وحزب الله أسهمت إسهاماً أساسياً في هذا الانحدار الخطير للأوضاع العامة التي وصل إليها لبنان. ومن ذلك، الانهيار الكبير في الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المترديّة، ولاسيما من خلال الانهيار الكبير الحاصل في سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي.

هناك من يقول بأنّ لبنان دولة مفلسة، وهذا حتى الآن غير صحيح. إذْ أنّ لبنان يعاني من مشكلة نقدية، ومشكلة سيولة. كما وأنه، يعاني من انخفاض كبير في قيمة موجوداته بسبب الوضع الذي أصبح عليه لبنان، ولكن هذا لا يعني أن لبنان قد أصبح مفلساً أو أنّه قد أعلن إفلاسه.

كما تعلم، أنّ الخزينة العامة للدولة- لأي دولة- كما هو معلوم لدى الجميع، هي جيوب رعاياها، وبالتالي تستطيع الدولة عندما تكون قوية وواعية لما يحتاجه ابناؤها أن تسهم في استعادة الثقة، وبالتالي أن تصبح الدولة قادرة على خلق القيم الجديدة (Create Value)، والإضافية ‏التي أيضاً تجعل من موجوداتها ذات قيمة أكبر وتجعل من الدولة اللبنانية قادرة على أن تخلق new added value كقيمة مضافة أساسية تستطيع على أساس منها أن تعالج مشكلاتها في المستقبل.

إذا الوضع الذي نحن فيه الآن هو بجوهره هو سياسي بشكل أساسي وأيضاً إداري، ولبنان بالتالي بحاجة إلى إدارة حازمة وقوية وبحاجة إلى قرارات واضحة وجريئة لمعالجة المشكلات التي يعاني منها لبنان. وهو بحاجة إلى قيادة حكيمة ومتبصرة وقوية وراشدة تستطيع أن تأخذ القرارات الصعبة والصحيحة لأنّ كل يوم يمر على لبنان من دون ان تتخذ القرارات الصحيحة يتأتى عن ذلك أكلافاً وأوجاعاً يتحملها لبنان ويتحملها اللبنانيون. وبالتالي، ولتجنب هذا الأمر، ولوقف هذا الانهيار، فإنّ لبنان بحاجة إلى إرادة وطنية وسياسية قوية تكون على مستوى التحديات.

نحن الآن نمر بمرحلة مفصلية فيها انتخابات نيابية جديدة، حيث سيصار إلى إجراء الانتخابات النيابية خلال منتصف الشهر القادم، ونحن لانزال في مطلع شهر نيسان. وبعد هذه الانتخابات النيابية ستكون هناك انتخابات رئاسية، وأعتقد أنّه على لبنان واللبنانيين أن يستخلصوا كل الدروس المستفادة من التجارب الماضية التي كانت بالفعل في معظمها تجارب سيئة اودت بلبنان إلى هذا الوضع. وعليهم أن يبادروا إلى القيام بما ينبغي القيام به لاعتماد الخيارات الصحيحة في الانتخابات النيابية، وبما يؤكد على استرجاع الدولة اللبنانية التي أصبحت مخطوفة من قبل حزب الله، وأن يشدّدوا على احترام الدستور، وكذلك التنبه إلى أن يصار إلى قيام المجلس النيابي المنتخب الجديد باختيار الرئيس الرؤيوي والمرتفع الذي يحترم ويحافظ على الدستور، ويستطيع ان يجمع اللبنانيين نحو ما ينفعهم، ويؤمن لهم الاستقرار والعيش الكريم في المستقبل.

نحن نعتقد أن من خلال هذه الانتخابات القادمة سوف تكون بداية لمرحلة جديدة على الرغم من كل المشكلات التي من الممكن أن نعاني منها أو قد نشهدها. وأعتقد أنه سوف تكون هناك فرصة من أجل العمل الدؤوب لاستعادة سيادة لبنان واستقلاله وحرياته، وكذلك العمل من أجل أن يستعيد لبنان عافيته الاقتصادية بالتعاون مع صندوق النقد الدولي من خلال البرنامج الذي ينبغي ان يصار إلى البدء بتنفيذه وأيضاَ من خلال التعاون مع الأشقاء العرب الذين هم السند الحقيق والمجال الحيوي للبنان المستقبل، وأيضاً مع أصدقاء لبنان في العالم.

س: أنت كرئيس سابق لبنان هو في الشرق الاوسط هو بلد مهم جداَ، مستقبلياً أين أنت ترى لبنان؟

ج: لقد استطاع لبنان خلال العقود الماضية من أن يبني قاعدة اقتصادية متلائمة مع طبيعة أوضاعه وظروفه وجغرافيته وطبيعة أبنائه الذين جُبِلوا على الحرية والانفتاح. وهو بالفعل كان يعتمد على قدراته وميزاته التفاضلية والتنافسية وجواذبه التي يستطيع البناء عليها، ليستطيع أن يكون للبنان دوراً أساسياً وحيوياً في محيطه العربي. ولكن، ومما لا شك في أنّه وخلال هذه السنوات الماضية طرأت تطورات ومتغيرات في وعلى المنطقة العربية، وحصلت أحداث وصدمات سلبية كبرى على لبنان نالت الكثير منه ومن اقتصاده الوطني، بحيث أن لبنان بالفعل فَقَدَ جزءاً من ميزاته التفاضلية التي كان يتمتع بها اكان في قطاع الخدمات أو الاستشفاء أو التعليم أو السياحة أو حتى في مجال التقنيات الجديدة. ولكن هذا الامر لا يمنع حقيقة أساسية، وهي أنّ لبنان لايزال يتمتع بكفاءات وحيوية عالية متوفرة لدى اللبنانيين في لبنان، وكذلك المنتشرين في العالم. ولكن المشكلة أنّ لبنان كان ولايزال يفتقر إلى الاستقرار السياسي، ويفتقر أيضاً إلى القيادة السياسية الحكيمة التي تستطيع أن تجمع اللبنانيين لا ان تفرقهم.

لقد اصيب لبنان خلال هذه السنوات الماضية، ولاسيما خلال العقد الماضي بتدهور كبير في مستوى الكفاءات الموجودة لدى الكثير من الفئات والقيادات السياسية في لبنان، ولاسيما بسبب استتباعها من قبل قوى خارجية، ولاسيما من قبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وأيضاً بسبب المطامح والأطماع الصغيرة لبعض السياسيين، وهو مما حال دون تمكن لبنان من أن يحقق الاستقرار بكافة أشكاله الذي يحتاجه.

لبنان بالفعل يحتاج فعلياً الى استقرار داخلي، واستقرار وممارسة وطنية وسياسية صحيحة من قبل الجميع، وذلك يكون بضرورة العودة الحازمة إلى احترام الدستور والقوانين واحترام استقلالية القضاء، وأيضاً احترام قواعد الكفاءة والجدارة في التعيينات في جميع المناصب والمواقع الإدارية في الدولة.

كما تجدر الإشارة أيضاً إلى أنّ لبنان، وخلال هذه الفترة الماضية خسر جزءاً هاماً من مميزاته التي كان يتمتع فيها، والمتعلقة بالحفاظ على التوازنات الصحيحة الخارجية، والتي كانت تؤهله لكي يكون على علاقة جيدة مع اشقائه العرب ومع أصدقائه في العالم. وهذا يقتضي منه الآن أن يحترم- وبشكل واضح- القرارات الدولية، ولاسيما تلك القرارات التي صدرت بشأن لبنان، وتحديداً القرارات 1559 و1680 و1701.

هذه القرارات ينبغي على الحكومات اللبنانية أن تسعى جهدها من أجل التقدم على مسارات تطبيقها لأن ذلك يحقق ويعزز الاستقرار الداخلي في لبنان ولاسيما السياسي والاقتصادي، وأيضاً يسهم في استعادة العافية الاقتصادية والمالية والنقدية، ويعزز فُرَصِهِ في تحقيق النمو.

لا شكّ أن الانهيار الذي جرى للعملة اللبنانية كان له أثر كبير على الأوضاع الاجتماعية والمعيشية، وأثر على الأوضاع الاقتصادية والمالية. الآن هذا التحدي يجب أن يقابل بمواقف جدية وحازمة من قبل الحكومة اللبنانية والسياسيين اللبنانيين على المستوى التي تقتضيه هذه المعالجات. 

تاريخ الخبر: 
07/04/2022